جَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَنَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ [أَخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ]، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَكَانَ أَحْمَدُ رُبَّمَا قَالَ بِهِ وَرُبَّمَا وَقَفَ عَنْ ذَلِكَ وَكَانَ الشَّافِعِىُّ لا يَرَى الْقَوْلَ بِهِ [لا يَرَى مَا جَاءَ بِهَذَا الإِسْنَادِ صَحِيحًا]، وَقَدِ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِى مَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ، فَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِى الطَّعَامِ يَعْنِى مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِىُّ،
وَقَالَ إِسْحَاقُ فِى كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، وَقَالَ الأَوْزَاعِىُّ فِى رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنِ اسْتِئْجَارُكَ الْغُلامَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ تُؤَاجِرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ [مَعْنَاهُ لا يُؤْجِرُهُ لِغَيْرِهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا دَفَعَ. وَهَذَا لَيْسَ ثَابِتًا]. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ أَنْ يَقُولَ ءَاخُذُ سِلْعَتَكَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِى كَذَا فَالْبَيْعُ هَذَا فَاسِدٌ، قَالَ فَإِنْ تَرَكَ الَّذِى اشْتَرَطَ السَّلَفَ مِنْهُ [إِنْ أَسْقَطَهُ فِى الْمَجْلِسِ] كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا. وَالْبَيْعُ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ فِى هَذَا فَاسِدٌ تَرَكَ الشَّرْطَ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ أَيْضًا مَا اشْتُهِرَ فِى هَذَا الْعَصْرِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى التَّأْمِينَ عَلَى الْحَيَاةِ أَوْ عَلَى السَّيَّارَةِ أَوْ عَلَى الْبَيْتِ أَوْ عَلَى الْبِضَاعَةِ بِحَيْثُ إِنْ مَرِضَ أَوْ مَاتَ أَوْ تَعَطَّلَتْ سَيَّارَتُهُ أَوْ تَحَطَّمَتْ أَوِ احْتَرَقَ بَيْتُهُ أَوْ سُرِقَ دُكَّانُهُ أَوْ غَرِقَتْ بِضَاعَتُهُ فِى الْبَحْرِ تَدْفَعُ لَهُ شَرِكَةُ التَّأْمِينِ بَدَلَ الَّذِى تَكَلَّفَهُ أَوْ تَدْفَعُ لِوَرَثَتِهِ مَالًا إِنْ مَاتَ.
وَعِلَّةُ تَحْرِيمِ التَّأْمِينِ عَلَى الْحَيَاةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ غَرَرًا فَهُوَ لا يَدْرِى مَتَى يَمُوتُ وَإِذَا مَاتَ هَلْ يَكُونُ لَهُ وَارِثٌ أَمْ لا. ثُمَّ إِنْ كَانَ إِجْبَارًا مِنَ الدَّوْلَةِ الدُّخُولُ فِى هَذَا الشَّىْءِ يَدْخُلُ الشَّخْصُ فِى هَذَا الأَمْرِ ثُمَّ لا يَأْخُذُ مِنَ الشَّرِكَةِ إِلَّا قَدْرَ مَا دَفَعَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَا لا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
الشَّرْحُ لا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا لا مَنْفَعَةَ فِيهِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَالْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ الَّذِى لا يُقْصَدُ لِلأَكْلِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الثَّمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ الَّتِى هِىَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا مَعَ وُجُودِهَا حِسًّا فَهِىَ كَبَيْعِ ءَالاتِ اللَّهْوِ وَصُلْبَانِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّوَرِ الَّتِى هِىَ لِذَوِى الأَرْوَاحِ الَّتِى تَكُونُ بِهَيْئَةٍ يَعِيشُ بِهَا ذَلِكَ الْحَيَوَانُ أَوْ لا يَعِيشُ بِهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْحُصُولَ عَلَى صُورَةٍ لِحَاجَةٍ يُحَصِّلُهَا بِغَيْرِ الشِّرَاءِ، يُعْطِيهِ مَالًا مَجَّانًا وَذَاكَ يُعْطِيهِ الصُّورَةَ مَجَّانًا،
أَمَّا أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهَا فَلا يَصِحُّ، إِلَّا صُوَرَ الْبَنَاتِ الصِّغَارِ [أَىْ مَا تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ لُعَبَ الْبَنَاتِ الصِّغَارِ] لِأَجْلِ أَنْ تَلْعَبَ بِهَا الْبَنَاتُ الصِّغَارُ فَهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَمَّا الصَّبِىُّ فَلا يُمَكَّنُ مِنَ اللَّعِبِ بِهَا، أَمَّا صُوَرُ الْكِلابِ وَالطُّيُورِ وَالْفِئْرَانِ وَنَحْوِهَا فَلا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا حَتَّى لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ بَيْعُ حَبَّةِ حِنْطَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ حَبَّتَىْ حِنْطَةٍ لِأَنَّهُمَا لا تُقْصَدَانِ لِلِانْتِفَاعِ وَلَوْ كَانَتَا تَنْفَعَانِ بِالْبَذْرِ لِأَنَّهُ إِذَا بُذِرَتْ هَاتَانِ الْحَبَّتَانِ يَطْلُعُ مِنْهُمَا مِنَ الْحَبِّ مِقْدَارٌ يُنْتَفَعُ بِهِ،
لَكِنْ هَاتَانِ لا تُقْصَدَانِ لِلِانْتِفَاعِ بِالْبَيْعِ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ شِرَاءُ الْحَشَرَاتِ وَهِىَ صِغَارُ دَوَابِّ الأَرْضِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَإِنْ ذَكَرَ لَهَا أَصْحَابُ ذِكْرِ خَوَاصِّ الْحَيَوَانَاتِ خَوَاصَّ، بِخِلافِ مَا يَنْفَعُ مِنْهَا كَالضَّبِّ لِأَكْلِهِ وَالْعَلَقِ لِامْتِصَاصِهِ الدَّمَ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ بَيْعُ السِّبَاعِ الَّتِى لَيْسَ لَهَا نَفْعٌ مُعْتَبَرٌ كَالأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ بِخِلافِ مَا يَنْفَعُ مِنْهَا كَالضَّبُعِ لِلأَكْلِ فِى مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْفَهْدِ لِلصَّيْدِ وَالْفَيْلِ لِلْقِتَالِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِلا صِيغَةٍ وَيَكْفِى التَّرَاضِى عِنْدَ بَعْضِ الأَئِمَّةِ.
الشَّرْحُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ عَلَى مَا هُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الصِّيغَةُ أَىِ اللَّفْظُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَىْ بِأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُكَ كَذَا بِكَذَا فَيَقُولَ الْمُشْتَرِى قَبِلْتُ. وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ صِحَّتَهُ بِالْمُعَاطَاةِ بِدُونِ صِيغَةٍ وَهِىَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ وَيَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِلا لَفْظٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَالْبَيْعُ عِنْدَهُ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَيْعُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِلْكِ كَالْحُرِّ وَالأَرْضِ الْمَوَاتِ.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ بَيْعُ مَا لَيْسَ مَمْلُوكًا كَالإِنْسَانِ الْحُرِّ أَىْ غَيْرِ الرَّقِيقِ وَالأَرْضِ الْمَوَاتِ أَىِ الَّتِى لَمْ تُعْمَرْ لِأَنَّ الْمَوَاتَ لا يُمْلَكُ إِلَّا بِالإِحْيَاءِ أَىْ بِتَهْيِئَتِهِ لِلِانْتِفَاعِ إِمَّا لِلزِّرَاعَةِ أَوْ السَّكَنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ.
الشَّرْحُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ فَيَحْرُمُ وَلا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ الْمَنْهِىِ عَنْهُ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ فَيَأْخُذَ أَحَدَهُمَا، أَوْ يَقُولَ بِعْتُكَ شَاةً مِنْ هَذِهِ الشِّيَاهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ وَاحِدَةً. أَوْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الشَّىْءَ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الدَّرَاهِمِ كمْ هىَ وَلا الدَّنَانِيرِ كَمْ هِىَ وَذَلِكَ حَذَرًا مِنَ الْغَرَرِ الْمُؤَدِّى لِلتَّنَازُعِ، نَعَمْ يَصِحُّ لَوْ عَيَّنَ الْمَبِيعَ، وَيَصِحُّ لَوْ قَالَ فِى شَىْءٍ مُعَيَّنٍ كَالْبُرِّ بِعْتُكَ هَذَا الْبُرَّ بِمِلْءِ هَذَا الْمَخْزَنِ مِنْ هَذَا الشَّعِيرِ وَهُمَا يَعْلَمَانِ كَمْ هُوَ مِلْؤُهُ.
قَالَ الْحَافِظُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ الإِحْيَاءِ مَمْزُوجًا كَلامُهُ بِكَلامِ الْغَزَالِىِّ (وَأَمَّا الأَعْمَى فَإِنَّهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِى مَا لا يَرَى) بِعَيْنِهِ (فَلا يَصِحُّ) بَيْعُهُ وَلا شِرَاؤُهُ (فَلْنَأْمُرْهُ بِأَنْ يُوكِّلَ وَكِيلًا) عَنْ نَفْسِهِ (بَصِيرًا) بِعَيْنِهِ (لِيَشْتَرِىَ لَهُ أَوْ يَبِيعَ فَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ) عَنْهُ (وَيَصِحُّ بَيْعُ وَكِيلِهِ، فَإِنْ عَامَلَهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ) مِنْ غَيْرِ إِقَامَةِ وَكِيلٍ (فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَمَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ أَيْضًا مَضْمُونٌ لَهُ بِقِيمَتِهِ).
وَقَالَ أَبُوحَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ الأَعْمَى إِذَا وُصِفَ لَهُ الْبَيْعُ فَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِىِّ أَيْضًا، وَلَكِنْ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَقَالَ الرَّافِعِىُّ فِى بَيْعِ الأَعْمَى وَشِرَائِهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلَىْ شِرَاءِ الْغَائِبِ وَالثَّانِى الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ. وَإِذَا قُلْنَا لا يَصِحُّ بَيْعُ الأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ لا تَصِحُّ مِنْهُ الإِجَارَةُ وَالرَّهْنُ وَالْهِبَةُ أَيْضًا، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ قَالَ فِى التَّهْذِيبِ لا وَقَالَ فِى التِّتِمَّةِ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ النَّوَوِىُّ وَهُوَ الأَصَحُّ.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ. وَلِلْعَبْدِ الأَعْمَى أَنْ يَشْتَرِىَ نَفْسَهُ وَأَنْ يَقْبَلَ الْكِتَابَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لا يَجْهَلُ نَفْسَهُ. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَأَنْ يُزَوِّجَ مَوْلِيَّتَهُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْعَمَى غَيْرُ قَادِحٍ فِى الْوِلايَةِ وَالصَّدَاقَ غَيْرُ مَالٍ وَكَذَلِكَ لَوْ خَالَعَ الأَعْمَى عَلَى مَالٍ، وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ فِى شَىْءٍ أَوْ بَاعَ سَلَمًا فَيُنْظَرُ إِنْ عُمِىَ بَعْدَمَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ فَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ السَّلَمَ يَعْتَمِدُ الأَوْصَافَ وَهُوَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُمَيِّزٌ بَيْنَ الأَلْوَانِ وَيَعْرِفُ الأَوْصَافَ ثُمَّ يُوَكِّلُ مَنْ يَقْبِضُ عَنْهُ عَلَى الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ،
وَهَلْ يَصِحُّ قَبْضُهُ بِنَفْسِهِ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لا لِأَنَّهُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ أَكْمَهَ أَوْ عَمِىَ قَبْلَ مَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لا يَصِحُّ سَلَمُهُ لِأَنَّهُ لا يَعْرِفُ الأَلْوَانَ وَلا يُمَيِّزُ بَيْنَهَا وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِىُّ وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أَبِى هُرَيْرَةَ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِىِّ وَإِلَيْهِ مَالَ الْمَصَنِّفُ فِى الْوَجِيزِ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ الصِّفَاتِ وَالأَلْوَانَ بِسَمَاعٍ وَيَتَخَيَّلُ فَرْقًا بَيْنَهَا،
فَعَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مَوْصُوفًا بِعَيْنٍ فِى الْمَجْلِسِ أَمَّا إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَهُوَ كَبَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ. قَالَ النَّوَوِىُّ وَلَوْ كَانَ الأَعْمَى رَأَى شَيْئًا مِمَّا لا يَتَغَيَّرُ صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إِيَّاهُ إِذَا صَحَّحْنَا ذَلِكَ مِنَ الْبَصِيرِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ اهـ. وَكُلُّ مَا لا نُصَحِّحُهُ مِنَ الأَعْمَى مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يُوَكَّلَ عَنْهُ ويُحْتَمَلُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ) لِأَنَّ إِسْلامَ الْعَاقِدِ لا يُشْتَرَطُ فِى صِحَّةِ مُطْلَقِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (لَكِنْ لا يُبَاعُ مِنْهُ الْمُصْحَفُ) أَىِ الْقُرْءَانُ وَلا شَىْءٌ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَوِ اشْتَرَى ذَلِكَ فَفِيهِ طَرِيقَانِ وَبِهِ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ فِى الْوَجِيزِ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ وَأَظْهَرُهُمَا الْقَطْعُ بِالْبُطْلانِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْكُتُبُ الَّتِى فِيهَا ءَاثَارُ السَّلَفِ كَالْمُصْحَفِ فِى طَرْدِ الْخِلافِ، وَامْتَنَعَ الْمَاوَرْدِىُّ فِى الْحَاوِى مِنْ إِلْحَاقِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ بِالْمُصْحَفِ وَقَالَ إِنَّ بَيْعَهَا مِنْهُ صَحِيحٌ لا مَحَالَةَ، وَهَلْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهَا فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ النَّوَوِىُّ فِى زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ الْخِلافُ فِى بَيْعِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ إِنَّمَا هُوَ فِى صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِلا خِلافٍ.
(وَلا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ) لَكِنْ لَوِ اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا فَفِى صِحَّتِهِ قَوْلانِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ نَصُّهُ [أَىْ نَصُّ الشَّافِعِىِّ] فِى الإِمْلاءِ أَنَّهُ لا يَصِحُّ لِأَنَّ الرِّقَّ ذُلٌّ فَلا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَمَا لا يَنْكِحُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ [مَعْنَاهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ كَمَا لا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ زِوَاجُ الْمُسْلِمَةِ]، وَالثَّانِى وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمِلْكِ فَمَلَكَ بِهِ الْكَافِرُ رَقَبَةَ الْمُسْلِمِ كَالإِرْثِ.
وَالْقَوْلانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ وُهِبَ مِنْهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فَقَبِلَ أَوْ وُصِّىَ لَهُ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ، قَالَ فِى التِّتِمَّةِ هَذَا إِذَا قُلْنَا الْمِلْكُ فِى الْوَصِيَّةِ يَحْصُلُ بِالْقَبُولِ فَإِنْ قُلْنَا يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ ثَبَتَ بِلا خِلافٍ كَالإِرْثِ. قَالَ الرَّافِعِىُّ إِنْ قُلْنَا لا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ فَلَوِ اشْتَرَى قَرِيبَهُ الَّذِى يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لا يَصِحُّ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَأَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ لِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُسْتَعْقَبَ لِلْعِتْقِ شَاءَ الْمَالِكُ أَوْ أَبَى لَيْسَ بِإِذْلالٍ،
أَلا تَرَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ شِرَاءَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِذْلالًا لَمَا جَازَ لَهُ إِذْلالُ أَبِيهِ، وَالْخِلافُ جَارٍ فِى كُلِّ شَىْءٍ يَسْتَعْقِبُ الْعِتْقَ كَمَا إِذَا قَالَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ أَعْتِقْ عَبْدَكَ الْمُسْلِمَ عَنِّى بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَكَمَا إِذَا أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فِى يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا بِشَرْطِ الإِعْتَاقِ وَصَحَّحْنَا الشِّرَاءَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْعِتْقَ لا يَحْصُلُ عَقِيبَ الشِّرَاءِ وَإِنَّمَا يَزُولُ الْمِلْكُ بِإِزَالَتِهِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ عَلَى وَجْهَىْ شِرَاءِ الْقَرِيبِ. (وَلا يُبَاعُ مِنْهُ السِّلاحُ) أَىْ ءَالَةُ الْحَرْبِ (إِنْ كَانَ) الْكَافِرُ (مِنْ أَهْلِ) دَارِ (الْحَرْبِ) وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، (فَإِنْ فَعَلَ) شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (فَهِىَ مُعَامَلاتٌ مَرْدُودَةٌ) فَاسِدَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ (وَهُوَ عَاصٍ بِهَا رَبَّهُ) عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الرَّافِعِىُّ فِى ءَاخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَمِنَ الْمَنْهِيَّاتِ بَيْعُ السِّلاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُوَ لا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لا يُرَادُ إِلَّا لِلْقِتَالِ فَيَكُونُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ،
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَدِيدِ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ لِلسِّلاحِ وَقَالَ النَّوَوِىُّ فِى الزِّيَادَاتِ قُلْتُ بَيْعُ السِّلاحِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِى دَارِ الإِسْلامِ صَحِيحٌ اهـ وَقِيلَ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّى وَالْبَغَوِىُّ وَالرُّوْيَّانِىُّ. وَقَالَ الرَّافِعِىُّ أَيْضًا وَكَذَا بَيْعُ السِّلاحِ مِنَ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَكْرُوهٌ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ. قَالَ النَّوَوِىُّ قُلْتُ الأَصَحُّ التَّحْرِيمُ قَالَهُ الْغَزَالِىُّ فِى الإِحْيَاءِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا الْجُنْدِيَّةُ مِنَ الأَتْرَاكِ وَالتُّرْكُمَانِيَّةِ) بِالضَّمِّ جِنْسٌ خَاصٌّ مِنَ الأَتْرَاكِ (وَالْعَرَبُ) الْجَاهِلَةُ (وَالأَكْرَادُ) جِيلٌ مِنَ النَّاسِ مُخْتَلَفٌ فِى نَسَبِهِمْ (وَالسُّرَّاقُ) وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ النَّشَّالَةُ (وَالْخَوَنَةُ) مُحَرَّكَةً جَمْعُ خَائِنٍ (وَأَكَلَةُ الرِّبَا) هُمُ الَّذِينَ يَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا فِى مُعَامَلاتِهِمْ مِنَ التُّجَّارِ (وَالظَّلَمَةُ) الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِىٍّ (وَكُلُّ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ فَلا يَنْبَغِى أَنْ يُتَمَلَّكَ مِمَّا فِى أَيْدِيهِمْ شَىْءٌ لِأَنَّهُ حَرَامٌ إِلَّا إِذَا عَرَفَ) مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ (بِعَيْنِهِ أَنَّهُ حَلالٌ) فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ وَقَالَ الدَّارِمِىُّ فِى ءَاخِرِ بَابِ التَّخَالُفِ يُكْرَهُ مُبَايَعَةُ مَنْ يُرَابِى أَوْ يُطَفّفُ أَوْ يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ،
فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَبْطُلْ إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ مَا أَخَذَهُ حَرَامٌ اهـ. وَقَالَ الرَّافِعِىُّ وَيُكْرَهُ مُبَايَعَةُ مَنِ اشْتَمَلَتْ يَدُهُ عَلَى الْحَلالِ وَالْحَرَامِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَلالُ أَكْثَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَلَوْ بَايَعَهُ لَمْ يُحْكَمْ بِالْفَسَادِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ مُبَايَعَةَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ بَاطِلٌ اهـ (وَسَيَأْتِى تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِى كِتَابِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ) قَرِيبًا بَعْدَ هَذَا الْكِتَابِ.
(الرُّكْنُ الثَّانِى فِى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَقْصُودُ نَقْلُهُ مِنْ) ذِمَّةِ (أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ إِلَى) ذِمَّةِ (الآخَرِ ثَمَنًا كَانَ أَوْ مُثْمَنًا) وَهُوَ مَا قَامَ مَقَامَ الثَّمَنِ، وَجُمْلَةُ مَا قِيلَ فِى الثَّمَنِ وَالْمُثْمَنِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ الثَّمَنَ مَا أُلْصِقَ بِهِ الْبَاءُ وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الْقَفَّالِ، وَالثَّانِى أَنَّ الثَّمَنَ هُوَ النَّقْدُ وَالْمُثْمَنَ مَا يُقَابِلُ عَلَى اخْتِلافِ الْوَجْهَيْن، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الأَصَحُّ أَنَّ الثَّمَنَ هُوَ النَّقْدُ وَالْمُثْمَنَ مَا يُقَابِلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى الْعَقْدِ نَقْدٌ أَوْ كَانَ الْعِوَضَانِ نَقْدَيْنِ فَالثَّمَنُ مَا أُلْصِقَ بِهِ الْبَاءُ وَالْمُثْمَنُ مَا يُقَابِلُهُ،
وَلَوْ بَاعَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِالآخَرِ فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِى لا ثَمَنَ [لَعَلَّ الصَّوَابَ مُثْمَنَ] فِيهِ، وَلَوْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ فَعَلَى الثَّانِى لا مُثْمَنَ فِيهِ وَإِنَّمَا صَحَّتْ مُقَايَضَةً (فَيُعْتَبَرُ فِيهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ) وَاقْتَصَرَ فِى الْوَجِيزِ عَلَى خَمْسَةٍ (الأَوَّلُ أَنْ لا يَكُونَ نَجِسًا فِى عَيْنِهِ فَلا يَصِحُّ بَيْعُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَفِى حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا »إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالأَصْنَامِ وَالْخِنْزِيرِ« وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِى حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَجْوِيزُ بَيْعِ الْكَلْبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَقُورًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَعَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ اخْتِلافٌ فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْكَلْبَ الْمَأْذُونَ فِى إِمْسَاكِهِ.
(وَلا) يَصِحُّ (بَيْعُ زِبْلٍ) بِالْكَسْرِ (وَعَذِرَةٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وِزَان كَلِمَةٍ الْخُرْء فَإِنَّهُمَا نَجِسَا عَيْنٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْجِينِ الثَّخِينِ لِمَا تُسَمَّدُ بِهِ الأَرْضُ فَصَارَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِى حَالٍ، وَوَافَقَ أَحْمَدُ الشَّافِعِىَّ وَمَالِكًا فِى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ السِّرْجِينِ وَالْبَوْلِ.
تَنْبِيهٌ قَالَ أَصْحَابُنَا [يَعْنِى الْحَنَفِيَّةَ] لا يَجُوزُ بَيْعُ شَعَرِ الْخِنْزِيرِ وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلْخَرْزِ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ [لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ لا يَتَأَتَّى بِدُونِهِ]، وَلا يَجُوزُ قِنْيَةٌ لَهُ لِأَنَّهُ كَالْخَمْرِ وَهَذَا لِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِهِ يُشْعِرُ بِإِعْزَازِهِ فِى غَيْرِ الآدَمِىِّ، وَنَجَاسَتُهُ تُشْعِرُ بِجَوَازِ الْمَحَلِّ، وَإِنَّمَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلأَسَاكِفَةِ لِأَنَّ خَرْزَ النِّعَالِ وَالأَخْفَافِ لا يَتَأَتَّى إِلَّا بِهِ [الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِى ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانُوا لا يَجِدُونَ لِصُنْعِ الْخُفِّ إِلَّا شَعَرَ الْخِنْزِيرِ] فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ،
وَعَنْ أَبِى يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ الْخَرْزَ يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ وَالأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ لَحْمَهُ فَالشَّعْرُ أَوْلَى، ثُمَّ لا حَاجَةَ إِلَى شِرَائِهِ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مُبَاح الأَصْلِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إِنْ كَانَتِ الأَسَاكِفَةُ لا يَجِدُونَ شَعْرَ الْخِنْزِيرِ إِلَّا بِالشِّرَاءِ يَنْبَغِى أَنْ يَجُوزَ لَهُمُ الشِّرَاءُ لِأَنَّ ذَلِكَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ فَيُكْرَهُ لِأَنَّهُ لا حَاجَةَ إِلَيْهِ لِلْبَائِعِ [وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ مَعْنَاهُ مَعْصِيَةٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا كَانَ دَلِيلُ تَحْرِيمِهِ قَطْعِيًّا يَقُولُونَ يَحْرُمُ وَمَا كَانَ دَلِيلُهُ غَيْرَ قَطْعِىٍّ يَقُولُونَ يُكْرَهُ].
