قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/97[.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ».
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً.
الشَّرْحُ الْحَجُّ قَصْدُ الْكَعْبَةِ بِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْعُمْرَةُ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَالْحَجُّ فَرْضٌ بِالإِجْمَاعِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ كَفَرَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَرْكِهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ وَفَرْضِيَّتِهِ فَلا يَكُونُ كُفْرًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ كَالْحَجِّ، وَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَتْ فَرْضًا.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْحَجِّ مَزِيَّةً لَيْسَتْ لِلصَّلاةِ وَلا لِلصِّيَامِ وَلا لِلزَّكَاةِ وَهِيَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ]، بِخِلافِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّهَا لا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَمَعَ ذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مَرْتَبَتُهَا فِي الدِّينِ أَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ الْحَجِّ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَزِيَّةَ لا تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ، أَيْ أَنَّ الْحَجَّ وَإِنْ كَانَ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ بِخِلافِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «فَلَمْ يَرْفُثْ» أَيْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْجِمَاعِ مَا دَامَ فِي الإِحْرَامِ.
ثُمَّ الشَّرْطُ فِي كَوْنِ الْحَجِّ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ وَيَجْعَلُ الإِنْسَانَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ [تَنْبِيهٌ مَنْ حَجَّ لا يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَوَاتُ الَّتِي لَمْ يَقْضِهَا وَلا الصِّيَامُ الَّذِي لَمْ يَقْضِهِ وَلا الزَّكَاةُ الَّتِي لَمْ يُؤَدِّهَا وَلا يَسْقُطُ عَنْهُ حُقُوقُ النَّاسِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ كَأَنْ كَانَ أَكَلَ مَالَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّهِ لَهُ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ] أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي يَتَزَوَّدُهُ لِحَجِّهِ حَلالًا،
وَأَنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ مِنَ الْفُسُوقِ أَيْ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالْجِمَاعِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلا يَجْعَلُهُ حَجُّهُ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، هَذَا مَعْنَى بَعْضِ مَا يَحْتَوِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ»، لَكِنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْفَظْ نَفْسَهُ مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ وَهِيَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلا يُقَالُ لِلَّذِي تَحْصُلُ مِنْهُ الصَّغَائِرُ وَهُوَ فِي الْحَجِّ كَكَذْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِمُسْلِمٍ وَنَظْرَةٍ بِشَهْوَةٍ «فَسَدَ حَجُّكَ وَلا أَذْهَبْتَ ثَوَابُهُ» لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ صَبِيحَةَ الْعِيدِ بِمِنًى امْرَأَةً شَابَّةً جَمِيلَةً تَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْحَجِّ فَجَعَلَ ابْنُ عَمِّهِ الْفَضْلُ بنُ الْعَبَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَعْجَبَهُ حُسْنُهَا وَجَعَلَتْ هِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ أَعْجَبَهَا حُسْنُهُ،
فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّهِ الَّذِي كَانَ رَاكِبًا خَلْفَهُ عَلَى الْبَعِيرِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَنْتَ أَذْهَبْتَ ثَوَابَ حَجِّكَ لِأَنَّكَ نَظَرْتَ نَظْرَةً مُحَرَّمَةً هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ] وَالتِّرْمِذِيُّ [فِي سُنَنِهِ].
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْحَجِّ أَنَّهُ جَمَعَ أَنْوَاعَ رِيَاضَةِ النَّفْسِ أَيْ تَهْذِيبِهَا فَفِيهِ إِنْفَاقُ مَالٍ وَفِيهِ جَهْدُ نَفْسٍ بِنَحْوِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالسَّهَرِ وَاقْتِحَامِ مَهَالِكَ وَفِرَاقِ وَطَنٍ وَأَهْلٍ وَإِخْوَةٍ أَيِ الأَصْحَابِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلَى الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ بِمَا يُوصِلُهُ وَيَرُدُّهُ إِلَى وَطَنِهِ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَمَسْكَنِهِ وَكِسْوَتِهِ اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ لِلْحَجِّ شُرُوطَ وُجُوبٍ وَشَرْطَ صِحَّةٍ.
فَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ فَهِيَ: الإِسْلامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَالْحُرِّيَّةُ.
وَأَمَّا شَرْطُ الصِّحَّةِ فَهُوَ الإِسْلامُ فَيَصِحُّ الْحَجُّ مِنَ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْمُسْتَطِيعِ وَغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، وَمِنَ الصَّبِيِّ فَيَصِحُّ مِنَ الْمُمَيِّزِ بِمُبَاشَرَةِ الأَعْمَالِ بِنَفْسِهِ كَالْبَالِغِ وَلا بُدَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَلِيُّهُ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِطَرِيقِ وَلِيِّهِ، الْوَلِيُّ يَقُولُ بِقَلْبِهِ جَعَلْتُ ابْنِي هَذَا مُحْرِمًا فِي حُضُورِ الصَّبِيِّ أَوْ فِي غَيْبَتِهِ فَيَكُونُ انْعَقَدَ الْحَجُّ لَهُ، لَكِنْ لا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلطَّوَافِ وَلِعَرَفَةَ وَلِلسَّعْيِ إِمَّا يَحْمِلُهُ وَإِمَّا يُوَكِّلُ شَخْصًا بِحَمْلِهِ يَكُونُ مَعَهُ فَلَوْ كَانَ ابْنَ سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ يَصِحُّ وَيُكْتَبُ الأَجْرُ لِلْغُلامِ وَيَكُونُ لِلأَبِ ثَوَابُ السَّبَبِيَّةِ،
فَإِذَا أَحْرَمَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مُمِيِّزًا أَيْ نَوَى جَعْلَهُ مُحْرِمًا وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ حَاضِرٍ عِنْدَ إِحْرَامِ الْوَلِيِّ عَنْهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ وَلِيُّهُ الْمَشَاهِدَ أَيْ طَافَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَسَعَى بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَشْهَدَهُ عَرَفَةَ صَحَّ لِهَذَا الطِّفْلِ حَجُّهُ لِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَتَتْ بِوَلَدٍ تَحْمِلُهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ «نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ]، فَإِذَا جَعَلَهُ وَلِيُّهُ مُحْرِمًا يَفْعَلُ عَنْهُ مَا لا يَتَأَتَّى مِنَ الطِّفْلِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِثْلَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ،
وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ. وَنِيَّةُ الْوَلِيِّ عَنْ طِفْلِهِ تَكُونُ بِأَنْ يَقُولَ جَعَلْتُ ابْنِي هَذَا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ طِفْلِهِ الصَّغِيرِ فِي ءَانٍ وَاحِدٍ.
