وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يَحْصُلُ فِى مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ فِى مَوْسِمِ الزِّيَارَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا كَرَاهَةَ فِيهِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ جَوَازُ الْمَبِيتِ فِيهَا لِلْغَرِيبِ وَلِغَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَبِيتُ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ، كَانَ يَنَامُ فِى الْمَحَلِّ الَّذِى يُصَلَّى فِيهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فِى الْمَسْجِدِ بِحَدِيثِ الدُّنْيَا الَّذِى لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ كَغِيبَةِ الْمُسْلِمِ فَيَجُوزُ وَلا يُذْهِبُ شَيْئًا مِنَ الثَّوَابِ، وَقَدْ وَضَعَ الْكَذَّابُونَ حَدِيثَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا أَصْلَ لَهُمَا أَحَدُهُمَا الْكَلامُ فِى الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ [قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى إِتْحَافِ السَّادَةِ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِىُّ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ اهـ].
هَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعْنَاهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْكَلامَ فِى الْمَسْجِدِ حَصَلَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمَا لَيْسَ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلا تَعْلِيمَ عِلْمٍ فَفِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَحَدُهُمَا لَهُ دَيْنٌ عَلَى الآخَرِ فَتَقَاضَاهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا وَصَاحِبُ الدَّيْنِ اسْمُهُ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ لِصَاحِبِ
الدَّيْنِ »يَا كَعْبُ« وَأَشَارَ لَهُ إِشَارَةً أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ نِصْفَ الدَّيْنِ. وَالشَّاهِدُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا كلامَهُمَا فِى الْمَسْجِدِ فِى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُمْ وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ نَأْخُذُ حُجَّةً عَلَى جَوَازِ الْكَلامِ فِى الْمَسْجِدِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَرَامٍ إِنَّمَا الْحَرَامُ مَا كَانَ حَرَامًا مِنَ الْكَلامِ فِى غَيْرِ الْمَسْجِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ هَذَا الْكَلامُ يَحْصُلُ بِهِ تَشْوِيشٌ عَلَى مُصَلٍّ أَوْ عَلَى قَارِئٍ، فَإِنْ كَانَ فِى الْمَسْجِدِ تَالٍ يَتْلُو الْقُرْءَانَ أَوْ مُصَلٍّ حَرُمَ التَّكَلُّمُ بِجَانِبِهِ بِحَيْثُ يَتَشَوَّشُ الْقَارِئُ أَوِ الْمُصَلِّى،
وَهَذَا يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ الْكَلامُ الَّذِى يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّى أَوِ الْقَارِئِ مُذَاكَرَةً فِى الْعِلْمِ أَوْ ذِكْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ. فَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ مُصَلِّيًا أَوْ تَالِيًا يَتْلُو الْقُرْءَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُشَوِّشَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِكَلامٍ عَادِىٍّ دُنْيَوِىٍّ أَوْ بِتِلاوَةٍ فَمَنْ أَرَادَ تِلاوَةً فَلْيَتْلُ بِحَيْثُ لا يُشَوِّشُ عَلَى ذَلِكَ التَّالِى وَبِحَيْثُ لا يُشَوِّشُ عَلَى ذَلِكَ الْمُصَلِّى.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِى الَّذِى هُوَ مَكْذُوبٌ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَهُوَ »مَنْ تَكَلَّمَ فِى الْمَسْجِدِ بِكَلامِ الدُّنْيَا أَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً« [قَالَ الصَّغَانِىُّ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ].
فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكُونُ فِى الْمَسْجِدِ مَعَ جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِاللَّيْلِ وَكَانُوا يَتَذَاكَرُونَ مَا حَصَلَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَىْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِى الإِسْلامِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ فَيَضْحَكُونَ وَالرَّسُولُ يَتَبَسَّمُ فَفِى هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ وَصَحَّحَهُ وَالْحَدِيثِ الَّذِى قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَلامَ فِى الْمَسْجِدِ بِمَا لَيْسَ مِنَ الْكَلامِ الْمُحَرَّمِ وَالضَّحِكَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلا يُحْبِطُ الْعَمَلَ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَأَمَّا الْكَلامُ الْمُحَرَّمُ فَإِنْ حَصَلَ فِى الْمَسْجِدِ فَيَكُونُ أَفْحَشَ مِنْهُ فِيمَا إِذَا حَصَلَ فِى خَارِجِ الْمَسْجِدِ كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِىَ مِنَ الصَّائِمِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِى غَيْرِ حَالِ الصِّيَامِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا الْجُلُوسُ مُحْتَبِيًا أَوْ مُتَرَبِّعًا وَكُلُّ كَيْفِيَّاتِ الْجُلُوسِ جَائِزَةٌ فِى الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِلْقَاءُ وَلَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيَجِبُ زَجْرُ الْجُهَّالِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ مَدَّ الرِّجْلَيْنِ فِى الْمَسْجِدِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ فَسَادٌ وَضَلالٌ إِذْ لَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَهْىٌ عَنْ ذَلِكَ. إِنَّمَا الْمَنْهِىُّ عَنْهُ هُوَ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْمُصْحَفِ أَوْ إِلَى كِتَابِ عِلْمٍ شَرْعِىٍّ أَوْ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كَانَ قَرِيبًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُصْحَفُ مُرْتَفِعًا بِمُحَاذَاةِ الرِّجْلِ الْمَمْدُودَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَرَامٍ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِى خِزَانَةٍ لا يَظْهَرُ حَجْمُ الْمُصْحَفِ مِنْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الْمُصْحَفِ ضِمْنَ الْخِزَانَةِ عَالِيًا مُرْتَفِعًا.
ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ الَّتِى هِىَ مُسْتَحَبَّةٌ تَنْظِيفُهَا وَتَطْيِيبُهَا أَىْ جَعْلُ الطِّيبِ فِيهَا بِالتَّبْخِيرِ بِالْبَخُورِ الطَّيِّبِ كَاللُّبَانِ أَوِ الْعُودِ الَّذِى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَبَخَّرُ بِهِ، وَكَانَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ يُبَخَّرُ بِهِ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا كُلَّ جُمُعَةٍ بِلا انْقِطَاعٍ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ مَفْقُودَةٌ فِى كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَمَنْ أَحْيَاهَا يَكُونُ دَاخِلًا فِى حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ] »مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أُمِيتَتْ بَعْدِى كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ«.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّهَاوُنُ بِالْحَجِّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَأْخِيرَ أَدَاءِ الْحَجِّ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سُورَةَ الْمُنَافِقُون/10] جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ أَىْ أُزَكِّىَ ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أَىْ أَحُجَّ.