(وَلا) يَصِحُّ (بَيْعُ الْعَاجِ وَالأَوَانِى الْمُتَّخَذَةِ مِنْهُ) وَهِىَ أَنْيَابُ الْفِيَلَةِ وَلا يُسَمَّى غَيْرُ النَّابِ عَاجًا (فَإِنَّ الْعَظْمَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلا يَطْهُرُ الْفِيلُ بِالذَّبْحِ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ الَّذِى يُسَمَّى نَابُهُ عَاجًا، (وَلا يَطْهُرُ عَظْمُهُ بِالتَّنْقِيَةِ) لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ [أَىْ مُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ إِلَّا مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِىُّ وَجْهًا شَاذًّا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِطَهَارَةِ الْعَاجِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ كَانَ لِفَاطِمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا سِوَارٌ مِنْ عَاجٍ،
وَهُوَ قَوْلُ أَبِى يُوُسفَ أَيْضًا، وَحَمَلَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِىِّ عَلَى ظَهْرِ السُّلْحَفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ وَهِىَ طَاهِرَةٌ [قَالُوا سِوَارُ فَاطِمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ مِنْ ظَهْرِ السُّلْحَفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ مَا كَانَ مِنْ عَظْمِ الْفِيلِ وَهَكَذَا فَسَرَّ الشَّافِعِيَّةُ وَهَذَا الَّذِى يَلِيقُ، ظَهْرُ السُّلْحَفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ طَاهِرٌ لِأَنَّ مَيْتَةَ الْبَحْرِ طَاهِرَةٌ]، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَنْزِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَبْحُ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يُطَهِّرُ لَحْمَهُ وَجِلْدَهُ إِلَّا الآدَمِىَّ وَالْخِنْزِيرَ [عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُطَهِّرُ لَحْمَهُ لَكِنْ لا يَجُوزُ أَكْلُهُ] وَلَكِنْ نَقَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ أَصَحَّ مَا يُفْتَى بِهِ أَنَّهُ يُطَهِّرُ جِلْدَهُ دُونَ لَحْمِهِ [مَعْنَاهُ جِلْدُهُ يَنْقَلِبُ طَاهِرًا أَمَّا لَحْمُهُ فَيَبْقَى نَجِسًا هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. مَعْنَاهُ جِلْدُهُ يُسْتَعْمَلُ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ لَكِنْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لا يَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِهِ وَلا لَحْمِهِ، كُلٌّ لا يَجُوزُ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَمْرِ) لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ قَرِيبًا.
(وَلا بَيْعُ الْوَدَكِ [أَىْ دَسَمِ اللَّحْمِ] النَّجِسِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِى لا تُؤْكَلُ) مِمَّا يَتَحَلَّبُ مِنْ شَحْمِهَا وَلَحْمِهَا (وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِصْبَاحِ أَوْ طِلاءِ السُّفُنِ) وَذَلِكَ فِى أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى شَرْحِ الْوَجِيزِ وَدَكُ الْمَيْتَةِ إِنْ نَجُسَ بِعَارِضٍ فَفِى بَيْعِهِ خِلافٌ مَبْنِىٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، فَفِى ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِى إِسْحَاقَ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ وَفِى صَاحِبِ الإِفْصَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لا يُمْكِنُ، فَعَلَى هَذَا لا يَجُوزُ بَيْعُهُ، قَالَ النَّوَوِىُّ فِى زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ هَذَا التَّرْتِيبُ غَلَطٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِى الْوَسِيطِ وَكَيْفَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا لا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّى فِى بَيْعِ الصِّبْغِ النَّجِسِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا كَالزَّيْتِ، وَالثَّانِى لا يَصِحُّ قَطْعًا لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ وَإِنَّمَا يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ وَيُغْسَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلا بَأْسَ بِبَيْعِ الدُّهْنِ الطَّاهِرِ الَّذِى نَجُسَ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ أَوْ مَوْتِ فَأْرٍ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِى غَيْرِ الأَكْلِ وَهُوَ فِى عَيْنِهِ لَيْسَ بِنَجِسٍ) وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ وَالدُّهْنُ إِذَا نَجُسَ بِمُلاقَاةِ النَّجَاسَةِ صَحَّ بَيْعُهُ وَجَازَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ الرَّافِعِىُّ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِ نَجَاسَتِهِ بِالْمُلاقَاةِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِيَجْرِىَ الْقَوْلانِ فِى الِاسْتِصْبَاحِ، وَقَوْلُهُ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ مُسَاعَدٍ عَلَيْهِ فِى الْبَيْعِ بَلِ الظَّاهِرُ عِنْدَ الأَصْحَابِ مَنْعُهُ،
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ خِلافًا لِأَبِى حَنِيفَةَ، وَقَالَ النَّوَوِىُّ فِى زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ يَنْبَغِى أَنْ يُقْطَعَ بِصِحَّةِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ وَبَنَى الإِمَامُ فِى النِّهَايَةِ مَسْئَلَةَ الدُّهْنِ عَلَى وَجْهٍ ءَاخَرَ فَقَالَ إِنْ قُلْنَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ جَازَ بَيْعُهُ وَإِلَّا فَفِى بَيْعِهِ قَوْلانِ مَبْنِيَانِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْمُصَنِّفُ فِى الْوَجِيزِ فَذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِى الْبَيْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [يَعْنِى بِالْمُصَنِّفِ الْغَزَالِىَّ أَمَّا الإِمَامُ فَهُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ شَيْخُ الْغَزَالِىِّ].
وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى امْتِنَاعِ تَطْهِيرِ الدُّهْنِ النَّجِسِ مَا رُوِىَ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِى السَّمْنِ فَقَالَ »إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَرِيقُوهُ« وَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَمَا أَمَرَنَا بِإِرَاقَتِهِ وَحُكِىَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ ابْنِ أَبِى هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ.
(وَكَذَلِكَ لا أَرَى بَأْسًا بِبَيْعِ بِزْرِ الْقَزِّ) وَعِبَارَةُ الرَّافِعِىِّ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَيْلَجِ وَفِى بَاطِنِهِ الدُّودُ الْمَيْتَةُ لِأَنَّ إِبْقَاءَهَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحِهِ كَالْحَيَوَانِ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَالنَّجَاسَةُ فِى بَاطِنِهِ. قَالَ النَّوَوِىُّ فِى الزِّيَادَاتِ الْفَيْلَجُ بِالْفَاءِ وَهُوَ الْقَزُّ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَفِيهِ الدُّودُ سَوَاءٌ كَانَ مَيْتًا أَوْ حَيًّا وَسَوَاءٌ بَاعَهُ وَزْنًا أَوْ جُزَافًا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِى حُسَيْن فِى فَتَاوِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(فَإِنَّهُ أَصْلُ حَيَوَانٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَتَشْبِيهُهُ بِالْبَيْضِ وَهُوَ أَصْلُ حَيَوَانٍ أَوْلَى مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالرَّوْثِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ فَأْرَةِ الْمِسْكِ) رُوِىَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَقِيلَ بَيْعُ الْمِسْكِ فِى الْفَأْرَةِ بَاطِلٌ سَوَاءٌ بِيْعَ مَعَهَا أَوْ دُونَهَا، وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْفَأْرَةِ مَفْتُوحًا أَوْ لا، وَلَوْ رَأَى الْمِسْكَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ الرَّدِّ إِلَيْهَا صَحَّ، فَلَوْ رَأَى الْفَأْرَةَ دُونَ الْمِسْكِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ الرَّدِّ إِلَيْهَا فَإِنْ كَانَ رَأْسُهَا مَفْتُوحًا فَرَأَى أَعْلاهُ لا يَجُوزُ وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلَىْ بَيْعِ الْغَائِبِ.
