وَقَالَ أَصْحَابُنَا لا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ قَبْلَ الِاصْطِيَادِ لِمَا نُهِىَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لا يَمْلِكُهُ فَلا يَجُوزُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ الأَخْذِ لا يَجُوزُ، وَإِنْ أَخَذَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِى الْحَظِيرَةِ فَإِنْ كَانَتِ الْحَظِيرَةُ كَبِيرَةً بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إِلَّا بِحِيلَةٍ لا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِى بَيْعِ الآبِقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ فَاسِدٌ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ حِيلَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ وَهُوَ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ.
وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِى خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ لَهُ، وَلا يُعْتَدُّ بِرُؤْيَتِهِ وَهُوَ فِى الْمَاءِ لِأَنَّ السَّمَكَ يَتَفَاوَتُ فِى الْمَاءِ وَخَارِجَهُ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ السَّمَكُ الْحَظِيرَةَ بِاحْتِيَالٍ بِأَنْ يُسَدَّ عَلَيْهِ فَوْهَةُ النَّهْرِ أَوْ سُدَّ مَوْضِعُ الدُّخُولِ حَتَّى لا يُمْكِنهُ الْخُرُوجُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا احْتُبِسَ فِيهِ بِاحْتِيَالِهِ صَارَ ءَاخِذًا لَهُ وَمِلْكَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَلْقَاهُ فِيهِ، وَقِيلَ لا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَيْسَ بِإِحْرَازٍ لَهُ فَصَارَ كَطَيْرٍ دَخَلَ الْبَيْتَ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ،
وَهَذَا الْخِلافُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُهَيِّئِ الْحَظِيرَةَ لِلِاصْطِيَادِ فَإِنْ هَيَّأَهَا لَهُ مَلَكَهُ بِالإِجْمَاعِ فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ السَّمَكُ فِى الْحَظِيرَةِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَمْ يُسَدَّ عَلَيْهِ الْمَدْخَلُ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الأَخْذُ بِغَيْرِ حِيلَةٍ أَمْ لا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ. وَأَمَّا كَلامُ أَصْحَابِنَا فِى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الطَّيْرِ فِى الْهَوَاءِ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ قَبْلَ الأَخْذِ وَبَعْدَهُ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ وَهَذَا إِذَا كَانَ يَطِيرُ وَلا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَكْرٌ عِنْدَهُ يَطِيرُ مِنْهُ فِى الْهَوَاءِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ جَازَ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ،
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِحِيلَةٍ لا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلَوْ أَخَذَهُ وَسَلَّمَهُ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا ذُكِرَ فِى الآبِقِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ فِى أَرْضِهِ الصَّيْدُ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ أَخْذِهِ لا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلِهَذَا لَوْ بَاضَ فِيهَا صَيْدٌ أَوْ تَكَنَّسَ [الْكِنَاسُ مُسْتَتَرُ الظَّبْىِ فِى الشَّجَرِ، يُقَالُ كَنَسَ الظَّبْىُّ وَتَكَنَّسَ] أَوْ تَكَسَّرَ يَكُونُ لِمَنْ أَخَذَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ إِيَّاهُ، بِخِلافِ مَا إِذَا عَسَلَ فِيهَا النَّحْلُ حَيْثُ يَمْلِكُهُ لِأَنَّ الْعَسَلَ قَائِمٌ بِأَرْضِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ كَالأَشْجَارِ،
وَلِهَذَا وَجَبَ فِى الْعَسَلِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِى أَرْضِ الْعُشْرِ كَالثِّمَارِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُهَيِّئْ أَرْضَهُ لِذَلِكَ فَإِنْ هَيَّأَهَا لَهُ بِأَنْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا لِلِاصْطِيَادِ وَنَصَبَ شَبَكَةً فَدَخَلَ فِيهَا صَيْدٌ أَوْ تَعَقَّدَ بِهِ مَلَكَهُ لِأَنَّ التَّهْيِئَةَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، أَلا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَطَّ طَسْتًا لِيَقَعَ فِيهِ الْمَطَرُ فَوَقَعَ فِيهِ مَلَكَهُ وَكَذَا لَوْ بَسَطَ ذَيْلَهُ عِنْدَ النَّثَارِ [فِى الْمَاضِى كَانُوا يَنْثُرُونَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِى الأَعْرَاسِ الْوَاحِدُ إِذَا بَسَطَ رِدَاءَهُ فَوَقَعَ فِيهِ هَذَا النَّثَارُ يَمْلِكُهُ] لِيَقَعَ الشَّىْءُ الْمَنْثُورُ مَلَكَهُ بِالْوُقُوعِ فِيهِ،
وَفِى النِّهَايَةِ لَوْ دَخَلَ الصَّيْدُ دَارَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ كَانَ الصَّيْدُ لَهُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلافًا، وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِى الْكَافِى لا يَكُونُ لَهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِى الْمَسْئَلَةِ رِوَايَتَانِ وَإِلَّا فَلا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْجَنِينِ فِى الْبَطْنِ) لِمَا رُوِىَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِى بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِىُّ وَابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ] وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا وَقَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْغَرَرُ مَا يَكُونُ مَجْهُولَ الْعَاقِبَةِ لا يَدْرِى أَيَكُونُ أَمْ لا، وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَلاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِى الْمُوَطَّإِ عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا، وَالْمَلاقِيحُ مَا فِى بُطُونِ الأُمَّهَاتِ مِنَ الأَجِنَّةِ، وَالْمَضَامِينُ مَا فِى أَصْلابِ الْفُحُولِ [مَعْنَاهُ أَنَّ بَيْعَ الْمَنِىِّ الَّذِى فِى الْفَحْلِ بِمَالٍ حَرَامٌ، يَتَبَرَّعُ إِنْ شَاءَ لِصَاحِبِ النُّوقِ لِتَحْمِلَ مِنْهُ أَمَّا بِالْبَيْعِ فَلا يَجُوزُ وَبِطَرِيقِ الأُجْرَةِ أَيْضًا لا يَجُوزُ لَكِنْ إِنْ أَعْطَاهُ صَاحِبُ النُّوقِ مِنْ بَابِ الإِكْرَامِ شَيْئًا يَجُوزُ].
