قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ بِالْقَلْبِ أَيِ اعْتَقَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَيْسَ صَاحِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ مَا نَصَّ فِي الْقُرْءَانِ عَلَى صُحْبَةِ عُمَرَ أَوْ عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ، أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى صُحْبَتِهِ فِي الْقُرْءَانِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/40] وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّاحِبِ هُنَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، فَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَفَسَّرَ هَذَا الصَّاحِبَ بِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَخْوِينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَضْلِيلَهُمْ وَفِي ذَلِكَ هَدْمٌ لِلدِّينِ وَتَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْقُرْءَانُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/100].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ رِسَالَةَ وَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ الْمُجْمَعِ عَلَى رِسَالَتِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ رِسَالَةَ وَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَافِرٌ، وَالْمُرَادُ بِالرِّسَالَةِ هُنَا مَا يَعُمُّ النُّبُوَّةَ، فَمَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ وَاحِدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَدِ ارْتَدَّ وَكَفَرَ، وَهُنَا تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى رِسَالِتِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ عَرَفَ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ كَابْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٍ وَهُنَاكَ قِسْمٌ كَثِيرٌ لَمْ يَشْتَهِرْ عِنْدَهُمْ رِسَالَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،

فَيُقَالُ إِنَّ مَنْ أَنْكَرَ رِسَالَةَ أَوْ نُبُوَّةَ مَنْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ إِلَّا أَنْ كَانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ عِنْدَهُ فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نُعَلِّمُهُ لِأَنَّ هَذَا لا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ إِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ طَرِيقِ النَّقْلِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَ شَخْصٌ فِي الْقُرْءَانِ أَنَّ هَارُونَ وَإِلْيَاسَ وَالْيَسَعَ أَنْبِيَاءٌ ثُمَّ نَسِيَ لِطُولِ عَهْدِهِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْءَانِ فَقَالَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَلا يَكْفُرُ.

وَأَمَّا مَنِ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ أَمْ هُوَ نَبِيٌّ فَقَطْ أَمْ هُوَ وَلِيٌّ فَقَطْ كَالْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَنْ قَالَ بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْقَوْلَ الرَّاجِحَ فِيهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْءَانِ، أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ مُجْمَعًا عَلَى نَفْيِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ عِنَادًا.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ حَرْفًا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَقَدِ ارْتَدَّ، وَكَذَلِكَ مَنْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْءَانِ وَكَانَ ذَلِكَ الْحَرْفُ الَّذِي زَادَهُ زِيَادَتُهُ لَهُ عِنَادًا لا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَهَذَا أَيْضًا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، أَمَّا مَنْ زَادَ حَرْفًا فِي الْقِرَاءَةِ جَهْلًا مِنْهُ أَوْ مِنْ أَجْلِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ قُرْءَانٌ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ [أَيْ أَنَّ زِيَادَةَ حَرْفٍ فِي الْقُرْءَانِ بِلا اعْتِقَادِ أَنَّهُ مِنْهُ بَلْ مِنْ أَجْلِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ أَوْ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ مِنْهُ جَهْلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِرِدَّةٍ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ نَقَّصَهُ أَوْ صَغَّرَ اسْمَهُ بِقَصْدِ تَحْقِيرِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فَقَدِ ارْتَدَّ، وَكَذَلِكَ الَّذِي نَقَّصَهُ أَيْ نَسَبَ إِلَيْهِ نَقْصًا أَوْ صَغَّرَ اسْمَهُ بِقَصْدِ التَّحْقِيرِ وَذَلِكَ كَأَنْ يُسَمِّيَّ عِيسَى عُيَيْسَى أَوْ يَقُولَ عَنْ مُوسَى مُوَيْسَى عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيرِ، أَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ إِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ لَهُ فَلا نُكَفِّرُهُ لَكِنْ يُقَالُ لَهُ حَرَامٌ أَنْ تُصَغِّرَ اسْمَ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ جَوَّزَ نُبُوَّةَ أَحَدٍ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ نَبِيٌّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ أَنْ يَنْزِلَ وَحْيٌ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى شَخْصٍ لَمْ يُنَبَّأْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ كَفَرَ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ بِأَنْ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فُلانٌ نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ.

وَقَدْ ظَهَرَ جَمَاعَةٌ يُقَالُ لَهَا الأَحْمَدِيَّةُ وَالْقَادِيَانِيَّةُ ءَامَنُوا بِرَجُلٍ اسْمُهُ غُلامُ أَحْمَدَ كَانَ فِي الْهِنْدِ تُوُفِّيَ مُنْذُ نَحْوِ قَرْنٍ وَنِصْفٍ تَقْرِيبًا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُجَدِّدٌ، وَأَحْيَانًا يَقُولُونَ نُبُوَّتُهُ نُبُوَّةٌ ظِلِّيَّةٌ أَيْ تَحْتَ ظِلِّ مُحَمَّدٍ أَيْ لَيْسَ مُسْتَقِّلًا إِنَّمَا هُوَ مُنْتَسِبٌ إِلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَكُلُّ هَذَا كُفْرٌ، فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُنَبَّأَ شَخْصٌ بَعْدَ مُحَمَّدٍ اسْتِقْلالًا وَلا تَجْدِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.

وَيُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ لِتَرْوِيجِ دَعْوَتِهِمْ هَذِهِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ مَعْنَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سُورَةَ الأَحْزَاب/40] زِينَةُ النَّبِيِّينَ، وَيُنْكِرُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ ءَاخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَتَفْسِيرُهُمْ هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ إِنَّ مُحَمَّدًا زِينَةُ النَّبِيِّينَ كَمَا أَنَّ الْخَاتَمَ زِينَةٌ لِيَدِ صَاحِبِهِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَهَذَا الْوَصْفُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْءَانِ تَعْظِيمًا لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ لَيْسَ لِخِلافِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الصَّحِيحَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَيَهْدِمُهُ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ] وَهَذَا يَزِيدُ مَعْنَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وُضُوحًا أَنَّهُ بِمَعْنَى ءَاخِرِهِمْ أَيْ بِمَعْنَى الآخِرِ الَّذِي لا نَبِيَّ بَعْدَهُ،

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ [أَيْ تَحْكُمُهُمْ] كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ [أَيْ مَاتَ] خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَلا نَبِيَّ بَعْدِي»، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ السَّفَرِ إِلَى تَبُوكَ «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عِنْدَمَا ذَهَبَ لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ إِلَى أَنْ يَعُودَ.