(وَيُقْضَى بِطَهَارَتِهَا إِذَا انْفَصَلَتْ مِنَ الظَّبْيَةِ فِى حَالِ الْحَيَاةِ) وَقَالَ الرَّافِعِىُّ وَفِى بَيْعِ بِزْرِ الْقَزِّ وَفَأْرَةِ الْمِسْكِ خِلافٌ مَبْنِىٌّ عَلَى الْخِلافِ السَّابِقِ فِى طَهَارَتِهَا اهـ. وَوَافَقَهُ مُحَمَّدٌ فِى جَوَازِ بَيْعِ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِى الدُّودِ وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِى بَيْضِهِ وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا مَعَهُ، وَلِأَبِى حَنِيفَةَ أَنَّ الدُّودَ مِنَ الْهَوَامِّ وَبَيْضَهُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ فَأَشْبَهَ الْخَنَافِسَ وَالْوَزَغَاتِ وَبَيْضَهَا، وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الدُّودَ يُنْتَفَعُ بِهِ وَكَذَا بَيْضُهُ فِى الْمَآلِ فَصَارَ كَالْجَحْشِ وَالْمُهْرِ وَلِأَنَّ النَّاسَ قَدْ تَعَامَلُوهُ فَمَسَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
(الثَّانِى أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ (مُنْتَفَعًا بِهِ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَالًا وَكَانَ أَخْذُ الْمَالِ فِى مُقَابَلَتِهِ قَرِيبًا مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، ولِخُلُوِّ الشَّىْءِ عَنِ الْمَنْفَعَةِ سَبَبَانِ أَحَدُهُمَا الْقِلَّةُ كَالْحَبَّةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لا يُعَدُّ مَالًا وَلا يُبْذَلُ فِى مُقَابَلَتِهِ الْمَالُ، وَلا يُنْظَرُ إِلَى ظُهُورِ الِانْتِفَاعِ إِذَا ضُمَّ هَذَا الْقَدْرُ إِلَى أَمْثَالِهِ وَلا إِلَى مَا يُفْرَضُ مِنْ وَضْعِ الْحَبَّةِ الْوَاحِدَةِ فِى الْفَخِّ، وَلا فَرْقَ فِى ذَلِكَ بَيْنَ زَمَانِ الرُّخْصِ وَالْغَلاءِ،
وَمَعَ هَذَا فَلا يَجُوزُ أَخْذُ الْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ مِنْ صُبْرَةِ الْغَيْرِ إِذْ لَوْ جَوَّزْنَاهُ لَانْجَرَّ إِلَى أَخْذِ الْكَثِيرِ، وَلَوْ أَخَذَ الْحَبَّةَ وَنَحْوَهَا ءَاخِذٌ فَعَلَيْهِ الرَّدُّ، فَإِنْ تَلِفَتْ فَلا ضَمَانَ إِذْ لا مَالِيَّةَ لَهَا، وَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَضْمَنُ مِثْلَهَا [هَذَا الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ إِلَّا إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ لا يَطْلُبُ عِوَضًا]. وَالثَّانِى الْخِسَّةُ (فَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ كَالْفَأْرَةِ) وَفِى نُسْخَةٍ وَلا الْفَأْرَةِ (وَالْحَيَّةِ) وَالْخُنْفُسِ وَالْعَقْرَبِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهَا (وَلا الْتِفَاتَ إِلَى انْتِفَاعِ الْمُشَعْوِذِ بِالْحَيَّةِ، وَكَذَلِكَ لا الْتِفَاتَ إِلَى انْتِفَاعِ أَرْبَابِ الْحِلَقِ فِى إِخْرَاجِهَا مِنَ السَّلَّةِ وَعَرْضِهَا عَلَى النَّاسِ) وَلا إِلَى مَنَافِعِهَا الْمَعْدُودَةِ فِى الْخَوَاصِّ،
فَإِنَّ تِلْكَ الْمَنَافِعَ لا تُلْحِقُهَا بِمَا يُعَدُّ فِى الْعَادَةِ مَالًا، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِىُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ النَّمْلِ بِعَسْكَرِ مُكْرمٍ [بَلَدٌ فِيهَا هَذِهِ النَّمْلُ الَّتِى لَهَا هَذَا الشَّأْنُ] لِأَنَّهُ يُعَالَجُ بِهِ السُّكرَ، وَبِنَصِيبَيْنِ [نَمْلُ نَصِيبَيْنِ أَيْضًا هَكَذَا] لِأَنَّهُ يُعَالَجُ بِهِ الْعَقَارِبُ الطَّيَّارَةُ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرَّةِ) لِأَنَّهَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَقَدْ وَصَّى الشَّارِعُ عَلَيْهَا، وَعَدَّهَا مِنَ الطَّوَّافَاتِ عَلَيْنَا، وَأَمَّا مَا رُوِىَ مِنَ النَّهْىِ عَنِ ثَمَنِ الْهِرَّةِ فَقَالَ الْقَفَّالُ أَرَادَ الْهِرَّةَ الْوَحْشِيَّةَ أَوْ مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةُ اسْتِئْنَاسٍ وَلا غَيْرِهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْغَنَمِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَمِنَ الصَّيُودِ كَالضَّبِّ وَالْغِزْلانِ وَمِنَ الطُّيُورِ كَالْحَمَامِ وَالْعَصَافِيرِ وَالْعُقَابِ، (وَ)بَيْعُ (النَّحْلِ) مِنَ الْكَوَّارَةِ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ قَدْ شَاهَدَ جَمِيعَهَا وَإِلَّا فَهُوَ فِى صُورَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، فَإِنْ بَاعَهَا وَهِىَ طَائِرَةٌ مِنَ الْكَوَّارَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ الْبَيْعَ كَبَيْعِ النَّعَمِ الْمُسَيَّبَةِ فِى الصَّحْرَاءِ وَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ فِى التِّتِمَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ إِذْ لا قُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ فِى الْحَالِ وَالْعَوْدُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ.
وَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ فِى التَّهْذِيبِ. قَالَ النَّوَوِىُّ قُلْتُ الأَصَحُّ الصِّحَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ الشَّافِعِىَّ فِى جَوَازِ بَيْعِ النَّحْلِ إِذَا كَانَ مُحْرزًا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ وَإِنْ كَانَ لا يُؤْكَلُ فَصَارَ كَالْحِمَارِ، وَعِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ وَأَبِى يُوسُفَ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْهَوَامِّ كَالزُّنْبُورِ وَهَوَامِّ الأَرْضِ وَالِانْتِفَاعُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ لا بِعَيْنِهِ فَلا يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ وَالشّىْءُ إِنَّمَا يَصِيرُ مَالًا لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ بِالْكَوَّارَاتِ صَحَّ تَبَعًا لَهَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِىُّ فِى شَرْحِهِ.
وَذَكَرَ الْكَرْخِىُّ [وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْحَنَفِيَّةِ] أَنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْعَسَلِ وَقَالَ الشَّىْءُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِى الْعَقْدِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ إِذَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهِ كَالشُّرْبِ [الْحِصَّةِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِى يُسْقَى بِهِ الزَّرْعُ وَالأَشْجَارُ] وَالطَّرِيقِ اهـ.
وَمِنَ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ الْجَوَارِحُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَبَيْعُ الْفَهْدِ) وَهُوَ حَيَوَانٌ مَعْرُوفٌ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، وَفِى حُكْمِهِ الصَّقْرُ وَالْبَازِى، (وَ)فِى بَيْعِ (الأَسَدِ) وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ خِلافٌ فَمُقْتَضَى سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا جَوَازُ بَيْعِهَا، وَمُقْتَضَى سِيَاقِهِ فِى الْوَجِيزِ الْمَنْعُ فَإِنَّهُ قَالَ وَبَيْعُ السِّبَاعِ الَّتِى لا تَصِيدُ بَاطِلٌ، أَىْ لا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ وَالْقِتَالِ، وَلا نَظَرَ إِلَى اقْتِنَاءِ الْمُلُوكِ لِلْهَيْبَةِ وَالسِّيَاسَةِ فَلَيْسَتْ هِىَ مِنَ الْمَنَافِعِ الْمُعْتَبَرَةِ.