(وَعَسْبِ الْفَحْلِ) لِمَا رُوِىَ النَّهْىُ عَنْهُ وَقَدْ عَسَبَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ عَسْبًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ طَرَقَهَا، وَعَسَبْتُ الرَّجُلَ عَسْبًا أَعْطَيْتُهُ الْكِرَاءَ عَلَى الضِّرَابِ، وَفِى الْحَدِيثِ حَذْفُ مُضَافٍ وَالأَصْلُ عَنْ كِراءِ عَسْبِ الْفَحْلِ لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ الْمَقْصُودَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَإِنَّهُ قَدْ لا يُلْقِحُ فَهُوَ غَرَرٌ وَقِيلَ الْمُرَادُ الضِّرَابُ نَفْسُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ تَنَاسُلَ الْحَيَوَانِ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فَلا يَكُونُ النَّهْىُ لِذَاتِهِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، كَذَا فِى الْمِصْبَاحِ، وَذَكَرَ الرَّافِعِىُّ فِى بَابِ الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ النَّهْىِ أَنَّ كُلَّ فَاسِدٍ مَنْهِىٌّ عَنْهُ إِمَّا نَهْىٌ خَاصٌّ أَوْ نَهْىٌ عَامٌّ،
ثُمَّ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّهْىُ مِنَ الْبُيُوعِ قَدْ يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ قَضِيَّةً لِلنَّهْىِ وَهُوَ الأَغْلَبُ، وَقَدْ لا يُحْكَمُ وَهُوَ بِحَيْثُ يُفَارِقُ الْبَيْعَ مَا يُعْرَفُ عَوْدُ النَّهْىِ إِلَيْهِ كَالْمَنْعِ مِنَ الْبَيْعِ حَالَةَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ. وَمَا حُكمَ فِيهِ بِالْفَسَادِ عَلَى أَنْوَاعٍ فَمِنْهَا مَا رُوِىَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفَحْلِ وَهَذَا رِوَايَةُ الشَّافِعِىِّ فِى الْمُخْتَصَرِ [أَىْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِىِّ]، قَالَ فِى الصَّحَاحِ الْعَسْبُ الْكِرَاءُ الَّذِى يُؤْخَذُ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ، وَعَسْبُ الْفَحْلِ أَيْضًا ضِرَابُهُ وَيُقَالُ مَاؤُهُ،
فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَعَانٍ وَالثَّالِثُ هُوَ الَّذِى أَطْلَقَهُ فِى الْوَجِيزِ، وَالثَّانِى هُوَ الْمَشْهُورُ فِى الْفِقْهِيَّاتِ، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ فِى الْخَبَرِ فِى الرِّوَايَةِ الأُولَى الضِّرَابَ فَإِنَّ نَفْسَ الضِّرَابِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَهْىٌ وَلا مَنْعٌ مِنَ الإِنْزَاءِ أَيْضًا بَلِ الإِعَارَةُ لِلضِّرَابِ مَحْبُوبَةٌ وَلَكِنَّ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ فِى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مُضْمَرٌ فِيهِ هَكَذَا قَالُوهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَسْبُ عَلَى الْكِرَاءِ عَلَى مَا هُوَ أَحَدُ الْمَعَانِى فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ إِجَارَةِ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ وَيُسْتَغْنَى عَنِ الإِضْمَارِ،
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَالْمُفَسِّرُونَ لِلْعَسِيبِ بِالضِّرَابِ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الثَّمَنِ الْكِرَاءُ، وَقَدْ يُسَمَّى الْكِرَاءُ ثَمَنًا مَجَازًا وَيَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ الْعَسِيبُ بِالْمَاءِ وَيُقَالَ هَذَا نَهْىٌ عَنْ بَيْعِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَذْلَ الْمَالِ لِلضِّرَابِ مُمْتَنِعٌ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ لِأَنَّ مَاءَهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَلا مَعْلُومٍ وَلا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَأَمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِئْجَارِ فَفِيهِ قَوْلانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ أَيْضًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ لِأَنَّ فِعْلَ الضِّرَابِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِ الْفَحْلِ،
وَالثَّانِى وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِى هُرَيْرَةَ وَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ كَالِاسْتِئْجَارِ لِتَلْقِيحِ النَّخْلِ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِىَ صَاحِبُ الأُنْثَى صَاحِبَ الْفَحْلِ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ خِلافًا لِأَحْمَدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَكَذَلِكَ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ وَاللَّبَنِ فِى الضَّرْعِ لا يَجُوزُ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ لِاخْتِلاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِالْمَبِيعِ) لِمَا رُوِىَ [فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِىِّ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ »نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ لَبَنٌ فِى ضَرْعٍ« وَهُمَا جُمْلَتَانِ مَنْهِىٌّ عَنْهُمَا، أَمَّا الصُّوفُ عَلَى الظَّهْرِ فَيُقَالُ أَيْضًا إِنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا عَلَى ظَهْرِ الْجِلْدِ وَلا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ إِلَّا بِإِيلامِ الْحَيَوَانِ، وَإِنْ شَرَطَ الْجَزَّ فَالْعَادَةُ فِى الْمِقْدَارِ الْمَجْزُوزِ تَخْتَلِفُ وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ لا يَجُوزُ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ الْجَزِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا لِبَعْضِ الأَصْحَابِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ بَعْدَ الذَّكَاةِ إِذْ لَيْسَ فِى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِهِ إِيلامٌ،
وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِى تَعْلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ إِنَّهُ قَبْلَ الْجَزِّ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَصْفِ الْحَيَوَانِ لِقِيَامِهِ كَسَائِرِ أَطْرَافِهِ، وَلِأَنَّهُ يَزِيدُ مِنَ الأَسْفَلِ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ بِخِلافِ الْقَوَائِمِ لِأَنَّهَا تَزِيدُ مِنْ أَعْلاهَا وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْخِضَابِ، وَبِخِلافِ الْقَصِيلِ [مَا يَبْقَى بَعْدَ حَصَادِ الْقَمْحِ] لِأَنَّهُ يُقْلَعُ وَالصُّوفُ يُقْطَعُ فَيَتَنَازَعَانِ فِى مَوْضِعِهِ، وَعَنْ أَبِى يُوسُفَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ كَسَائِرِ الأَمْوَالِ اهـ.