وَكَانَتْ وَفَاةُ هَارُونَ قَبْلَ مُوسَى]، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ» قِيلَ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [فِي صَحِيحِهِ، وَالرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ رُؤْيَا بُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَرُؤْيَا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ. وَلا يَكُونُ الْمُعَبِّرُ لِلرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةِ إِلَّا وَلِيًّا وَذَلِكَ بِالإِجْمَاعِ كَابْنِ سِيرِينَ وَقَلِيلِينَ غَيْرِهِ.

وَلَمْ يُشَجِّعْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الأَوْلِيَاءِ فِي أُمَّتِهِ أَبَا بَكْرٍ عَلَى تَعْبِيرِ الْمَنَامِ بَلْ قَالَ لَهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا. كَمَا رَوَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ «لا نَبِيَّ بَعْدِي» لا نَبِيَّ مَعِي، فَلا يَنْفِي نُبُوَّةَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَغُلامِ أَحْمَدَ، وَهَذَا يُرَدُّ بِمَا مَضَى مِنَ الأَدِلَّةِ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [فِي سُنَنِهِ]،

وَبِالْحَدِيثِ [الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] الَّذِي فِيهِ إِخْبَارُ النَّبِيِّ أَنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَهُ كَذَّابُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَغُلامُ أَحْمَدَ دَاخِلٌ فِي هَؤُلاءِ لِأَنَّ الرَّسُولَ ذَكَرَ أَنَّهُ يَكُونُ ثَلاثُونَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفِيدَ ذَلِكَ انْحِصَارَهُمْ فِي ثَلاثِينَ فَقَطْ. وَلَمْ يَدَّعِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ النُّبُوَّةَ إِلَّا الأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ وَمُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقِسْمُ الثَّانِي الأَفْعَالُ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ إِنْ قَصَدَ عِبَادَتَهُمَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ وَالسُّجُودِ لإِنْسَانٍ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ كَسُجُودِ بَعْضِ الْجَهَلَةِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ الْمُتَصَوِّفِينَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَئِذٍ كُفْرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ لا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنَّهُ حَرَامٌ.

الشَّرْحُ أَنَّ الْقِسْمَ الثَّانِيَ مِنَ الرِّدَّةِ الرِّدَّةُ الْفِعْلِيَّةُ وَذَلِكَ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ وَهُوَ مَا اتُّخِذَ لِيُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ اعْتِقَادًا أَوْ بِغَيْرِ اعْتِقَادٍ فَقَدْ كَفَرَ، كَذَلِكَ الَّذِي يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ وَنَحْوِهَا أَوْ يَسْجُدُ لِأَيِّ مَخْلُوقٍ ءَاخَرَ لِعِبَادَتِهِ؛ أَمَّا مَنْ يَسْجُدُ لِمَلِكٍ أَوْ نَحْوِهِ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ لا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ حَرَامٌ فِي شَرْعِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَى الإِطْلاقِ،

وَكَانَ جَائِزًا فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ السُّجُودُ لِلإِنْسَانِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، فَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ سُجُودَ إِخْوَةِ يُوسُفَ وَأَبَوَيْهِ لِيُوسُفَ كَانَ سُجُودًا بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ، وَكَذَلِكَ سُجُودُ الْمَلائِكَةِ لِآدَمَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ كَانَ هَذَا السُّجُودَ الْمَعْهُودَ. وَدَلِيلُ تَحْرِيْمِهِ فِي شَرْعِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ:

«مَا هَذَا؟» قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ أَهْلَ الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ [وَهُمُ الْقُوَّادُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ] وَأَسَاقِفَتِهِمْ [وَالأُسْقُفُ مِنَ النَّصَارَى رَئِيسٌ مِنْهُمْ وَالْجَمْعُ أَسَاقِفَةٌ] وَأَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ قَالَ «لا تَفْعَلْ، لَوْ كُنْتُ ءَامُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»، هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ] وَابْنُ مَاجَهْ [فِي سُنَنِهِ] وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ صَحِيحٌ.

وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ فِي سُجُودِ إِنْسَانٍ لإِنْسَانٍ أَمَّا فِي سُجُودِ الشَّخْصِ لِلصَّنَمِ فَإِنَّهُ لا تَفْصِيلَ فِيهِ فَمَنْ رَأَيْنَاهُ يَسْجُدُ لِصَنَمٍ كَفَّرْنَاهُ وَلا نَسْأَلُهُ هَلْ نَوَيْتَ بِهِ عِبَادَتَهُ أَمْ نَوَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَالْعِبَادَةُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي نَحْوِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَكَى اللَّهُ قَوْلَهُمْ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سُورَةَ الزُّمَر/3] لِأَنَّ هَؤُلاءِ كَانُوا يَتَذَلُّلُونَ غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِأَوْثَانِهِمْ وَهَذِهِ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي هِيَ شِرْكٌ.

وَقَدْ تُطْلَقُ الْعِبَادَةُ بِمَعْنَى الْقُرْبَةِ مِنَ الْقُرَبِ كَالصَّلاةِ وَالذِّكْرِ وَذَلِكَ كَحَدِيثِ «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» الْمَعْنَى أَنَّ الدُّعَاءَ أَيِ الرَّغْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ أَوْ دَفْعِ شَرٍّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا تَدَّعِيهِ الْوَهَّابِيَّةُ مِنْ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالرَّسُولِ وَالْوَلِيِّ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ شِرْكٌ. هُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ لِتَحْرِيْمِ قَوْلِ الْمُسْلِمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي أَوِ اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِجَاهِ رَسُولِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا،

يَقُولُونَ هَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وَكَذَبُوا فَإِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يَتَذَلَّلُونَ لِلأَوْثَانِ غَايَةَ التَّذَلُّلِ وَيَقُولُونَ نَحْنُ نَعْبُدُ هَؤُلاءِ أَيْ نَخْضَعُ لَهُمْ وَنَتَذَلَّلُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ وَفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لا يَتَذَلَّلُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ إِلَّا لِلَّهِ وَيَسْتَغِيثُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ حَاجَاتِهِ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ الْكُرَبَ، لِأَنَّ هَؤُلاءِ مَا تَذَلَّلُوا غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِلأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ إِنَّمَا يَتَشَفَّعُونَ بِهِمْ إِلَى اللَّهِ.