وَعَنِ الْقَاضِى حُسَيْنٍ حِكَايَةُ وَجْهٍ فِى صِحَّةِ بَيْعِهَا لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَالِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا مُتَوَقَّعٌ فِى الْمَآلِ. (وَمَا يَصْلُحُ لِلصَّيْدِ) أَىْ لِلِاصْطِيَادِ (أَوْ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ) أَىْ وَلَوْ فِى الْمَآلِ. وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِدَأَةِ [وَهِىَ طَائِرٌ يَخْطُفُ اللَّحْمَ إِذَا رَأَى إِنْسَانًا يَحْمِلُهُ حَجْمُهُ قَرِيبٌ مِنَ الصَّقْرِ لَوْنُهُ أَسْوَدُ] وَالرَّخَمَةِ وَالْغُرَابِ، وَإِنْ كَانَ فِى أَجْنِحَةِ بَعْضِهَا فَائِدَةٌ جَاءَ فِيهَا الْوَجْهُ الَّذِى حَكَاهُ الْقَاضِى حُسَيْنٌ وَهَكَذَا قَالَ الإِمَامُ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِأَنَّ الْجُلُودَ تُدْبَغُ فَتَطْهُرُ وَلا سَبِيلَ إِلَى تَطْهِيرِ الأَجْنِحَةِ.
قَالَ النَّوَوِىُّ فِى الزِّيَادَاتِ قُلْتُ وَجْهُ الْجَوَازِ الِانْتِفَاعُ بِرِيشِهِ فِى النِّبَالِ فَإِنَّهُ وَإِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِى النِّبَالِ وَغَيْرِهَا [أَمَّا الرِّيشُ الطَّاهِرُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفِيلِ لِأَجْلِ الْحَمْلِ) عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَضْعَافَ مَا تَحْمِلُهُ الْجِمَالُ فَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَاصِلٌ.
(وَ)مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مَا يُنْتَفَعُ بِلَوْنِهِ أَوْ صَوْتِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (يَجُوزُ بَيْعُ الطُّوطِىِّ وَهُوَ الْبَبَّغَاءُ) أَىْ لِحُسْنِ صَوْتِهِ، أَمَّا الْبَبَّغَاءُ فَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ، وَتَعْرِيفُ الطُّوطِىِّ بِهِ غَرِيبٌ، وَالطُّوطِىُّ لَمْ تَعْرِفْهُ الْعَرَبُ وَلا ذَكَرُوهُ فِى كُتُبِهِمْ، وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِىُّ فِى كِتَابِهِ الْعِنْوَانُ فِى أَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ مِمَّا زَادَ بِهِ عَلَى صَاحِبِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَعَزَاهُ إِلَى الْغَزَالِىِّ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ الْبَبَّغَاءُ وَهَذَا الطَّائِرُ مَعْرُوفٌ فِى بِلادِ الْعَجَمِ وَيُسَمُّونَهُ هَكَذَا،
وَهُوَ صَغِيرٌ أَصْغَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ قَلِيلًا مُخْتَلِفُ الأَلْوَانِ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيمِ حَسَنُ الصَّوْتِ يُرَبُّونَهُ فِى الأَقْفَاصِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْحَمَامَةِ أَخْضَرُ اللَّوْنِ طَوِيلُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَكْدَرُ يُجْلَبُ مِنْ بِلادِ الْحَبَشِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ اسْمُ الطُّوطِىِّ فَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ عَرَبِيَّةً فَيَكُونُ مِنْ طَأْطَأَ عُنُقَهُ، وَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ الطَّيْرِ كَذَلِكَ كَثِيرُ الطَّأْطَأَةِ يَتَعَلَّقُ بِرِجْلَيْهِ فِى غُصْنٍ أَوْ خَشَبٍ وَيُطَأْطِئُ وَيَنْطِقُ بِأَصْوَاتٍ غَرِيبَةٍ أَوْ يَكُونُ سُمِّىَ بِاسْمِ صَوْتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالطَّاوُوسُ) لِحُسْنِ لَوْنِهِ وَإِنْ كَانَ صَوْتُهُ مُنَفِّرًا (وَكَذَا) سَائِرُ (الطُّيُورِ الْمَلِيحَةِ الصُّوَرِ) الْحَسَنَةِ الأَلْوَانِ (وَإِنْ كَانَتْ لا تُؤْكَلُ فَإِنَّ التَّفَرُّجَ بِأَصْوَاتِهَا) وَنَغَمَاتِهَا (وَالنَّظَرَ إِلَيْهَا غَرَضٌ مَقْصُودٌ وَمُبَاحٌ) شَرْعًا، وَيُلْحَقُ بِالْفَهْدِ أَوِ الْهِرَّةِ الْقِرْدُ لِأَنَّهُ يُعَلَّمُ الأَشْيَاءَ فَيَتَعَلَّمُ، فَإِنْ قُلْتَ ذَكَرْتُمْ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ وَمُبَاحٌ،
فَإِذَا وَجَدْنَا بَعْضَ الْكِلابِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ فَهَلَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ فَاسْتَدْرَكَ الْمُصَنِّفُ لِلْجَوَابِ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ (وَإِنَّمَا الْكَلْبُ هُوَ الَّذِى لا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَنَى إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ) وَلَوْنِهِ (لِنَهْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ) فِى قَوْلِهِ »مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ« رَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ »مَنِ
اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ«، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ فِى صَحِيحِهِ بِلَفْظِ »مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا حَرْثٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ« وَجَاءَ عَنْ سُفْيَانَ بنِ أَبِى زُهَيْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ »مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لا يُغْنِى عَنْهُ زَرْعًا وَلا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ« وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ »مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ« وَقَالَ النَّوَوِىُّ فِى الزِّيَادَاتِ نَقْلًا عَنِ الشَّافِعِىِّ فِى الْمُخْتَصَرِ لا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ إِلَّا لِصَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ وَمَا فِى مَعْنَاهَا. هَذَا نَصُّهُ وَاتَّفَقَ الأَصْحَابُ عَلَى جَوَازِ اقْتِنَائِهِ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ وَعَلَى اقْتِنَائِهِ لِتَعْلِيمِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ، وَالأَصَحُّ جَوَازُ اقْتِنَائِهِ لِحِفْظِ الدُّورِ وَالدَّوَابِّ، وَتَرْبِيَةِ الْجِرْوِ لِذَلِكَ وَتَحْرِيمُ اقْتِنَائِهِ قَبْلَ شِرَاءِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، وَكَذَا كَلْبُ الصَّيْدِ لِمَنْ لا يَصِيدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْعُودِ) وَهُوَ بِالضَّمِّ مِنْ ءَالاتِ اللَّهْوِ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ عِيدَانٌ وَأَعْوَادٌ، (وَالصَّنْجِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ءَاخِرُهُ جِيمٌ قَالَ الْمُطرِزِىُّ هُوَ مَا يُتَّخَذُ مُدَوَّرًا يُضْرَبُ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ، وَيُقَالُ لِمَا يُجْعَلُ فِى أَطْرَافِ الدُّفِّ مِنَ النُّحَاسِ الْمُدَوَّرِ صُنُوجٌ أَيْضًا، وَهَذَا شَىْءٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ. وَأَمَّا الصَّنْجُ ذُو الأَوْتَارِ فَمُخْتَصٌّ بِهِ الْعَجَمُ وَكِلاهُمَا مُعَرَّبٌ.
