الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا بَيَانَ ضَرُورِيَّاتِ الِاعْتِقَادِ أَيْ يُذْكَرُ هُنَا مَا يَلْزَمُ وَيَجِبُ اعْتِقَادُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَضَرُورِيَّاتٌ جَمْعُ ضَرُورِيٍّ فَالشَّىْءُ الَّذِي لا يُسْتَغْنَى عَنْهُ يُقَالُ لَهُ ضَرُورِيٌّ وَيُقَالُ أَيْضًا الضَّرُورِيُّ لِلشَّىْءِ الَّذِي يُفْهَمُ بِلا تَفَكُّرٍ كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ وَكَوْنِ النَّارِ حَارَّةً كَمَا يُطْلَقُ عَلَى عِلْمِ كَوْنِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ حَرَامًا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَوَامُّ وَالْخَوَاصُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

ثُمَّ عِلْمُ التَّوْحِيدِ هُوَ أَسَاسُ قَوَاعِدِ عَقَائِدِ الإِسْلامِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ، وَغَايَتُهُ الْفَوْزُ بِالسَّعَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَبَرَاهِينُهُ الْحُحَجُ الْقَطْعِيَّةُ مِنْ سَمْعِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ، وَيُسَمَّى هَذَا الْعِلْمُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَعِلْمَ أُصُولِ الدِّينِ وَيُسَمَّى أَيْضًا عِلْمَ الْكَلامِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ: يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ الدُّخُولُ فِي دِينِ الإِسْلامِ وَالثُّبُوتُ فِيهِ عَلَى الدَّوَامِ وَالْتِزَامُ مَا لَزِمَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحْكَامِ.

الشَّرْحُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِي بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلامِ أَيْ مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَكَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ لَمْ يَكُنْ أَصَمَّ فَهَذَا هُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي هُوَ مُلْزَمٌ بِأَنْ يُسْلِمَ وَيَعْمَلَ بِشَرِيعَةِ الإِسْلامِ أَيْ أَنْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَاتِ وَيَجْتَنِبَ الْمُحَرَّمَاتِ. أَمَّا مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مَسْئُولِيَّةٌ فِي الآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ جُنَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَاتَّصَلَ جُنُونُهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَمَاتَ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَلَيْسَ مُكَلَّفًا [لَوْ كَفَرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ ثُمَّ جُنَّ قَبْلَهُ ثُمَّ اتَّصَلَ جُنُونُهُ مِنْ قَبْلِ الْبُلُوغِ إِلَى مَا بَعْدَهُ فَمَاتَ وَهُوَ مَجْنُونٌ هَذَا نَاجٍ مَا عَلَيْهِ عَذَابٌ.

وَأَمَّا مَنْ كَفَرَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَجُنَّ وَاسْتَمَرَ جُنُونُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ فَهَذَا كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، انْظُرْ شَرْحَ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ]، وَكَذَلِكَ الَّذِي عَاشَ بَالِغًا وَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الإِسْلامِ أَيْ أَصْلُ الدَّعْوَةِ. وَلَيْسَ شَرْطًا لِبُلُوغِ الدَّعْوَةِ أَنْ تَبْلُغَهُ تَفَاصِيلُ عَقَائِدِ الإِسْلامِ بِأَدِلَّتِهَا بَلْ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِمُجَرَّدِ أَنْ يَبْلُغَهُ أَصْلُ الدَّعْوَةِ، وَلا يَكُونُ لَهُ

عُذْرًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَكَّرَ فِي حَقِيَّةِ الإِسْلامِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يُمْهِلُ الْكُفَّارَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ لِيُفَكِّرُوا بَعْدَ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ دَعْوَةَ الإِسْلامِ فِي حَقِّيَّتِهَا يَوْمًا وَلا يَوْمَيْنِ وَلا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ كَافِيًا فِي انْتِفَاءِ الْعُذْرِ عَنْهُمْ إِنْ لَمْ يَتَّبِعُوا الإِسْلامَ وَكَانَ يَكْتَفِي بِأَنْ يُسْمِعَ الْعَرَبَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَوْسِمِ أَيْ مَوْسِمِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ حِينَ يَجْتَمِعُونَ مِنْ نَوَاحٍ شَتَّى أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ يَمُرُّ فِيهِمْ مُرُورًا؛

ثُمَّ لَمَّا جَاءَ الإِذْنُ بِالْقِتَالِ كَانَ يُحَارِبُ كُلَّ مَنِ اسْتَطَاعَ مُحَارَبَتَهُ مِنْ كُلِّ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَّغَهُمْ بَعْدَ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ إِلَّا مَنْ بَدَتْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي مُصَالَحَتِهِمْ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لا لِلأَبَدِ، لِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الدَّعْوَةِ بِلا إِيْجَابٍ أَمَامَ الْقِتَالِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [فِي صَحِيحَيْهِمَا] أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ أَيْ لا عِلْمَ لَهُمْ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ فَلَوْ كَانَ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ مُقَاتَلَةِ الْكُفَّارِ أَنْ يُعْطَوْا مُهْلَةً لِلتَّفْكِيرِ فِي صِحَّةِ الإِسْلامِ وَحَقِّيَّتِهِ فَالرَّسُولُ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْهِلُهُمْ بُرْهَةً لِلتَّفْكِيرِ بَلِ اكْتَفَى لِقِتَالِهِمْ بِأَنَّهُ كَانَ بَلَّغَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلَ الدَّعْوَةِ.

فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمِعَ فِي الأَذَانِ الشَّهَادَتَيْنِ وَهُوَ يَفْهَمُ الْعَرَبِيَّةَ فَهُوَ مُكَلَّفٌ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُسْلِمِ اسْتَحَقَّ عَذَابَ اللَّهِ الْمُؤَبَّدَ فِي النَّارِ. وَلا يَحْصُلُ شُكْرُ الْمُنْعِمِ الْخَالِقِ إِلَّا بِالإِسْلامِ أَيْ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالإِيـمَانِ بِالرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمَا يَكْرَهُ اللَّهُ، وَلا يَحْصُلُ شُكْرُ الْمُنْعِمِ الْخَالِقِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ وَإِغَاثَةِ الْمَكْرُوبِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ [أَيْ مِنْ دُونِ الإِيـمَانِ].