وَلَوْ عَرَفَتِ الْوَهَّابِيَّةُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَمَا قَالُوا ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ جَاهِلُونَ، لِأَنَّ زَعِيمَهُمْ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَقِيهًا وَلا مُحَدِّثًا وَلا مُفَسِّرًا بَلْ كَانَ أَبُوهُ غَاضِبًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْعِلْمِ كَعَادَةِ أَسْلافِهِ، لِأَنَّ أَبَاهُ وَجَدَّهُ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ وَلا يَشْهَدُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ فِي عَصْرِهِ بِالْعِلْمِ وَلا أَدْخَلَهُ أَحَدٌ فِي طَبَقَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ؛ وَقَدْ أَلَّفَ الْعَالِمُ الْجَلِيلُ الْحَنْبَلِيُّ مُحَمَّدُ بنُ حُمَيْدٍ مُفْتِي الْحَنَابِلَةِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ كِتَابًا فِي طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ جَمَعَ ثَمَانَمِائَةِ عَالِمٍ وَعَالِمَةٍ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ «السُّحُبَ الْوَابِلَةَ عَلَى ضَرَائِحِ الْحَنَابِلَةِ» وَذَكَرَ فِيهِ أَبَاهُ عَبْدَ الْوَهَّابِ وَأَخَاهُ الشَّيْخَ سُلَيْمَانَ بنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَكَانَتْ وَفَاةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بنِ حُمَيْدٍ بَعْدَ ابْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَأَمَّا وَصْفُ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ لَهُ بِالْعَالِمِيَّةِ فَلا اعْتِدَادَ بِهِ.

هَذَا وَإِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمُجَرَّدِ التَّمَسُّحِ بِقَبْرِ وَلِيٍّ أَوْ قَوْلِهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَدَدَ، فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ لَمْ يُكَفِّرْ مُعَاذًا حِينَ سَجَدَ لَهُ وَالسُّجُودُ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ التَّعْظِيمِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا عِنْدَهُمْ، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.

وَمِنَ الْكُفْرِ الْفِعْلِيِّ إِلْقَاءُ الْمُصْحَفِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ رَمْيُ اسْمٍ مُعَظَّمٍ أَيْ كَاسْمِ مُحَمَّدٍ مُرَادًا بِهِ الرَّسُولُ وَاسْمِ عِيسَى مُرَادًا بِهِ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَوْ مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ بِقَاذُورَةٍ أَوْ قَذَرٍ طَاهِرٍ كَمُخَاطٍ أَوْ بُزَاقٍ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ، وَمُمَاسَّتُهُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ أَيْضًا. وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ هَذَا الِاسْمُ الْمُعَظَّمُ مِنْ نَحْوِ مُحَمَّدٍ مُرَادًا بِهِ غَيْرُ اسْمِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ إِلْقَاؤُهُ فِي الْقَاذُورَةِ كُفْرًا وَلا حَرَامًا إِلَّا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ [لِأَنَّ فِيهِ امْتِهَانًا لِحُروفِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ] كَمُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ وَعِيسَى بنِ عُمَرَ هَذَا لَوْ رَمَاهُ الشَّخْصُ فِي الْقَاذُورَةِ لا يَحْرُمُ.

وَفِي شَرْحِ الرَّمْلِيِّ [نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ إِلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ] مَعَ الْمَتْنِ: «(كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءَانِ بَلْ أَوِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ أَوْ مِنَ الْحَدِيثِ، قَالَ الرُّوْيَانِيُّ: أَوْ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ (بِقَاذُورَةٍ) أَوْ قَذَرٍ طَاهِرٍ كَمُخَاطٍ أَوْ بُزَاقٍ أَوْ مَنِيٍّ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ، وَقَضِيَّةُ إِتْيَانِهِ بِالْكَافِ فِي الإِلْقَاءِ أَنَّ الإِلْقَاءَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّ مُمَاسَّتَهُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْقَذَرِ كُفْرٌ أَيْضًا، وَفِي هَذَا الإِطْلاقِ وَقْفَةٌ، فَلَوْ قِيلَ تُعْتَبَرُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ لَمْ يَبْعُدْ» اهـ.

ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَدَمَ التَّكْفِيرِ لِمَنْ بَصَقَ عَلَى لَوْحٍ فِيهِ قُرْءَانٌ لِيَمْحُوَهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قَصْدُ اسْتِخْفَافٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ هُنَاكَ قَرِينَةً ظَاهِرَةً عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْبُصَاقَ عَلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ فِي الْكُتَّابِ أَنَّ مُتَعَلِّمِي الْقُرْءَانِ يَكْتُبُونَ دَرْسًا مِنْهُ فِي اللَّوْحِ ثُمَّ يَحْفَظُونَهُ ثُمَّ يَمْحُونَ هَذَا بِخِرْقَةٍ يَبْصُقُونَ بِهَا بِقَصْدِ أَنْ يَكْتُبُوا دَرْسًا جَدِيدًا مِنَ الْقُرْءَانِ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ وَلَكِنَّهُ حَرَامٌ.

عِنْدَنَا فِي بِلادِنَا فِي الْكُتَّابِ كُنَّا نَمْحُو الدَّرْسَ الَّذِي عَلَى اللَّوْحِ بِالْمَاءِ وَيُمْكِنُ فِي بَعْضِ الْبِلادِ التَّلامِيذُ كَانُوا يَبْصُقُونَ عَلَى اللَّوْحِ لِيَمْحُوا الْكَلِمَاتِ الْقُرْءَانِيَّةَ الَّتِي فِي اللَّوْحِ لِأَجْلِ أَنْ يَكْتُبُوا الدَّرْسَ الْجَدِيدَ.

وَأَمَّا إِلْقَاءُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَلْوَاحِ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ كَانَ نَاسِيًا حِينَ أَلْقَاهَا أَنَّهَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ لَمْ يُلْقِهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهَا وَلَمْ يُلْقِهَا عَلَى مُسْتَقْذَرٍ.

وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ قَلْبِ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ مِنْ بَلِّ الإِصْبَعِ بِرِيقٍ خَفِيفٍ وَقَلْبِ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدَ أَثَرِ بَلَلٍ يُسَاعِدُ عَلَى قَلْبِ الْوَرَقَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْصَقَ بِأَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ شَىْءٌ مِنْ جِرْمِ الرِّيقِ فَلَيْسَ حَرَامًا، أَمَّا إِنْ كَانَ يَلْصَقُ بِأَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ شَىْءٌ فَحَرَامٌ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ الأَقْوَالُ وَهِيَ كَثِيرةٌ جِدًّا لا تَنْحَصِرُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ أَوْ يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ أَوْ يَا عَدِيْمَ الدِّينِ مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ أَوْ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ لَيْسَ بِدِينٍ لا عَلَى قَصْدِ التَّشْبِيهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ الأَلْفَاظَ الَّتِي يَكْفُرُ مَنْ قَالَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا مَعَانِيَ تِلْكَ الأَلْفَاظِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِ الشَّخْصِ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ أَوْ يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا عَدِيْمَ الدِّينِ مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، فَذَلِكَ رِدَّةٌ تُخْرِجُ قَائِلَهَا مِنَ الدِّينِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الأَرْبَعَ مُتَأَوِّلًا أَيْ أَنَّكَ تُشْبِهُ الْكَافِرَ فِي خَسَاسَةِ أَعْمَالِكَ أَوْ أَنّكَ تُشْبِهُ الْيَهُودَ أَوِ النَّصَارَى لِسُوءِ عَمَلِكَ أَوْ أَنَّكَ تُعَامِلُ الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّكَ كَافِرٌ أَوْ أَنَّكَ كَمَنْ لا دِينَ لَهُ أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ عَامِلًا بِالدِّينِ كَمَا يَنْبَغِي لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْكَامِلَ هُوَ الَّذِي سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّ هَذَا حَرَامٌ يَفْسُقُ قَائِلُهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَالسُّخْرِيَةِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَيِ اسْتَهْزَأَ أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا، أَوْ سَخِرَ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِعَذَابِ الآخِرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَعْدُ أَوِ الْوَعِيدُ الَّذِي سَخِرَ بِهِ شَيْئًا لَيْسَ خَافِيًا عَلَى الَّذِي يَسْخَرُ بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِوُرُودِهِ فِي دِينِ الإِسْلامِ فَقَدْ كَفَرَ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ جَهَنَّمَ «نَتَدَفَّأُ بِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ» لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ نَارِ جَهَنَّمَ.

وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ أَوْ سَخِرَ بِنَوْعٍ مِنَ الْوَعِيدِ يَجْهَلُهُ مِمَّا هُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فَلا نُكَفِّرُهُ، كَأَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ عَقَارِبَ فِي جَهَنَّمَ. وَكَذَلِكَ لا يَكْفُرُ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ فَأَنْكَرَ جَهَنَّمَ أَيْ مَا كَانَ يَسْمَعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ دِينًا لَهُمْ، أَمَّا الَّذِي كَانَ يَسْمَعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَهَا فَهَذَا يَكْفُرُ.

تَنْبِيهٌ لَيْسَ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعِيدِ اللَّهِ سَبُّ جَهَنَّمَ لِأَنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ مُعَظَّمَةً إِنَّمَا هِيَ شَىْءٌ شَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتْ مُعَظَمَّةً مَا كُنَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ جَهَنَّمَ إِنَّهَا خَبِيثَةٌ، إِنَّمَا الْكُفْرُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا لَيْسَتْ بِشَىْءٍ أَوْ هِيَ شَىْءٌ خَفِيفٌ. جَهَنَّمُ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهَا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَقُولُوهُ فِي الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ.

وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [سُورَةَ إِبْرَاهِيم/29] وَبِقَوْلِهِ ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/97] فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا وَحَقِّ جَهَنَّمَ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا شَرَفٌ وَكَلِمَةُ «وَحَقِّ كَذَا» تُشْعِرُ بِشَرَفِ الشَّىْءِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِحَقِّ النَّبِيِّ أَوْ بِحَقِّ الْوَلِيِّ الْفُلانِيِّ فَيُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً عَلَى قَوْلٍ وَيَحْرُمُ عَلَى قَوْلٍ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِحَقِّ النَّبِيِّ وَحَقِّ الْوَلِيِّ لِصِحَّةِ حَدِيثِ السُّؤَالِ بِحَقِّ السَّائِلِينَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَأَنْ يَقُولَ: لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْهُ أَوْ لَوْ صَارَتِ الْقِبْلَةُ فِي جِهَةِ كَذَا مَا صَلَّيْتُ إِلَيْهَا أَوْ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ الْجَنَّةَ مَا دَخَلْتُهَا مُسْتَخِفًّا أَوْ مُظْهِرًا لِلْعِنَادِ فِي الْكُلِّ.

الشَّرْحُ أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الأَلْفَاظِ يَكْفُرُ إِنْ قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْجَنَّةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ. وَفِي الْغَالِبِ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ لا تَكُونُ إِلَّا لِلِاسْتِخْفَافِ لَكِنْ قَدْ يَقُولُهَا بَعْضُهُمْ وَلا يَفْهَمُ مِنْهَا الِاسْتِخْفَافَ [وَكَذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِالصَّلاةِ فَقَالَ لَوْ كَانَتِ الْقِبْلَةُ فِي جِهَةِ كَذَا مَا صَلَّيْتُ إِلَيْهَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ كَسَلِهِ لا يُصَلِّي مَهْمَا كَانَ ذَلِكَ سَهْلًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ وَلا الْعِنَادِ وَمَعَ كَوْنِهِ يُحِبُّ أَمْرَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَأَمَّا الَّذِي يَقُولُ أَيَّ لَفْظٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الثَّلاثَةِ اسْتِخْفَافًا بِأَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ أَوْ عِنَادًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِلا شَكٍّ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَأَنْ يَقُولَ: لَوْ ءَاخَذَنِي اللَّهُ بِتَرْكِ الصَّلاةِ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ ظَلَمَنِي.

الشَّرْحُ لَوْ أَنَّ شَخْصًا مَرِيضًا ضَجِرَ مِنْ مَرَضِهِ فَقِيلَ لَهُ صَلِّ لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ فَإِنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْكَ فَقَالَ «لَوْ ءَاخَذَنِي اللَّهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلاةِ وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لَكَانَ ظَالِمًا» كَفَرَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِاللَّهِ تَعَالَى وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [سُورَةَ فُصِّلَت/46].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لِفِعْلٍ حَدَثَ هَذَا بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ، أَوْ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي الأَنْبِيَاءُ أَوِ الْمَلائِكَةُ أَوْ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ، أَوْ قَالَ لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ، أَوْ لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِشَخْصٍ حَدَثَ هَذَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ كُلُّ شَىْءٍ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَقَالَ «أَنَا فَعَلْتُهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ أَنَا فَعَلْتُهُ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ تَعَالَى» فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا عَامٌّ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَالَّذِي هُوَ شَرٌّ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَقْدِيرُ اللَّهِ لِلشَّرِّ لَيْسَ شَرًّا إِنَّمَا الشَّرُّ هَذَا الْمُقَدَّرُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ لِمَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَالْعَبْدُ يُلامُ وَأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلا يُلامُ وَلا يُعْتَرَضُ عَلَى اللَّهِ لِتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ.