وَوُجُوبُ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِى عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ وَءَاخَرِينَ مِنَ الأَئِمَّةِ لَكِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ الْمُسْتَطِيعُ حَتَّى مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ الْمَوْتُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرْضٍ مُوَسَّعٍ بِمُدَّةِ الْعُمُرِ كَقَضَاءِ الصَّلاةِ الْفَائِتَةِ بِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالِاسْتِدَانَةُ لِمَنْ لا يَرْجُو وَفَاءً لِدَيْنِهِ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ دَائِنُهُ بِذَلِكَ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الِاسْتِدَانَةَ لِلَّذِى لَيْسَ بِحَالَةِ الِاضْطِرَارِ إِنْ كَانَ لا يَرْجُو وَفَاءً لِلدَّيْنِ الَّذِى يَسْتَدِينُهُ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ دَائِنُهُ بِذَلِكَ أَىْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ أَىْ لا يَرْجُو لِهَذَا الدَّيْنِ وَفَاءً مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَىْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِلْكٌ ولا مِهْنَةٌ يَسْتَغِلُّهَا لِرَدِّ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ يَرْجُو لَهُ وَفَاءً مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ دَائِنُهُ يَعْلَمُ بِحَالِهِ وَمَعَ ذَلِكَ أَقْرْضَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ.
فَمَنِ اسْتَدَانَ لِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَهُوَ يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْعَجْزُ إِلَى الْمَوْتِ، وَمَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا خَطَأً وَعَجَزَ عَنْ غَرَامَتِهِ حَتَّى مَاتَ فَلا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ فِى الآخِرَةِ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مَظْلَمَةً كَمَا ذَكَرَ السُّبْكِىُّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَدَمُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَرْكَ الدَّائِنِ إِنْظَارَ الْمُعْسِرِ أَىِ الْعَاجِزِ عَنْ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِإِعْسَارِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُلازَمَتُهُ أَوْ حَبْسُهُ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَجْزِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ الآنَ تُعْطِينِى مَالِى. رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ [أَىْ فِى ظِلِّ الْعَرْشِ] يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ« فَالَّذِى يَكْتَسِبُ هَذِهِ الْمَثُوبَةَ فَهُوَ مِنَ الْفَائِزِينَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَذْلُ الْمَالِ فِى مَعْصِيَةٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ بَذْلَ الْمَالِ فِى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِى اللَّهِ تَعَالَى كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُبْذَلُ لِلْمُغَنِّيَاتِ وَالْمُغَنِّينَ أُجْرَةً، فَإِنْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَارَطَةِ وَالِاتِّفَاقِ السَّابِقِ فَلا يَحِلُ لَهُمْ وَلا يَمْلِكُونَهُ فَيَكُونُ أَكْلُ مَالٍ حَرَامٍ وَإِنْ أُعْطُوا الْمَالَ بِغَيْرِ مُشَارَطَةٍ وَلا اتِّفَاقٍ سَابِقٍ حَلَّ لَهُمُ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ الْمَالِ.
وَأَمَّا أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْءَانِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ وَإِنِ اعْتَبَرَ أَخْذَ الأُجْرَةِ وَسِيلَةً يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الطَّاعَةِ فَلَهُ ثَوَابٌ وَكَذَلِكَ الَّذِى يُعَلِّمُ عِلْمَ الدِّينِ، أَمَّا إِنْ كَانَ هَمُّهُ الْمَالَ بِتَعْلِيمِهِ فَلا ثَوَابَ لَهُ وَكَذَلِكَ الَّذِى يَذْهَبُ لِلْحَجِّ لِلتِّجَارَةِ إِنْ كَانَ قَصْدُهُ الأَصْلِىُّ التِّجَارَةَ فَلا ثَوَابَ لَهُ أَمَّا إِنْ حَرَّكَهُ لِلذَّهَابِ الثَّوَابُ وَكَانَ قَصْدُهُ مِنَ التِّجَارَةِ الِاسْتِعَانَةَ بِهَا فَلَهُ ثَوَابٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالِاسْتِهَانَةُ بِالْمُصْحَفِ وَبِكُلِّ عِلْمٍ شَرْعِىٍّ، وَتَمْكِينُ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ مِنْهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الِاسْتِهَانَةَ بِالْمُصْحَفِ أَىْ فِعْلَ مَا يُشْعِرُ بِتَرْكِ تَعْظِيمِهِ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ ذَلِكَ بِعِلْمٍ شَرْعِىٍّ كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَكَذَلِكَ الْوَرَقَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِى فِيهَا قُرْءَانٌ أَوْ عِلْمٌ شَرْعِىٌّ وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَوَسَّدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَكَذَلِكَ دَاخِلٌ فِيمَا ذُكِرَ تَمْكِينُ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ الْمُحْدِثِ مِنَ الْمُصْحَفِ وَلَوْ حَدثًا أَصْغَرَ لِغَيْرِ حَاجَةِ دِرَاسَتِهِ وَحَمْلِهِ لِلتَّعَلُّمِ فِيهِ وَنَقْلِهِ إِلَى مَوْضِعِ التَّعَلُّمِ.
وَأَمَّا مَا يُعْتَبَرُ اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ أَسْبَابِ الرِّدَّةِ كَدَوْسِهِ عَمْدًا وَلَوْ لِتَصْفِيفِ النُّسَخِ فِى الْمَطَابِعِ أَوِ الْمَكَاتِبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ اللُّغَوِيِّينَ جَعَلَ الِاسْتِهَانَةَ مُرَادِفَةً لِلاِسْتِخْفَافِ وَاسْتَعْمَلَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَغْيِيرُ مَنَارِ الأَرْضِ أَىْ تَغْيِيرُ الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ مِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِى الشَّارِعِ بِمَا لا يَجُوزُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَغْيِيرَ حُدُودِ الأَرْضِ بِأَنْ يُدْخِلَ مِنْ حُدُودِ جَارِهِ شَيْئًا فِى حَدِّ أَرْضِهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ» لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ« وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ اتِّخَاذُ أَرْضِ الْغَيْرِ طَرِيقًا، أَمَّا الْمُرُورُ فِى أَرْضِ الْغَيْرِ كَالْبُسْتَانِ وَالْمَزْرَعَةِ فَلا يَحْرُمُ إِذَا ظَنَّ الرِّضَى وَلَمْ تَصِرْ بِذَلِكَ طَرِيقًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا زَرْعٌ يَضُرُّهُ الْمُرُورُ.
وَمِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِى الشَّارِعِ بِمَا لا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهِ مِمَّا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ كَأَنْ يَبْنِىَ شَيْئًا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فِى الشَّارِعِ أَوْ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَغْرَاضَهُ لِيَبِيعَهَا أَمَّا إِنْ جَلَسَ فِى طَرَفِ الشَّارِعِ وَبَسَطَ سَجَّادَةً وَجَلَسَ عَلَيْهَا لِيَبِيعَ أَغْرَاضَهُ فَيَجُوزُ، إِنَّمَا الْحَرَامُ أَنْ يَبْنِىَ شَيْئًا مُرْتَفِعًا فِى الشَّارِعِ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِى الطَّرِيقِ غَيْرِ النَّافِذِ بِدُونِ إِذْنِ أَهْلِهِ كَأَنْ يَجْلِسَ فِيهِ وَيَضَعَ فِيهِ أَغْرَاضًا، فَهَذَا الطَّرِيقُ دُخُولُهُ وَالْجُلُوسُ فِيهِ حَرَامٌ إِلَّا لِأَهْلِهِ الَّذِينَ لَهُمْ فِيهِ بُيُوتٌ أَوْ مَنْ أُذِنُوا، وَالطَّرِيقُ غَيْرُ النَّافِذِ هُوَ الطَّرِيقُ الْفَرْعِىُّ الَّذِى يَتَفَرَّعُ مِنَ الشَّارِعِ الْعَامِّ وَفِى جَانِبَيْهِ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ وَطَرَفُهُ الآخَرُ مَسْدُودٌ.
وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الشَّخْصُ شَيْئًا مِنَ الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَيُدْخِلَهُ فِى أَرْضِهِ، وَكَذَلِكَ الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ بِمَا يَضُرُّ شَرِيكَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاسْتِعْمَالُ الْمُعَارِ فِى غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ أَوْ زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا أَوْ أَعَارَهُ لِغَيْرِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَالَ الشَّىْءِ الَّذِى هُوَ عَارِيَّةٌ فِى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا إِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ مُقَيَّدَةً كَأَنْ قَدَّرَ لَهُ سَنَةً فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَكَذَلِكَ إِعَارَتُهُ لِلْغَيْرِ بِلا إِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ فِى ذَلِكَ فَالْمُسْتَعِيرُ إِنْ أَعَارَ غَيْرَهُ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ فَتَلِفَتْ بِيَدِ الثَّانِى يَضْمَنُ الثَّانِى وَإِنْ أَعَارَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُعِيرِ يَضْمَنُ هُوَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَحْجِيرُ الْمُبَاحِ كَالْمَرْعَى وَالِاحْتِطَابِ مِنَ الْمَوَاتِ وَالْمِلْحِ مِنْ مَعْدِنِهِ وَالنَّقْدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَىْ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ وَيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ رَعْىِ مَوَاشِيهِمْ، وَالْمَاءِ لِلشُّرْبِ مِنَ الْمُسْتَخْلَفِ وَهُوَ الَّذِى إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَىْءٌ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَحْجِيرَ الْمُبَاحِ أَىْ مَنْعَ النَّاسِ مِنَ الأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ لَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ كَشَوَاطِئِ الأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ وَكَالْمَرْعَى الَّذِى فِى أَرْضٍ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَالِاحْتِطَابِ أَىْ أَخْذِ الْحَطَبِ مِنْ أَرْضِ الْمَوَاتِ، وَكَذَلِكَ الشَّوَارِعُ وَالْمَسَاجِدُ وَالرُّبُطُ أَىِ الأَمَاكِنُ الْمَوْقُوفَةُ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلًا فَلا يَجُوزُ لِبَعْضِهِمْ تَحْجِيرُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ كَأَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِ الْمِلْحِ مِنْ مَعْدِنِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ مَنَعَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا عَنْ مِلْكِهِ الْخَاصِّ فَهَذَا مِثْلُ الْغَصْبِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ،
وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنَ الشُّرْبِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِى إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَىْءٌ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالنَّارِ الَّتِى اتَّقَدَتْ فِى الْمُبَاحِ مِنَ الْحَطَبِ فَلا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَادُ بِهَا بِمَنْعِ الْغَيْرِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، رَوَى أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَغَيْرُهُ »الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِى ثَلاثٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ« وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ فِيمَا ذُكِرَ الْمَاءُ الَّذِى لَمْ يَحُزْهُ الشَّخْصُ أَىْ لَمْ يَحْتَوِهِ فِى إِنَائِهِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا مَا حِيزَ فِى ذَلِكَ فَهُوَ مِلْكٌ خَاصٌّ لِلَّذِى حَازَهُ. وَيَحْرُمُ تَحْجِيرُ شَوَاطِئِ الأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ بِقَدْرِ مَا تَعَوَّدَ النَّاسُ الِانْتِفَاعَ بِالْجُلُوسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ الشَّخْصُ مِنْ نَحْوِ الْمُرُورِ مَعَ دَابَّتِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاسْتِعْمَالُ اللُّقَطَةِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ بِشُرُوطِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَالَ اللُّقَطَةِ وَهِىَ مَا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِى نَحْوِ الشَّارِعِ كَالْمَسْجِدِ وَالْبَحْرِ مِمَّا لا يُعْرَفُ مَالِكُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِشَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ يُعَرِّفَهُ سَنَةً بِنِيَّةِ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهُ، فَإِذَا عَرَّفَهُ سَنَةً حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِنِيَّةِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهِ إِذَا ظَهَرَ فَإِنِ اخْتَارَ التَّمَلُّكَ قَالَ بِلَفْظِهِ تَمَلَّكْتُ.
وَالتَّعْرِيفُ لِلُّقَطَةِ يَكُونُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ، وَفِى الأَسْوَاقِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَلا يُعَرَّفُ فِى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، وَيُعَرِّفُهَا فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى وَجَدَهَا فِيهِ أَكْثَرَ لِأَنَّ طَلَبَ الشَّىْءِ فِى مَوْضِع ضَيَاعِهِ أَكْثَرُ، فَإِنْ أَكَلَهَا قَبْلَ أَنْ يُعَرِّفَ فَكَأَنَّهُ سَرَقَ سَرِقَةً فَأَكَلَهَا فَهَذَا ذَنْبُهُ كَبِيرٌ لَكِنْ إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ مِمَّا يَتْلَفُ بِسُرْعَةٍ يَبِيعُهَا وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا إِنْ خَشِىَ عَلَيْهَا التَّلَفَ عِنْدَهُ.
أَمَّا إِنْ وَجَدَ صَنَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا لا يُعَرَّفُ عَنْهُ إِنَّمَا يُكَسِّرُهُ وَلا يُعْطِيهِ لِمُسْلِمٍ وَلا لِكَافِرٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا يَجِدُهُ الشَّخْصُ فِى بَيْتِهِ أَوْ دُكَّانِهِ أَوْ سَيَّارَتِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فَهَذَا يَحْفَظُهُ وَلا يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ فَإِنْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ كَأَنْ مَضَى عَلَيْهِ عَشْرُ سِنِينَ وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهُ وَلا عَرَفَ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ عِنْدَئِذٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فَقِيرٍ إِنْ شَاءَ وَيَقُولُ فِى نَفْسِهِ ثَوَابُهُ لِصَاحِبِهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهُ يَوْمًا مَا يَقُولُ لَهُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الثَّوَابَ وَإِلَّا أَغْرَمُ لَكَ فَإِنْ قَالَ لا أُرِيدُ الثَّوَابَ يَغْرَمُ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْجُلُوسُ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرِ إِذَا لَمْ يُعْذَرْ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْجُلُوسَ فِى مَحَلٍّ فِيهِ مُنْكَرٌ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِى ذَلِكَ الْمَكَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِى جُلُوسِهِ فِيهِ بِأَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُفَارِقَ الْمَكَانَ فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَائِدَةٌ فِى حَوَاشِى الرَّوْضَةِ لِلْبُلْقِينِىِّ مَا نَصُّهُ »قَوْلُه (يَعْنِى النَّوَوِىَّ) وَمِنْهَا أَنْ لا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَلاهِى، فَإِنْ كَانَ نُظِرَ إِنْ كَانَ الشَّخْصُ مِمَّنْ إِذَا حَضَرَ رَفَعَ الْمُنْكَرَ فَلْيَحْضُرْ إِجَابَةً لِلدَّعْوَةِ وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ
أَحَدُهُمَا الأَوْلَى أَنْ لا يَحْضُرَ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ وَلا يَسْتَمِعَ وَلَكِنْ يُنْكِرُ بِقَلْبِهِ كَمَا لَوْ كَانَ يُضْرَبُ الْمُنْكَرُ فِى جِوَارِهِ وَلا يُمْكِنُ مِنْهُ التَّحَوُّلُ وَإِنْ بَلَغَهُ الضَّرْبُ وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ.