ثُمَّ إِنَّ نِيَّةَ الثُّبُوتِ عَلَى الإِسْلامِ ضَرُورِيَّةٌ أَيْ أَنْ يَخْلُوَ قَلْبُهُ عَنْ أَيِّ عَزْمٍ عَلَى تَرْكِ الإِسْلامِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ نَوَى الْكُفْرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَفَرَ فِي الْحَالِ [قَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ «أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ عَلَّقَهُ بِشَىْءٍ كَقَوْلِهِ إِنْ هَلَكَ مَالِي أَوْ وَلَدِي تَهَوَّدْتُ أَوْ تَنَصَّرْتُ أَوْ تَرَدَّدَ هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لا لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الإِيـمَانِ وَاجِبَةٌ فَإِذَا تَرَكَهَا كَفَرَ» اهـ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَمِمَّا يَجِبُ عِلْمُهُ وَاعْتِقَادُهُ مُطْلَقًا وَالنُّطْقُ بِهِ فِي الْحَالِ إِنْ كَانَ كَافِرًا وَإِلَّا فَفِي الصَّلاةِ الشَّهَادَتَانِ وَهُمَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الشَّرْحُ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ رَسُولِهِ وَالنُّطْقُ بِذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِنْ كَانَ كَافِرًا، وَمَنْ حَصَلَ مِنْهُ ذَلِكَ مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ فَهُوَ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لا يَكْمُلُ إِيـمَانُهُ وَإِسْلامُهُ إِلَّا بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ تِلْكَ الْمَرَّةِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي كُلِّ صَلاةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ بِعَدَمِ وُجوُبِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الصَّلاةِ حَيْثُ إِنَّ التَّشَهُّدَ عِنْدَهُ فِي الصَّلاةِ سُنَّةٌ لَيْسَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلاةِ أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ.

ثُمَّ إِنَّ النُّطْقَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ يَحْصُلُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بِاللُّغَةِ الْعَرِبِيَّةِ وَبِتَرْجَمَتِهِ لِغَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ [قَالَ الأَرْدَبِيلِيُّ فِي الأَنْوَارِ: «وَيَصِحُّ الإِسْلامُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ»]، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ يَعْرِفُ النُّطْقَ بِالْعَرَبِيَّةِ لا يَنْطِقُ بِغَيْرِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ [وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادُوا أَنَّ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً إِنَّ نَطَقَ بِغَيْرِهَا مَعَ صِحَّةِ دُخُولِهِ فِي الإِسْلامِ]، فَمَنْ كَانَ أَعْجَمِيَّا يَقُولُ (أَنَّ مُحَمَّدًا) بِالْهَاءِ يُقَالُ لَهُ قُلْ (أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ رَسُولُ اللَّهِ)، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَأْتِي بِهَاءِ لَفْظِ الْجَلالَةِ (اللَّه) فَيَكْفِي تَرْجَمَتُهُ بِلُغَتِهِ. وَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا قَبْلَ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَيَنْطِقُ بِهِ مُتَرْجَمًا.

وَلا يُشْتَرَطُ خُصُوصُ هَذَا اللَّفْظِ بَلْ يَكْفِي مَا يُعْطِي مَعْنَاهُ كَأَنْ يَقُولَ لا رَبَّ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَكْفِي مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ؛ لَكِنْ لَفْظُ أَشْهَدُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الأَلْفَاظِ لِأَنَّ أَشْهَدُ لَهَا امْتِيَازٌ عَلَى أَعْلَمُ وَأَعْرِفُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَلْفَاظِ وَهُوَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ الْعِلْمَ وَالِاعْتِقَادَ وَالِاعْتِرَافَ. وَاشْتِرَاطُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لَفْظَ «أَشْهَدُ» عِنْدَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ مَرْدُودٌ وَبَاطِلٌ وَمَنِ اعْتَقَدَهُ لا يَكْفُرُ لِأَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ أَنَّ لَفْظَ «أَشْهَدُ» فِيهِ مَعْنًى زَائِدٌ وَقَدْ تَرَكَهُ الَّذِي يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلامِ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ بِهِ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمُ التَّرْتِيبَ لِلشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهِمَا.

وَمَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِلا إِدْغَامٍ صَحَّتْ شَهَادَتُهُ، أَمَّا الَّذِي يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [بِتَشْدِيدِ النُّونِ] لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ هَذَا كَلامٌ مَبْتُورٌ كَمَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا وَسَكَتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْخَبَرِ.

وَمَنْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِاللِّسَانِ يَكْفِيهِ إِيـمَانُهُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، أَعْصَابُهُمْ تَسْتَرْخِي فَلا يُطَاوِعُهُمْ لِسَانُهُمْ عَلَى النُّطْقِ إِلَّا بَعْضَ عِبَادِ اللَّهِ مِنَ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ.

وَيَصِحُّ إِسْلامُ مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ بِنَصْبِ مُحَمَّدًا وَرَسُولَ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ وَصْفُ مُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَلامًا مَبْتُورًا إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ جَوَازَ نَصْبِ اسْمِ إِنَّ وَأَنَّ وَخَبَرِهِمَا ذَكَرَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي النَّحْوِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ بِقَلْبِي وَأَعْتَرِفُ بِلِسَانِي أَنْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ [هَذَا عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ وَعَلَى التَّفْسِيرِ الآخَرِ «لا خَالِقَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا اللَّهُ» وَهُوَ أَحْسَنُ].

الشَّرْحُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا كَانَتْ بِلا اعْتِقَادٍ لا تَنْفَعُ، اللَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ وَصْفَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ رِسَالَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَفِي الإِنْجِيلِ الْمُنَزَّلَيْنِ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى، الْيَهُودُ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا نَبِيٌّ رَسُولٌ بِمَا عَرَفُوا مِنَ التَّوْرَاةِ مِنْ وَصْفِ مُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ وَكَذَلِكَ فِي الإِنْجِيلِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/146] وَمَعَ ذَلِكَ يُكَذِّبُونَهُ وَيَكْفُرُونَ بِهِ .

وَمَعْنَى أَشْهَدُ يَتَضَمَّنُ الِاعْتِقَادَ لِذَلِكَ الشَّرْعُ اخْتَارَ الشَّهَادَةَ أَيِ اخْتَارَ أَشْهَدُ بَدَلَ أَعْلَمُ أَوْ أَعْرِفُ.

وَالإِلَهُ مَنْ لَهُ الإِلَهِيَّةُ وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ أَيْ إِبْرَازِ الأَشْيَاءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.

وَمَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ «لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ» أَيْ لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُعْبَدَ أَيْ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةَ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ بِذَلِكَ الإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ [فِي فَتَاوِيهِ] وَغَيْرُهُ كَأَبِي مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ «تَهْذِيبِ اللُّغَةِ» وَابْنِ مَنْظُورٍ صَاحِبِ كِتَابِ «لِسَانِ الْعَرَبِ» وَالْفَرَّاءِ [نَقَلَهُ عَنْهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصَّحَاحِ]، وَلَفْظُ السُّبْكِيِّ:

«الْعِبَادَةُ أَقْصَى غَايَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ»، ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ اللُّغَوِيُّ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ، وَمِمَّنْ فَسَّرَ الْعِبَادَةَ بِذَلِكَ أَيْضًا الرَّاغِبُ الأَصْبَهَانِيُّ وَهُوَ لُغَوِيٌّ مَشْهُورٌ يُكْثِرُ النَّقْلَ عَنْهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْقَامُوسِ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ، قَالَ فِي تَأْلِيفِهِ مُفْرَدَاتُ الْقُرْءَانِ: «الْعِبَادَةُ غَايَةُ التَّذَلُّلِ».

وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ عَنِ السُّبْكِيِّ: إِنَّهُ حَافِظٌ فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ لُغَوِيٌّ نَحْوِيٌّ مُتَكَلِّمٌ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِيهِ [فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى]: [الْوَافِر]

لِيَهْنَ الْمِنْبَرُ الأُمَوِيُّ لَمَّا عَلاهُ الْحَاكِمُ البَحْرُ التَّقِيُّ شُيُوخُ الْعَصْرِ أَحْفَظُهُمْ جَمِيعًا وَأَخْطَبُهُمْ وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ

وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ مُطْلَقَ الطَّاعَةِ لِمَخْلُوقٍ فِي أَيِّ شَىْءٍ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ لَكَانَ عُمَّالُ الْحُكَّامِ الْجَائِرِينَ كُفَّارًا، فَهَلْ يَقُولُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَيْضًا الْمُتَوَسِّلِينَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ فِي هَؤُلاءِ الْعُمَّالِ إِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، أَلَيْسَ هَؤُلاءِ أَنْفُسُهُمْ يُطِيعُونَ الْحُكَّامَ فِي بَعْضِ الْمَعَاصِي فَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ يَكُونُونَ حَكَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الْوَهَّابِيَّةُ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ كَفَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا.

فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْمُسْتَغِيثِينَ بِالأَوْلِيَاءِ وَالأَنْبِيَاءِ لِيَتَعَلَّمُوا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ قَبْلَ إِطْلاقِ أَلْسِنَتِهِمْ بِالتَّكْفِيرِ؛ وَهَذَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْمُرَادَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/25] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سُورَةَ الْفَاتِحَة/5]، وَهَذِهِ هِيَ الْعِبَادَةُ الْمُخْتَصَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى الَّتِي مَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِهِ صَارَ مُشْرِكًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا مُجَرَّدَ النِّدَاءِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ أَوِ الِاسْتِغَاثَةِ أَوِ الْخَوْفِ أَوِ الرَّجَاءِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مُجَرَّدَ نِدَاءِ شَخْصٍ مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ شِرْكٌ وَكَذَلِكَ اسْتِعَانَتُهُ بِهِ إِلَّا بِالْحَيِّ الْحَاضِرِ حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ «يَا مُحَمَّدُ» صَارَ عِنْدَهُمْ كَافِرًا،

وَكَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَدَدَ» صَارَ كَافِرًا عِنْدَهُمْ، وَهَؤُلاءِ جَاهِلُونَ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّيْثُ وَهُوَ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ مُتَقَدِّمٌ «وَيُقَالُ لِلْمُشْرِكِينَ هُمْ عَبَدَةُ الطَّاغُوتِ - أَيِ الشَّيْطَانِ - وَيُقَالُ لِلْمُسْلِمِينَ عِبَادُ اللَّهِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/21] أَيْ أَطِيعُوا رَبَّكُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سُورَةَ الْفَاتِحَة/5] أَيْ نُطِيعُ الطَّاعَةَ الَّتِي يُخْضَعُ مَعَهَا» اهـ [ذَكَرَهُ الزَّبِيدِيُّ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ]،

وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ [نَقَلَهُ الزَّبِيدِيُّ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ]: «وَالْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ»، وَفِي الْمِصْبَاحِ لِلْفَيُّومِيِّ أَحَدِ مَشَاهِيرِ اللُّغَوِيِّينَ: «عَبَدْتُ اللَّهَ أَعْبُدُهُ عِبَادَةً وَهِيَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ»، وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ شَرْحِ الْقَامُوسِ لِلْحَافِظِ اللُّغَوِيِّ مُحَمَّدِ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيِّ: «وَالْعِبَادَةُ بِالْكَسْرِ الطَّاعَةُ».

فَإِنْ قَالَ هَؤُلاءِ وَأَمْثَالُهُمْ أَلَيْسَ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/31] أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمْ طَاعَتُهُمْ فِيمَا حَرَّمُوا وَحَلَّلُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ هَذَا التَّعْرِيفِ «الِانْقِيَادُ وَالتَّذَلُّلُ» فَإِنَّهُمْ انْقَادُوا وَتَذَلَّلُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يُطَاعُوا فِي ذَلِكَ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُمْ مُجَرَّدَ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يُطِيعُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ رِئَاسَةٌ فِي الْمَعْصِيَةِ لَكِنَّهُ لا يُطِيعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَطَاعَتْهُ النَّصَارَى أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ فَلا يَكُونُونَ عَابِدِينَ لِرُؤَسَائِهِمْ كَأُولَئِكَ،

وَكَذَلِكَ مُجَرَّدُ الطَّاعَةِ لِمَخْلُوقٍ فِي الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ عِبَادَةً لَهُ وَإِشْرَاكًا بِاللَّهِ؛ وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ الَّتِي يُكَفَّرُ فَاعِلُهُا هِيَ الطَّاعَةُ الَّتِي مَعَ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ قَالَ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ الْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا الطَّاعَةُ الْمَخْصُوصَةُ. وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّهُمْ كَمَا عَبَدُوا الْمَسِيحَ بِقَوْلِهِمْ هُوَ اللَّهُ أَوْ هُوَ ابْنُهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ الْقُرْءَانُ أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُمْ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ أَيْ عُلَمَاءَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَيِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا صَوَامِعَ بَعِيدَةً عَنِ النَّاسِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ عَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَهُمْ حَقُّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيْمِ،

وَلِأَنَّ الَّذِي يَقُولُ لِشَخْصٍ اعْتَرِفْ عِنْدِي بِذُنُوبِكَ أَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ فَقَدِ ادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/135] مَعْنَاهُ لا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ  أَنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ لِمَنْ عَصَى إِلَّا اللَّهُ، لِأَنَّ دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةِ لَهَا وُجُوهٌ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ أَنَّ لِلْعَبْدِ حَقَّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيْمِ أَوْ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ أَوِ الإِيْجَابِ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ.

فَائِدَةٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سُورَةَ الْكَهْف/104] قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ [جَامِع الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ ءَايِ الْقُرْءَانِ] إِنَّهَا تَعْنِي أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ الْعَمَلَ وَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ لِكَوْنِهِمْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ أَيْ تَذَلَّلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ غَايَةَ التَّذَلُّلِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْوَاحِدُ الأَحَدُ الأَوَّلُ الْقَدِيمُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الدَّائِمُ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَعْنَى الْوَاحِدِ الَّذِي لا ثَانِيَ لَهُ أَيْ لا شَرِيكَ لَهُ فِي الأُلُوهِيَّةِ، فَاللَّهُ وَاحِدٌ لا مِنْ طَريقِ الْعَدَدِ [قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: «وَاللَّهُ وَاحِدٌ لا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ» اهـ].

وَأَمَّا الأَحَدُ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُوَ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الأَحَدُ هُوَ الَّذِي لا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ وَالتَّجَزُّؤَ أَيْ لَيْسَ جِسْمًا لِأَنَّ الْجِسْمَ يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ عَقْلًا وَاللَّهُ لَيْسَ جِسْمًا. وَالْجِسْمُ مَا لَهُ طولٌ وعَرْضٌ وعُمْقٌ وسَمْكٌ وَتَرْكِيبٌ، وَيُقَالُ: الْجِسْمُ مَا تَرَكَّبَ مِنْ جَوْهَرَيْنِ فَأَكْثَرَ. قَالَ أَهْلُ التَّنْزِيهِ: اللَّهُ مَوْجُودٌ لا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَلا كَمِيَّةَ.

وَمَعْنَى الأَوَّلِ الَّذِي لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ فَهُوَ وَحْدَهُ الأَوَّلُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ كَانَ مَعْدُومًا ثُمَّ صَارَ مَوْجُودًا، وَبِمَعْنَاهُ الْقَدِيمُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ قِدَمَ اللَّهِ ذَاتِيٌّ وَلَيْسَ زَمَنِيًّا، وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْدَادِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى الْقَدِيمُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادُهُ، لَكِنْ أَجْمَعَتِ الأُمَّة ُ عَلَى جَوَازِ إِطْلاقِ الْقَدِيمِ عَلَى اللَّهِ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيْمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ إِطْلاقِ الْقَدِيمِ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ إِطْلاقُهُ عَلَى الذَّاتِ.

وَمَعْنَى الْحَيِّ إِذَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ وَعَصَبٍ وَمُخٍّ، بَلْ حَيَاتُهُ صِفَةٌ قَدِيـمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ [أَيْ ثَابِتَةٌ لَهُ] تَقْتَضِي صِحَّةَ الِاتِّصَافِ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ.

وَمَعْنَى الْقَيُّومِ الدَّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ بِهَذَا الِاسْمِ.

وَأَمَّا الدَّائِمُ فَمَعْنَاهُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ، وَبِمَعْنَاهُ الْبَاقِي لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ عَقْلًا، وَلا دَائِمَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا اللَّهُ، فَلا شَرِيكَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الدَّيْمُومِيَّةِ [أَيِ الْبَقَاءِ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ] لِأَنَّ دَيْمُومِيَّتَهُ اسْتَحَقَّهَا لِذَاتِهِ لا شَىْءَ غَيْرُهُ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا دَيْمُومِيَّةُ غَيْرِهِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَهِيَ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً بَلْ هُمَا شَاءَ اللَّهُ لَهُمَا الْبَقَاءَ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا فَيَجُوزُ عَلَيْهِمَا عَقْلًا الْفَنَاءُ، لَكِنْ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بَقَاؤُهُمَا بِنَصِّ الْقُرْءَانِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ [نَقَلَهُ الأُسْتَاذُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ]،

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِفَنَائِهِمَا أَوْ فَنَاءِ النَّارِ دُونَ الْجَنَّةِ وَبِالْعَكْسِ كُفْرٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِفَنَاءِ النَّارِ [ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى «الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» (ص/52، 67، 71-72)، وَنَقَلَهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّة أَيْضًا فِي كِتَابِهِ حَادِي الأَرْوَاحِ إِلَى بِلادِ الأَفْرَاحِ] بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى بَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَنَّ جَهْمَ بنَ صَفْوَانَ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بِفَنَائِهِمَا فَكَفَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ،

فَحُكْمُهُ حُكْمُ جَهْمٍ فَكِلاهُمَا كَافِرٌ [قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي كِتَابِ «الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» (1/42): وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ قِيلَ بِبَقَائِهِمَا وَقِيلَ بِفَنَائِهِمَا وَقِيلَ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ دُونَ النَّارِ أَمَّا الْقَوْلُ بِفَنَائِهَا فَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا حَكَاهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَإِنَّمَا حَكُوهُ عَنِ الْجَهْمِ بنِ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعِهِ الْجَهْمِيَّةِ وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الإِسْلامِ بَلْ ذَلِكَ مِمَّا أَكْفَرُوهُمْ بِهِ»].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْعَالِمُ الْقَدِيرُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَعْنَى الْخَالِقِ أَنَّهُ الَّذِي أَبْدَعَ وَكَوَّنَ وَأَبْرَزَ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا لِلَّهِ، فَمَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى حَدَثَ بِخَلْقِهِ تَعَالَى وَتَكْوِينِهِ وَإِبْدَاعِهِ، فَالْخَلْقُ هُوَ الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا لِلَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الرَّعْد/16] وَقَالَ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سُورَةَ الصَّافَّات/96] فَالآيَتَانِ صَرِيْحَتَانِ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ الأَجْسَامِ وَالأَعْمَالِ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّىْءِ يَشْمَلُ الْجِسْمَ وَالأَعْمَالَ،