وَكَذَلِكَ خَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ لَيْسَ شَرًّا قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا فِعْلُ الْقَبِيحِ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ. اللَّهُ تَعَالَى هُوَ يَخْلُقُ الشَّرَّ كَمَا يَخْلُقُ الْخَيْرَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَخَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَالْمَكْرُوهِ لَيْسَ شَرًّا مِنْهُ قَبِيحًا بَلْ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ. خَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ كَخَلْقِهِ لِلْخَيْرِ إِنَّمَا الْمَقْدُورُ وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وَخَلَقَهُ الَّذِي هُوَ شَرٌّ أَيْ مَعْصِيَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلُهُ لِأَنَّ خَلْقَ الْمُتَقَابِلاتِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ كَمَا أَنَّ خَلْقَهُ لِلأَدْوِيَةِ وَالسُّمُومِ الْقَتَّالَةِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ بَلْ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ.

فَتَقْدِيرُ اللَّهِ لِلشَّرِّ لَيْسَ قَبِيحًا بَلْ حَسَنٌ كَمَا أَنَّ تَقْدِيرَهُ لِعَمَلِ الْخَيْرِ حَسَنٌ. وَعَلَى هَذَا يُفَسَّرُ حَدِيثُ [مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ] «الإِيـمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» خَيْرِهِ وَشَرِّهِ هُنَا وَصْفٌ لِلْمَقْدُورِ لَيْسَ وَصْفًا لِقَدَرِ اللَّهِ بِمَعْنَى تَقْدِيرِهِ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ حَسَنٌ لَيْسَ قَبِيحًا مِنْهُ إِنَّمَا الْمَقْدُورُ الَّذِي هُوَ شَرٌّ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلُهُ.

وَهَكَذَا يُقَالُ فِي الْقَضَاءِ قَضَاءُ اللَّهِ حَسَنٌ لَيْسَ مِنْهُ قَبِيحًا كَذَلِكَ خَلْقُ اللَّهِ لِلشَّرِّ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْمَكْرُوهِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا فِعْلُ الْمَخْلُوقِ مَا هُوَ شَرٌّ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ أَمَّا مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ قَبِيحًا بَلْ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ حَيْثُ إِنَّهُ خَلَقَ الْمُتَقَابِلاتِ وَلَمْ يَخْتَصَّ خَلْقُهُ بِنَوْعٍ مِنَ الْمُتَقَابِلاتِ دُونَ مُقَابِلِهَا. كَذَلِكَ جَعْلُ بَعْضِ خَلْقِهِ كَافِرًا وَبَعْضٍ مُؤْمِنًا، خَلْقُهُ لِلْكَافِرِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنْهُ بَلْ مِنْهُ حَسَنٌ كَمَا أَنَّ خَلْقَهُ لِلْمُؤْمِنِ حَسَنٌ مِنْهُ،

فَالْمَقْدُورُ وَالْمَقْضِيُ وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي هُوَ شَرٌّ هُوَ الْقَبِيحُ، أَمَّا تَقْدِيرُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ وَخَلْقُهُ لِذَلِكَ فَلَيْسَ قَبِيحًا لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اللَّهِ. هَذَا خِلافُ قَوْلِ الْمَجُوسِ وَالثَّنَوِيَّةِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا مُدَبِّرَيْنِ لِلْعَالَمِ مُدَبِّرَ الْخَيْرِ وَهُوَ اللَّهُ وَمُدَبِّرَ الشَّرِّ وَهُوَ الشَّيْطَانُ عَلَى قَوْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَالظُّلْمَةُ عَلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الآخَرِ. اللَّهُ أَبْطَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الزُّمَر/62]، وَقَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الرَّعْد/16].

وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ «لَوْ شَهِدَ عِنْدِي الأَنْبِيَاءُ أَوِ الْمَلائِكَةُ أَوْ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ» هُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِلا تَفْصِيلٍ لِأَنَّ كَلامَهُ يَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ.

وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ قَالَ «لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً» بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ بِالسُّنَّةِ بَلْ يَقْصِدُ أَنَّهُ لا يَفْعَلُ لِأَجْلِ قَوْلِ شَخْصٍ لَهُ «افْعَلْ كَذَا» أَيْ أَنَّهُ لا يُنَفِّذُ أَمْرَ هَذَا الشَّخْصِ فَلا يَكْفُرُ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِشَخْصٍ «لِمَ تَتْرُكُ رَوَاتِبَ الْفَرَائِضِ وَلا تُصَلِّيهَا وَتَقْتَصِرُ عَلَى الْفَرَائِضِ»؟ فَقَالَ «لا أُصَلِّيهَا وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً» وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الِاسْتِخْفَافَ بِهَا فَلا يَكْفُرُ.

وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ لِشَخْصٍ «لِمَ لا تَسْتَعْمِلُ السِّوَاكَ أَوْ لِمَ لا تُقَلِّمُ أَظْفَارَكَ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ»؟ فَقَالَ «أَنَا لا أَفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً» وَلَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ.

وَيَكْفُرُ مَنْ قَالَ «لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ» [لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ أَعْطَاهُ عَالِمٌ فَتْوًى فَقَالَ: أَيْشٍ هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَفَرَ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ إِنَّمَا قَصَدَ الإِنْكَارَ عَلَى هَذَا الْمُفْتِيِّ الَّذِي أَفْتَى فَتْوًى بَاطِلَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِشَرْعِ اللَّهِ فِي فَتْوَاهُ فَقَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِكَلامِ هَذَا الْمُفْتِيِّ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيْشٍ هَذَا الَّذِي تَزْعُمُهُ شَرْعًا وَلَيْسَ بِشَرْعٍ فَلا يَكْفُرُ، وَبَاطِنُ كَلامِهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ شَرْعَ اللَّهِ إِنَّمَا رَأْيُكَ يَا أَيُّهَا الْمُفْتِيُّ. وَكَلِمَةُ أَيْشٍ أَصْلُهَا أَيُّ شَىْءٍ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ مُرِيدًا الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا يَظُنُّ بِهِمْ مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

الشَّرْحُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ رِدَّةٌ إِذَا فَهِمَ مِنْهَا الشُّمُولَ وَالِاسْتِغْرَاقَ، وَالِاسْتِغْرَاقُ مَعْنَاهُ التَّعْمِيمُ. أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ أَوْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ أَوْ طائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ فِيهِمْ خَيْرًا وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ حَتَّى لَوْ قَالَ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فِي هَذَا الزَّمَنِ» لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُمْ فَاسِدِينَ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ، فَالَّذِي يَقُولُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ الشُّمُولَ كَأَنْ كَانَ ذَكَرَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عُلَمَاءَ فَاسِدِينَ فَقَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ يَكُونُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ فَلا يَكْفُرُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَالْقَصْدُ وَحْدَهُ عِنْدَئِذٍ بِلا قَرِينَةٍ لا يَدْفَعُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ، وَالَّذِي لا يُكَفِّرُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ هُوَ يَكْفُرُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَوْ مِنَ الإِسْلامِ.