وَأَمَّا بَيْعُ اللَّبَنِ فِى الضَّرْعِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ أَيْضًا كَمَا مَرَّ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا عَرَفَ قَدْرَ حِلابِهَا فِى كُلِّ دُفْعَةٍ صَحَّ وَإِنْ بَاعَهُ أَيَّامًا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ لِتَفَاوُتِ ثِخَنِ الضَّرْعِ وَلِأَنَّهُ يَزْدَادُ شَيْئًا فَشَيْئًا سِيَّمَا إِذَا أَخَذَ فِى الْحَلْبِ، وَمَا يَحْدُثُ لَيْسَ مِنَ الْمَبِيعِ فَلا يَتَأَتَّى التَّمْيِيزُ وَالتَّسْلِيمُ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِى فِى ضَرْعِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فِى الضَّرْعِ لا يُسْتَيْقَنُ،
وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ كَمَا لَوْ بَاعَ قَدْرًا مِنَ اللَّبَنِ فِى الضَّرْعِ فَيَجْرِى فِيهِ قَوْلا بَيْعِ الْغَائِبِ، وَلَوْ حَلَبَ شَيْئًا مِنَ اللَّبَنِ فَأَرَاهُ ثُمَّ بَاعَهُ مُدًّا مِمَّا فِى الضَّرْعِ فَقَدْ نَقَلُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ كَمَا فِى مَسْئَلَةِ الأُنْمُوذَجِ، قَالَ الإِمَامُ وَهَذَا لا يَنْقَدِحُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَدْرًا لا يَتَأَتَّى حَلْبُهُ إِلَّا وَيَتَزَايَدُ اللَّبَنُ، فَإِنَّ الْمَانِعَ قَائِمٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلا يَنْفَعُ إِبْدَاءُ الأُنْمُوذَجِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ يَسِيرًا وَابْتَدَرَ إِلَى الْحَلْبِ فَلا يُفْرَضُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلا يَقَعُ ازْدِيَادُ شَىْءٍ بِهِ مُبَالاةٌ فَيَحْتَمِلُ التَّجْوِيزُ،
لَكِنْ إِذَا صَوَّرْنَا الأَمْرَ هَكَذَا فَلا حَاجَةَ إِلَى الأُنْمُوذَجِ فِى التَّخْرِيجِ عَلَى الْخِلافِ بَلْ صَارَ صَائِرُونَ إِلَى إِلْحَاقِهِ بِبَيْعِ الْغَائِبِ وَءَاخَرُونَ حَسَمُوا الْبَابَ وَأَلْحَقُوا الْقَلِيلَ بِالْكَثِيرِ، وَالْمُصَنِّفُ فِى الْوَسِيطِ حَكَى الْخِلافَ فِى صُورَةٍ أُخْرَى تُنَاسِبُ هَذِهِ وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى قَدْرِ رَمْىِ الضَّرْعِ وَيُحْكِمَ شَدَّهُ وَيَبِيعَ مَا فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا [أَىِ الْحَنَفِيَّةُ] فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ بِمَا رُوِىَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَاعَ ثَمَرٌ حَتَّى يُطْعَمَ وَصُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ وَلَبَنٌ فِى ضَرْعٍ أَوْ سَمْنٌ فِى لَبَنٍ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَلِأَنَّهُ يَدِرُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ وَلِأَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِى كَيْفِيَّةِ الْحَلْبِ فَيُؤَدِّى إِلَى النِّزَاعِ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاخًا وَلَيْسَ فِيهِ لَبَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ« انْتَهَى كَلامُ الزَّبِيدِىِّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالنَّجِسِ كَالدَّمِ.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ بَيْعُ النَّجِسِ عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهِ وَذَلِكَ كَالدَّمِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ، إِلَّا أَنَّ دَمَ السَّمَكِ قَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِطَهَارَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ أَكْلُ دَمِ السَّمَكِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّجِسِ هُنَا نَجِسُ الْعَيْنِ، وَحُكْمُ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِى لا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِالْمَاءِ مِثْلُ حُكْمِ نَجِسِ الْعَيْنِ. وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ فَجَائِزٌ فَمَنْ أَرَادَ الْحُصُولَ عَلَيْهِ يُحَصِّلُهُ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ.
وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِالأَعْضَاءِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَلَوْ أَعْطَى مُسْلِمٌ كُلْيَةً لِمُسْلِمٍ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعِيشَ بِدُونِهَا وَكَانَ الَّذِى أَعْطَى لا يَنْضَرُّ إِلَّا الأَلَمَ فَيَجُوزُ إِنْ كَانَ ذَاكَ لَمْ يَجِدْ دَوَاءً غَيْرَهُ وَإِلَّا فَلا يَجُوزُ التَّبَرُّعُ لَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِى كِلا الْحَالَيْنِ. أَمَّا مِنَ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ فَلا يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »كَسْرُ عَظْمِ الْمُؤْمِنِ مَيْتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُ شَىْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُسْلِمِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَسْرُ عَظْمٍ لِأَنَّ فِيهِ هَتْكًا لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَهَتْكُ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ الْمُسْلِمُ بِعَيْنِهِ لِمُسْلِمٍ أَعْمَى لِأَنَّ هَذَا ضَرَرٌ وَالإِنْسَانُ يَعِيشُ أَعْمَى بِدُونِ أَنْ يَنْضَرَّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلِّ مُسْكِرٍ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ الْمُسْكِرِ أَىْ مَا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ كَالْعَسَلِ الْمَمْزُوجِ بِالْمَاءِ إِذَا غَلَى مِنَ الْمُكْثِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا »اجْتَنِبْ كُلَّ شَىْءٍ يَنِشُّ« رَوَاهُ النَّسَائِىُّ فِى الْمُجْتَبَى، وَالنَّشِيشُ صَوْتُ غَلَيَانِ الشَّرَابِ وَهُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ النَّبِيذِ الْحَلالِ وَالنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ أَوَّلُ الْخَمْرِ وَيَبْقَى هَذَا الشَّرَابُ خَمْرًا إِلَى أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ نَحْوِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَدْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ إِلَى الْحُمُوضَةِ فَلا يَصْلُحُ لِلإِسْكَارِ، أَمَّا الْخَمْرُ طَعْمُهَا مُرٌّ لَكِنْ شَرَبَتُهَا يَسْتَلِذُّونَهَا مَعَ ذَلِكَ.
فَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ قَبْلَ أَنْ يَغْلِىَ وَلا يُسَمَّى خَمْرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَغْلِىَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغَلَيَانِ الْغَلَيَانَ بِالْوَضْعِ عَلَى النَّارِ بَلِ الْغَلَيَانُ الَّذِى يَنْشَأُ فِى الْعَصِيرِ مِنَ الْمُكْثِ مَعَ تَغْطِيَةِ إِنَائِهِ فَيَحْصُلُ لِلْغَلَيَانِ صَوْتٌ فَيَرْتَفِعُ عِنْدَ الْغَلَيَانِ إِلَى أَعْلَى ثُمَّ يَنْزِلُ وَيَصْفُو فَيَسْتَطِيبُهُ شَرَبَةُ الْخُمُورِ، ثُمَّ لا يَزَالُ مُحَرَّمًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ خَلًّا وَذَلِكَ بِتَغَيُّرِهِ إِلَى الْحُمُوضَةِ وَلَوْ كَانَتْ حُمُوضَةً خَفِيفَةً فَيَصِيرُ خَلًّا طَاهِرًا حَلالًا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمُحَرَّمٍ كَالطُّنْبُورِ وَهُوَ ءَالَةُ لَهْوٍ تُشْبِهُ الْعُودَ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ الْبَيْعِ الْمُحَرَّمِ بَيْعَ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالطُّنْبُورِ وَهُوَ شَىْءٌ يُشْبِهُ الْعُودَ يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ فِى لُبْنَانَ بُزُقًا. وَكَذَلِكَ الْمِزْمَارُ وَالْكُوبَةُ وَهُوَ الطَّبْلُ الضَّيِّقُ الْوَسَطِ وَالْكَمَنْجَّةُ، وَيَحْرُمُ أَيْضًا بَيْعُ النَّرْدِ لَكِنَّهُ مَعَ حُرْمَتِهِ يَجُوزُ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إِنْ صَلَحَ بَيَادِقَ لِلشِّطْرَنْجِ. وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِى يُرِيدُهُ يَسْتَعْمِلُهُ لِلْمَعْصِيَةِ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُهُ لِلَهْوٍ مُحَرَّمٍ حَرُمَ بَيْعُهُ.
فَائِدَةٌ الطَّبْلُ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ وَهُوَ يُضْرَبُ بِهِ لِلإِعْلامِ فِى الْحَرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مِثْلَ الصَّحْنِ مُغَشَّى بِجِلْدٍ اسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ أَيْضًا وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِى الْحَبَشَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَحْرُمُ بَيْعُ الشَّىْءِ الْحَلالِ الطَّاهِرِ عَلَى مَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْصِىَ بِهِ كَالْعِنَبِ لِمَنْ يُرِيدُهُ لِلْخَمْرِ وَالسِّلاحِ لِمَنْ يَعْتَدِى بِهِ عَلَى النَّاسِ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ الْحَلالِ الطَّاهِرِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ لِلْمَعْصِيَةِ كَبَيْعِ الْعِنَبِ أَوِ الزَّبِيبِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَالْخَشَبِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ ءَالَةَ لَهْوٍ مُحَرَّمٍ أَوْ صَنَمًا، وَبَيْعِ السِّلاحِ لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى قِتَالٍ مُحَرَّمٍ فِى شَرْعِ اللَّهِ، وَالْحَشِيشَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُخَدِّرَاتِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا لِلْمَعْصِيَةِ.
وَالْحَشِيشَةُ لا تُعَدُّ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ إِنَّمَا هِىَ مِنَ الأَشْيَاءِ الْمُخَدِّرَةِ الضَّارَّةِ لِذَلِكَ لا يُحَدُّ شَارِبُهَا بَلْ يُعَزَّرُ أَىْ يُعَاقَبُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ زَاجِرًا لَهُ بِخِلافِ الْمُسْكِرَاتِ فَإِنَّ شَارِبَهَا يُحَدُّ الْحَدَّ الْوَارِدَ فِى الشَّرْعِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَيْعُ الدِّيكِ لِمَنْ يُهَارِشُ بِهِ وَالثَّوْرِ لِمَنْ يُنَاطِحُ بِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَمَّا الشَّاكُّ فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
فَالشَّىْءُ الَّذِى يُخَدِّرُ وَلا يُسْكِرُ كَالأَفْيُونِ يَصِحُّ بَيْعُهُ لَكِنْ بَيْعُهُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُهُ لِلتَّخْدِيرِ حَرَامٌ. الأَفْيُونُ يَدْخُلُ فِى الأَدْوِيَةِ لِذَلِكَ هُوَ مُنْتَفَعٌ بِهِ. فَالشَّىْءُ الَّذِى يُخَدِّرُ وَلا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُهُ لِلتَّخْدِيرِ أَمَّا لِلأَطِبَّاءِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُمْ يُدَاوُونَ بِهِ النَّاسَ. وَيَجُوزُ بَيْعُ السُّمُومِ لِقَتْلِ الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَيْعُ الأَشْيَاءِ الْمُسْكِرَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْمُسْكِرَ مَعْنَاهُ مَا يُعْطِى طَرَبًا وَنَشْوَةً وَيُغَيِّرُ الْعَقْلَ. وَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الإِسْبِيرْتُو وَلَوْ لِغَيْرِ الشَّرْبِ، وَمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا فَلْيُحَصِّلْهَا بِغَيْرِ طَرِيقَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَأَنْ يَقُولَ بِعْنِى هَذِهِ الْقِنِّينَةَ بِكَذَا إِلَّا الإِسْبِيرْتُو الَّذِى فِيهَا فَإِنِّى أَسْتَعْمِلُهُ مَجَّانًا. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ حُرْمَتَهُ وَبَعْضٌ كَوْنَهُ مُسْكِرًا وَيَخْفَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ لِأَنَّهُمْ لا يَقْصِدُونَهُ فِى الْغَالِبِ لِلشُّرْبِ وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَهُ لِلْوَقُودِ وَنَحْوِهِ مِنَ الِاسْتِعْمَالاتِ فِى ظَاهِرِ الْجِسْمِ كَالْجُرُوحِ،
وَذَلِكَ أَنَّ الإِسْبِيرْتُو مُسْكِرٌ بَلْ هُوَ رُوحُ الْخَمْرِ أَىْ قُوَّتُهُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرْسَلَ فِى شِرَائِهِ لِأَنَّهُ كَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ حُكْمًا فَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ« قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ »لا هُوَ حَرَامٌ« شَاهِدٌ لِتَحْرِيمِ بَيْعِ الإِسْبِيرْتُو الَّذِى هُوَ مُسْكِرٌ لِمَنْ يَقْصِدُهُ لِلسُّكْرِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْوَقُودِ وَالتَّدَاوِى لِظَاهِرِ الْجِسْمِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ بِقَصْدِ جُمْلَتِهَا أَوْ بِقَصْدِ شَحْمِهَا لِغَيْرِ الأَكْلِ كَطَلْىِ السُّفُنِ بِهَا وَدَهْنِ الْجُلُودِ وَالِاسْتِصْبَاحِ بِهَا أَىِ اتِّخَاذِهَا سِرَاجًا يُسْتَضَاءُ بِهِ.
فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَنْ أَرَادَهُ لِلتَّدَاوِى فِى الْجُرُوحِ وَنَحْوِهَا وَالْوَقُودِ وَنَحْوِهِ فَلْيَسْتَعْمِلِ الطَّرِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ ءَانِفًا، وَهَذِهِ حِيلَةٌ يُرَادُ بِهَا التَّخَلُّصُ مِنَ الْحَرَامِ وَلَيْسَ فِى ذَلِكَ نَقْصٌ فِى دِينِ مُسْتَعْمِلِيهَا وَلَكِنْ لا يُتَدَاوَى بِهَا إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهَا مِنَ الطَّاهِرَاتِ. هَذَا فِى الإِسْبِيرْتُو الْمُسْكِرِ وَأَمَّا الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ النَّفْطِ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ مُسْكِرًا فَهُوَ طَاهِرٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَيْعُ الْمَعِيبِ بِلا إِظْهَارٍ لِعَيْبِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ الْمَعِيبِ مَعَ كِتْمَانِ عَيْبِهِ أَىْ تَرْكِ بَيَانِهِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ الطَّعَامَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَمَسَّتْ يَدُهُ بَلَلًا فَقَالَ »يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا «فَقَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ أَىِ الْمَطَرُ فَقَالَ »هَلَّا جَعَلْتَهُ ظَاهِرًا حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا« مَعْنَاهُ لا يَمْشِى عَلَى طَرِيقَتِنَا الْكَامِلَةِ. لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْلِمًا لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِى الَّتِى لَيْسَتْ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ. وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ فِى الْحَدِيثِ الْقَمْحُ، وَإِطْلاقُ الطَّعَامِ عَلَى الْقَمْحِ شَائِعٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْ إِنْسَانٍ أَنَّهُ يَبِيعُ الْمَعِيبَ مَعَ كِتْمَانِ الْعَيْبِ أَنْ يُحَذِّرَ مِنْهُ. أَمَّا إِذَا هُوَ أَرَاهُ الْعَيْبَ ثُمَّ رَضِىَ فَاشْتَرَى فَمَا عَلَيْهِ حَرَجٌ،
لَكِنْ هَذَا الْبَائِعُ أَيْضًا إِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْمُشْتَرِىَ يَغُشُّ النَّاسَ فَقَالَ فِى نَفْسِهِ [أَىِ اعْتَقَدَ] إِنْ أَنَا بِعْتُهُ الآنَ بَعْدَ إِطْلاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ هُوَ يَبِيعُهُ وَلا يُظْهِرُ عَيْبَهُ لِلنَّاسِ لا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
قَالَ جَلالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِىُّ فِى حَوَاشِى الرَّوْضَةِ مَا نَصُّهُ
فَائِدَةٌ سُئِلْتُ عَمَّنْ تَعَاطَى عَقْدًا فَاسِدًا وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِفَسَادِهِ هَلْ عَلَيْهِ إِثْمٌ. وَكَانَ السُّؤَالُ عَمَّنْ أَسْلَمَ الذَّهَبَ فِى الْفِضَّةِ أَوْ عَكْسُهُ مُؤَجَّلًا فَظَهَرَ لِىَ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُرْجَى مِنَ اللَّهِ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى الْعَوَامِّ، وَيَنْبَغِى أَنْ يُفَصَّلَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى فَسَادُهُ عَلَى الْعَوَامِّ فَيَظْهَرُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يَخْفَى كَبَيْعِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَضَامِينِ وَالْمَلاقِيحِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ وَإِنْ جَهِلَ الْحُكْمَ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا قَدْ تَرَبَّى فِى بِلادِ الإِسْلامِ، أَمَّا مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإِسْلامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ. وَمِمَّا يَخْفَى بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَبَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْ اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَائِدَةٌ لا تَصِحُّ قِسْمَةُ تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَلا بَيْعُ شَىْءٍ مِنْهَا مَا لَمْ تُوَفَّ دُيُونُهُ وَوَصَايَاهُ وَتُخْرَجْ أُجْرَةُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ إِنْ كَانَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُبَاعَ شَىْءٌ لِقَضَاءِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، فَالتَّرِكَةُ كَمَرْهُونٍ بِذَلِكَ كَرَقِيقٍ جَنَى وَلَوْ بِأَخْذِ دَانَقٍ. الشَّرْحُ أَنَّهُ لا تَصِحُّ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ الَّتِى خَلَّفَهَا الْمَيِّتُ مِنْ كُلِّ حَقٍّ مَالِىٍّ لَهُ حَتَّى الْخَمْرُ الَّتِى تَخَلَّلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالدِّيَةُ الَّتِى أُخِذَتْ مِنْ قَاتِلِهِ، وَكَذَا مَا وَقَعَ بِشَبَكَةٍ نَصَبَهَا فِى حَيَاتِهِ مَا لَمْ تُؤَدَّ دُيُونُ الْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ لِلنَّاسِ أَوْ مِنْ دَيْنٍ لِلَّهِ كَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِى عَيْنِ الْمَالِ وَالْوَصَايَا أَىْ مَا أَوْصَى بِهِ بِأَنْ يُصْرَفَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَأَنْ قَالَ لَهُمْ إِذَا مِتُّ فَأَعْطُوا لِفُلانٍ كَذَا،
وَأُجْرَةُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمُسْتَقِرَّيْنِ فِى ذِمَّتِهِ كَأَنْ مَاتَ وَقَدْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُمَا، فَلا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْوَرَثَةِ فِى شَىْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ حَتَّى يُخْرَجَ ذَلِكَ قَبْلًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا بِيعَ لِقَضَاءِ شَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ الإِرْثَ عَلَى أَحَدِ الرَّأْيَيْنِ فِى الْمَذْهَبِ فَتَكُونُ التَّرِكَةُ فِى مِلْكِ الْوَارِثِ لَكِنَّهَا تَكُونُ كَأَنَّهَا رَهْنٌ بِذَلِكَ، فَكَمَا لا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِى الْمَرْهُونِ بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِى التَّرِكَةِ الْمَشْغُولَةِ بِمَا ذُكِرَ،
وَالْمَرْهُونُ هُوَ الشَّىْءُ الَّذِى يُجْعَلُ وَثِيقَةً عِنْدَ صَاحِبِ الدَّيْنِ يَسْتَوْثِقُ بِهَا لِدَيْنِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَفِّ دَيْنَهُ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يُبَاعُ هَذَا الشَّىْءُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ دَيْنَهُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّقِيقُ الَّذِى جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ تَعَلُّقَ مَالٍ بِرَقَبَتِهِ كَأَنْ أَتْلَفَ مَالَ إِنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِ مَالِكُهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمَالِهِ أَىْ يَقُولُ لَهُ إِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِى مَا لِى مِنَ الْمَالِ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ يَكُونَ لِى فِيهِ حِصَّةٌ بِقِيمَةِ مَا لِى عَلَيْهِ،
وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ مَالًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا حَتَّى لَوْ كَانَ أَخَذَ هَذَا الرَّقِيقُ دَانَقًا بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا أَىْ سُدُسَ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِقَ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ إِذَا قَطَعَ إِصْبَعَ شَخْصٍ أَوْ كَسَرَ أَنْفَ شَخْصٍ فَهَذَا الْحَقُّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فَلا يُقَالُ لِسَيِّدِهِ هَذَا عَبْدُكَ أَنْتَ اغْرَمْ، وَالإِصْبَعُ الْوَاحِدَةُ دِيَتُهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعَبْدُ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ مِنْهُ وَإِنَّمَا خَطَأً فَدَفَعَ عَنْهُ سَيِّدُهُ أَىْ فَدَاهُ يَجُوزُ لِسَيِّدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ أَوِ الْهِبَةِ إِنْ شَاءَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَصِحُّ بَيْعُهُ حَتَّى يُؤَدَّى مَا بِرَقَبَتِهِ أَوْ يَأْذَنَ الْغَرِيمُ فِى بَيْعِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ غَرَامَةٌ لا يَجُوزُ لِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ حَتَّى يُؤَدَّى مَا بِرَقَبَتِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقَبَةِ فَهِىَ مَشْغُولَةٌ تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ السَّيِّدِ لَهَا، أَوْ حَتَّى يَأْذَنَ الْغَرِيمُ وَهُوَ ذُو الْمَالِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ فِى بَيْعِهِ فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الَّذِى تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ قَصَاصٌ كَأَنْ قَتَلَ عَمْدًا وَلَمْ يَعْفُ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ أَوِ الَّذِى تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ حَقٌّ بِأَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فِى ذِمَّتِهِ أَوِ اقْتَرَضَ مَالًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِى رَقَبَةِ هَذَا الْعَبْدِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الرَّقَبَةِ وَلا تَعَلُّقَ لِرَبِّ الدَّيْنِ بِهَا،
وَيَبْقَى مَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَعْتِقَ، وَيُمَكَّنُ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ مَتَى شَاءَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِى عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَهُ إِنْ جَهِلَ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ جَهْلُهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَفْسَخُ حَالًا فَلا رُجُوعَ وَيَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهُ.
فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ كَكَسْبِ الرَّقِيقِ وَوَلَدِهِ مِلْكٌ لِلْوَارِثِ لا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ، بِخِلافِ الْحَادِثَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ تَبْرُزْ كَحَمْلِ الْمَمْلُوكَةِ أَوْ ثَمَرِ الشَّجَرِ الَّذِى لَمْ يُؤَبَّرْ [يُلَقَّحْ] فَإِنَّهَا تَرِكَةٌ.
وَأَفَادَ كَوْنُهَا كَمَرْهُونٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَرْهُونَةً حَقِيقِيَّةً أَىْ رَهْنًا جَعْلِيًّا إِذْ لا عَقْدَ وَلا عَاقِدَ هُنَاكَ لَكِنَّهَا مَرْهُونَةٌ شَرْعًا فَلا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ فِيهَا قَطْعًا بِلا إِذْنٍ مِنَ الْغَرِيمِ كَالْمَرْهُونِ رَهْنًا جَعْلِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أَدَّى الْوَارِثُ قَدْرَهَا انْفَكَّتْ وَلَوْ بَقِىَ مِنَ الدَّيْنِ شَىْءٌ بِخِلافِ نَظِيرِهِ فِى الرَّهْنِ الْجَعْلِىِّ، وَلَوْ وَفَّى بَعْضُ الْوَرَثَةِ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ انْفَكَّ نَصِيبُهُ فَإِنْ رَهَنَهَا أَىِ التَّرِكَةَ فَمَاتَ فَعَلَى وَارِثِهِ تَأْدِيَةُ جَمِيعِ الدَّيْنِ أَوْ تَسْلِيمُهَا لِلْبَيْعِ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ فِدَاءُ حِصَّتِهِ مِنْهَا بِدَفْعِ مَا يَخُصُّهُ، فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الرَّهْنَ الْجَعْلِىَّ أَشَدُّ تَعَلُّقًا مِنَ الشَّرْعِىِّ.
مَسْأَلَةٌ لَوْ زَادَ الدَّيْنُ عَلَى التَّرِكَةِ وَطَلَبَ الْوَارِثُ التَّرِكَةَ بِالْقِيمَةِ وَطَلَبَ الْغَرِيمُ بَيْعَهَا لِأَخْذِ ثَمَنِهَا رَجَاءَ زِيَادَتِهَا أُجِيبَ الْوَارِثُ، وَهَذَا فِى الرَّهْنِ الشَّرْعِىِّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَحْرُمُ أَنْ يُفَتِّرَ رَغْبَةَ الْمُشْتَرِى أَوِ الْبَائِعِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ لِيَبِيعَ عَلَيْهِ أَوْ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يُفَتِّرَ رَغْبَةَ الْمُشْتَرِى مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْ يُخْرِجَ لَهُ أَرْخَصَ مِمَّا يُرِيدُ شِرَاءَهُ أَوْ يَبِيعَ بِحَضْرَتِهِ مِثْلَ الْمَبِيعِ بِأَرْخَصَ أَوْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيهِ، كَمَا يَحْرُمُ تَفْتِيرُ رَغْبَةِ الْبَائِعِ كَأَنْ يُرَغِّبَهُ بِاسْتِرْدَادِهِ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِأَغْلَى أَوْ يَطْلُبَهُ مِنَ الْمُشْتَرِى بِزِيَادَةِ رِبْحٍ بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ. وَحُرْمَةُ ذَلِكَ إِنْ حَصَلَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَكُونَا قَدْ صَرَّحَا بِالرِّضَا بِهِ وَإِنْ فَحُشَ نَقْصُ الثَّمَنِ عَنِ الْقِيمَةِ. فَيَدْخُلُ فِى الأَوَّلِ أَنْ يَأْمُرَ الْمُشْتَرِىَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ لِيَبِيعَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ بِأَرْخَصَ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ، وَمِنَ الثَّانِى أَنْ يَأْمُرَ الْبَائِعَ بِالْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ.
وَالْمَعْنَى فِى تَحْرِيمِ ذَلِكَ الإِيذَاءُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِى شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَمِثْلُ الْبَيْعِ فِى جَمِيعِ مَا تَقَرَّرَ الإِيجَارُ وَالْعَارِيَّةُ أَخْذًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ فَلا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَلْ مَنْ أَنْعَمَ بِإِسْكَانِ حَانُوتِهِ عَلَى شَخْصٍ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ طَلَبُهُ مِنْ مَالِكِهِ اهـ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ اثْنَانِ لَهُمَا مَحَلَّانِ فِى شَارِعٍ وَاحِدٍ فَصَارَ أَحَدُهُمَا يَبِيعُ بِأَقَلَّ مِنْ سِعْرِ الْمِثْلِ حَتَّى لا تَرُوجَ بِضَاعَةُ الآخَرِ فَمَكْرُوهٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ عَلَى الْبَيْعِ بِسعِرٍ وَاحِدٍ فَصَارَ أَحَدُهُمَا يَبِيعُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا.