(وَالْمَزَامِيرِ وَالْمَلاهِى) وَالطَّنَابِيرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُعَدُّ ءَالَةَ اللَّهْوِ (فَإِنَّهُ لا مَنْفَعَةَ بِهَا شَرْعًا) إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لا تُعَدُّ بَعْدَ الرَّضِّ وَالْحَلِّ مَالًا فَلا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِى قَبْلَهَا لَمَّا كَانَتْ مَحْظُورَةً شَرْعًا كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ حِسًّا، وَإِنْ كَانَ الرُّضَاضُ يُعَدُّ مَالًا بَعْدُ فَفِى جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ الرَّضِّ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَأَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّهَا عَلَى هَيْئَتِهَا ءَالَةُ الْفِسْقِ وَلا يُقْصَدُ فِيهَا غَيْرُهُ مَا دَامَ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ بَاقِيًا.
(وَكَذَا بَيْعُ الصُّوَرِ الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الطِّينِ وَالْحَيَوَانَاتِ الَّتِى تُبَاعُ فِى الأَعْيَادِ لِلَعِبِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّ كَسْرَهَا وَاجِبٌ شَرْعًا)، وَأَمَّا الأَصْنَامُ وَالصُّوَرُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْخَشَبِ فَيَجْرِى فِيهَا الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِى ءَالاتِ الْمَلاهِى، وَتَوَسَّطَ الإِمَامُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَذَكَرَ وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهَا إِنِ اتُّخِذَتْ مِنْ جَوَاهِرَ نَفِيسَةٍ صَحَّ بَيْعُهَا لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ فِى نَفْسِهَا، وَإِنِ اتُّخِذَتْ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ فَلا، وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدَهُ، وَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِى الْوَسِيطِ لَكِنْ جَوَابُ عَامَّةِ الأَصْحَابِ الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْوَجِيزِ،
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ فِى أَوَّلِ الرُّكْنِ، (وَصُوَرُ الأَشْجَارِ) فِى الْوَرَقِ (يُتَسَامَحُ بِهَا) لِكَوْنِهَا لا ظِلَّ لَهَا وَلا أَرْوَاحَ، وَيُلْحَقُ بِهَا صُوَرُ الْقُصُورِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْمُدُنِ. (وَأَمَّا الثِّيَابُ وَالأَطْبَاقُ الَّتِى عَلَيْهِ صُوَرُ الْحَيَوَانِ) فَإِنَّهُ (يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَكَذَا السُّتُورُ) الَّتِى تُرْخَى عَلَى الأَبْوَابِ (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ اتَّخَذَتْ فِى بَيْتِهَا قِرَامًا [وَالْقِرَامُ سِتْرٌ فِيهِ رَقْمٌ وَنُقُوشٌ] فِيهِ صُوَرٌ فَكَرِهَهُ ﷺ فَقَالَ »أَمِيطِى عَنَّا قِرَامَكِ« وَقَالَ لَهَا »اتَّخِذِى مِنْهُ نَمَارِقَ« جَمْعُ نُمْرُقَةٍ أَىْ وَسَائِدَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهَا، (فَلا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا) حَالَةَ كَوْنِهَا (مَنْصُوبَةً) عَلَى الْحَائِطِ أَوْ غَيْرِهِ، (وَيَجُوزُ) اسْتِعْمَالُهَا (مَوْضُوعَةً) عَلَى الأَرْضِ (وَإِذَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ وَجْهٍ صَحَّ الْبَيْعُ لِذَلِكَ الْوَجْهِ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ (الْمُتَصَرَّفُ فِيهِ مِلْكًا لِلْعَاقِدِ) وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْعَاقِدِ، وَقَالَ فِى مَوْضِعٍ ءَاخَرَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِمَنْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ إِنْ كَانَ مُبَاشِرَهُ لِنَفْسِهِ فَيَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُبَاشِرَهُ لِغَيْرِهِ بِوِلايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ فَيَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ) قَالَ الرَّافِعِىُّ وَاعْتِبَارُ هَذَا الشَّرْطِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ.
وَفِى الْفَصْلِ مَسَائِلُ مِنْهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (فَلا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ انْتِظَارًا لِإِذْنِ الْمَالِكِ بَلْ لَوْ رَضِىَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ [أَىْ تَجْدِيدُ] الْعَقْدِ) وَهَذَا مَبْنِىٌّ عَلَى الْجَدِيدِ هُنَا أَنَّهُ إِذَا بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَوِلايَةٍ يَكُونُ لاغِيًا لِمَا رُوِىَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِحَكِيمِ بنِ حِزَامٍ »لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ«، وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ إِنْ أَجَازَ نَفَذَ وَإِلَّا لَغَا لِمَا رُوِىَ أَنَّهُ ﷺ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِىِّ لِيَشْتَرِىَ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ وَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ »بَارَكَ
اللَّهُ لَكَ فِى صَفْقَةِ يَمِينِكَ«، وَالِاسْتِدْلالُ أَنَّهُ بَاعَ الشَّاةَ الثَّانِيَةَ بِغَيْرِ إِذْنِ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ إِنَّهُ أَجَازَهُ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَهُ مُجِيزٌ فِى الْحَالِ فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا كَالْوَصِيَّةِ، وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ وَقَالَ (وَلا يَنْبَغِى أَنْ يَشْتَرِىَ مِنَ الزَّوْجَةِ مَالَ الزَّوْجِ وَلا مِنَ الزَّوْجِ مَالَ الزَّوْجَةِ وَلا مِنَ الْوَلَدِ مَالَ الْوَالِدِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَضِىَ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الرِّضَا مُتَقَدِّمًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ)، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْجَدِيدَ أَنَّ بَيْعَ الآبِقِ غَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ،
فَبَيْعُ مَا لا يُمْلَكُ وَلا قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَوْلَى أَنْ لا يَصِحَّ، وَمِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الْمَسْئَلَةِ أَنَّ الْفُضُولِىَّ لَوِ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ شَيْئًا نُظِرَ إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ فَفِيهِ الْقَوْلانِ وَإِنِ اشْتَرَى فِى الذِّمَّةِ نُظِرَ إِنْ أَطْلَقَ وَنَوَى كَوْنَهُ لِلْغَيْرِ فَعَلَى الْجَدِيدِ يَقَعُ عَنِ الْمُبَاشِرِ وَعَلَى الْقَدِيمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الإِجَازَةِ فَإِنْ رَدَّ نَفَذَ فِى حَقِّهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَالْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْقَوْلَيْنِ، وَمَذْهَبُ أَبِى حَنِيفَةَ كَالْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِى الْبَيْعِ، وَأَمَّا فِى الشِّرَاءِ فَقَدْ قَالَ فِى صُورَةِ شِرَاءِ الْمُطْلَقِ يَقَعُ عَنْ جِهَةِ الْعَاقِدِ وَلا يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا.
وَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ لَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَبَاعَهَا وَتَصَرَّفَ فِى أَثْمَانِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَفِيهِ الْقَوْلانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلانُ [إِذَا إِنْسَانٌ غَصَبَ مَالًا وَتَصَرَّفَ فِيهِ بَاعَ وَاشْتَرَى هَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ ثُمَّ الْمَالِكُ إِنْ شَاءَ يَقُولُ لَهُ رُدَّ لِى مَالِى وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ فَيُنَفِّذَ عَلَى قَوْلٍ وَيَأْخُذَ الْمَالَ الَّذِى جَمَعَهُ ذَلِكَ الْغَاصِبُ، وَعَلَى قَوْلٍ لا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِى غَصَبَهُ وَعَلَى الْغَاصِبِ التَّوْبَةُ فِى كِلا الْحَالَيْنِ] وَالثَّانِى لِلْمَالِكِ أَنْ يُجِيزَهَا وَيَأْخُذَ الْحَاصِلَ مِنْهَا،
وَعَلَى هَذَا الْخِلافِ يَنْبَنِى الْخِلافُ فِى أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا رَبِحَ فِى الْمَالِ الْمَغْصُوبِ يَكُونَ الرِّبْحُ لَهُ أَوْ لِلْمَالِكِ مَذْكُورٌ فِى بَابِ الْقِرَاضِ. فَفِى مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَىٌّ فَهُوَ فُضُولِىٌّ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَيِّتًا وَأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْعَاقِدِ فَفِيهِ قَوْلانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ مِنَ الْمَالِكِ، الثَّانِى أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ وَإِنْ كَانَ مُنْجَزًا فِى الصُّورَةِ فَهُوَ فِى الْمَعْنَى مُعَلَّقٌ، وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلُ. (وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِى الأَسْوَاقِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ الْمُتَدَيِّنِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْهُ) اسْتِبْرَاءً لِدَيْنِهِ.