وَالثَّانِى وَهُوَ الصَّحِيحُ يَحْرُم الْحُضُورُ لِأَنَّهُ كَالرِّضَا بِالْمُنْكَرِ وَإِقْرَارِهِ. زَادَ (يَعْنِى النَّوَوِىَّ) الْوَجْهُ الأَوَّلُ غَلَطٌ وَلا يَثْبُتُ عَنْ كُلِّ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَطَأٌ وَلا يُغْتَرَّ بِجَلالَةِ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ. انْتَهَى كَلامُ النَّوَوِّىِّ. قَالَ الْبُلْقِينِىُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (أَىِ النَّوَوِىُّ فِى رَوْضَتِهِ) فِى زِيَادَتِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، قَوْلُهُ »الْوَجْهُ الأَوَّلُ غَلَطٌ« مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِىِّ فِى الأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِىِّ قَالَ فِى الأُمِّ فِى بَابِ الْوَلِيمَةِ بَعْدَ الأَشْرِبَةِ »وَإِذَا دُعِىَ الرَّجُلُ إِلَى الْوَلِيمَةِ وَفِيهَا الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْمُسْكِرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِى الظَّاهِرَةِ نَهَاهُمْ فَإِنْ نَحَّوْا ذَلِكَ عَنْهُ وَإِلَّا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ،
وَإِنْ عَلِمَ قَبْلُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَلا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ وَلا يَدْخُلُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ« وَقَالَ فِى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِىِّ »وَإِذَا كَانَ فِيهَا الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْمُسْكِرِ أَوِ الْخَمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ« فَذَكَرَ نَحْوَ مَا فِى الأُمِّ وَقَالَ فِى ءَاخِرِهِ »لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ«. وَقَوْلُهُ وَلا يُغْتَرَّ إِلَى ءَاخِرِهِ يُقَالُ لَهُ وَلا تَغْتَرَّ أَنْتَ بِمُجَرَّدِ مَا تُقَرُّ بِهِ نَفْسُكَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْغَلَطَ كَلامُ إِمَامِكَ وَالأَئِمَّةِ الأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِهِ« انْتَهَى كَلامُ الْبُلْقِينِىِّ. وَمَعْنَى كَلامِ الشَّافِعِىِّ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ أَنَّهُ يَكْرَهُ ذَهَابَهُ لَكِنْ لا يُحَرِّمُهُ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ لِأَنَّهَا فِى الأَصْلِ وَاجِبَةُ التَّلْبِيَةِ أَمَّا فِى غَيْرِ الْوَلِيمَةِ فَلا يَذْهَبُ فَيُفْهَمُ مِنْ كَلامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِى جُلُوسِ الشَّخْصِ فِى مَكَانٍ فِيهِ مُنْكَرٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلا يَجْلِسُ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْلِسُ لَكِنْ لا بِنِيَّةِ أَنْ يُؤْنِسَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرْتَكِبُونَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، هَذَا إِنْ كَانَ لا يَعْلَمُ ابْتِدَاءً بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِى هَذَا الْمَكَانِ وَإِنَّمَا عَلِمَ بَعْدَ حُضُورِهِ أَمَّا إِنْ عَلِمَ ابْتِدَاءً بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فَلا يَذْهَبُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّطَفُّلُ فِى الْوَلائِمِ وَهُوَ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَوْ أَدْخَلُوهُ حَيَاءً.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَحْضُرَ الْوَلائِمَ الَّتِى لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا أَوْ دُعِىَ إِلَيْهَا اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ أَوْ أُدْخِلَ حَيَاءً لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] »لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ« وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَالِ الْمُسْلِمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ حَتَّى مُجَرَّدِ دُخُولِ مِلْكِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ لا يَجُوزُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَدَمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى النَّفَقَةِ وَالْمَبِيتِ. وَأَمَّا التَّفْضِيلُ فِى الْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْمَيْلِ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكَ الْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ كَأَنْ يُرَجِّحَ وَاحِدَةً مِنَ الزَّوْجَتَيْنِ أَوِ الزَّوْجَاتِ عَلَى غَيْرِهَا ظُلْمًا فِى النَّفَقَةِ أَوِ الْمَبِيتِ [أَمَّا مَا كَانَ فَوْقَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِيهِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فَلَوْ خَصَّ إِحْدَاهُنَّ بِحُلِىٍّ مَثَلًا دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَأْثَمْ] وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّىَ بَيْنَ
الزَّوْجَاتِ فِى غَيْرِ ذَلِكَ كَالْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجِمَاعِ وَإِعْطَاءِ الْهَدَايَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَّةَ بَيْنَهُنَّ فِى كُلِّ شَىْءٍ وَلَيْسَ مِنْ مُسْتَطَاعِ الزَّوْجِ أَنْ يُسَوِىَ بَيْنَهُنَّ فِى كُلِّ شَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/129] فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَعْصِى الزَّوْجُ بِتَرْكِهِ التَّسْوِيَةُ فِى الْقَسْمِ أَىِ الْمَبِيتِ وَالنَّفَقَةِ، فَإِذَا أَدَّى النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ لِلْجَمِيعِ وَأَعْطَى الْقَسْمَ أَىِ الْمَبِيتَ لِكُلٍّ بِالْعَدْلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّىَ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا لا يَسْتَطِيعُهُ الشَّخْصُ كَالْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ،
وَكَذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ الشَّخْصُ أَنْ يُسَوِّىَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِى الْجِمَاعِ، لَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يُجَامِعُ بَعْضًا وَلا يُجَامِعُ بَعْضًا بِالْمَرَّةِ لِأَنَّ تَرْكَ جِمَاعِ الزَّوْجَةِ بِالْمَرَّةِ إِيحَاشٌ لَهَا فَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ جِمَاعِ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ لا يُلْزَمُ بِالْجِمَاعِ إِنْ كَانَ جَامَعَ مَرَّةً وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ يُطَلِّقُهَا وَلا يُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَخُرُوجُ الْمَرْأَةِ إِنْ كَانَتْ تَمُرُّ عَلَى الرِّجَالِ الأَجَانِبِ بِقَصْدِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ مُتَعَطِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُتَعَطِّرَةٍ مُتَزَيِّنَةً أَوْ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ مُتَسَتِّرَةً بِالسِّتْرِ الْوَاجِبِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا أَنْ تَفْتِنَ الرِّجَالَ أَىْ تَسْتَمِيلَهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً أَوْ مُتَزَيِّنَةً سَاتِرَةً مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مِنْ بَدَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهَا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ أَىْ أَنَّهَا لا تَعْصِى، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَىِ الشَّافِعِيَّةَ [وَكَذَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ] ذَكَرُوا فِى مَنَاسِكِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُسَنُّ التَّطَيُّبُ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى لِلإِحْرَامِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِى دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ،
وَبِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ »أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ« وَشَرْحُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِى تَقْصِدُ بِخُرُوجِهَا مُتَطَيِّبَةً اسْتِمَالَةَ الرِّجَالِ إِلَيْهَا أَىْ لِلْفَاحِشَةِ أَوْ لِمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُحَرَّمِ فَهِىَ زَانِيَةٌ أَىْ شِبْهُ زَانِيَةٍ لِأَنَّ فِعْلَهَا هَذَا مُقَدِّمَةٌ لِلزِّنَى، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ إِثْمَهَا كَإِثْمِ الزَّانِيَةِ الزِّنَى الْحَقِيقِىَّ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَقَوْلُهُ ﷺ »وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ« أَىْ أَغْلَبُ النَّاسِ يَقَعُونَ فِى مَعْصِيَةِ زِنَى الْعَيْنِ إِلَّا النَّادِرَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْحُكْمَ عَلَى جَمِيعِ الأَفْرَادِ. وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزِنَى الْعَيْنِ وَزِنَى اللِّسَانِ إِلَى سَائِرِ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ [الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ] مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ فَإِنَّهَا صَغَائِرُ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ» إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا« فَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ، فَالْمُجْتَهِدُونَ هُمُ الَّذِينَ يَعرِفُونَ هَلْ هَذَا النَّهْىُ لِلتَّحْرِيمِ أَمْ لِلتَّكْرِيهِ أَمْ لِلأَفْضَلِيَّةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَهْىٍ لِلتَّحْرِيمِ الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] وَالتِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ» لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِىٌّ« فَقَدْ وَرَدَ النَّهْىُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَمْرَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمَ.
وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ »إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْفَرِيضَةَ فَلا يُصَلِّى فِى مَكَانِهِ النَّفْلَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ أَوْ يَنْتَقِلَ« فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ إِنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يُصَلِّىَ النَّفْلَ فِى مَكَانِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ. فَمُجَرَّدُ وُجُودِ صِفَةِ النَّهْىِ فِى حَدِيثٍ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى التَّحْرِيمِ بَلْ قَدْ يَكُونُ النَّهْىُ لِلتَّكْرِيهِ وَقَدْ يَكُونُ لِبَيَانِ أَنَّهُ خِلافُ الأَوْلَى، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمُجْتَهِدِ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ قَالُوا مَكْرُوهٌ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مُتَطَيِّبَةً إِلَّا إِذَا قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا التَّعَرُّضَ لِلرِّجَالِ،
الْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا مَكْرُوهٌ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالزِّينَةِ الْفَاخِرَةِ أَوِ الطِّيبِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ هَذَا كَلامٌ لِمُحَاوَلَةِ التَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ. وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ »إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا« كُلُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّكْرِيهِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَنَحْنُ مَعَ الأَئِمَّةِ فِى التَّكْرِيهِ إِلَّا فِى الْحَالَةِ الْخَاصَّةِ وَهِىَ حَالَةُ التَّعَرُّضِ للِرِّجَالِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ شَاذٌ مِنَ الشَّاذِّينَ، وَأَمْرُ الزِّينَةِ قَاسُوهُ عَلَى الطِّيبِ، الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِىُّ فِى شَرْحِ رَوْضِ الطَّالِبِ يُصَرِّحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ يُكْرَهُ لَهَا الذَّهَابُ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالزِّينَةِ الْفَاخِرَةِ وَلا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قَالُوا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِى الْحَدِيثِ» لِيَجِدُوا رِيحَهَا «هَذِهِ اللَّامُ هِىَ لامُ الْعَاقِبَةِ يُقَالُ لَهُمْ لامُ الْعَاقِبَةِ تُذْكَرُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ كَمَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِىِّ فِى كِتَابِهِ الْقَوَاطِعِ فِى الأُصُولِ، وَالْمَجَازُ لا يُرْتَكَبُ إِلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ الأَصْلَ فِى اللَّامِ التَّعْلِيلُ فَلا تَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا فِى الآيَةِ ﴿فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [سُورَةَ الْقَصَص]. يُقَالُ جِئْتُ لِأَقْرَأَ أَىْ لِكَىْ أَقْرَأَ تُعَلِّلُ سَبَبَ الْمَجِىءِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِى شُذُورِ الذَّهَبِ وَغَيْرُهُ لامُ الْعَاقِبَةِ هِىَ الَّتِى مَا بَعْدَهَا نَقِيضٌ لِمُقْتَضَى مَا قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْتِقَاطِ ءَالِ فِرْعَوْنَ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَصِيرًا وَلَكِنَّ الْعَاقِبَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا،
فَجَاءَ مُقْتَضَى مَا قَبْلَ اللَّامِ مُنَاقِضًا لِمَا بَعْدَهَا وَهَذَا لا يَتَأَتَّى فِى حَدِيثِ »أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ« لِأَنَّ وُجُودَ الرِّيحِ مِنْهَا فِى هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِخُرُوجِهَا مُتَعَطِّرَةً.
وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ [الَّذِى أَخَرْجَهُ مُسْلِمٌ] »لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ مَا أَحْدَثَتِ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ مِنْ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ« فَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ، وَلَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى التَّحْرِيمَ لَصَرَخَتْ بَيْنَ النِّسَاءِ بِتَحْرِيمِ ذَهَابِهِنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا مَا حَصَلَ فِى نِسَاءِ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ أَنَّهُنَّ حُرِّمَ عَلَيْهِنَّ الذَّهَابُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ لِأَمْرٍ أَحْدَثْنَهُ وَهُوَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَتَّخِذْنَ خِفَافًا مِنْ خَشَبٍ لِتَظْهَرَ فِى أَعْيُنِ النَّاسِ طَوِيلَةً لِفِتْنَةِ الرِّجَالِ فَحُرِّمَ عَلَيْهِنَّ الذَّهَابُ إِلَى الْمَسَاجِدِ،
فَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْعًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا شَرْعُ مُحَمَّدٍ هُوَ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ »لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] أَىْ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ تَفِلاتٍ إِلَى أَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ تَفِلاتٍ أَىْ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ فَدُخُولُهُنَّ الْمَسَاجِدَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ. وَمِمَّنْ عَبَّرَ بِالْكَرَاهِيَةِ فِى خُرُوجِ الْمَرْأَةِ مُتَطَيِّبَةً لا بِالتَّحْرِيمِ شَيْخُ الْمُحَدِّثِينَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الْبَيْهَقِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِى كُتُبِهِمْ قَالُوا بِكَرَاهِيَةِ ذَهَابِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ مُتَطَيِّبَاتٍ أَوْ لابِسَاتٍ ثِيَابًا فَاخِرَةً، فَهَذِهِ كُتُبُ الشَّافِعِيَّةِ تُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ.
وَجَدِيرٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ نَسُوقَ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَوْقُوفَ عَنْ عَائِشَةَ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ مَا نَصُّهُ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ »كُنَّ نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ يَتَّخِذْنَ أَرْجُلًا مِنْ خَشَبٍ يَسْتَشْرِفْنَ لِلرِّجَالِ فِى الْمَسَاجِدِ فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ« وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّهُ لا يُقَالُ بِالرَّأْىِ اهـ أَىْ كَأَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالسِّحْرُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ السِّحْرَ وَهُوَ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ الَّتِى ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِى حَدِيثِهِ وَهُوَ مُزَاوَلَةُ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ خَبِيثَةٍ وَهُوَ أَنْوَاعٌ مِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى عَمَلٍ كُفْرِىٍّ وَمِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى كُفْرٍ قَوْلِىٍّ فَالأَوَّلُ كَالسُّجُودِ لِلشَّمْسِ أَوِ السُّجُودِ لِإِبْلِيسَ وَمِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى تَعْظِيمِ الشَّيْطَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ وَلا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْكُفْرِ فَهُوَ كُفْرٌ.
وَمَا لا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمَ تَعَلُّمِهِ وَفَصَّلَ بَعْضٌ فِى ذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ لا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ وَلا إِلَى تَعَاطِى مُحَرَّمٍ جَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُونَ الْقَصْدُ تَطْبِيقَهُ بِالْعَمَلِ وَإِلَّا فَتَحْرِيمُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ كَفَرَ. وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَعَلَّمُوا السِّحْرَ وَلا تَعْمَلُوا بِهِ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَالسِّحْرُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَحَبَّةِ حَتَّى يُحِبَّ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا أَوْ لِلتَّبْغِيضِ حَتَّى يَكْرَهَ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا فَهُوَ حَرَامٌ.
وَكَذَلِكَ السِّحْرُ لِإِمْرَاضِ الشَّخْصِ حَتَّى يُجَنَّ حَرَامٌ أَيْضًا وَمِنَ السِّحْرِ مَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِلْأَعْيُنِ كَالسِّحْرِ الَّذِى عَمِلَهُ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ لَمَّا تَحَدَّى فِرْعَوْنُ سَيِّدَنَا مُوسَى فَأَلْقَى السَّحَرَةُ الْحِبَالَ الَّتِى فِى أَيْدِيهِمْ فَخُيِّلَ لِلنَّاسِ أَنَّهَا حَيَّاتٌ تَسْعَى فَأَلْقَى سَيِّدُنَا مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْقَلَبَتْ ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا أَكَلَ تِلْكَ الْحِبَالَ الَّتِى رَمَاهَا السَّحَرَةُ. فَالَّذِى يَنْفِى وُجُودَ السِّحْرِ عَلَى الإِطْلاقِ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/102].
فَيُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ أَمَرَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَنْزِلا إِلَى الأَرْضِ وَيُعَلِّمَا النَّاسَ السِّحْرَ لا لِيَعْمَلُوا بِهِ بَلْ لِيَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ، كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَعَ التَّحْذِيرِ، يَقُولانِ لِلنَّاسِ نَحْنُ فِتْنَةٌ أَىْ مِحْنَةٌ وَابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ وَاخْتِبَارٌ نُعَلِّمُكُمْ وَلا تَكْفُرُوا أَىْ لا تَعْتَبِرُوا السِّحْرَ حَلالًا إِنَّمَا تَتَعَلَّمُونَ فَقَطْ، كَانُوا يُعَلِّمُونَهُمْ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ مِنْ نَوْعِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ، ثُمَّ النَّاسُ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا مِنْهُمَا بَعْضُهُمْ مَا عَمِلَ بِهَذَا السِّحْرِ الَّذِى تَعَلَّمَهُ وَبَعْضُ النَّاسِ عَمِلُوا بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ.
وَكَانَ مِنَ السِّحْرِ غَيْرُ هَذَا الَّذِى عَلَّمَهُ هَارُوتُ وَمَارُوتُ لِلْبَشَرِ، الشَّيَاطِينُ أَىْ كُفَّارُ الْجِنِّ كَانَتْ تَعْمَلُ السِّحْرَ وَتُعَلِّمُهُ لِلنَّاسِ لَكِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ الَّذِى كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُعَلِّمُهُ الْبَشَرَ كَانَ فِيهِ كُفْرٌ كَعِبَادَةِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ مَا فِيهِ عِبَادَةُ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَمِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ حَتَّى إِنَّ مِنْهُ مَا تَشْتَرِطُ الشَّيَاطِينُ عَلَى مَنْ تُعَلِّمُهُ لِتُسَاعِدَهُ أَنْ يَبُولَ الشَّخْصُ عَلَى الْمُصْحَفِ لِأَنَّ الْكُفْرَ إِذَا حَصَلَ مِنِ ابْنِ ءَادَمَ فَهَذَا عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ شَىْءٍ،
يَشْتَهُونَ هَذَا اشْتِهَاءً. ثُمَّ مِمَّا يَحْتَالُونَ بِهِ لِتَرْوِيجِ عَمَلِ السِّحْرِ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ بِالسِّحْرِ حَتَّى يُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ دَخَلٌ فِى السِّحْرِ، وَالْقُرْءَانُ ضِدُّ السِّحْرِ، بِالْقُرْءَانِ يُفَكُّ السِّحْرُ. لَكِنْ أُولَئِكَ يَخْلِطُونَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ بِالسِّحْرِ، يَضَعُونَ كَلامًا خَبِيثًا فِى الْوَرَقَةِ ثُمَّ يَكْتُبُونَ قُرْبَهُ بَعْضَ الآيَاتِ فَيَظُنُّ الْجَاهِلُونَ مِنَ الْبَشَرِ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ دَخَلٌ فِى السِّحْرِ، الشَّيَاطِينُ بِذَلِكَ تُضِلُّ النَّاسَ فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنَ السِّحْرِ وَإِلَى جَانِبِهِ ءَايَاتٌ قُرْءَانِيَّةٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَيْسَ لَهُ دَخَلٌ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ أَدْخَلَتْ هَذَا لِتُضِلَّ النَّاسَ بِأَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الْقُرْءَانَ فِيهِ سِحْرٌ.
سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ الْكُفَّارُ كَانُوا يَقُولُونَ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ وَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ وَكَذَبُوا، السِّحْرُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ كَانُوا مُغْتَاظِينَ مِنْ سَيِّدِنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ سِرًّا فَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُطِيعُهُ مَعَ كُفْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمِنُوا كَانُوا يَخْدِمُونَهُ، يَعْمَلُونَ لَهُ أَعْمَالًا شَاقَّةً وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْهُم اللَّهُ تَعَالَى يُنْزِلُ بِهِ عَذَابًا فِى الدُّنْيَا لِذَلِكَ كَانُوا مَقْهُورِينَ لَهُ،
فَلَمَّا مَاتَ كَتَبُوا السِّحْرَ وَدَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ثُمَّ قَالُوا لِلنَّاسِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ بَعْضُهُمْ أَوْ عَدَدٌ مِنْهُمْ لِلنَّاسِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ كَانَ يَحْكُمُكُمْ سُلَيْمَانُ، كَانَ يَحْكُمُكُمْ بِالسِّحْرِ احْفِرُوا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا هَذَا الْكِتَابَ فَصَدَّقُوا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لِسُلَيْمَانَ وَضَعَ فِيهِ السِّحْرَ فَكَفَرُوا، الَّذِينَ صَدَّقُوا الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا لِأَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَلا الأَوْلِيَاءِ.
فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الَّذِينَ يُقَالُ عَنْهُمْ فُلانٌ رُوحَانِىٌّ أَوْ مَعَهُ جِنٌّ رَحْمَانِىٌّ، احْذَرُوهُمْ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُمْ، أَغْلَبُ هَؤُلاءِ ضَالُّونَ مُفْسِدُونُ يُوقِعُونَ النَّاسَ فِى الضَّلالِ وَالْكُفْرِ لِأَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ السِّحْرَ حَلالًا وَأَنَّهُ شَىْءٌ حَسَنٌ يَكْفُرُ لِأَنَّ السِّحْرَ أَمْرٌ مُحَرَّمٌ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْكَبَائِرِ وَاسْتِحْلالُهُ كُفْرٌ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ« رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الأَوْسَطِ وَغَيْرُهُ.
وَالسِّحْرُ مِنْهُ مَا يَكُونُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَلا يَجُوزُ مُقَابَلَةُ السِّحْرِ بِالسِّحْرِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْجُهَّالِ.
وَمِنْ أَعْمَالِ السَّحَرَةِ وَأَقْوَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ أَنَّهُمْ يَسْتَنْجِدُونَ بِالشَّيَاطِينِ وَيَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ قَبِيحٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِلشَّيْطَانِ لِيُعِينَهُمْ عَلَى إِيذَاءِ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِى يُرِيدُونَ إِيذَاءَهُ.
وَمِنَ الأَفْعَالِ الْخَبِيثَةِ الَّتِى يُزَاوِلُونَهَا أَنَّهُمْ أَحْيَانًا يَأْخُذُونَ دَمَ الْحَيْضِ لِيَسْقُوهُ الشَّخْصَ الَّذِى يُرِيدُونَ ضَرَرَهُ وَأَحْيَانًا يَأْخُذُونَ ظُفْرَ الشَّخْصِ أَوْ بَعْضَ شَعَرِهِ لِيَكُونَ إِيذَاؤُهُ أَشَدَّ.
وَأَحْيَانًا يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ لِذَلِكَ. وَأَحْيَانًا يَسْتَعِينُونَ بِالأَرْوَاحِ الأَرْضِيَّةِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَأَحْيَانًا يَسْتَنْجِدُونَ بِالْكَوَاكِبِ لِأَنَّهَا عَلَى زَعْمِهِمْ لَهَا أَرْوَاحٌ تُسَاعِدُهُمْ وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ، ثُمَّ هُمْ أَحْيَانًا يَخْتَارُونَ وَقْتًا مُعَيَّنًا لِعَمَلِ السِّحْرِ لِأَنَّ هَذِهِ الأَوْقَاتَ اللَّهُ جَعَلَ لَهَا خَصَائِصَ لِعَمَلِ الْخَيْرِ وَلِعَمَلِ الشَّرِّ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ سِحْرُ التَّسْلِيطِ، يُسَلَّطُ عَلَى الشَّخْصِ جِنِّىٌّ يُمْرِضُهُ وَأَحْيَانًا هَذَا الْجِنِّىُّ يَقْتُلُهُ.
وَمِمَّا يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنَ السِّحْرِ أَنْ يُدَاوِمَ الشَّخْصُ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ عَلَى قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَاتِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَسُورَةِ الإِخْلاصِ ثَلاثًا ثَلاثًا.
وَأَمَّا هَارُوتُ وَمَارُوتُ فَهُمَا مَلَكَانِ مِنَ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. وَمَا يُرْوَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شَرِبَا الْخَمْرَ ثُمَّ قَتَلا الطِّفْلَ الَّذِى كَانَتْ تَحْمِلُهُ الْمَرْأَةُ وَوَقَعَا عَلَيْهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ.
وَمَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِى قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ أَنَّهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ عِصْمَةِ الْمَلائِكَةِ مِنْ أَنَّ الزُّهَرَةَ امْرَأَةٌ رَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الأَعْظَمَ فَعَلَّمَاهَا فَرَفَعَتْ كَوْكَبًا إِلَى السَّمَاءِ فَهُوَ كَذِبٌ وَلَعَلَّهُ مِنْ وَضْعِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ. أَيْضًا مَا يُرْوَى أَنَّهُمَا رَأَيَا امْرَأَةً فَرُكِّبَتْ فِيهِمَا الشَّهْوَةُ فَأَرَادَا الْوُقُوعَ بِهَا فَقَالَتْ حَتَّى تُشْرِكَا فَرَفَضَا فَقَالَتِ اشْرَبَا الْخَمْرَ فَشَرِبَا فَسَكِرَا وَقَتَلا الصَّبِىَّ وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ فَهَذَا كَذِبٌ هَذَا خُرَافَةٌ.
وَمِمَّا يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنَ السِّحْرِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِى الْمُوَطَّإِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ »لَوْلا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِى الْيَهُودُ حِمَارًا« فَقِيلَ لَهُ مَا هُنَّ قَالَ »أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِى لَيْسَ شَىْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِى لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ
اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ« يَعْنِى كَعْبُ الأَحْبَارِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْيَهُودَ مِنْ أَسْحَرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَىْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِلسِّحْرِ فَلَوْلا أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ لَضَرُّوهُ كَثِيرًا. وَهُوَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فِى خِلافَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ عِنْدَهُ كُتُبٌ مِنْ أَبِيهِ خَتَمَهَا إِلَّا وَاحِدًا مِنْهَا وَقَالَ لَهُ اقْرَأْ فِى هَذَا وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ،
قَالَ وَأَخَذَ عَلَىَّ الْعَهْدَ بِحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ لا أَفُضَّ وَاحِدًا مِنْهَا فَلَمَّا ظَهَرَ الإِسْلامُ فَتَحْتُهَا فَإِذَا فِيهَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَبْشِيرُ الأَنْبِيَاءِ بِهِ، عِنْدَهَا أَسْلَمَ كَعْبٌ. فَهَذَا الذِّكْرُ يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنَ السِّحْرِ وَلِفَكِّ السِّحْرِ حَتَّى لَوْ كُتِبَ فِى وَرَقَةٍ وَعُلِّقَ عَلَى الصَّدْرِ.