أَمَّا صِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ فَشَرْطُهَا التَّمْيِيزُ وَإِذْنُ الْوَلِيِّ لِلصَّبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا صِحَّةُ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ نَذْرٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ.
وَأَمَّا وُقُوعُ الْحَجِّ عَنْ فَرْضِ الإِسْلامِ بِحَيْثُ لا يَجِبُ إِعَادَتُهُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً أُخْرَى فَشَرْطُهُ مَعَ التَّكْلِيفِ الْحُرِّيَّةُ التَّامَّةُ.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لا يَجِبَانِ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْكَامِلِ الْحُرِّيَّةِ الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ، فَلا يُطَالَبُ الْكَافِرُ الأَصْلِيُّ بِأَدَائِهِمَا حَتَّى لَوْ زَالَتْ عَنْهُ الِاسْتِطَاعَةُ ثُمَّ أَسْلَمَ لا يَجِبَانِ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْتِطَاعَتَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ كَلا اسْتِطَاعَةٍ، لَكِنَّ الْكَافِرَ يُخَاطَبُ بِهِمَا خِطَابَ عِقَابٍ فِي الآخِرَةِ. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُخَاطَبُ بِهِمَا خِطَابَ لُزُومٍ فَإِنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا فِي حَالِ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَقَدِ افْتَقَرَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ مَاتَ فِي زَمَنِ اسْتِطَاعَتِهِ مُرْتَدًّا لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ.
وَيُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لا يَجِبَانِ عَلَى الْقِنِّ وَالْقِنُّ هُوَ الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ لا يَجِبَانِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ وَإِنْ كَانَ لَوْ تَكَلَّفَ بِاسْتِدَانَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ [وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ].
وَالصَّبِيُّ الَّذِي حَجَّ فِي حَالِ الصِّبَا إِذَا بَلَغَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ يُعِيدُ الْحَجَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْعَالِمُ الْجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ الْحَدَّادُ الْحَضْرَمِيُّ إِنَّ مَنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ شَوْقًا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَحِرْصًا عَلَى إِقَامَةِ الْفَرِيضَةِ إِيـمَانُهُ أَكْمَلُ وَثَوَابُهُ أَعْظَمُ وَأَجْزَلُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لا يُضَيِّعَ بِسَبَبِهِ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ وَإِلَّا كَانَ ءَاثِمًا وَاقِعًا فِي الْحَرَجِ كَمَنْ بَنَى قَصْرًا وَهَدَمَ مِصْرًا اهـ مَعْنَاهُ خَسَارَتُهُ أَكْبَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فِي شَرْحِ الِاسْتِطَاعَةِ:
فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَمَسْكَنِهِ وَكِسْوَتِهِ اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ.
مَعْنَاهُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ الِاسْتِطَاعَةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ نَوْعَانِ: اسْتِطَاعَةٌ حِسِّيَّةٌ وَاسْتِطَاعَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ.
فَالِاسْتِطَاعَةُ الْحِسِّيَّةُ أَنْ يَجِدَ الشَّخْصُ مَا يُوصِلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَيَرُدُّهُ إِلَى وَطَنِهِ مِنْ زَادٍ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَمَسْكَنِهِ وَكِسْوَتِهِ اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ مَعَ الأَمْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ أَيِ الِاسْتِطَاعَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَمِنْهَا أَنْ تَجِدَ الْمَرْأَةُ مَحْرَمًا يَحُجُّ مَعَهَا أَوْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ بَالِغَاتٍ أَوْ مُرَاهِقَاتٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ وَجَدَتْ ثِقَةً وَاحِدَةً يَكْفِي لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ مَحْرَمُهَا لا يُسَافِرُ مَعَهَا لِلْحَجِّ إِلَّا بِالأُجْرَةِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ وَاجِدَةً لِهَذِهِ الأُجْرَةِ أَيْ قَادِرَةً عَلَيْهَا، فَلا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ إِلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ جَازَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِحَجِّ الْفَرْضِ وَحْدَهَا، أَمَّا لِغَيْرِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ وَهُوَ النَّفْلُ فَلا يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهَا وَلا مَعَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ،
وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ سَفَرَهَا لِزِيَارَةِ الأَوْلِيَاءِ أَوْ لِزِيَارَةِ قَبْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ لِغَيْرِ الْفَرْضِ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَفِي رِوَايَةٍ «مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَفِي رِوَايَةٍ «بَرِيدًا» [أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالْبَرِيدُ هُوَ مَسَافَةُ نِصْفِ النَّهَارِ] «إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةُ الإِسْنَادِ.
فَإِذَا كَانَ لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِلا مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ لِحَجِّ النَّفْلِ وَزِيَارَةِ قَبْرِ الرَّسُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَبِالأَوْلَى أَنْ لا يَجُوزَ لَهَا السَّفَرُ وَحْدَهَا لِلتَّنَزُّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرُهَا لِضَرُورَةٍ كَأَنْ تَخَافَ عَلَى نَفْسِهَا فِي بَلَدِهَا أَوْ لا تَجِدَ الْمُؤْنَةَ الَّتِي لا تَسْتَغْنِي عَنْهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ، أَوْ لا تَجِدَ مَنْ يُعَلِّمُهَا دِينَهَا أَيْ عِلْمَ دِينِهَا الضَّرُورِيَّ، أَوْ حَدَثَتْ لَهَا حَادِثَةٌ احْتَاجَتْ لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا فَلَمْ تَجِدْ فِي بَلَدِهَا مَنْ يُفْتِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ،
أَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ أَوْ أُمٌّ تَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيَاعَ إِنْ لَمْ تَذْهَبْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُسَافِرَ وَحْدَهَا لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ وَلَوْ خَالَفَتْ هَذَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فَسَافَرَتْ وَحْدَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً مُحَرَّمَةً مِنَ الصَّغَائِرِ، فَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ إِنِّي مُتَشَوِّقَةٌ لِزِيَارَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُسَافِرَ بِلا مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ كَمَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النِّسَاءِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ أَيْ جَوَازُ السَّفَرِ لِحَجِّ الْفَرْضِ لِلْمَرْأَةِ بِلا مَحْرَمٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ انْفَرَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فَلا يُجِيزُونَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرَ بِلا مَحْرَمٍ فِي حَجِّ الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ.
وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ تُسَمَّى الِاسْتِطَاعَةَ بِالنَّفْسِ وَهُنَاكَ اسْتِطَاعَةٌ بِالْغَيْرِ وَذَلِكَ فِي الْمَعْضُوبِ وَالْمَعْضُوبُ الْمَقْطُوعُ أَيِ الَّذِي قَطَعَهُ الْمَرَضُ فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَافِرَ لِيَحُجَّ بِنَفْسِهِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنِيبَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ، وَهَذَا النَّائِبُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَمَّا الَّذِي لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَلا يَنُوبُ عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ هَذَا الْمَعْضُوبُ إِذَا كَانَ لا يَجِدُ الأُجْرَةَ لَكِنْ وَجَدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ عَنْهُ وَهُوَ عَدْلٌ أَيْ يَحُجُّ بِلا أُجْرَةٍ وَلَوْ أُثْنَى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَطِيعًا، لَكِنَّ هَذَا الْمَعْضُوبَ إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ وَيَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ.
ثُمَّ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ [يُبَيِّنُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الْعَقْدِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَحَجُّ بِالأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ الَّتِي خِلافَ فِيهَا وَمَا زَادَ فَتَبَرُّعٌ] إِمَّا أَنْ تَكُونَ إِجَارَةَ عَيْنٍ أَوْ إِجَارَةَ ذِمَّةٍ، فَإِجَارَةُ الْعَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الشَّخْصَ لِيَحُجَّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَيِّتِهِ فَيَقُولَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي بِكَذَا، أَوْ يَقُولَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنْ وَالِدِي الْمَيِّتِ أَوْ عَنْ أُمِّي الْمَيِّتَةِ بِكَذَا مِنَ الأُجْرَةِ. وَأَمَّا إِجَارَةُ الذِّمَّةِ فَهِيَ أَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ الْحَجَّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ الْحَجَّ عَنِّي أَوْ عَنْ مَيِّتِي بِكَذَا وَيُسَمِّي أُجْرَةً مَعْلُومَةً فَفِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ الأَجِيرُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
وَتَخْتَلِفُ إِجَارَةُ الذِّمَّةِ عَنْ إِجَارَةِ الْعَيْنِ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا تَسْلِيمُ الأُجْرَةِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ أَيْ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَإِلَّا فَهِيَ فَاسِدَةٌ، أَمَّا إِجَارَةُ الْعَيْنِ فَلا يُشْتَرَطُ فِيهَا قَبْضُ الأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَوْ دَفَعَ لَهُ الأُجْرَةَ بَعْدَ زَمَانٍ صَحَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ شَخْصٌ بِالْحَجِّ عَنْ مَيِّتٍ دُونَ أَنْ يُلْزِمَهُ أَحَدٌ أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُ.
فَائِدَةٌ لَوْ مَاتَ الأَجِيرُ أَيِ الشَّخْصُ الَّذِي اسْتُؤْجِرَ لِيَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ بَعْدَمَا بَدَأَ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ يَسْتَحِقُّ قِسْطَهُ مِنَ الأُجْرَةِ أَيْ قِسْطَ الْقَدْرِ الَّذِي عَمِلَهُ وَسَقَطَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَيْ لا يَسْتَحِقُّ مَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي أَدَّاهُ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ، وَلَوْ فَعَلَ الأَجِيرُ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. ثُمَّ الَّذِي يَذْهَبُ لِحَجِّ الْبَدَلِ بِأُجْرَةٍ إِنْ كَانَ الَّذِي حَرَّكَهُ الْمَالُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ، أَمَّا الْمَيِّتُ فَيَنْتَفِعُ.
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ «فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَمَسْكَنِهِ وَكِسْوَتِهِ اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ» أَنَّ الْحَجَّ لا يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ إِلَّا إِذَا وَجَدَ زَادًا لِلْحَجِّ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا أَوْ كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَ حَقًّا لِلْعِبَادِ كَالْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِذَا كَانَ الشَّخْصُ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ لِشَخْصٍ أَوْ زَكَاةٌ لَمْ يَدْفَعْهَا وَكَانَ لَوْ حَجَّ فَاتَهُ أَدَاءُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ أَوْ أَدَاءُ الزَّكَاةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ.
وَعَنِ الْمَسْكَنِ وَعَنِ الْكِسْوَةِ. وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيْتٌ مِلْكٌ يَسْكُنُهُ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مِلْكًا أَوْ مُسْتَأْجَرًا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ أُجْرَتِهِ. وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكَنُ وَالْكِسْوَةُ لائِقَيْنِ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ فَوْقَ مَا يَلِيقُ بِهِ فَلا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَلا يَمْنَعُ الِاسْتِطَاعَةَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ فَيَمْنَعُ الِاسْتِطَاعَةَ.
وَعَنْ مُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ كَالزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ الَّذِي تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ الْفَقِيرَيْنِ.
وَعَنْ إِعْفَافِ أَبِيهِ، أَيْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَحْتَاجُ لِلزِّوَاجِ وَكَانَ الِابْنُ لا يَجِدُ مَا يَكْفِي لِزَادِ الْحَجِّ مَعَ مُؤْنَةِ تَزْوِيجِ الأَبِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ، اللَّهُ تَعَالَى أَكَّدَ أَمْرَ الْوَالِدِ فَإِنْ كَانَ الأَبُ بِحَاجَةٍ لِلزِّوَاجِ فَفَرْضٌ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُسَاعِدَهُ [أَيْ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ] فَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ فَهُوَ فَاسِقٌ، هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلأَبِ مَالٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ مِنْهُ، مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ يُرِيدُ الزِّوَاجَ وَيَحْتَاجُهُ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ تُوُفِّيَتْ مَثَلًا وَكَانَ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنْ كُلَفِهِ وَكَانَ الِابْنُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَاعِدَهُ صَارَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ مَعَ تَحَمُّلِ الْكُلْفَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَكُونُ عَاقًّا ذَنْبُهُ كَبِيرٌ فِي الآخِرَةِ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لا يَعْرِفُونَ هَذَا.
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ حُجَّ عَنْهُ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ اقْضُوا دَيْنَ اللَّهِ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَرْكَانُ الْحَجِّ سِتَّةٌ: الأَوَّلُ الإِحْرَامُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ «دَخَلْتُ فِي عَمَلِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ».
الشَّرْحُ الأَرْكَانُ وَهِيَ الأَعْمَالُ الَّتِي لا يَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهَا وَلا تُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَهِيَ سِتَّةٌ أَوَّلُهَا الإِحْرَامُ وَمَعْنَى الإِحْرَامِ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، وَالنُّسُكُ هُوَ عَمَلُ الْحَجِّ أَوْ عَمَلُ الْعُمْرَةِ، فَلا تَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْحَجِّ الْفَرْضِ إِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي قَلْبِهِ دَخَلْتُ فِي النُّسُكِ.