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُون/14] فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرينَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لا يُخْطِئُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَتَقْدِيرُ غَيْرِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالتَّغَيُّرُ، فَيَجُوزُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيِ التَّقْدِيرِ إِطْلاقُ الْخَلْقِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ الشَّاعِرُ فِي وَصْفِ مَمْدُوحِهِ هَرِمِ بنِ سِنَانٍ: [الْكَامِل]

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

مَعْنَاهُ أَنْتَ تُقَدِّرُ وَتُنَفِّذُ وَبَعْضُ النَّاسِ يُقَدِّرُونَ وَلا يُنَفِّذُونَ، أَيْ أَنْتَ لَكَ مَزِيَّةٌ بِذَلِكَ. وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ خَلَقْتُ الأَدِيْمَ حِذَاءً أَيِ الْجِلْدَ قَدَّرْتُهُ حِذَاءً فَقَطَعْتُهُ وَصَنَعْتُهُ أَيْ أَنْفَذْتُ مَا قَدَّرْتُ.

كَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/110] فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةَ خُفَّاشٍ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الرُّوحَ ثُمَّ تَطِيرُ حَتَّى تَغِيبَ عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ ثُمَّ تَقَعُ مَيِّتَةً، هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى افْتِرَاءِ الْكَذِبِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [سُورَةَ الْعَنْكَبُوت/17] أَيْ تَفْتَرُونَ الْكَذِبَ. وَهَذَا لا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الْعَبْدِ يُقَالُ خَلَقَ فُلانٌ الإِفْكَ أَيِ افْتَرَاهُ وَبِهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ أَيْضًا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [سُورَةَ ص/7] أَيِ افْتِرَاءٌ يُقَالُ خَلَقَ فُلانٌ الْكَذِبَ وَاخْتَلَقَةُ أَيِ افْتَرَاهُ.

وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا خَلَقْتُ هَذَا الْخَشَبَ كُرْسِيَّا أَيْ سَوَّيْتُهُ أَمْلَسَ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ فَمَعْنَى خَلَقَ هُنَا سَوَّى وَمَلَّسَ.

وَمَعْنَى الرَّازِقِ الَّذِي يُوصِلُ الأَرْزَاقَ إِلَى عِبَادِهِ.

وَمَعْنَى الْعَالِمِ الْمُتَّصِفُ بِالْعِلْمِ، فَاللَّهُ مَوْصُوفٌ بِعِلْمٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَزْدَادُ وَلا يَنْقُصُ، فَاللَّهُ يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ مَا كَانَ فِي الْمَاضِي وَمَا سَيَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَمَا يَحْصُلُ الآنَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُحِيطٌ عِلْمًا بِالْكَائِنَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ، حَتَّى مَا يَحْدُثُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ الَّتِي لا انْقِطَاعَ لَهَا يَعْلَمُ ذَلِكَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا. فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فَهُوَ عَالِمٌ لا كَالْعُلَمَاءِ لِأَنَّ عِلْمَ غَيْرِهِ حَادِثٌ .

وَمَعْنَى الْقَدِيرِ الْمُتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ بِهَا فِي الْمُمْكِنَاتِ أَيْ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، بِهَا يُوجِدُ وَيُعْدِمُ، وَبِمَعْنَاهُ الْقَادِرُ إِلَّا أَنَّ الْقَدِيرَ أَبْلَغُ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَادِرِ الْمُتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ، وَأَمَّا الْقَدِيرُ فَمَعْنَاهُ الْمُتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ.

وَمَعْنَى الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَكْوِينِ مَا سَبَقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ، لا يُعْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ شَىْءٌ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِلا مَشَقَّةٍ وَلا يُمَانِعُهُ أَحَدٌ وَلا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْمَالِ ءَالَةٍ وَحَرَكَةٍ وَلا إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ، وَلا تَخَلُّفَ لِمُرَادِهِ.

وَتَأْتِي الإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/185]. وَمَعْنَى مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أَنَّ كُلَّ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الأَزَلِ أَنْ يَكُونَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ فِي الأَزَلِ أَنْ يَكُونَ لا يَكُونُ، وَلا تَتَغَيَّرُ مَشِيئَتُهُ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَشِيئَةِ دَلِيلُ الْحُدُوثِ، وَالْحُدُوثُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ، فَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ يُغَيِّرُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَغَيَّرَ مَشِيئَتُهُ.

وَهَذَا اللَّفْظُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ سَلَفُهُمْ وَخَلَفُهُمْ وَهُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ [فِي سُنَنِهِ] أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ بَعْضَ بَنَاتِهِ «مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ.

فَكُلُّ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الأَزَلِ وُجُودَهُ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ وَمَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ فِي الأَزَلِ وُجُودَهُ لا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ وَلَوْ دَعَا دَاعٍ أَنْ يَحْصُلَ أَوْ تَصَدَّقَ مُتَصَدِّقٌ بِنِيَّةِ ذَلِكَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الَّذِي لا حَوْلَ وَلا قُوَّة َإِلَّا بِهِ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِي حَقِّهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11].

الشَّرْحُ أَمَّا لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَغَّبَ فِيهِ وَوَرَدَ عَنْهُ هَذَا اللَّفْظُ بِكَمَالِهِ [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ]، وَثَبَتَ عَنْهُ بِدُونِ زِيَادَةِ «الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ]، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا بِزِيَادَةِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ]. وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ [فِي الْمُسْتَدْرَكِ] أَنَّ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ تَنْفَعُ لِتِسْعِينَ دَاءً أَقَلُّهَا الْهَمُّ.

وَمَعْنَى لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَيْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ [أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ]، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ مِنَ الشَّرِّ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَالَّذِي يَعْمَلُ الشَّرَّ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَالَّذِي يَعْمَلُ الْخَيْرَ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لَكِنْ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ عَمَلَهُ وَأَمَّا مَنْ يَعْمَلُ شَرًّا فَلا يُحِبُّ اللَّهُ عَمَلَهُ.

وَاللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِلَفْظِ يَلِيقُ بِهِ لِأَنَّ الْكَمَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَمَالًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ [أَيْ لِأَنَّ الأَلْفَاظَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ يَكُونُ إِطْلاقُ بَعْضِهَا عَلَى اللَّهِ دَالًّا عَلَى الْكَمَالِ كَمَا يَكُونُ إِطْلاقُهَا عَلَى الْمَخْلُوقِ دَالًّا عَلَى الْكَمَالِ كَالْعِلْمِ، وَيَكُونُ إِطْلاقُ بَعْضِهَا عَلَى اللَّهِ دَالًّا عَلَى الْكَمَالِ وَإِطْلاقُهَا عَلَى الْعَبْدِ دَالًّا عَلَى الذَّمِّ كَالْجَبَّارِ وَبِالْعَكْسِ كَالْعَاقِلِ] كَالْعِلْمِ أَوْ لا كَالْوَصْفِ بِالْجَبَّارِ مَدْحٌ فِي حَقِّ اللَّهِ وَذَمٌّ فِي حَقِّ الإِنْسَانِ،

وَكَالْوَصْفِ بِرَجَاحَةِ الْعَقْلِ مَدْحٌ فِي حَقِّ الإِنْسَانِ وَلا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ فِي حَقِّهِ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ أَيْ مَا لا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَاللَّوْنِ وَالْحَدِّ وَالتَّحَيُّزِ فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمُتَوَفَّى فِي أَوَّلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بَيَانُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي وَمُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَكَ عِبَارَتَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أُسْلُوبِ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ لا لِأَنَّ مَا يَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ:

«لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ» مَعْنَاهُ لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا. وَالْمَحْدُودُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَا لَهُ حَجْمٌ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالشَّجَرِ أَوْ لَطِيفًا كَالنُّورِ وَالظَّلامِ، فَإِذًا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالْجُلُوسِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا، وَالْمَحْدُودُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ حَدَّهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ وَلا يَجُوزُ أَنْ يَحُدَّ نَفْسَهُ بِحَدٍّ يَكُونُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ نَفْسَهُ وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ الشَّىْءَ لا يَخْلُقُ نَفْسَهُ.

أَمَّا الآيَةُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] فَهِيَ أَصْرَحُ ءَايَةٍ فِي الْقُرْءَانِ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى التَّنْزِيهَ الْكُلِيَّ، وَالْكَافُ فِي ﴿كَمِثْلِهِ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، فَفِي الآيَةِ نَفْيُ مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ عَنِ اللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فَفِيهِ إِثْبَاتُ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ، السَّمْعُ صِفَةٌ لائِقَةٌ وَالْبَصَرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ التَّنْزِيهَ حَتَّى لا يُتَوَهَّمَ أَنَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ كَسَمْعِ وَبَصَرِ غَيْرِهِ.

فَاللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ مِنَ اللَّطَائِفِ كَالنُّورِ وَالرُّوحِ وَالْهَوَاءِ وَمِنَ الْكَثَائِفِ كَالشَّجَرِ وَالإِنْسَانِ، وَالْجِسْمُ اللَّطِيفُ مَا لا يُضْبَطُ بِالْيَدِ وَالْجِسْمُ الْكَثِيفُ مَا يُضْبَطُ بِالْيَدِ أَيْ مَا يُجَسُّ بِالْيَدِ. وَهُوَ تَعَالَى لا يُشْبِهُ الْعُلْوِيَّاتِ وَلا السُّفْلِيَّاتِ [الْعُلْوِيَّاتُ مَا كَانَ فِي السَّمَوَاتِ وَالسُّفْلِيَّاتُ مَا كَانَ فِي الأَرْضِ].

وَقَدْ يَأْتِي بَعْضُ أَهْلِ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ كَالشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ عَنِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ نُورِ الدِّينِ الْيَشْرُطِيِّ بِلَفْظٍ مُتَنَاقِضٍ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ عَيْنُ كُلِّ شَىْءٍ»، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ «بِأَنَّهُ عَيْنُ الأَشْيَاءِ» يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جُمْلَةُ الْعَالَمِ وَأَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ «أَنَا جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ»، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ أَحْيَانًا لِشَخْصٍ «أَنْتَ اللَّهُ وَهَذَا الْجِدَارُ اللَّهُ» فَهَؤُلاءِ لا تَأْوِيلَ لِكَلامِهِمْ وَلا يَجُوزُ الشَّكُّ فِي كُفْرِهِمْ، وَمِثْلُهُمْ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: [الْمُتَقَارِب]

وَمَا فِي الْوُجُودِ سِوَى وَاحِدٍ وَلَكِنْ تَكَثَّرَ لَمَّا صَفَا

مَعْنَاهُ الْعَالَمُ هُوَ اللَّهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ مَنْسُوبَةٍ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ فِي الدِّيوَانِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ وَلا يَجُوزُ اعْتِقَادُ هَذَا، وَلا نَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ [الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ وَالْفَيْضِ الرَّحْمَانِيِّ] أَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ انْحَلَّ مِنْ شَىْءٍ أَوِ انْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ كَفَرَ، وَهَذَا ضِدُّ هَذَا الْبَيْتِ.

وَقَالَ بَعْضُ التِّجَّانِيَّةِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَيْنِ ذَاتِكَ الْغَيْبِيَّةِ» وَيُرَدُّ عَلَى هَؤُلاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ الْفَاتِحَة/2] فَإِنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ بِذَلِكَ وُجُودَ ذَاتِهِ وَوُجُودَ الْعَالَمِ مَعَ بَيَانِ أَنَّهُ خَالِقُهُ وَفِي ذَلِكَ نَفْيُ الْحُلُولِ وَالْوَحْدَةِ، وَهَؤُلاءِ لَيْسُوا صُوفِيَّةً بَلِ الصُّوفِيُّ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ سَيِّدِ الصُّوفِيَّةِ الْجُنَيْدِ الْبَغْدَادِيِّ [الرِّسَالَة الْقُشَيْرِيَّة]: «التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ»، قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الأَزَلِيُّ الَّذِي لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ حَادِثٌ .

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَهُوَ الْقَدِيمُ وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ وَهُوَ الْخَالِقُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ.

الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الأَزَلِيُّ وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ فَالْعَالَمُ حَادِثُ الْجِنْسِ وَالأَفْرَادِ وَخَالَفَتِ الْفَلاسِفَةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ قِسْمٌ مِنْهُمْ «الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ أَزَلِيٌّ بِمَادَّتِهِ وَأَفْرَادِهِ» وَمِنْ هَؤُلاءِ إِرَسْطُو وَتَبِعَهُ ابْنُ سِينَا وَالْفَارَابِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ «الْعَالَمُ قَدِيمُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ حَادِثُ الأَفْرَادِ» وَهَؤُلاءِ مُتَأَخِّرُو الْفَلاسِفَةِ وَتَبِعَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْسُبَ نَفْسَهُ إِلَى اتِّبَاعِهِمْ بَلْ نَسَبَ ذَلِكَ زُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، قَالَ الإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْفَرِيقَيْنِ فِي «تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ»: «وَضَلَّلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَكَفَّرُوهُمْ» مَعْنَاهُ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كُفَّارٌ بِالإِجْمَاعِ.

وَذَكَرَ تِلْكَ الْعَقِيدَةَ الْفَاسِدَةَ أَيْ أَنَّ الْعَالَمَ أَزَلِيٌّ بِنَوْعِهِ حَادِثٌ بِأَفْرَادِهِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي سَبْعَةٍ مِنْ كُتُبِهِ: مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمُوَافَقَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، وَكِتَابِ شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ، وَكِتَابِ شَرْحِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، وَكِتَابِ نَقْدِ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ [كِتَابُ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ لِابْنِ حَزْمٍ، وَابْنُ حَزْمٍ ضَالٌّ عَقْلُهُ نَاقِصٌ فَإِنَّهُ يَقُولُ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَقَادِرٌ عَلَى الظُّلْمِ.

وَيَقُولُ إِنَّ الشَّخْصَ إِذَا بَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ فَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ أَمَّا إِذَا بَالَ فِي إِنَاءٍ وَسَكَبَ الْبَوْلَ فِي الْمَاءِ لا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ، مِثْلُ هَذَا لا يَكُونُ إِمَامًا وَلا يُؤْخَذُ بِنَقْلِهِ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ]، وَكِتَابِ الْفَتَاوَى، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الأَعْلَى [انْظُرْ مَجْمُوعَةَ تَفْسِيرٍ]، وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ بِعَيْنِي فِيهَا. وَقَالَ جَلالُ الدِّينِ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَضُدِيَّةِ:

«وَقَدْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَةَ الْقَوْلَ بِالْقِدَم ِ الْجِنْسِيِّ فِي الْعَرْشِ»، وَالدُّوَانِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ تَرْجَمَهُ السَّخَاوِيُّ وَقَالَ: «سَمِعْتُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ مِنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ أَخَذَ عَنِّي».

وَالْقَوْلُ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ كَالْقَوْلِ بِنَفْيِ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمَا مِنْ أَكْفَرِ الْكُفْرِ فَإِنَّ الأَوَّلَ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ نَفْيٌ لِخَالِقِيَّةِ اللَّهِ، وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ وُجُودِ ذَاتِ اللَّهِ أَشَدُّ وَهُوَ تَعْطِيلٌ لِلشَّرَائِعِ كُلِّهَا لِأَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا جَاءَتْ بِإِثْبَاتِ ذَاتِ اللَّهِ فَهُمَا مِنْ أَشَدِّ الْكُفْرِ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ فِي ابْنِ تَيْمِيَةَ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهُ قَالَ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ:

لا يَكْفُرُ. وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّهُ قَالَ بِأَزَلِيَّةِ نَوْعِ الْعَالَمِ الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلائِيُّ [انْظُرْ ذَخَائِرَ الْقَصْرِ لِابْنِ طُولُونَ] وَالْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ طُولُونَ وَالْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ [الدُّرَّة الْمضية فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ تَيْمِيَةَ] .

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مِنَ الأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى الْعَرْشِ، وَمِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالنَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ.

الشَّرْحُ الأَعْيَانُ هِيَ الأَشْيَاءُ الَّتِي لَهَا حَجْمٌ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً كَالذَّرَّةِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا كَالْجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ لِكَوْنِهِ فِي مُنْتَهَى الْقِلَّةِ أَوْ كَبِيرَةً كَالْعَرْشِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا وَأَوْسَعُهَا مِسَاحَةً. أَمَّا الذَّرَّةُ [وَهُوَ هَذَا الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْكَوَّةِ بِوَاسِطَةِ الشَّمْسِ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ  تَلْمَسَهُ لا تُحِسُّ بِهِ]  فَهِيَ أَصْغَرُ الأَجْرَامِ الَّتِي تَرَاهَا الْعَيْنُ، وَيُوجَدُ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْهَبَاءِ مِمَّا لا تَرَاهُ الْعُيُونُ وَلَهُ حَجْمٌ كَأَصْغَرِ حَجْمٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ التَّوْحِيدِ «الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ»،

هَذَا وَمَا زَادَ عَلَيْهِ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَوْجَدَهُ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ وَنَوَايَاهُمْ وَعُلُومُهُمْ وَخَوَاطِرُهُمُ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ إِرَادَتِهِمْ وَنَظَرُهُمْ بِقَصْدٍ إِلَى شَىْءٍ وَطَرْفُ أَعْيُنِهِمْ بِقَصْدٍ وَبِغَيْرِ قَصْدٍ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ خَلَقَهَا فِيهِمْ، أَمَّا الْعِبَادُ فَلا يَخْلُقُونَ شَيْئًا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا طَبِيعَةٌ وَلا عِلَّةٌ.

الشَّرْحُ الطَّبِيعَة ُهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الأَجْرَامَ وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الْعَادَةُ، فَهَذِهِ لا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَالِقَةً لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ لا إِرَادَةَ لَهَا وَلا مَشِيئَةَ وَلا اخْتِيَارَ، وَأَمَّا الطَّبَائِعُ الأَرْبَعَةُ فَهِيَ: الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ.

وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَهِيَ كالسَّبَبِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ مِثْلُ حَرَكَةِ الإِصْبَعِ الَّذِي فِيهِ خَاتَمٌ، فَحَرَكَةُ الإِصْبَعِ عِنْدَهُمْ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ لِأَنَّ حَرَكَةَ الْخَاتَمِ تَتْبَعُ حَرَكَةَ الإِصْبَعِ. الْفَلاسِفَةُ قَالُوا إِنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى مَوْجُودٌ غَيْرَ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ وَسَبَبٌ لَهَا. وَالسَّبَبُ شَىْءٌ حَادِثٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حَادِثٍ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُسَبَّبُهُ، الْجُوعُ حَادِثٌ وَالأَكْلُ حَادِثٌ، الأَكْلُ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْجُوعِ فَلا يُقَالُ سَبَبٌ إِلَّا لِلْمَخْلُوقِ، أَمَّا اللَّهُ فَلا يُسَمَّى سَبَبًا، قَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ:

«وَمِنَ الإِلْحَادِ تَسْمِيَّةُ اللَّهِ بِالْجِسْمِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلَّةِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ رُكْنُ الإِسْلامِ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ [الْمُسَامَرَة شَرْح الْمُسَايَرَة]: «مَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عِلَّةً أَوْ سَبَبًا فَقَدْ كَفَرَ» اهـ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الْفُرْقَان/2] أَيْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ فَاطِر/3].

الشَّرْحُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ أَيْ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا مِنَ الأَعْيَانِ أَيِ الأَجْسَامِ وَالْجَوَاهِرِ مِمَّا يَقُومُ بِذَاتِهِ وَالأَعْمَالِ مَا كَانَ مِنْهَا خَيْرًا وَمَا كَانَ مِنْهَا شَرًّا وَالنَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ الَّتِي لا نَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْ أَنْ تَرِدَ هُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَغَيْرُ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ وَمُنْسَجِمٌ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي ءَادَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمٰنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ].

وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَصْفَ اللَّهِ بِالْجَارِحَةِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُشَبِّهَةُ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى التَّقْرِيبِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَتَصَرَّفُ بِقُلُوبِ عِبَادِهِ كَمَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ تَعَبٌ وَمَشَقَّةٌ بَلْ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ يُحْدِثُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ] وَالْبَيْهَقِيُّ [فِي الِاعْتِقَادِ] وَالْحَاكِمُ [فِي الْمُسْتَدْرَكِ].

وَخَالَفَتْ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْ فِي أَفْعَالِ الْعَبْدِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَقَالَتْ إِنَّ الْعَبْدَ هُوَ خَالِقُهَا فَكَفَّرَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ كَأَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ [فِي أُصُولِ الدِّينِ] وَالإِمَامِ الْبُلْقِينِيِّ [فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ] - وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - وَالإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ شِيثِ بنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَالِكِيِّ [فِي حَزِّ الْغَلاصمِ فِي إِفْحَامِ الْمُخَاصِمِ] وَغَيْرِهِمْ؛ وَكَذَّبَتْ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ وَقَوْلَهُ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وَغَيْرَهُمَا. وَمَعْنَى الْخَلْقِ هُنَا الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ؛ وَلَفْظَةُ شَىْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ .

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ النَّسَفِيُّ: فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجًا بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ وَالْكَسْرُ وَالِانْكِسَارُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إِلَّا الْكَسْبُ، وَأَمَّا الْخَلْقُ فَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة /286].

الشَّرْحُ الضَّرْبُ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ انْكِسَارٌ وَقَدْ لا يَحْصُلُ، وَالْكَسْرُ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الزُّجَاجِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْيِ بِالْحَجَرِ، وَأَمَّا الِانْكِسَارُ فَمَا يَحْصُلُ مِنَ الأَثَرِ فِي الزُّجَاجِ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا الْكَسْبُ وَهُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ [فَالْكَسْبُ هُوَ قِيَامُ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ بِالْعَبْدِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ] قَالَ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أَيْ مِنَ الْخَيْرِ ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أَيْ مِنَ الشَّرِّ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أَيْ لِلنَّفْسِ جَزَاءُ مَا عَمِلَتْهُ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ أَيْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أَيْ عَلَيْهَا وَبَالُ مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ أَيْ يَضُرُّهَا ذَلِكَ، فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ لِنَفْسِهِ وَتَمَدَّحَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ شَىْءٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ الْكَسْبَ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ.

وَمِنْ أَوْضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَيْ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/17] فَإِنَّ الْقَتْلَ لِلْكُفَّارِ حَصَلَ مِنْهُمْ وَنَسَبَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ أَيِ الْكَسْبُ وَنَفَاهُ عَنْهُمْ مِنْ حَيْثُ التَّكْوِينُ كَذَلِكَ رَمْيُ الرَّسُولِ بِالْحَصَى الَّذِي مَلأَ أَعْيُنَهُمْ فَانْهَزَمُوا حَصَلَ مِنَ الرَّسُولِ كَسْبًا فَنَسَبَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْكَسْبُ وَنَفَى عَنْهُ مِنْ حَيْثُ التَّكْوِينُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِرَمْيِهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَلامُهُ قَدِيمٌ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

الشَّرْحُ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَعِلْمَهُ وَبَقَاءَهُ وَحَيَاتَهُ، هَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ فَهِيَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لِأَنَّ الذَّاتَ الأَزَلِيَّ لا يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ فَكَلامُهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لا ابْتِدَاءَ لَهُ. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ حَرْفًا وَصَوْتًا وَلُغَةً وَلا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ، وَلِذَلِكَ لا يُقَالُ عَنِ اللَّهِ نَاطِقٌ لِأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ بَلْ يُقَالُ مُتَكَّلِمٌ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ.

فَالْقُرْءَانُ وَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ إِنْ قُصِدَ بِهَا الْكَلامُ الذَّاتِيُّ فَهِيَ أَزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ، وَإِنْ قُصِدَ بِهَا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ الَّذِي بَعْضُهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَبَعْضُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَبَعْضُهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَهُوَ حَادِثٌ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ تَصْنِيفِ مَلَكٍ وَلا بَشَـرٍ، فَهِيَ عِبَارَاتٌ عَنِ الْكَلامِ الذَّاتِيِّ الَّذِي لا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَلا بِأَنَّهُ عِبْرَانِيٌّ وَلا بِأَنَّهُ سُرْيَانِيٌّ، وَكُلٌّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ، أَيْ أَنَّ صِفَةَ الْكَلامِ الْقَائِمَةَ بِذَاتِ اللَّهِ [أَيِ الثَّابِتَةَ لَهُ] يُقَالُ لَهَا كَلامُ اللَّهِ وَاللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ يُقَالُ لَهُ كَلامُ اللَّهِ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ إِطْلاقَانِ أَيْ لَهُ مَعْنَيَانِ:

الأَوَّلُ إِطْلاقُهُ عَلَى الْكَلامِ الذَّاتِيِّ الَّذِي لَيْسَ هُوَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَلا لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَلا غَيْرِهَا .