الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ قَطْعَ الطَّرِيقِ وَذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ سَوَاءٌ حَصَلَ قَتْلٌ أَوْ أَخْذُ مَاٍل فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَعَهُ قَتْلٌ أَوْ جَرْحٌ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/33] الآيَةَ، وَفِى ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِعُظْمِ ذَنْبِ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ إِخَافَةَ السَّبِيلِ فَقَطْ فَيُعَزَّرُ بِحَبْسٍ أَوْ تَغْرِيبٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرَاهُ الإِمَامُ.

وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الإِخَافَةِ بِلا قَتْلٍ وَلا جَرْحٍ فَبِقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلافٍ بِأَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فَإِنْ عَادَ فَيَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ الَّذِى يَأْخُذُهُ نِصَابَ سَرِقَةٍ أَىْ رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبٍ. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَالْقَتْلِ فَعُقُوبَتُهُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ وَيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبَ أَىْ يُعَلَّقَ عَلَى خَشَبَةٍ مُعْتَرِضَةٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِلَّا أُنْزِلَ، وَقِيلَ يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُطْعَنُ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ يُدْفَنُ. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ بِلا أَخْذِ مَالٍ فَعُقُوبَتُهُ بِالْقَتْلِ بِلا صَلْبٍ وَلا يَسْقُطُ هَذَا الْقَتْلُ بِعَفْوِ الْوَلِىِّ.

وَأَمَّا أَعْوَانُ الْقُطَّاعِ فَيُعَزَّرُونَ كَمَا هُوَ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ مَعْصِيَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فَيَفْعَلُ الإِمَامُ بِهِمْ مَا يَرَى مِنَ التَّعْزِيرِ إِمَّا حَبْسٌ وَإِمَّا ضَرْبٌ وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَرْكَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ [قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ عَبْدُ اللَّهِ الْهَرَرِىُّ أَنَا لا أَرَى هَذَا مِنَ الْكَبَائِرِ] سَوَاءٌ كَانَ النَّذْرُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ وَهُوَ الَّذِى يَنْذُرُ بِلا تَعْلِيقٍ بِشَىْءٍ مِمَّا هُوَ قُرْبَةٌ، أَوْ نَذْرًا مَعَ التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُولِ مَرْغُوبٍ كَحُدُوثِ نِعْمَةٍ أَوْ زَوَالِ نِقْمَةٍ، أَوْ نَذْرَ لَجَاجٍ وَاللَّجَاجُ هُوَ الْخُصُومَةُ كَأَنْ يَقُولَ إِنْ كَلَّمْتُ فُلانًا فَلِلَّهِ عَلَىَّ عِتْقٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ صَلاةٌ مَثَلًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَنَذْرُ اللَّجَاجِ مَكْرُوهٌ لا يُحِبُّه اللَّهُ. أَمَّا النَّذْرُ الَّذِى مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَفَاءَ بِهِ فَهُوَ النَّذْرُ الَّذِى يَكُونَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ بِشَىْءٍ.

وَشَرْطُ النَّذْرِ الَّذِى يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ قُرْبَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ فَلا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْقُرْبَةِ الْوَاجِبَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلا نَذْرُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَفِيهِ تَفَاصِيلُ مَذْكُورَةٌ فِى كُتُبِ الْفِقْهِ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمَبْسُوطَةِ.

فَمَنْ نَذَرَ صَلاةً فَيَكْفِيهِ أَنْ يُصَلِّىَ رَكْعَةً [لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ رَكْعَةُ الْوِتْرِ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْعَدَدَ إِنَّمَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّىَ لِلَّهِ نَفْلًا إِنْ شَاءَ يُصَلِّى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَالصِّيَامُ كَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُحَدِّدْ فِى نَذْرِهِ يَكْفِى صَوْمُ يَوْمٍ فَإِنْ حَدَّدَ يَأْتِى بِالْعَدَدِ الَّذِى ذَكَرَهُ] وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا يَكْفِيهِ صَوْمُ يَوْمٍ.

وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ خَرُوفًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَمْ يُحَدِّدْ كَمْ عُمُرُ هَذَا الْخَرُوفِ يَذْبَحُ خَرُوفًا عُمُرُهُ سَنَةً أَوْ أَسْقَطَ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهِ وَلَيْسَ لِلنَّاذِرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ نَذْرِهِ الَّذِى نَذَرَهُ وَلا أَنْ يُطْعِمَ أَوْلادَهُ الأَطْفَالَ مِنْهُ لا يُطْعِمُ إِلَّا الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ.

فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَلا نَذْرُ مُبَاحٍ أَىْ مَا يَسْتَوِى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَلا يَلْزَمُ الْفِعْلُ أَىِ الْوَفَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْبَةً [مَنْ نَذَرَ أَنْ يَأْكُلَ التَّمْرَ لا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ لا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَلا هُوَ سُنَّةٌ لا يَثْبُتُ نَذْرُهُ مِثْلُ الَّذِى يَنْذُرُ أَنْ يَشْرَبَ الشَّاىَ أَوْ أَنْ لا يَشْرَبَهُ هَذَا لا يَثْبُتُ لِأَنَّ شُرْبَ الشَّاىِ لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ. أَمَّا مَنْ نَذَرَ شُرْبَ مَاءِ زَمْزَمَ يَثْبُتُ نَذْرُهُ]. قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ »مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

وَقَدْ يَكُونُ النَّذْرُ شِرْكًا وَكُفْرًا كَمَا لَوْ نَذَرَ شَخْصٌ لِوَلِىٍّ أَوْ وَلِيَّةٍ تَقَرُّبًا إِلَى ذَلِكَ الْوَلِىِّ أَوْ تِلْكَ الْوَلِيَّةِ لَيْسَ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلِ النَّذْرُ لَهُمَا بِنِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْوَلِىَّ أَوْ هَذِهِ الْوَلِيَّةَ يَقْضِى الْحَاجَاتِ وَيُفَرِّجُ الْكُرُبَاتِ نَاسِيًا اللَّهَ تَعَالَى، مَا خَطَرَ بِبَالِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ، فَهَذَا النَّذْرُ فَاسِدٌ وَبَاطِلٌ وَكُفْرٌ.

وَأَمَّا النَّذْرُ لِلأَوْلِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ كَالأَوْزَاعِىِّ وَالسَّيِّدَةِ زَيْنَبَ فَإِنْ كَانَ هَذَا النَّذْرُ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالتَّصَدُّقِ عَنْ رُوحِ الأَوْزَاعِىِّ مَعَ رَجَاءِ أَنْ يَقْضِىَ اللَّهُ حَاجَتَهُ بِبَرَكَةِ هَذَا الْخَيْرِ الَّذِى فَعَلَهُ فَلا بَأْسَ فَإِنْ كَانَ النَّذْرُ خَرُوفًا يَنْوِى أَنَّهُ يُطْعِمُ لَحْمَهُ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ هُنَاكَ أَوِ الْخَادِمِ الَّذِى يَرْعَى الْمَقَامَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ مَعَ نِيَّةِ أَنْ يَقْضِىَ اللَّهُ حَاجَتَهُ فَإِنَّ هَذَا لا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا تَعْظِيمُ هَذَا الْوَلِىِّ فَلا يَصِحُّ هَذَا النَّذْرُ.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ نَذْرُهُمْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لا يَخْطُرُ بِبَالِهِمُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِالتَّصَدُّقِ عَنْ رُوحِ هَذَا الْوَلِىِّ إِلَّا تَعْظِيمُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ لَهَا خُصُوصِيَّةً فِى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَهَذَا النَّذْرُ شَبِيهٌ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ.

وَمَنْ نَذَرَ شَيْئًا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ نَسِىَ مَا هُوَ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ. وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ هَلْ نَذَرَ قِرَاءَةَ الْقُرْءَانِ أَوْ التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ مَثَلًا يَنْتَظِرُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ. وَأَمَّا مَنْ شَكَّ هَلْ نَذَرَ صَلاةَ مِائَةِ رَكْعَةٍ أَوْ أَلْفِ رَكْعَةٍ فَيَفْعَلَ الأَقَلَّ وَلا يَلْزَمُهُ الأَكْثَرُ. ثُمَّ إِنَّ تَنْفِيذَ النَّذْرِ عَلَى التَّرَاخِى وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ إِلَّا أَنْ حَدَّدَ وَقْتًا فَفِى الْوَقْتِ الَّذِى حَدَّدَهُ.

وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَىْءٍ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، أَهْلُهُ يُخْرِجُونَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَيُنَفِّذُونَ هَذَا النَّذْرَ لِأَنَّ هَذَا صَارَ دَيْنَ اللَّهِ كَالَّذِى وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يُزَّكِّ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ.

وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مِنْ أَنَّ النَّبِىَّ نَهَى عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ »إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُ« قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ مَا نَصُّهُ »قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ فِى النِّهَايَةِ تَكَرُّرُ النَّهْىِ عَنِ النَّذْرِ فِى الْحَدِيثِ هُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرٌ عَنِ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ حَتَّى لا يُفْعَلَ لَكَانَ فِى ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذْ كَانَ بِالنَّهْىِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلا يَلْزَمُ،

وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لا يَجُرُّ لَهُمْ فِى الْعَاجِل نَفْعًا وَلا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضُرًّا وَلا يُغَيِّرُ قَضَاءً فَقَالَ لا تَنْذُرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ أَوْ تَصْرِفُوا بِهِ عَنْكُمْ مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكُمْ فَإِذَا نَذَرْتُمْ فَاخْرُجُوا بِالْوَفَاءِ فَإِنَّ الَّذِى نَذَرْتُمُوهُ لازِمٌ عَلَيْكُمْ، انْتَهَى كَلامُهُ وَنَسَبَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ لِلْخَطَّابِىِّ وَأَصْلُهُ مِنْ كَلامِ أَبِى عُبَيْدٍ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِر فِى كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فَقَالَ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ وَجْهُ النَّهْىِ عَنِ النَّذْرِ وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَأْثَمًا وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُوَفَّى بِهِ وَلا حُمِدَ فَاعِلُهُ وَلَكِنْ وَجْهُهُ عِنْدِى تَعْظِيمُ شَأْنِ النَّذْرِ وَتَغْلِيظُ أَمْرِهِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِهِ فَيُفَرَّطَ فِى الْوَفَاءِ بِهِ وَيُتْرَكَ الْوَفَاءُ بِهِ وَيُتْرَكَ الْقِيَامُ بِهِ،

ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ فِى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمَازِرِىُّ بِقَوْلِهِ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ الْغَرَضَ بِهَذَا الْحَدِيثِ التَّحَفُّظُ فِى النَّذْرِ وَالْحَضُّ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ قَالَ وَهَذَا عِنْدِى بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِى أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاذِرَ يَأْتِى الْقُرْبَةَ مُسْتَثْقِلًا لَهَا لِمَا صَارَتْ عَلَيْهِ ضَرْبَةَ لازِبٍ [وَاللَّازِبُ أَيْضًا الثَّابِتُ تَقُولُ صَارَ الشَّىْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ وَهُوَ أَفْصَحُ مِنَ اللَّازِمِ] وَكُلُّ مَلْزُومٍ فَإِنَّهُ لا يَنْشَطُ لِلْفِعْلِ نَشَاطَ مُطْلَقِ الِاخْتِيَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَنَّ النَّاذِرَ لَمَّا لَمْ يَنْذُرِ الْقُرْبَةَ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ مَا يُرِيدُ صَارَ كَالْمُعَاوَضَةِ الَّتِى تَقْدَحُ فِى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ قَالَ وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ »إِنَّهُ لا يَأْتِى بِخَيْرٍ« وَقَوْلُهُ »إِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ ءَادَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ «وَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ اهـ.