تَنْبِيهٌ قَصْدُ النُّسُكِ قَبْلَ الإِحْرَامِ لا يُسَمَّى إِحْرَامًا وَإِنَّمَا الإِحْرَامُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَهَذَا يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْجُهَّالِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْحَجَّ رُؤْيَةُ مَكَّةَ وَحُضُورُ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ مِثَالُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَقْصِدُ صِيَامَ رَمَضَانَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثُمَّ بَعْدَ دُخُولِ الشَّهْرِ يَنْوِي مُبَاشَرَةَ الصَّوْمِ أَيْ تَنْفِيذَهُ بِالْفِعْلِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ لَيَالِي رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَمَعْرِفَةُ مَا ذُكِرَ أَمْرٌ مُهِمٌّ لِأَنَّهُ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ ذَلِكَ فَلا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الإِحْرَامِ فَإِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ مَاذَا نَوَيْتَ يَقُولُ أَنَا نَوَيْتُ مَكَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا مِنْ دُونِ تَعْيِينٍ كَأَنْ يَقُولَ نَوَيْتُ الإِحْرَامَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَصْرِفُهُ لِلْحَجِّ وَحْدَهُ أَوْ لِلْعُمْرَةِ وَحْدَهَا أَوْ يَصْرِفُهُ لَهُمَا أَيْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِذَا كَانَ فِي بَدْءِ الأَمْرِ نَوَى الدُّخُولَ فِي النُّسُكِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا كَانَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ يَجْعَلُهُ حَجًّا مُفْرَدًا وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ عُمْرَةً مُفْرَدَةً وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ قِرَانًا أَيْ جَمْعًا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ الأَعْمَالَ قَبْلَ الصَّرْفِ أَيِ التَّعْيِينِ،
لَكِنْ لَوْ صَرَفَ بَعْدَ الطَّوَافِ يَكُونُ هَذَا الطَّوَافُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُّ الَّذِي بَعْدَهُ لا يَصِحُّ، هَذَا إِذَا كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ دُخُولِ شَهْرِ شَوَّالٍ، أَمَّا لَوْ نَوَى الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَيَنْقَلِبُ عَمَلُهُ هَذَا عُمْرَةً لِأَنَّهُ نَوَى الْحَجَّ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَالْحَجُّ لا تَصِحُّ نِيَّتُهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ أَشْهُرِهِ، وَأَشْهُرُ الْحَجِّ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَبَعْضُهَا مِنَ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ الأَرْبَعَةِ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ.
وَيُسَنُّ قَبْلَ الإِحْرَامِ الِاغْتِسَالُ وَتَطْيِيبُ الْبَدَنِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَفْضَلُ الطِّيبِ الْمِسْكُ الْمَخْلُوطُ بِمَاءِ الْوَرْدِ.
أَمَّا الثَّوْبُ فَتَطْيِبُهُ لا يُسَنُّ لَكِنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى لُبْسِ هَذَا الثَّوْبِ، وَلَوْ نَزَعَ هَذَا الثَّوْبَ الْمُطَيَّبَ عَنْ جِسْمِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ إِلَيْهِ وَتَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ إِنْ فَعَلَ، أَمَّا جِسْمُهُ فَتَطْيِيبُهُ سُنَّةٌ قَبْلَ الإِحْرَامِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ فِي اسْتِبْقَائِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَسُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّخُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ لِلإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَى رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَلا يَنْهَانَا».
ثُمَّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ يُسَنُّ لَهُمَا صَلاةُ رَكْعَتَيْنِ بِسُورَتَيِ الْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ وَذَلِكَ قَبْلَ الإِحْرَامِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ دَخَلْتُ فِي عَمَلِ الْحَجِّ أَوْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِي أَعْمَالِهِمَا عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَنُّ لِلرِّجَالِ أَنْ يَجْهَرُوا بِالتَّلْبِيَةِ أَيْ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ رَفْعًا قَوِيًّا، أَمَّا النِّسَاءُ فَلا يَرْفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالتَّلْبِيَةِ لا فِي الْمَرَّةِ الأُولَى وَلا فِيمَا بَعْدَهَا. وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ رَفْعُ أَصْوَاتِهِنَّ لِأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ عَوْرَةً لَكِنْ لا يُسَنُّ.
ثُمَّ هَذِهِ التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَمَنْ تَرَكَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ يَأْثَمُ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا لِلْحَجِّ.
وَأَكْمَلُ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ.
وَيُسَنُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يُدَاوِمَ التَّلْبِيَةَ فِي أَثْنَاءِ إِحْرَامِهِ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ ءَاكَدُ. وَبَعْدَ التَّلْبِيَةِ يُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَدُخُولَ الْجَنَّةِ.
ثُمَّ الْحَاجُّ إِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ أَوْ مَا يَكْرَهُهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْهَنِيئَةَ الدَّائِمَةَ الَّتِي لا يَتَخَلَّلُهَا كَدَرٌ هِيَ الْحَيَاةُ الأُخْرَوِيَّةُ، أَمَّا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَيَتَخَلَّلُهَا كَدَرٌ وَمَتَاعِبُ وَمَشَقَّةٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الثَّانِي الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى فَجْرِ لَيْلَةِ الْعِيدِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الرُّكْنَ الثَّانِيَ لِلْحَجِّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ [أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ] أَيْ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الْوُقُوفَ وَقْتُهُ قَصِيرٌ. وَيُجْزِئُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَةَ وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَوِ الشَّجَرَةِ فِيمَا بَيْنَ زَوَالِ شَمْسِ الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَوْ كَانَ مَارًّا لَمْ يَمْكُثْ فِيهَا أَوْ كَانَ نَائِمًا.
وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ مَكَّةَ قَبْلَ عَرَفَةَ مِنْ كَدَاء بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَهُوَ مَا يَلِي أَعْلَى مَكَّةَ وَيُسَنُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا مِنْ كُدَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ.
ثُمَّ السُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مِنًى يَوْمَ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَيَبِيتَ فِيهَا وَيُصَلِّيَ فِيهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ ءَاخِرُهَا صُبْحُ يَوْمِ عَرَفَةَ، ثُمَّ يَذْهَبُ بَعْدَ الإِشْرَاقِ إِلَى نَمِرَةَ [وَهِيَ أَرْضٌ مُلاصِقَةٌ لِعَرَفَةَ] وَيَمْكُثُ فِيهَا إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْ نَمِرَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ [وَهَذَا الْمَسْجِدُ جُزْءٌ مِنْهُ مِنْ عَرَفَةَ وَجُزْءٌ مِنْهُ لَيْسَ مِنْهَا] ثُمَّ يَدْخُلُ عَرَفَةَ .
ثُمَّ الأَفْضَلُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَقِفُوا فِي مَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ أَسْفَلَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَلِلنِّسَاءِ حَاشِيَةُ الْمَوْقِفِ حَتَّى لا يُزَاحِمْنَ الرِّجَالَ.