الشَّرْحُ أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَكْفُرُ وَلَوْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ لِأَنَّ الْغَضَبَ لَيْسَ عُذْرًا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الْمَعْنَى، وَلَكِنْ مَنْ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِنَ النَّبِيِّ إِذَا قَالَ أَنَا أَرَدْتُ الأَرْضَ الْمُرْتَفِعَةَ مَا أَرَدْتُ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا لا نُكَفِّرُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ.

وَالشَّرِيعَةُ هِيَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِلأَنْبِيَاءِ وَهِيَ الأَحْكَامُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالْوَحْيِ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ عَلَى حَسَبِ مَا أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ تَعَالَى يُغَيِّرُهَا. وَأَمَّا الدِّينُ فَهُوَ الْعَقِيدَةُ وَدِينُ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ هُوَ الإِسْلامُ. وَكَذَلِكَ الْكُلِيَّاتُ الْخَمْسُ [وَالْكُلِّيَّاتُ مَعْنَاهُ قَوَاعِدُ شَامِلَةٌ] لا تَخْتَلِفُ فِيهَا شَرَائِعُ الأَنْبِيَاءِ وَهِيَ: حِفْظُ الْمَالِ وَالنَّسَبِ وَالْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالنَّفْسِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ مُسْتَهْزِئًا بِحُكْمِ اللَّهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ قَالَ لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ بَعْدَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ قَاضٍ شَرْعِيٌّ مَثَلًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَكَانَ قَصْدُهُ الِاسْتِخْفَافَ بِالشَّرْعِ وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لا يَعْتَبِرُهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ وَقَدْ مَلأَ وِعَاءً ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [سُورَةَ النَّبَإ/34].

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ قَالَ وَهُوَ يَمْلأُ وِعَاءً شَرَابًا ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَأْسِ الْمُمْتَلِئَةِ شَرَابًا هَنِيئًا فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّ مَعْنَى كَلامِهِ أَنَّ ذَاكَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِثْلُ هَذَا الَّذِي أَنَا أَمْلَؤُهُ.

وَمَعْنَى ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ أَيْ كَأْسًا مُمْتَلِئَةً بِالشَّرَابِ [الْوِعَاءُ إِذَا كَانَ فِيهِ شَرَابٌ يُقَالُ لَهُ كَأْسٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرَابٌ فَلا يُسَمَّى كَأْسًا بَلْ يُقَالُ لَهُ قَدَحٌ أَوْ إِنَاءٌ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ أَفْرَغَ شَرَابًا فَقَالَ ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [سُورَةَ النَّبَإ/20].

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ قَالَ وَهُوَ يُفْرِغُ شَرَابًا كَأَنْ كَانَ هُنَاكَ شَرَابٌ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى إِنَاءٍ ءَاخَرَ فَقَالَ ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ اسْتِخْفَافًا بِالآيَةِ كَفَرَ. وَهَذِهِ الآيَةُ مَعْنَاهَا الْجِبَالُ عِنْدَمَا تُسَيَّرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ كَالسَّرَابِ مَعْنَاهُ تَمُرُّ مُرُورًا سَرِيعًا كَمَا أَنَّ السَّرَابَ كُلَّمَا اقْتَرَبْتَ مِنْهُ يَبْعُدُ. فَمَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَ إِفْرَاغِ الشَّرَابِ وَقَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَهُ شَأْنٌ يَكْفُرُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ عِنْدَ وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ/3].

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ قَالَ عِنْدَمَا يَزِنُ شَيْئًا أَوْ يَكِيلُ شَيْئًا ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَعْنَى الآيَةِ كَفَرَ. وَهَذِهِ الآيَةُ مَعْنَاهَا ذَمٌّ لِلَّذِينَ إِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ يُنْقِصُونَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ عِنْدَ رُؤْيَةِ جَمْعٍ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [سُورَةَ الْكَهْف/47].

الشَّرْحُ أَنَّهُ كَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٍ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ كَفَرَ. وَهَذِهِ الآيَةُ مَعْنَاهَا حَشْرُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ وَلا يُتْرَكُ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَيْ كُلُّهُمْ يُحْشَرُونَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ فِي الْكُلِّ بِمَعْنَى هَذِهِ الآيَاتِ، وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ اسْتُعْمِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: لا تَبْعُدُ حُرْمَتُهُ.

الشَّرْحُ يَقُولُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ [فِي الإِعْلامِ بِقَوَاطِعِ الإِسْلامِ]: إِيرَادُ الآيَاتِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ لا يَبْعُدُ أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْحُرْمَةِ [أَيِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَرَامٌ قَرِيبٌ] لِأَنَّهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْقُرْءَانِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ فَهُوَ كُفْرٌ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ قَالَ: أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ أَوْ مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ أَوِ الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِي بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ.

الشَّرْحُ أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ وَلا فَرْقَ فِي سَبِّ الْمَلَكِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَلَكُ جِبْرِيلَ أَوْ عَزْرَائِيلَ أَوْ غَيْرَهُمَا.

وَمِثْلُهُ الَّذِي يَقُولُ «أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ» فَإِنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِالصَّلاةِ وَاسْتَخَفَّ بِهَا وَلِذَلِكَ يَكْفُرُ [وَالْقَوَّادُ هُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الزَّبَائِنَ لِلزَّانِيَاتِ، أَمَّا رَجُلَةُ النِّسَاءِ فَهِيَ الَّتِي تَتَشَبَّهُ بِالرِّجَالِ، وَأَمَّا الدَّيُّوثُ فَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الزِّنَى فِي أَهْلِهِ وَيَسْكُتُ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِطَاعَتِهِ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ]. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ «مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ»، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَوَامِّ:

صُمْ وَصَلِّ تَرْكَبُكَ الْقِلَّةُ إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الِاسْتِهْزَاءَ بِالصَّلاةِ وَهَذَا حَالُ أَكْثَرِ مَنْ يَلْهَجُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ هَذِهِ الأَيَّام [أَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ كُلَّمَا اجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ عَلَيْهِ الْبَلاءُ فَهَذَا لا يَكْفُرُ].

وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ «الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِي» بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ، أَمَّا لَوْ قَالَتِ امْرَأَةٌ حَائِضٌ «الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِي» وَقَصْدُهَا أَنَّهُ لا تَجُوزُ لَهَا الصَّلاةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ رِدَّةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ إِنْسَانٌ مُبْتَلًى بِسَلَسِ الْبَوْلِ جَاهِلٌ لا يَعْرِفُ أَحْكَامَ السَّلَسِ يَظُنُّ أَنَّهُ لا يُصَلِّي فِي حُكْمِ الشَّرْعِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ السَّلَسُ فَلا نُكَفِّرُهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ قَالَ لِمُسْلِمٍ: أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُّوُ نَبِيِّكَ، أَوْ لِشَرِيفٍ أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ جَدِّكَ مُرِيدًا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يَقُولَ شَيْئًا مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الْبَشِعَةِ الشَّنِيعَةِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ الْمُثْبِتَةِ لِلرِّدَّةِ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِمُسْلِمٍ «أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ نَبِيِّكَ»، وَالِاسْتِخْفَافُ فِي هَذَا ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ يُكَفَّرُ قَائِلُهُ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي وَابْنُ سَحْنُونَ الْمَالِكِيُّ بِكُفْرِ سَابِّ النَّبِيِّ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ: «مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَعَذَابِهِ كَفَرَ» اهـ بَلْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي سَابِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ فِي سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى.

وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ الَّذِي قَالَ لِشَرِيفٍ أَيْ لإِنْسَانٍ حَسَنِيٍّ أَوْ حُسَيْنِيٍّ أَيِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيِ ابْنَا بِنْتِهِ فَاطِمَةَ «أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ جَدِّكَ» هَذَا إِذَا أَرَادَ النَّبِيَّ بِقَوْلِهِ «جَدِّكَ» عِنْدَئِذً يَكُونُ كُفْرًا، أَمَّا إِذَا أَرَادَ جَدًّا لَهُ أَدْنَى وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيَّ فَلا نُكَفِّرُهُ.

وَكَذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالنَّبِيِّ أَوْ إِلْحَاقِ نَقْصٍ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَوْ بِاللَّهِ كَالأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ الأَزَلِيَّةِ كَأَنْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ شَاءَ فِي الأَزَلِ حُدُوثَ شَىْءٍ ثُمَّ فِيمَا بَعْدُ غَيَّرَ تِلْكَ الْمَشِيئَةَ، أَوْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ كَذَا ثُمَّ عَلِمَهُ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ.

مَسْئَلَةٌ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ فَتْرَةِ الْوَحْيِ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ كَانَ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يَطْلَعَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ فَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ فَيَبْدُو لَهُ جِبْرِيلُ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَنْتَحِرَ جَهْلًا مِنْهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ فَهَذَا كَافِرٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مُرْسَلاتِ الزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِإِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ ذِرْوَةِ الْجَبَلِ إِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَخِفَّ عَنْهُ الْوَجْدُ الَّذِي لَحِقَهُ بِفُتُورِ الْوَحْيِ عَنْهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَنْضَرُّ بِذَلِكَ الإِلْقَاءِ؛

فَمَنْ رَأَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ مُؤَوَّلًا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ الْمَذْكُورِ ءَانِفًا فَلْيَحْذَرْ، فَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَاعْتِقَادُ هَذَا الْمَعْنَى الْفَاسِدِ كُفْرٌ وَإِلْحَادٌ لِأَنَّ الِانْتِحَارَ أَكْبَرُ الْمَعَاصِي بَعْدَ الْكُفْرِ فَلا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ مِنَ الرَّسُولِ لا سِيَّمَا وَأَنَّ جِبْرِيلَ يَقُولُ لَهُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.

حَصَلَ مِنْ شَابٍّ طَرَابُلُسِيٍّ يَسْكُنُ فَرَنْسَا كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَعْضِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ أَيَّامًا قَلائِلَ ثُمَّ صَارَ يُطَالِعُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ تَأَهُّلٍ لِذَلِكَ فَوَجَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فَفَسَّرَهُ بِالِانْتِحَارِ فَقَالَ لِبَعْضِ جَمَاعَتِنَا كَيْفَ تَقُولُونَ الِانْتِحَارُ حَرَامٌ وَالرَّسُولُ أَرَادَ أَنْ يَنْتَحِرَ؟ تَهَوُّرُهُ أَوْقَعَهُ فِي الْكُفْرِ.

وَمِنَ الأَلْفَاظِ الْكُفْرِيَّةِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ فُلانَةَ ذَكَرًا ثُمَّ خَلَقَهَا أُنْثَى وَعَكْسُهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ نِسْبَةَ الْجَهْلِ إِلَى اللَّهِ وَنِسْبَةَ تَغَيُّرِ الْمَشِيئَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَاللَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَلامَةُ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ، وَمَا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ مِنَ النُّصُوصِ خِلافَ ذَلِكَ هُوَ مُتَأَوَّلٌ لا يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ الظَّاهِرُ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/66] فَلَيْسَ مُرَادُ اللَّهِ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فِي الأَزَلِ أَنَّهُ سَيَلْحَقُهُمْ ضَعْفٌ إِنَّمَا حَدَثَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِلْمُ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ نِسْبَةُ الْجَهْلِ إِلَى اللَّهِ،

إِنَّمَا قَوْلُهُ ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ أَيْ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَقَوْلُهُ «وَعَلِمَ» لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِالآنَ الَّذِي هُوَ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ، فَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّهُ نُسِخَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مِنْ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةً مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيْجَابِ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ اثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ رَحْمَةً بِهِمْ لِلضَّعْفِ الَّذِي فِيهِمْ. وَهَكَذَا كُلُّ ءَايَةٍ ظَاهِرُهَا يُوهِمُ حُدُوثَ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ تَكُنْ فِي الأَزَلِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا ظَاهِرَهَا.

أَيْ لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ الآنَ فَخَفَّفَ عَنْكُمْ لِضَعْفِكُمْ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ إِنَّمَا الآنَ مُرْتَبِطٌ بِخَفَّفَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ أَنَّكُمْ تَضْعُفُونَ عَنِ الْمُثَابَرَةِ أَيْ عَنِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى مُقَاتَلَةِ الْوَاحِدِ عَشَرَةً مِنَ الْكُفَّارِ وُجُوبًا فَخَفَّفَ الآنَ ذَلِكَ فَصَارَ الْوَاجِبُ مُقَاوَمَةَ الْوَاحِدِ لِاثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وُجُوبًا وَفَرْضًا.