وَالِاحْتِمَالُ الأَوَّلُ يَعُمُّ أَنْوَاعَ النَّذْرِ وَالثَّانِى يَخُصُّ نَوْعَ الْمُجَازَاةِ وَزَادَ الْقَاضِى عِيَاضٌ وَيُقَالُ إِنَّ الإِخْبَارَ بِذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الإِعْلامِ مِنْ أَنَّهُ لا يُغَالِبُ الْقَدَرَ وَلا يَأْتِى الْخَيْرُ بِسَبَبِهِ وَالنَّهْىُ عَنِ اعْتِقَادِ خِلافِ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِى ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ قَالَ وَمُحَصَّلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مُبَاحٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مُؤَبَّدًا لِتَكَرُّرِهِ عَلَيْهِ فِى أَوْقَاتٍ فَقَدْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَيَفْعَلُهُ بِالتَّكَلُّفِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ وَمِنْ غَيْرِ خَالِصِ النِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ، قَالَ وَهَذَا أَحَدُ مُحْتَمِلاتِ قَوْلِهِ »لا يَأْتِى بِخَيْرٍ« أَىْ أَنَّ عُقْبَاهُ لا تُحْمَدُ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ.

وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ لا يَكُونُ سَبَبًا لِخَيْرٍ لَمْ يُقَدَّرْ، كَمَا فِى الْحَدِيثِ وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ الأَخِيرِ صَدَّرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيد كَلامَهُ فَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأَنَّهُ قَالَ لا يَأْتِى بِسَبَبِ خَيْرٍ فِى نَفْسِ النَّاذِرِ وَطَبْعِهِ فِى طَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَيْرٌ وَهُوَ فِعْلُ الطَّاعَةِ الَّتِى نَذَرَهَا لَكِنْ سَبَبُ ذَلِكَ الْخَيْرِ حُصُولُ غَرَضِهِ.

وَقَالَ النَّوَوِىُّ مَعْنَى قَوْلِهِ »لا يَأْتِى بِخَيْرٍ« أَنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى.

تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ لا يَأْتِى كَذَا لِلأَكْثَرِ وَوَقَعَ فِى بَعْضِ النُّسَخِ لا يَأْتِ بِغَيْرِ يَاءٍ وَلَيْسَ بِلَحْنٍ لِأَنَّهُ قَدْ سُمِعَ نَظِيرُهُ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ وَقَالَ الْخَطَّابِىُّ فِى الإِعْلامِ هَذَا بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ غَرِيبٌ وَهُوَ أَنْ يُنْهَى عَنْ فِعْلِ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فُعِلَ كَانَ وَاجِبًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِىٍّ السِّنْجِىُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِىِّ أَنَّ النَّذْرَ مَكْرُوهٌ [أَىْ فِى غَيْرِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ] لِثُبُوتِ النَّهْىِ عَنْهُ وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُمْ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيد وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِىِّ إِلَى الْخِلافِ عَنْهُمْ وَالْجَزْمِ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ قَالَ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ طَاعَةً مَحْضَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ خَالِصَ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا ضَرَرًا بِمَا الْتَزَمَهُ،

وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِالْكَرَاهَةِ وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ فِى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِى صِحَّتِهَا وَقَالَ التِّرْمِذِىُّ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ كَرَاهَةَ النَّذْرِ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِى هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ وَفِى الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ كَرِهُوا النَّذْرَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَعْنَى الْكَرَاهَةِ فِى النَّذْرِ فِى الطَّاعَةِ وَفِى الْمَعْصِيَة فَإِنْ نَذَرَ الرَّجُلُ فِى الطَّاعَةِ فَوَفَّى بِهِ فَلَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَيُكْرَهُ لَهُ النَّذْرُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيد وَفِيهِ إِشْكَالٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَإِنَّهُ تَقْتَضِى أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الطَّاعَةِ طَاعَةٌ كَمَا أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالنَّذْرُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْتِزَام الْقُرْبَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ فَحُمِلَ النَّهْىُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ نَذْرِ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِى الدَّمِ فِى شَرْحِ الْوَسِيطِ الْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ خِلافُ الأَوْلَى وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ كَذَا قَالَ وَنُوزِعَ بِأَنَّ خِلافَ الأَوْلَى مَا انْدَرَجَ فِى عُمُومِ نَهْىٍ وَالْمَكْرُوهُ مَا نُهِىَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْىُ عَنِ النَّذْرِ بِخُصُوصِهِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا. وَإِنِّى لَأَتَعَجَّبُ مِمَّنِ انْطَلَقَ لِسَانُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مَعَ ثُبُوتِ الصَّرِيحِ عَنْهُ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَمِمَّنْ بَنَى عَلَى اسْتِحْبَابِهِ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ إِنَّ الأَصَحَّ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنَّذْرِ فِى الصَّلاةِ لا يُبْطِلُهَا لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ فَأَشْبَهَ الدُّعَاءَ اهـ وَإِذَا ثَبَتَ النَّهْىُ عَنِ الشَّىْءِ مُطْلَقًا فَتَرْكُ فِعْلِهِ دَاخِلَ الصَّلاةِ أَوْلَى فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَأَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلامُ هَؤُلاءِ نَذْرُ التَّبَرُّرِ الْمَحْضِ بِأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَىَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ [لا] عَلَى الْمُجَازَاةِ.

وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْىَ عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْقِيَامِ بِمَا الْتَزَمَهُ، حَكَاهُ شَيْخُنَا فِى شَرْحِ التِّرْمِذِىِّ، وَلِمَا نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَةَ النَّذْرِ، وَعَنِ الْقَاضِى حُسَيْنٍ وَالْمُتَوَلِّى بَعْدَهُ وَالْغَزَالِىِّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى مَنْ وَفَّى بِهِ وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْقُرْبَةِ فَيَكُونُ قُرْبَةً، قَالَ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُقَالَ الَّذِى دَلَّ الْخَبَرُ عَلَى كَرَاهَتِهِ نَذْرُ الْمُجَازَاةِ، وَأَمَّا نَذْرُ التَّبَرُّرِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ لِأَنَّ لِلنَّاذِرِ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا وَهُوَ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ وَهُوَ فَوْقَ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ اهـ.

وَجَزَمَ الْقُرْطُبِىُّ فِى الْمُفْهِمِ بِحَمْلِ مَا وَرَدَ فِى الأَحَادِيثِ مِنَ النَّهْىِ عَلَى نَذْرِ الْمُجَازَاةِ فَقَالَ هَذَا النَّهْىُ مَحَلُّهُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِى فَعَلَىَّ صَدَقَةُ كَذَا وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعْلَ الْقُرْبَةِ الْمَذْكُورَ عَلَى حُصُولِ الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لَهُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِمَا صَدَرَ مِنْهُ بَلْ سَلَكَ فِيهَا مَسْلَكَ الْمُعَاوَضَةِ، وَيُوضِحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْفَ مَرِيضُهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِمَا عَلَّقَهُ عَلَى شِفَائِهِ وَهَذِهِ حَالَةُ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ لا يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ يَزِيدُ عَلَى مَا أَخْرَجَ غَالِبًا وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِى الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ» وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ« مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُخْرِجُهُ. قَالَ وَيَنْضَمُّ إِلَى هَذَا اعْتِقَادُ جَاهِلٍ يَظُنُّ أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ حُصُولَ ذَلِكَ الْغَرَضِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَعَهُ ذَلِكَ الْغَرَضَ لِأَجْلِ ذَلِكَ النَّذْرِ وَإِلَيْهِمَا الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِى الْحَدِيثِ أَيْضًا [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] »فَإِنَّ النَّذْرَ لا يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا« اهـ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ »ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِىُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ حَمْلَ النَّهْىِ الْوَارِدِ فِى الْخَبَرِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالَ الَّذِى يَظْهَرُ لِى أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِى حَقِّ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ فَيَكُونُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا، وَالْكَرَاهَةِ فِى حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اهـ.

وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ رَاوِى الْحَدِيثِ فِى النَّهْىِ عَنِ النَّذْرِ فَإِنَّهَا فِى نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِىُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [سُورَةَ الإِنْسَان/7] قَالَ كَانُوا يَنْذُرُونَ طَاعَةَ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمِمَّا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ أَبْرَارًا وَهَذَا صَرِيحٌ فِى أَنَّ الثَّنَاءَ وَقَعَ فِى غَيْرِ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ وَكَأَنَّ الْبُخَارِىَّ رَمَزَ فِى التَّرْجَمَةِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِذَلِكَ وَقَدْ يُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِالْبَخِيلِ أَنَّ الْمَنْهِىَّ عَنْهُ مِنَ النَّذْرِ مَا فِيهِ مَالٌ فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ الْمُجَازَاةِ لَكِنْ قَدْ يُوصَفُ بِالْبُخْلِ مَنْ تَكَاسَلَ عَنِ الطَّاعَةِ كَمَا فِى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ» الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَىَّ« أَخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ [فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ] وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِى شَرْحِ التِّرْمِذِىِّ.

ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِىُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِ الْمُجَازَاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ »مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فَلْيُطِعْهُ «[رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُعَلَّقِ وَغَيْرِهِ. انْتَهَى.

وَالِاتِّفَاقُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسَلَّمٌ لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ الْمُعَلَّقِ نَظَرٌ« اهـ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْوِصَالُ فِى الصَّوْمِ وَهُوَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ بِلا تَنَاوُلِ مُفَطِّرٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ تَنَاوُلِ مَطْعُومٍ عَمْدًا بِلا عُذْرٍ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُ الْوِصَالُ فِى الصَّوْمِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ »وَأَيُّكُمْ مِثْلِى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِى« مَعْنَاهُ يُجْعَلُ فِىَّ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ءَاكُلَ وَهَذَا مُؤَقَّتٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَلَيْسَ شَدَّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ فِى بَعْضِ الْحَالاتِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَخْذُ مَجْلِسِ غَيْرِهِ أَوْ زَحْمَتُهُ الْمُؤْذِيَةُ أَوْ أَخْذُ نَوْبَتِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَأْخُذَ مَجْلِسَ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا إِذَا سَبَقَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَارِعٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلذِّمِّىِّ الْوُقُوفُ فِى الشَّارِعِ وَلَوْ وَسَطَهُ وَالْجُلُوسُ بِهِ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ مَثَلًا إِنِ اتَّسَعَ وَلَمْ يُضَيِّقْ بِذَلِكَ عَلَى الْمَارَّةِ كَأَنْ كَانَ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِى، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الإِمَامِ أَىِ الْخَلِيفَةِ أَوْ لا، وَلَكِنْ إِنْ نَشَأَ مِنْ نَحْوِ وُقُوفِهِ ضَرَرٌ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَالِانْصِرَافِ.

وَلِلْجَالِسِ فِى الشَّارِعِ أَنْ يُظَلِّلَ بِمَا لا يَضُرُّ وَيَخْتَصَّ بِمَحَلِّ أَمْتِعَتِهِ وَمُعَامِلِيهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِزْعَاجُهُ مِنْهُ، وَلا يَجُوزُ أَيْضًا لِغَيْرِهِ زَحْمَتُهُ الْمُؤْذِيَةُ لَهُ فِيهِ وَلَوْ بِغَيْرِ الْجُلُوسِ فَلَهُ مَنْعُ وَاقِفٍ مَنَعَ رُؤْيَتَهُ أَىْ رُؤْيَةَ النَّاسِ لَهُ أَوْ وُصُولَ مُعَامِلِيهِ إِلَيْهِ لا مَنْ قَعَدَ لِبَيْعِ مِثْلِ مَتَاعِهِ إِذَا لَمْ يَزْحَمْهُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ أَىْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ شَخْصًا ءَاخَرَ قَعَدَ لِيَبِيعَ مِثْلَ مَتَاعِهِ إِنْ لَمْ يُزَاحِمْهُ عَلَى مَحَلِّهِ.

فَائِدَةٌ رَوَى مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ» مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ« فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّابِقَ لِمَحَلٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ لِصَلاةٍ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُفَارِقَهُ [وَهَذَا الْحُكْمُ فِى الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ لا فِى مَكَانٍ مَمْلُوكٍ لِإِنْسَانٍ كَبَيْتِهِ فَإِنَّهُ يُقْعِدُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ حَيْثُ يَشَاءُ] فَإِنْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ كَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ وَإِجَابَةِ دَاعٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَنَوَى الْعَوْدَةَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ نَعَمْ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَالْوَجْهُ أَىِ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ سَدُّ الصَّفِّ وَلا عِبْرَةَ بِوَضْعِ سَجَّادَتِهِ قَبْلَ حُضُورِهِ فَلِغَيْرِهِ تَنْحِيَتُهَا،