(الرَّابِعُ أنَ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) وَلا بُدَّ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِيَخْرُجَ الْعَقْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ بَيْعَ غَرَرٍ وَيُوثَقَ بِحُصُولِ الْغَرَضِ، ثُمَّ إِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيِمِ قَدْ تَكُونُ (شَرْعًا) أَىْ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ (وَ)قَدْ تَكُونُ (حِسًّا) أَىْ مِنْ حَيْثُ الْحِسُّ (فَمَا لا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ حِسًّا لا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالآبِقِ) [رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ فَرَّ فَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا لِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ قَدْ لا يَعُودُ إِلَى يَدِهِ فَيَكُونُ ضَاعَ مَالُ الْمُشْتَرِى.
الْعَبْدُ الآبِقُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِى نَشَزَتْ عَلَى زَوْجِهَا الصَّلاةُ مِنْهُمَا لا تُرْفَعُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمَا شِبْرًا أَىْ لا تُقْبَلُ أَىْ لا ثَوَابَ لَهُمَا كَذَلِكَ الإِمَامُ الَّذِى يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُمْ يَكْرَهُونَهُ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ صَلاتُهُ لا تُرْفَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ شِبْرًا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ] وَالضَّالِّ عُرِفَ مَوْضِعُهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِى الْحَالِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ الأَئِمَّةُ وَلا يُشْتَرَطُ فِى الْحُكْمِ بِالْبُطْلانِ الْيَأْسُ مِنَ التَّسْلِيمِ بَلْ يَكْفِى ظُهُورُ التَّعَذُّرِ،
وَأَحْسَنَ بَعْضُ الأَصْحَابِ فَقَالَ إِذَا عُرِفَ مَكَانُهُ وَعُرِفَ أَنَّهُ يَتَّصِلُ إِلَيْهِ إِذَا رَامَ الْوُصُولَ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الآبِقِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الآبِقِ لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ لا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَهُوَ شَرْطٌ لِجَوَازِهِ بِخِلافِ الْعَبْدِ الْمُرْسَلِ فِى حَاجَةٍ لِثُبُوتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقْتَ الْعَقْدِ حُكْمًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ عَوْدُهُ إِلَى مَوْلاهُ وَلا كَذَلِكَ الآبِقُ، وَلَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ عِنْدَهُ جَازَ لِأَنَّ النَّهْىَ وَرَدَ فِى الآبِقِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَبِقَ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنَ وَهَذَا لَيْسَ بِآبِقٍ فِى حَقِّ الْمُشْتَرِى إِذْ هُوَ فِى يَدِهِ فَلا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ الْمُطْلَقُ إِذْ هُوَ لَيْسَ بِعَاجِزٍ عَنْ تَسَلُّمِهِ وَهُوَ الْمَانِعُ،
ثُمَّ لا يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إِذَا كَانَ فِى يَدِهِ إِنْ كَانَ أُشْهِدَ عِنْدَ الأَخْذِ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، وَقَبْضُ الأَمَانَةِ لا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ قَبْضَهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِى، أَلا تَرَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ وَلَكِنْ وُجُوبُ الثَّمَنِ فِى الْبَيْعِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِيمَةِ فَقَبْضُ الضَّمَانِ أَقْوَى مِنْ قَبْضِ الأَمَانَةِ لِتَأَكُّدِ قَبْضِ الضَّمَانِ بِاللُّزُومِ وَالْمِلْكِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِىَ لَوِ امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِ الْمَبِيعِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ يُوجِبُ الْمِلْكَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الأَصْلُ عِنْدَنَا،
بِخِلافِ قَبْضِ الأَمَانَةِ فَإِنَّهُ لا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلا يُوجِبُ الْمِلْكَ فَكَانَ أَضْعَفَ فَلا يَنُوبُ عَنِ الأَقْوَى وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ عِنْدَ الأَخْذِ يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا خِلافًا لِأَبِى يُوسُفَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ بَلْ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِشْهَادَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ أَمَانَةً عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا شَرْطٌ، وَلَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ قَالَ عِنْدَ فُلانٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ أَبِقَ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ إِذْ لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَسْخِ لَمْ يَعُدْ صَحِيحًا لِوُقُوعِهِ بَاطِلًا لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ كَبَيْعِ الطَّيْرِ فِى الْهَوَاءِ قَبْلَ التَّمَلُّكِ،
بِخِلافِ مَا إِذَا بَاعَهُ ثُمَّ أَبِقَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ عَادَ حَيْثُ يَجُوزُ لِأَنَّ احْتِمَالَ عَوْدِهِ يَكْفِى لِبَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى مَا كَانَ دُونَ الِابْتِدَاءِ، وَعَنْ أَبِى حَنِيفَةَ يَعُودُ صَحِيحًا لِأَنَّ الْمَالِيَةَ فِيهِ قَائِمَةٌ فَكَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ فَيَنْعَقِدُ غَيْرَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ لِيَنْفُذَ، فَإِذَا ءَابَ قَبْلَ الْفَسْخِ عَادَ صَحِيحًا لِزَوَالِ الْمَانِعِ فَيُجْبَرَانِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَبِقَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَكَبَيْعِ الْمَرْهُونِ ثُمَّ افْتَكَّ وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِىُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الأَصْحَابِ، وَبِالأَوَّلِ كَانَ يُفْتِى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الثَّلْجِىُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالسَّمَكِ فِى الْمَاءِ) أَىْ وَلا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ وَهُوَ فِى الْمَاءِ وَكَذَا بَيْعُ الطَّيْرِ وَهُوَ فِى الْهَوَاءِ وَإِن كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَلَوْ بَاعَ السَّمَكَ فِى بِرْكَةٍ لا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا نُظِرَ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ صَحَّ بَيْعُهَا لِحُصُولِ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لا يُمْكِنُهُ أَخْذُهَا إِلَّا بِاحْتِمَالِ تَعَبٍ شَدِيدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَوْرَدَهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ فِى جَامِعِهِ الصَّغِيرِ وَأَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَبَيْعِ الآبِقِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ وَقَدْ نُهِىَ عَنْهُ،
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَمْنَعِ الْمَاءُ رُؤْيَةَ السَّمَكِ فَإِنْ مَنَعَ الرُّؤْيَةَ فَهُوَ عَلَى قَوْلَىْ بَيْعِ الْغَائِبِ [وَفِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ قَوْلانِ فِى بَيْعِ الْغَائِبِ، شَخْصٌ لَهُ فِى بَلَدِهِ فَرَسٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِلْكُهُ وَلَيْسَ حَاضِرًا أَمَامَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ بَيْعُهُ وَلَوْ مَعَ الْوَصْفِ لا يَصِحُّ وَبَعْضُهُمْ قَالَ مَعَ الْوَصْفِ يَصِحُّ. لَكِنْ أَكْثَرُ الأَئِمَّةِ قَالُوا إِنْ وَصَفَ لَهُ وَطَلَعَ عَلَى حَسَبِ الْوَصْفِ يَصِحُّ] إِلَّا أَنْ لا يَعْلَمَ قِلَّةَ السَّمَكِ وَكَثْرَتَهَا وَشَيْئًا مِنْ صِفَاتِهَا فَيَبْطُلُ لا مَحَالَةَ،
وَبَيْعُ الْحَمَامِ فِى الْبُرْجِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِى الْبِرْكَةِ وَلَوْ بَاعَهَا وَهِىَ طَائِرَةٌ اعْتِمَادًا عَلَى عَادَةِ عَوْدِهَا بِاللَّيْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الإِمَامِ الصِّحَّةُ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْمَبْعُوثِ فِى شُغْلٍ وَأَظْهَرُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِى الْوَجِيزِ الْمَنْعُ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ إِذْ لا قُدْرَةَ فِى الْحَالِ وَعَوْدُهَا غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ بَاعِثٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