وَيُسَنُّ كَوْنُ كُلٍّ مُتَطَهِّرًا فَارِغَ الْقَلْبِ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ مُكْثِرًا مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى النَّبِيِّ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ وَالتِّلاوَةِ لا سِيَّمَا سُورَةَ الْحَشْرِ وَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ إِلَى ءَاخِرِهِ، وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ فِي عَرَفَاتَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ] فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً لِأَنَّهُ خَالَفَ الأَفْضَلَ.
ثُمَّ يَرْحَلُ مِنْ عَرَفَاتَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ [وَهِيَ أَرْضٌ بَيْنَ مِنًى وَعَرَفَات]. وَمَنْ حَصَلَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ إِلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَيَفْدِي، وَأَمَّا إِنِ ارْتَدَّ بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ .
تَنْبِيهٌ مَا شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ إِذَا صَادَفَ يَوْمُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُغْفَرُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَلَيْسَ صَحِيحًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ إِنْ صَادَفَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَكُونُ الْحَجَّةُ بِسَبْعِينَ أَوْ بِسَبْعٍ. وَأَمَّا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ فَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ وَلَيْسَ ذَاكَ الَّذِي شَاعَ .
فَائِدَةٌ الْقِبْلَةُ فِي الْمَدِينَةِ إِلَى الْجَنُوبِ وَفِي عَرَفَةَ إِلَى الْغَرْبِ وَفِي جُدَّةَ إِلَى الشَّرْقِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الثَّالِثُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ .
الشَّرْحُ الرُّكْنُ الثَّالِثُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ [الْبَيْتُ يُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ وَيُسَمَّى الْقِبْلَةَ وَكَانَ الْبَيْتُ قِبْلَةَ ءَادَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَى عَهْدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي صَلاتِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فَلا تَزَالُ الْقِبْلَةُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَمْ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيهِ رَأْيَانِ] وَلا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ انْتِصَافِ لَيْلَةِ النَّحْرِ [أَيْ لَيْلَةِ الْعِيدِ].
وَمَعْنَى الطَّوَافِ هُوَ أَنْ يَدُورَ الْحَاجُّ حَوْلَ الْكَعْبَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقَدْ جَعَلَ الْبَيْتَ أَيِ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ مَارًّا لِجِهَةِ الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، فَإِنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَمَشَى أَمَامَهُ أَوْ مَشَى الْقَهْقَرَى أَيْ إِلَى خَلْفٍ، أَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ أَمَامَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، أَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ وَمَشَى الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَصِحُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الطَّوَافِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ إِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
وَمِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ:
(1) أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَمُحَاذَاةُ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ فِي أَوَّلِ طَوَافِهِ، فَيَجِبُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ لا يَتَقَدَّمَ جُزْءٌ مِنْهُ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الْحَجَرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ.
(2) وَالنِّيَّةُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الطَّوَافُ دَاخِلًا فِي النُّسُكِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِإِحْرَامٍ بَلْ كَانَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تَجِبُ النِّيَّةُ فَلا يَصِحُّ الطَّوَافُ بِدُونِهَا. فَإِنْ طَافَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَدْ قِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الأَصَحُّ وَقِيلَ لا يَصِحُّ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَعَلَى الأَوَّلِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ.
(3) وَأَنْ يَكُونَ سَبْعًا يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِي الْعَدَدِ أَخَذَ بِالأَقَلِّ كَالصَّلاةِ، نَعَمْ إِنْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ غَيْرُهُ بِخِلافِ مَا اعْتَقَدَهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ فَإِنْ كَانَ بِنَقْصٍ سُنَّ الأَخْذُ بِهِ إِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي نَفْسِهِ تَرَدُّدًا وَإِلَّا وَجَبَ. وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ زِيَادَةَ شَوْطٍ فِي الطَّوَافِ كَمَا لا يَجُوزُ لِمُصَلِّي الْفَرْضِ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَةً فِي صَلاتِهِ.
(4) وَأَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلَوْ عَلَى سَطْحِهِ وَأَعْلَى مِنَ الْكَعْبَةِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ.
(5) وَأَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ خَارِجَهَا وَخَارِجَ الشَّاذَرْوَانِ وَالْحِجْرِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَالشَّاذَرْوَانُ جُزْءٌ مِنْ أَسَاسِ الْكَعْبَةِ مُرْتَفِعٌ قَدْرَ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا فَهُوَ مِنَ الْكَعْبَةِ لِذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ يَطُوفَ الإِنْسَانُ وَشَىْءٌ مِنْ بَدَنِهِ مُحَاذٍ لَهُ . (6) وَالطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَالنَّجَاسَةِ.
وَلا يُشْتَرَطُ الْمَشْيُ بَلْ يَصِحُّ الطَّوَافُ لَوْ كَانَ رَاكِبًا فَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا الْبَعِيرَ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَطَافَتْ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ كَذَلِكَ وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَذَلِكَ كَانَ فِي حَالٍ لا يَحْصُلُ مِنْهُ تَقْذِيرٌ لأِرْضِ الْمَسْجِدِ بِرِجْلِ الْبَعِيرِ، وَلَوْ كَانَ فِي حَالٍ يَحْصُلُ مِنْهُ تَقْذِيرٌ لِلْمَسْجِدِ بِمَا عَلَى رِجْلِ الْبَعِيرِ مِنْ رَوْثٍ أَوْ غَيْرِهِ حَرُمَ لِأَنَّ تَقْذِيرَ الْمَسْجِدِ وَلا سِيَّمَا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَرَامٌ.
(7) وَيُشْتَرَطُ فِي الطَّوَافِ أَنْ لا يَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ كَطَلَبِ غَرِيمٍ وَنَحْوِهِ فِي الأَصَحِّ.
وَمِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ
الْمَشْيُّ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ جَائِزًا لَكِنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ حَتَّى لِلنِّسَاءِ.
وَالْحَفَاءُ أَيْ أَنْ يَكُونَ حَافِيًا وَلَوْ طَافَ لابِسًا حِذَاءً نَظِيفًا طَاهِرًا جَازَ بِلا كَرَاهَةٍ لَكِنَّهُ خِلافُ الأُولَى إِلَّا لِعُذْرٍ كِشِدَّةِ حَرٍّ بَلْ يَحْرُمُ حِينَئِذٍ إِنْ تَضَرَّرَ بِهِ، وَسُنِّيَّةُ الْحَفَاءِ لا تَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ .
وَتَقْصِيرُ الْخُطَى أَيْ كَوْنُهَا مُتَقَارِبَةً.