وَيَحْرُمُ فَرْشُهَا خَلْفَ الْمَقَامِ فِى مَكَّةَ وَفِى الرَّوْضَةِ الْمُكَرَّمَةِ لِأَنَّ فِيهِ تَحْجِيرَ الْمَحَلِّ الْفَاضِلِ، وَكَذَا يَحْرُمُ الْجُلُوسُ خَلْفَ الْمَقَامِ لِغَيْرِ دُعَاءٍ مَطْلُوبٍ وَصَلاةِ سُنَّةِ الطَّوَافِ إِنِ احْتَاجَ غَيْرُهُ لِلصَّلاةِ فِيهِ أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَقِفَ هُنَاكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطِيلَ فِى قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَالصَّلاةِ. وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مَجْلِسَ غَيْرِهِ فِى بَيْتِ شَخْصٍ فِى أَثْنَاءِ مَجْلِسِ عِلْمٍ يُعْطَى فِى هَذَا الْبَيْتِ فَلَيْسَ حَرَامًا إِلَّا أَنْ كَانَ صَاحِبُ الْبَيْتِ لا يَرْضَى بِذَلِكَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ شَخْصٌ يَمْلِكُ فُرْنًا لِلْخُبْزِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ فِى الْبَيْعِ وَيُؤَخِّرَ مَنْ شَاءَ.

وَالسَّابِقُ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ لِيَسْكُنَهُ وَتَحَقَّقَ فِيهِ شَرْطُ سَاكِنيهِ أَحَقُّ بِهِ إِنْ أَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ أَىْ نَاظِرُ الْوَقْفِ مَا لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ أَوْ تَطُلْ غَيبَتُهُ وَإِلَّا فَمَنْ بَعْدَهُ أَحَقُّ بِهِ.

وَالسَّابِقُ إِلَى مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ مُبَاحٍ لَمْ يَتَّسِعْ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ اثْنَانِ مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَلا يُقَدَّمُ الأَحَقُّ إِلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ عُرْفًا بِالنِّسْبَةِ لِأَمْثَالِهِ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ كَالْمَاءِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا أَوْ طَالَ مُقَامُهُ وَضَيَّقَ عَلَى غَيْرِهِ أُزْعِجَ لِشِدَّةِ الْحَاجِةِ وَعُمُومِ النَّيْلِ بِخِلافِ مَقَاعِدِ السُّوقِ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ.

وَأَمَّا الْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ كَالأَنْهَارِ فَالنَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ وَتُقَدَّمُ حَاجَةُ بَهِيمَةٍ لِاسْتِعْمَالٍ عَلَى حَاجَةِ زَرْعٍ، وَإِذَا أَرَادَ قَوْمٌ سَقْىَ أَرَاضِيهِمْ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ فَإِمَّا أَنْ يَتَّسِعَ فَيَسْقِىَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَتَى شَاءَ أَوْ لا يَتَّسِعَ فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِمْ سَقَى الْمُحْيِى أَوَّلًا فَأَوَّلَ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ وَقَعَ إِحْيَاؤُهُ بَعْدَهُ أَخْذُ نَوْبَتِهِ فَإِنْ أَحْيَوْا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ أَحْيَى كَمَا إِذَا جَاءَ اثْنَانِ إِلَى مَاءٍ مُبَاحٍ مُرَتَّبَيْنِ وَضَاقَ عَنْهُمَا قُدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ. وَمِثْلُ الْمِيَاهِ غَيْرُهَا مِنَ الْمَعَادِنِ فَلا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الِاسْتِيلاءُ عَلَى نَوْبَةِ ذِى النَّوْبَةِ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ.

تَنبِيهٌ لا يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ مِمَّنْ يَرْتَفِقُ بِالشَّارِعِ أَىْ يَنْتَفِعُ بِهِ بِنَحْوِ الْمُعَامَلَةِ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْعِ بَعْضِهِ فِسْقٌ وَضَلالٌ لِأَنَّ هَذَا حَقُّ الْعُمُومِ فَكَيْفَ يَأْكُلُ عَلَيْهِ شَخْصٌ أُجْرَةً أَوْ يَبِيعُهُ لِغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لا أَدْرِى بِأَىٍّ وَجْهٍ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ اهـ.