وَالْحُكْمُ إِلَى الآنَ عَلَى هَذَا، الْمُسْلِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَفِرَّ مِنَ اثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنَ السِّلاحِ مَا يُقَاوِمُ بِهِ الِاثْنَيْنِ، أَمَّا الثَّلاثَةُ فَمَا فَوْقَهُمْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُمْ أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ هَذَا الْوَاحِدِ مِنَ السِّلاحِ مَا يُقَاوِمُ بِهِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الْكَفَرَةِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّبَاتُ فِي قِتَالِهِمَا. فَتَعَلُّقُ التَّخْفِيفِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ الآنَ وَقْتُ تعَلُّقِ أَثَرِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِوُجُودِ الْخِفَّةِ عَلَيْكُمْ،

لِأَنَّ التَّخْفِيفَ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ لَيْسَ صِفَةً ذَاتِيَّةً لِلَّهِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الإِرَادَةِ لِأَنَّ صِفَاتِ الْمَعَانِي الأَزَلِيَّةَ الْقَائِمَةَ بِذَاتِ اللَّهِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ هِيَ الصِّفَاتُ الثَّمَانِيَةُ الْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلامُ وَالْعِلْمُ وَالْحَيَاةُ وَالْبَقَاءُ وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وَالأَكْثَرُونَ مِنَ الأَشَاعِرَةِ، أَمَّا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرينَ مِنَ الأَشَاعِرَةِ فَجَعَلُوا الْبَقَاءَ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَلَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ.

الأَشَاعِرَةُ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ وَهِيَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الإِحْيَاءِ وَالإِمَاتَةِ وَالرَّزْقِ وَالإِسْعَادِ وَالإِشْقَاءِ لَيْسَتْ صِفَاتٍ أَزَلِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ وَيُسَمُّونَهَا صِفَاتِ الأَفْعَالِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ فَصِفَاتُ اللَّهِ الْقَائِمَةُ بِذَاتِ اللَّهِ لا تُحْصَى فَالإِسْعَادُ وَالإِشْقَاءُ وَالإِمَاتَةُ وَالإِحْيَاءُ وَالرَّزْقُ وَالتَّخْفِيفُ وَالإِبْدَاعُ وَالتَّكْوِينُ وَنَحْوُ ذَلِكَ صِفَاتٌ قَدِيـمَةٌ أَبَدِيَّةٌ إِنَّمَا مُتَعَلَّقُهَا حَادِثٌ وَعَلَى هَذَا الْبُخَارِيُّ،

قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ «الْفِعْلُ صِفَتُهُ فِي الأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ حَادِثٌ»، وَعَلَى هَذَا كَانَ بَعْضُ قُدَمَاءِ الأَشَاعِرَةِ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ يُقَالُ صِفَاتُ اللَّهِ لا تَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِأَيٍّ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ لَيْسَ عَلَى بِدْعَةٍ وَلا ضَلالَةٍ.

قَالَ صَاحِبُ بَدْءِ الأَمَالِي مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: [الْوَافِر]

صِفَاتُ الذَّاتِ وَالأَفْعَالِ طُرًّا قَدِيـمَاتٌ مَصُونَاتُ الزَّوَالِ

هَذَا التَّعْبِيرُ بِمَصُونَاتُ الزَّوَالِ فِيهِ بَشَاعَةٌ فَلَوْ قِيلَ مَحَلَّ «مَصُونَاتُ الزَّوَالِ» «تُنَزَّهُ عَنْ زَوَالِ» لَكَانَتِ الْعِبَارَةُ صَحِيحَةً سَالِمَةً عَنِ الْبَشَاعَةِ، لِأَنَّ مَصُونَاتُ يُوهِمُ أَنَّهَا مُمْكِنَةُ الزَّوَالِ، لَكِنْ تُصَانُ عَنِ الزَّوَالِ، وَأَمَّا تُنَزَّهُ عَنْ زَوَالِ فَالْمَعْنَى نَحْنُ نُنَزِّهُهَا عَنِ الزَّوَالِ أَيْ نَقُولُ أَبَدِيَّةٌ لا تَفْنَى. وَهَذِهِ الْمَنْظُومَةُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُقَالُ لَهَا قَصِيدَةُ بَدْءِ الأَمَالِي أَوَّلُهَا:

يَقُولُ الْعَبْدُ فِي بَدْءِ الأَمَالِي بِتَوْحِيدٍ كَنَظْمٍ مِنْ لَآلِي

أَيْ قَصِيدَةً مَنْظُومَةً تُشْبِهُ اللآلِئَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ عَدَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ كَالْفَقِيهِ الْحَنَفِيِّ بَدْرِ الرَّشِيدِ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فَيَنْبَغِي الِاطِّلاعُ عَلَيْهَا فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ مِنْ شَافِعِيِّينَ وَمَالِكِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ ذَكَرُوا كَثِيرًا مِمَّا هُوَ رِدَّةٌ وَأَكْثَرُهُمْ تَعْدَادًا الْحَنَفِيَّةُ، أَمَّا بَدْرُ الرَّشِيدِ فَهُوَ فَقِيهٌ حَنَفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْهِجْرِيِّ أَلَّفَ رِسَالَةً فِي أَلْفَاظِ الْكُفْرِ، وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَهُوَ مَالِكِيٌّ تُوُفِّيَ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ الْحَنَفِيُّ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ الإِحْيَاءِ مَا نَصُّهُ:

«وَقَدْ أَلَّفَ فِيهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ رَسَائِلَ وَأَكْثَرُوا فِي أَحْكَامِهَا» اهـ. كُلٌّ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ أَلَّفَ بَعْضُ فُقَهَائِهِ رَسَائِلَ فِي بَيَانِ الْكُفْرِيَّاتِ لِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ فِي عُصُورِهِمْ كَلِمَاتٌ بَيْنَ النَّاسِ هِيَ كُفْرٌ، فَأَرَادُوا إِنْقَاذَ النَّاسِ مِنْ خَطَرِهَا فَأَلَّفُوا تِلْكَ الرَّسَائِلَ، وَهَذَا مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِنْقَاذًا لِمَنْ حَصَلَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الإِيـمَانِ وَتَحْذِيرًا لِمَنْ لَمْ يَقَعْ فِيهَا حَتَّى لا يَقَعَ فِيهَا.

وَقَدْ أَكْثَرَ يُوسُفُ الأَرْدَبِيلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ «الأَنْوَارُ لِأَعْمَالِ الأَبْرَارِ» مِنْ تَعْدَادِ الأَلْفَاظِ الْمُكَفِّرَةِ بَعْضُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَبَعْضُهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَارِسِيُّونَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ «لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِس». فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ مِمَّنْ سِوَى الْعَرَبِ هُمْ مِنْ فَارِس، وَظَهَرَ فِيهِمْ فِي الْمَاضِي شُمُوسُ عِلْمٍ وَبُدُورٌ.