وَإِذَا اتَّفَقَ الْبَائِعُ مَعَ الْمُشْتَرِى عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الْبِضَاعَةَ بِكَذَا وَقَبْلَ أَنْ يُجْرِيَا عَقْدَ الْبَيْعِ جَاءَ شَخْصٌ وَقَالَ لَهُ هَذَا الشَّىْءُ أَنَا أَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِأَكْثَرَ بِعْنِى إِيَّاهُ فَهَذَا حَرَامٌ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِى لا تَشْتَرِ هَذَا أَنَا أَبِيعُكَ أَحْسَنَ مِنْهُ بِمِثْلِ هَذَا السِّعْرِ أَوْ أَبِيعُكَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا السِّعْرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَعْدَ الْعَقْدِ فِى مُدَّةِ الْخِيَارِ أَشَدُّ.
الشَّرْحُ أَنَّ مَا ذُكِرَ إِنْ وَقَعَ بَعْدَ إِجْرَاءِ الْعَقْدِ وَقَبْلَ لِزُومِهِ فِى مُدَّةِ الْخِيَارِ أَىْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَهُمَا الْخِيَارُ مَا دَامَا فِى الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَشَدُّ مِنْهُ قَبْلَهُ وَبَعْدَ الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الإِيذَاءَ هُنَا أَكْثَرُ. وَخِيَارُ الشَّرْطِ مَعْنَاهُ الْوَقْتُ الَّذِى لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِى الْخِيَارُ فِيهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ بِكَذَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَيَقُولَ الْمُشْتَرِى قَبِلْتُ.
فَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ إِلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِمَعْنَى إِنْ نَدِمَ أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ فِى مَالِهِ إِنْ شَاءَ خِلالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ صَحَّ ذَلِكَ. ثُمَّ لَوْ أَذِنَ مَنْ لَحِقَهُ الضَّرَرُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَنَحْوِهِ فَلا حُرْمَةَ فِى ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِىَّ الْمَحْجُورِ وَالْوَكِيلَ وَنَحْوَهُمَا أَىْ فَلا يَزُولُ التَّحْرِيمُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَنْ يَشْتَرِىَ الطَّعَامَ وَقْتَ الْغَلاءِ وَالْحَاجَةِ لِيَحْبِسَهُ وَيَبِيعَهُ بِأَغْلَى.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ أَنْ يَشْتَرِىَ الإِنْسَانُ الطَّعَامَ أَىِ الْقُوتَ أَىْ مَا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ أَىْ يَعِيشُ بِهِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْحِمَّصِ وَالْفُولِ حَتَّى التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَنَحْوَهُمَا وَقْتَ الْغَلاءِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِيَحْبِسَهُ وَيَبِيعَهُ بِأَغْلَى مِنْ ذَلِكَ أَىْ بِثَمَنٍ زَائِدٍ عِنْدَ اشْتِدَادِ حَاجَةِ أَهْلِ مَحَلِّهِ أَوْ غَيْرِهِمْ إِلَيْهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْضَرُّونَ، هُمْ يَحْتَاجُونَ لِهَذَا الطَّعَامِ وَهُوَ يَقْطَعُ عَنْهُمْ حَاجَاتِهِمْ، وَهَذَا يُسَمَّى الِاحْتِكَارَ وَهَذَا تَفْسِيرُهُ فِى الْمَذْهَبِ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ احْتِكَارُ طَعَامٍ غَيْرِ قُوتٍ كَالتِّينِ وَاللَّوْزِ وَالسِّمْسِمِ وَالتُّفَّاحِ وَاحْتِكَارُ قُوتٍ لَمْ يَشْتَرِهِ كَغَلَّةِ ضَيْعَتِهِ كَمَنْ يَمْلِك بُسْتَانًا طَلَعَ لَهُ فِيهِ ثِمَارٌ فَحَبِسَهُ فَهَذَا لَيْسَ حَرَامًا،
أَوِ اشْتَرَى الْقُوتَ وَقْتَ الرُّخْصِ أَوِ الْغَلاءِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ أَوْ وَقْتَ الْغَلاءِ وَالْحَاجَةِ لِيَبِيعَهُ لا بِأَكْثَرَ، نَعَمْ إِنِ اشْتَدَّتْ ضَرُورَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْقَاضِى عَلَيْهِ وَعِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِدَادِ الأَوْلَى لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا فَوْقَ كِفَايَةِ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ إِذَا خَافَ جَائِحَةً فِى زَرْعِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِمْسَاكُ كِفَايَتِهَا، وَصَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ إِمْسَاكُ الثِّيَابِ أَىِ احْتِكَارُهَا، وَحَمَلَ الزَّرْكَشِىُّ كَلامَ الْقَاضِى حُسَيْنٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ،
وَقَالَ الزَّرْكَشِىُّ التَّخْصِيصُ بِالأَقْوَاتِ فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِى جَرَيَانُهُ فِى الثِّيَابِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا لِسَتْرِ عَوْرَةٍ وَدَفْعِ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَنَقَلَ السُّبْكِىُّ عَنِ الْقَاضِى حُسَيْنٍ أَنَّهُ فِى وَقْتِ الضَّرُورَةِ يَحْرُمُ احْتِكَارُ مَا بِالنَّاسِ ضَرُورَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ فِى غُنْيَةٍ عَنْهُ. أَمَّا مَا اشْتَرَاهُ فِى وَقْتِ الرُّخْصِ وَلَيْسَ فِى وَقْتِ الْغَلاءِ ثُمَّ خَبَّأَهُ لِيَبِيعَهُ فِى وَقْتِ الْغَلاءِ فَيَجُوزُ وَلَوْ بَاعَهُ بِسِعْرٍ غَالٍ جِدًّا لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ إِضْرَارٌ بِالنَّاسِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَنْ يَزِيدَ فِى ثَمَنِ سِلْعَةٍ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يَزِيدَ فِى ثَمَنِ سِلْعَةٍ لا لِيَشْتَرِىَ بَلْ لِيَغُرَّ النَّاسَ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُسَمُّونَهُ بِالْمَزَادَاتِ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ يَتَّفِقُ مَعَ وَاحِدٍ فَيَقِفُ بَيْنَ النَّاسِ لِيَزِيدَ فِى السِّعْرِ لِيَغُرَّهُمْ فَيَزِيدُوا هُمْ فِى السِّعْرِ أَيْضًا يُوهِمُهُمْ أَنَّ هَذَا الْغَرَضَ سِعْرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا قَالُوا لِيَزِيدُوا فِى السِّعْرِ وَهَذَا الَّذِى زَادَ فِى السِّعْرِ لا يُرِيدُ