وَاسْتِلامُ الْحَجَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَقْبِيلُهُ بِلا صَوْتٍ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَبَّلَهُ وَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ صَوْتٌ، وَيُسَنُّ وَضْعُ جَبْهَتِهِ عَلَيْهِ وَتَكْرِيرُ كُلٍّ مِنْهَا ثَلاثًا فِي كُلِّ طَوْفَةٍ وَالأَوْتَارُ ءَاكَدُ. وَلا يُسَنُّ لِغَيْرِ الذَّكَرِ اسْتِلامٌ وَتَقْبِيلٌ وَوَضْعُ جَبْهَةٍ إِلَّا بِخَلْوَةِ الْمَطَافِ عَنِ الأَجَانِبِ أَيْ إِلَّا إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ وَقْتًا يَخْلُو الْمَطَافُ فِيهِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهَا، وَيُسَنُّ اسْتِلامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَيُبَاحُ تَقْبِيلُ الشَّامِيَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ.
وَالأَذْكَارُ الْمَأْثُورَةُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ فِيهِ، فَمِنَ الْمَأْثُورِ «رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ] إِذْ ثَبَتَ أَنَّهَا أَكْثَرُ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ. وَمَنْ شَغَلَ وَقْتَ طَوَافِهِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ كَانَ حَسَنًا.
وَالرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ لِلرِّجَالِ، فَيُسَنُّ الرَّمَلُ وَهُوَ الإِسْرَاعُ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي الأَشْوَاطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، أَمَّا بَاقِي الأَشْوَاطِ فَيَمْشُونَهَا كَالْعَادَةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَمْشِينَ كَالْعَادَةِ فِي جَمِيعِ الطَّوَافِ. وَالِاضْطِبَاعُ هُوَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدَ جَانِبَيْ رِدَائِهِ مِنْ تَحْتِ إِبْطِهِ الأَيْمَنِ وَيُلْقِيَهُ عَلَى الْكَتِفِ الأَيْسَرِ .
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُسَنُّ لَهُنَّ أَنْ يَلْبَسْنَ فَوْقَ الْخِمَارِ الْجِلْبَابَ.
وَالْقُرْبُ مِنَ الْبَيْتِ.
وَالْمُوَالاةُ بَيْنَ الطَّوْفَاتِ، وَلَوْ لَمْ يُوَالِ بَلْ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِي أَثْنَاءِ الطَّوْفَاتِ أَوْ لِيَشْرِبَ شَيْئًا جَازَ، وَأَمَّا لَوْ طَافَ جُزْءًا ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَكْمَلَ الْبَقِيَّةَ فَفِيهِ خِلافٌ.
وَصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَالأَفْضَلُ فِعْلُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ أَيْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ فِي الْكَعْبَةِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ فَتَحْتَ الْمِيزَابِ الَّذِي يُسَمَّى مِيزَابَ الرَّحْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبَقِيَّةِ الْحِجْرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوَجْهِ الْكَعْبَةِ أَيْنَمَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ ثُمَّ بَقِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَيْنَمَا كَانَ فِي ضِمْنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَارِ خَدِيْجَةَ ثُمَّ بَقِيَّةِ مَكَّةَ ثُمَّ سَائِرِ الْحَرَمِ .
ثُمَّ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَمَنْ تَرَكَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَفِي قَوْلٍ مَنْ لَمْ يُصَلِّهِمَا عَلَيْهِ دَمٌ. ثُمَّ لَوْ صَلَّى فَرْضًا مَا أَوْ نَفْلًا مَا بَدَلَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ عَقِبَ الطَّوَافِ حَصَلَ الثَّوَابُ لَكِنْ أَقَلُّ مِمَّا لَوْ صَلَّى بِنِيَّةِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَمَنْ نَوَى بِتِلْكَ الصَّلاةِ سُنَّةَ الطَّوَافِ وَغَيْرَهَا حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ .
فَائِدَةٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ حَجَرٌ كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ بِنَائِهِ لِلْكَعْبَةِ وَكَانَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلْتَصِقًا بِالْكَعْبَةِ بَيْنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَبَيْنَ بَابِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَزَاحَهُ السَّيْلُ عَنْ مَكَانِهِ فَبَقِيَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالآنَ فِي عَصْرِنَا هَذَا مِنْ أَجْلِ تَوْسِيعِ الْمَطَافِ عَلَى النَّاسِ أُزِيحَ مِنْ مَكَانِهِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ، وَهَذَا الْحَجَرُ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْجَنَّةِ كَالْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَوَرَدَ أَنَّ الْمَقَامَ وَالْحَجَرَ الأَسْوَدَ نَزَلا مِنَ الْجَنَّةِ وَهُمَا يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ ثُمَّ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْلا ذَلِكَ لَأَضَاءَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ] وَغَيْرُهُ ثُمَّ اسْوَدَّ مِنْ تَمَسُّحِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا كَفَرَ أَهْلُ مَكَّةَ بِعِبَادَةِ الْوَثَنِ بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً.
فَائِدَةٌ الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ يُقَابِلُ بِلادَ الشَّامِ أَمَّا الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ وَرُكْنُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيُقَابِلانِ الْيَمَنَ وَالْحَبَشَةَ وَمَا يُسَامِتُهُمَا مِنَ الْبِلادِ الْجَنُوبِيَّةِ وَيُقَالُ لَهُمَا الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَّانِ، وَيُقَالُ فِيمَا يُقَابِلُهُمَا الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ، فَالْكَعْبَةُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ رُكْنَانِ شَامِيَّانِ وَرُكْنَانِ يَمَانِيَانِ، فَالَّذِينَ يَكُونُونَ فِي جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ قِبْلَتُهُمْ إِلَى الْجَنُوبِ وَالَّذِينَ يَكُونُونَ فِي جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ قِبْلَتُهُمْ إِلَى الشَّمَالِ، وَأَهْلُ الشَّامِ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى الْجَنُوبِ يَكُونُونَ تَوَجَّهُوا إِلَى مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ مِنَ الْكَعْبَةِ .
فَائِدَةٌ الطَّوَافُ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وَالأُمُورُ التَّعَبُدِيَّةُ فِيهَا إِظْهَارُ انْقِيَادِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ مِنْ دُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهَذَا جَوَابُ مَنْ يَقُولُ لِمَاذَا الطَّوَافُ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ وَلَيْسَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَالْحِكْمَةُ مِنَ الطَّوَافِ إِظْهَارُ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ كَأَنَّ الطَّائِفَ يَقُولُ مَهْمَا دُرْتُ وَحَيْثُ مَا كُنْتُ أَثْبُتُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّابِعُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْعَقْدِ.
الشَّرْحُ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لا يَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ، وَوَاجِبَاتُهُ أَرْبَعَةٌ.