وَمِمَّا يَنْفَعُ لِفَكِّ السِّحْرِ وَرَقُ السِّدْرِ يُؤْتَى بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ خُضْرٍ صِحَاحٍ وَتُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ دَقًّا جَيِّدًا ثُمَّ تُوضَعُ فِى مَاءٍ ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ ءَايَةُ الْكُرْسِىِّ وَالْمُعَوِّذَاتُ ثَلاثًا ثَلاثًا أَوْ مَرَّةً مَرَّةً أَوْ يُقْرَأُ عَلَى الْوَرَقِ بَعْدَ دَقِّهِ وَقَبْلَ وَضْعِهِ فِى الْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُ الْمُصَابُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ ثَلاثَ جَرَعَاتٍ وَيَغْتَسِلُ بِالْبَاقِى.
وَمِمَّا يَنْفَعُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يُؤْتَى بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حَبَّةَ فُلْفُلٍ أَسْوَدَ وَيُقْرَأَ عَلَى كُلِّ حَبَّةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ سُورَةَ الإِخْلاصِ ثُمَّ يُبَخَّرُ الْمُصَابُ بِهَا.
وَمِمَّا يَنْفَعُ لِفَكِّ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ قِرَاءَةُ الآيَةِ ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سُورَةَ يُونُس/81] خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، وَكَذَا الْفَاتِحَةُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَءَايَةُ الْكُرْسِىِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَسُورَةُ الإِخْلاصِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً وَسُورَةُ الْفَلَقِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً وَسُورَةُ النَّاسِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً تُقْرَأُ عَلَى مَاءٍ وَيَشْرَبُ مِنْهَا الْمَسْحُورُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ كَالَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عَلِىٍّ فَقَاتَلُوهُ. قَالَ الْبَيْهَقِىُّ كُلُّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا فَهُمْ بُغَاةٌ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِىُّ قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُمْ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ الْوَلِىَّ لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْخُرُوجَ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلزُّبَيْرِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ» إِنَّكَ لَتُقَاتِلُ عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ« [أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ] فَلَمَّا حَضَرَ الْفَرِيقَانِ فِى الْبَصْرَةِ نَادَى عَلِىٌّ الزُّبَيْرَ فَأَخْبَرَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ نَسِيتُ، فَذَهَبَ مُنْصَرِفًا لِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لَهُ السَّعَادَةَ وَالْمَنْزِلَةَ الْعَالِيَةَ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لا يَمُوتَ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَعْصِيَةِ الْخُرُوجِ عَلَى عَلِىٍّ، وَكَذَلِكَ طَلْحَةُ مَا قُتِلَ إِلَّا وَقَدِ انْصَرَفَ مِنَ الثُّبُوتِ فِى الْمُعَسْكَرِ الْمُضَادِّ لِعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْجَمِيعِ،
وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ بِالْحَدِيثِ »مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ«. فَهَذَانِ الصَّحَابِيَانِ الْجَلِيلانِ لا شَكَّ أَنَّهُمَا مِنَ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَمَعَ ذَلِكَ نَفَذَ فِيهِمَا الْقَدَرُ بِحُضُورِهِمَا إِلَى هَذَا الْمُعَسْكَرِ الْمُضَادِّ لِعَلِىٍّ
وَقَدْ رُوِىَ أَنَّ شَخْصًا قَالَ لِعَلِىٍّ أَتَظُنُّ أَنَّا نَظُنُّ أَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ كَانَا عَلَى بَاطِلٍ فَقَالَ عَلِىٌّ لَيْسَ الْحَقُّ يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ وَلَكِنَّ الرِّجَالَ يُعْرَفُونَ بِالْحَقِّ اهـ أَىْ لَيْسَ الْحُجَّةُ بِالأَشْخَاصِ وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ بِالشَّرْعِ الَّذِى هُوَ الْحَقُّ الَّذِى أَنْزَلَهُ اللَّهُ لِيُرْجَعَ إِلَيْهِ وَلِيُعْرَفَ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ. وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِىُّ وَرَوَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ طَرِيقٍ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً« أَىْ كَأَنَّهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً شُبِّهَ بِالْجَاهِلِيِّينَ فِى مِيتَتِهِ لِعُظْمِ ذَنْبِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّوَلِّى عَلَى يَتِيمٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ لِقَضَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَتَوَلَّى الشَّخْصُ الإِمَامَةَ الْعُظْمَى أَوْ إِمَارَةً دُونَهَا أَوْ وِلايَةً مِنَ الْوِلايَاتِ كَالتَّوَلِى عَلَى مَالِ يَتِيمٍ أَوْ عَلَى وَقْفٍ أَوْ فِى وَظِيفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ تَوَلِّى الْقَضَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا كَأَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فِيهِ أَوْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فَعِنْدَئِذٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ سُؤَالُ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَبِالأَحْرَى بَذْلُ الْمَالِ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ لا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَصِبَ إِمَامًا فِى مَسْجِدٍ لِيُصَلِىَّ بِالنَّاسِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِيوَاءُ الظَّالِمِ وَمَنْعُهُ مِمَّنْ يُرِيدُ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِيوَاءَ الظَّالِمِ لِمُنَاصَرَتِهِ لِيَحُولَ بَيْنَ الظَّالِمِ وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِى ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِىٍّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَفِيهِ» لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ءَاوَى مُحْدِثًا «رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَىْ مَنَعَ الظَّالِمَ مِمَّنْ يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ مِنْهُ وَالْمُحْدِثُ هُنَا مَعْنَاهُ الْجَانِى الَّذِى ظَلَمَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَرْوِيعُ الْمُسْلِمِينَ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْوِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَىْ تَخْوِيفَهُمْ وَإِرْعَابَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّرْوِيعِ بِنَحْوِ حَدِيدَةٍ يُشِيرُ بِهَا إِلَيْهِ. رَوَى مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحَيْهِمَا] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ لَعَنَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ«.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطْعُ الطَّرِيقِ وَيُحَدُّ بِحَسَبِ جِنَايَتِهِ إِمَّا بِتَعْزِيرٍ أَوْ بِقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلافٍ إِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَوْ بِقَتْلٍ وَصَلْبٍ أَىْ إِنْ قَتَلَ.