الأَوَّلُ: الْبَدَاءَةُ فِي الأَوْتَارِ بِالصَّفَا وَفِي الأَشْفَاعِ بِالْمَرْوَةِ، وَالْعَقْدُ [وَقَدْ أُزِيلَ فِي هَذَا الزَّمَنِ] الَّذِي عَلَى الصَّفَا عَلامَةٌ عَلَى أَوَّلِهَا وَالْعَقْدُ هُوَ الْمَبْنَى الْمُقَوَّسُ، فَمَنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ شَاءَ يَصْعَدُ إِلَى مَا فَوْقَهُ مِنَ الصَّخَرَاتِ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَبَدَأَ بِالْعَقْدِ صَحَّ. وَالصَّفَا جَبَلٌ وَالْمَرْوَةُ جَبَلٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَادٍ مُنْخَفِضٌ ثُمَّ هَذَا الْوَادِي طُمَّ بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ فَصَارَتِ الأَرْضُ سَهْلَةً.
الثَّانِي: كَوْنُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ.
الثَّالِثُ: كَوْنُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ نِصْفِ الشَّوْطِ إِلَى خَارِجِ الْمَسْعَى وَلَمْ يَعُدْ إِلَى حَيْثُ كَانَ بَلْ أَكْمَلَ إِلَى أَمَامِهِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الشَّوْطُ، فَإِنْ أَتَى بِغَيْرِ هَذَا الشَّوْطِ صَحَّ، فَإِنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْغَدِ أَعَادَ السَّعْيَ كُلَّهُ.
وَمَنْ زَادَ فِي عَدَدِ أَشْوَاطِ السَّعْيِ عَامِدًا فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ وَأَمَّا مَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الأَشْوَاطِ يَأْخُذُ بِالْيَقِينِ.
وَتُسْتَحَبُّ الْمُوَالاةُ فِي السَّعْيِ وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ»، وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ الْهَرْوَلَةُ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْخَامِسُ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ.
الشَّرْحُ الْخَامِسُ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَالْحَلْقُ هُوَ اسْتِئْصَالُ الشَّعَرِ بِالْمُوسَى، وَالتَّقْصِيرُ هُوَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الشَّعَرِ شَىْءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْصَالٍ، فَفِعْلُ أَحَدِ هَذَيْنِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ. وَالتَّقْصِيرُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَعَرِ الرَّأْسِ، وَلَوْ كَانَ مُتَدَلِّيًا عَلَى الْكَتِفَيْنِ فَقَصَّ مِنَ الْقَدْرِ الْمُتَدَلِّي صَحَّ، أَمَّا لَوْ قَصَّ مِمَّا نَبَتَ خَارِجَ حَدِّ الرَّأْسِ فَلا يَكْفِي.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا «وَلِلْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» قَالَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا «وَلِلْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ثُمَّ قَالَ «وَلِلْمُقَصِّرِينَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ]، أَعَادَ ذِكْرَ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ لِتَأْكِيدِ أَفْضَلِيَّتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ حَلَقَ فِي غَيْرِ النُّسُكِ إِنَّمَا كَانَ يُقَصِّرُ، أَحْيَانًا كَانَ يَصِلُ شَعَرُهُ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَأَحْيَانًا إِلَى مَنْكِبَيْهِ.
أَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ «كُنَّا أَزْوَاجَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَأْخُذُ مِنْ شُعُورِنَا حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ] وَالْوَفْرَةُ هُوَ مَا يَصِلُ إِلَى الأُذُنِ. فَالتَّقْصِيرُ جَائِزٌ لِلنِّسَاءِ كَمَا هُوَ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ لَكِنَّ الْحَلْقَ بِالْمُوسَى حَرَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَكْرُوهٌ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ.
وَوَقْتُ إِجْزَاءِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ مِنَ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ حَرَامٌ أَنْ يَنْتِفَ الْحَاجُّ شَعْرَةً وَاحِدَةً مِنْ شَعَرِ بَدَنِهِ، كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْتِفَ شَعْرَةً مِنْ بَدَنِهَا قَبْلَ انْتِصَافِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ إِزَالَةَ الشَّعَرِ فِي أَوَّلِ الإِحْرَامِ إِلَى انْتِصَافِ لَيْلَةِ الْعِيدِ حَرَامٌ وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ عِبَادَةٌ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِقُ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ بِالْمُوسَى لِأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ بِالْمِقَصِّ أَوْ نَحْوِهِ، فَالْوَاجِبُ إِزَالَةُ ثَلاثِ شَعَرَاتٍ بِالْقَصِّ أَوِ النَّتْفِ أَوِ الْحَرْقِ أَوْ أَيِّ كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى، لَكِنَّ اسْتِعْمَالَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي فِيهَا ضَرَرٌ لا يَجُوزُ، وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ رُبْعُ الرَّأْسِ.
وَوَرَدَ أَنَّ لِلْحَالِقِ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الأَوْسَطِ].
ثُمَّ إِنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ يُسَنُّ:
• أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَالأَفْضَلُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ طَوَافِ الرُّكْنِ وَالسَّعْيِ.
• وَيُسَنُّ الْبَدَاءَةُ بِيَمِينِ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ وَمُقَدَّمِهِ.
• وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ .
• وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ .
• وَحَلْقُ جَمِيعِهِ لِذَكَرٍ وَتَقْصِيرُ جَمِيعِهِ أَيْ لِغَيْرِ الذَّكَرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّادِسُ التَّرْتِيبُ فِي مُعْظَمِ الأَرْكَانِ.
الشَّرْحُ إِنَّمَا قِيلَ التَّرْتِيبُ فِي مُعْظَمِ الأَرْكَانِ لِأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الإِحْرَامِ عَلَى الْكُلِّ وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ عَنِ الْوُقُوفِ .
فَائِدَةٌ اعْلَمْ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْحَجِّ تَحَلُّلانِ تَحَلُّلٌ أَوَّلُ وَهُوَ الإِتْيَانُ بِاثْنَيْنِ مِنْ ثَلاثَةٍ مِنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ الْمَتْبُوعِ بِسَعْيٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ، وَالثَّلاثَةُ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الأَوَّلِ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ سِوَى أُمُورِ النِّسَاءِ. وَتَحَلُّلٌ ثَانٍ وَيَحْصُلُ بِالإِتْيَانِ بِالأُمُورِ الثَّلاثَةِ وَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ مَا حَرُمَ بِالإِحْرَامِ حَتَّى الْجِمَاعُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّ رَمْيَ الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا بَعْدُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهِيَ إِلَّا الْوُقُوفَ أَرْكَانٌ لِلْعُمْرَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ هَذِهِ السِّتَّةَ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الْحَجِّ هِيَ أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ إِلَّا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَلَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ بَلْ وَلا يُشْرَعُ لِلْعُمْرَةِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
فَإِذًا تَلَخَّصَ أَنَّ أَرْكَانَ الْعُمْرَةِ خَمْسَةٌ الإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ وَالتَّرْتِيبُ، فَالتَّرْتِيبُ هُنَا فَرْضٌ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ بِخِلافِ الْحَجِّ، وَالتَّرْتِيبُ الْمَفْرُوضُ يَكُونُ بِالِابْتِدَاءِ بِالإِحْرَامِ ثُمَّ الطَّوَافِ ثُمَّ السَّعْيِ ثُمَّ الْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ. فَائِدَةٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلِ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ أَفْضَلُ أَمِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْوُقُوفُ أَفْضَلُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الطَّوَافُ أَفْضَلُ، ثُمَّ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْحَجِّ السَّعْيُ ثُمَّ الْحَلْقُ .
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلِهَذِهِ الأَرْكَانِ فُرُوضٌ وَشُرُوطٌ لا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا، فَيُشْتَرَطُ لِلطَّوَافِ قَطْعُ مَسَافَةٍ وَهِيَ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَمِنْ شُرُوطِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ لا يَسْتَقْبِلُهَا وَلا يَسْتَدْبِرُهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأَرْكَانِ فُرُوضًا كَكَوْنِ الطَّوْفَاتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ السَّتْرُ وَالطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثَيْنِ وَالنَّجَاسَةِ وَكَوْنُ الطَّوَافِ فِي الْمَسْجِدِ فَلا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا لِأَنَّهُ لا يَصِحُّ النُّسُكُ إِنْ فُقِدَ شَىْءٌ مِنْهَا. فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَمَا طَافَ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَعُودُ فَيُكْمِلُ وَكَذَلِكَ إِذَا انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ يُعِيدُ السَّتْرَ وَيُكْمِلُ مِنْ حَيْثُ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالشَّرْطِ أَنَّ الْفَرْضَ مَا كَانَ جُزْءًا مِنَ النُّسُكِ، وَأَمَّا الشَّرْطُ فَهُوَ مَا لَيْسَ جُزْءًا مِنَ النُّسُكِ لَكِنْ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّسُكِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ كُلُّ أَرْكَانِ الْحَجِّ تَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ وَمَعَ النَّجَاسَةِ إِلَّا الطَّوَافَ فَهُوَ فَقَطْ لا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ أَيِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ وَلا مَعَ الْجَنَابَةِ وَلا مَعَ الْحَيْضِ وَلا مَعَ النِّفَاسِ وَكَذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ النَّجِسِ، فَلَوْ سَعَى بَعْدَ مَا طَافَ عَلَى الطُّهْرِ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ صَحَّ سَعْيُهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَسْعَى فِيهِ لا يُعَدُّ مِنَ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ الْجُنُبُ، إِنَّمَا الْمَسْجِدُ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي هُيِّئَ لِلصَّلاةِ مِمَّا حَوْلَ الْكَعْبَةِ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ حِينَ حُبِسَتْ عَنِ الطَّوَافِ مِنْ أَجْلِ الْحَيْضِ أَيْ تَأَخَّرَتْ مِنْ أَجْلِ الْحَيْضِ «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» أَيْ كُلُّ أَعْمَالِ الْحَجِّ يَجُوزُ لَكِ وَأَنْتِ حَائِضٌ إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ] وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَحَرُمَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ طِيبٌ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ مِمَّا يَحْرُمُ بِالإِحْرَامِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ، وَكُلُّ هَذِهِ مِنَ الصَّغَائِرِ إِلَّا الْجِمَاعُ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ وَقَتْلُ الصَّيْدِ فَهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ لِحِكَمٍ بَعْضُهَا مَعْلُومٌ لَنَا وَبَعْضُهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا.
الأَوَّلُ مِنَ الثَّمَانِيَةِ الطِّيبُ أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ التَّطَيُّبُ فِي مَلْبُوسٍ أَوْ بَدَنٍ وَلَوْ لِأَخْشَمَ [وَالأَخْشَمُ الَّذِي لا يَشُمُّ]، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِالتَّطَيُّبِ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ وَلَوْ نَعْلًا مَعَ الْحُرْمَةِ قَصْدًا بِمَا تُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ غَالِبًا كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَالْوَرْدِ وَدُهْنِهِ وَالْوَرْسِ لا مَا يُقْصَدُ بِهِ الأَكْلُ أَوِ التَّدَاوِي وَإِنْ كَانَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالتُّفَاحِ وَالأُتْرُجِّ وَالْقُرُنْفُلِ وَسَائِرِ الأَبَازِيرِ الطَّيِّبَةِ الرِّيحِ كَالْفُلْفُلِ وَالْمُصْطَكَّى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الأَكْلُ أَوِ التَّدَاوِي،
وَلا مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ كَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى لِأَنَّهُ لا يُعَدُّ طِيبًا وَإِلَّا لَاسْتُنْبِتَ وَتُعُهِّدَ كَالْوَرْدِ، وَلا بِالْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ لَوْنُهُ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي النَّرْجِسِ وَالرَّيْحَانِ وَهُوَ الضَوْمَرَانُ وَالْبَنَفْسَجِ فَتَحْرُمُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ بِشَرْطِ الْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْعِلْمِ بِالتَّحْرِيْمِ، وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ شَرْطٌ فِي سَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ.
وَلَوِ احْتَاجَ الْمُحْرِمُ إِلَى التَّدَاوِي بِطِيبٍ تَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى، وَلَوِ اسْتُهْلِكَ الطِّيبُ فِي مُخَالِطٍ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ رِيحٌ وَلا لَوْنٌ وَلا طَعْمٌ كَأَنِ اسْتُعْمِلَ فِي دَوَاءٍ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَأَكْلُهُ بِلا فِدْيَةٍ، وَإِنْ بَقِيَ الرِّيحُ فِيمَا اسْتُهْلِكَ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا يَظْهَرُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَدَى، وَكَذَلِكَ لَوْ بَقِيَ الطَّعْمُ لا اللَّوْنُ. فَالْحَلْوَى الَّتِي فِيهَا طِيبٌ رَائِحَتُهُ بَاقِيَةٌ لا يَجُوزُ أَكْلُهَا لِلْمُحْرِمِ، وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْرَبَ مَاءَ الْوَرْدِ وَمَاءَ الزَّهْرِ حَتَّى لَوْ وُضِعَ فِي الطَّعَامِ إِنْ كَانَتْ رَائِحَتُهُ أَوْ طَعْمُهُ بَاقِيَيْنِ ظَاهِرَةً أَيْ إِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْ.