أَنْ يَشْتَرِىَ وَهَذَا يُسَمَّى النَّجْشَ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْىُ عَنْهُ فِى الصَّحِيحِ وَذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ »وَلا تَنَاجَشُوا« [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ]، فَيَحْرُمُ النَّجْشُ وَلَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِى مَالِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِتَرْوِيجِهِ لَهُ، وَيَلْتَحِقُ بِالنَّجْشِ مَدْحُ السِّلْعَةِ لِيُرَغِّبَ غَيْرَهُ فِيهَا بِكَذِبٍ، وَقَدْ قَيَّدَ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى كِتَابِ اخْتِلافِ الْحَدِيثِ حُصُولَ الإِثْمِ بِأَنْ يَكُونَ النَّاجِشُ عَالِمًا بِوُرُودِ النَّهْىِ فِى ذَلِكَ، قَالَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ »فَمَنْ نَجَشَ فَهُوَ عَاصٍ بِالنَّجْشِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِنَهْىِ رَسُولِ اللَّهِ« وَصَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ الْقَاضِى أَبُو الطَّيِّبِ فِى كِتَابِ اخْتِلافِ الْحَدِيثِ. أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ شَخْصٌ أَدْفَعُ لَكَ كَذَا ثُمَّ جَاءَ ءَاخَرُ فَعَرَضَ سِعْرًا أَعْلَى فِى الْبِضَاعَةِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ لا لِيَغُرَّ الأَوَّلَ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا قَبْلَ التَّمْيِيزِ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَالِكِ الأَمَةِ أَىْ سَيِّدِهَا التَّفْرِيقُ بِالْبَيْعِ بَيْنَ الأَمَةِ وَوَلَدِهَا قَبْلَ أَنْ يُمَيِّزَ الْوَلَدُ وَلَوْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الطِّفْلَ يَنْضَرُّ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَلَدُهَا مَجْنُونًا بَالِغًا قَبْلَ إِفَاقَتِهِ. وَالسَّيِّدُ إِنْ جَامَعَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ فَالْوَلَدُ حُرٌّ، أَمَّا إِنْ زَوَّجَهَا لِرَجُلٍ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَالْوَلَدُ الَّذِى يُولَدُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَنْ يَغُشَّ أَوْ يَخُونَ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ وَالْعَدِّ أَوْ يَكْذِبَ.
الشَّرْحُ مِمَّا يَحْرُمُ مِنَ الْبَيْعِ الْغَشُّ فِيهِ أَوِ الْخِيَانَةُ فِى الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الذَّرْعِ أَوِ الْعَدِّ أَوْ يَكْذِبُ بِالْقَوْلِ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْغَشُّ مَعْنَاهُ إِخْفَاءُ الْعَيْبِ كَأَنْ يَكُونَ أَصَابَ قِسْمًا مِنَ الْقَمْحِ الْعَفَنُ فَيَجْعَلَ الَّذِى فِيهِ الْعَفَنُ فِى الأَسْفَلِ وَالَّذِى لَمْ يُصِبْهُ الْعَفَنُ فِى الأَعْلَى حَتَّى يَنْظُرَ الْمُشْتَرِى إِلَى الظَّاهِرِ فَيَظُنَّهُ كُلَّهُ صَحِيحًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ] أَىْ لِلْحِسَابِ.
وَالْوَيْلُ هُوَ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] أَنَّ الْوَيْلَ وَادٍ فِى جَهَنَّمَ يَنْزِلُ الْكَافِرُ فِيهِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا بُعْدهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، هَذَا وَيْلُ الْكَافِرِ أَمَّا وَيْلُ الْمُسْلِمِ مَعْنَاهُ هَلاكٌ شَدِيدٌ، الْمُسْلِمُ الْعَاصِى لا يَنْزِلُ إِلَى ذَلِكَ الْقَعْرِ هِىَ جَهَنَّمُ فِيهَا أَمَاكِنُ أَعْمَقُ مِنْ بَعْضٍ.
وَالْمُطَفِّفُونَ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُصُونَ فِى الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ﴾ هَذَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ، مَعْنَاهُ أَلا يَتَيَقَّنُ أُولَئِكَ بِأَنَّهُمْ سَيُبْعَثُونَ، مَعْنَاهُ لَوْ تَيَقَّنُوا مَا نَقَصُوا فِى الْكَيْل وَالْوَزْنِ. وَالْخِيَانَةُ فِى الْكَيْلِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَبِيعُكَ كَذَا وَسْقًا مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ الزَّبِيبِ ثُمَّ يَنْقُصُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخُونَهُ فِى الْوَزْنِ كَأَنِ اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ مِنَ السُّكَّرِ ثُمَّ نَقَصَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ لَهُ أَبِيعُكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ هَذِهِ الْخِرْقَةِ ثُمَّ نَقَصَ عَلَيْهِ ذِرَاعًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَبِيعُهُ بِالْعَدَدِ كَأَنْ قَالَ لَهُ أَبِيعُكَ خَمْسِينَ بَيْضَةً بِمَبْلَغِ كَذَا ثُمَّ خَانَهُ فِى الْعَدِّ فَنَقَصَ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَنْ يَبِيعَ الْقُطْنَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْبَضَائِعِ وَيُقْرِضَ الْمُشْتَرِىَ فَوْقَهُ دَرَاهِمَ وَيَزِيدَ فِى ثَمَنِ تِلْكَ الْبِضَاعَةِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ، وَأَنْ يُقْرِضَ الْحَائِكَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الأُجَرَاءِ وَيَسْتَخْدِمَهُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْقَرْضِ أَىْ إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الرَّبْطَةَ أَوْ يُقْرِضَ الْحَرَّاثِينَ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ ثُمَّ يَبِيعُونَ عَلَيْهِ طَعَامَهُمْ بِأَوْضَعَ مِنَ السِّعْرِ قَلِيلًا وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْمَقْضِىَّ.
الشَّرْحُ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ حَرَامٌ بِشَرْطِ أَنْ يَسْبِقَ اتِّفَاقٌ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ رِبَا الْقَرْضِ. وَأَمَّا لَوْ أَقْرَضَ فِى هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِدُونِ هَذَا الِاتِّفَاقِ ثُمَّ أَجْرَى الْعَقْدَ لَمْ يَحْرُمْ.
أَمَّا الْمَسْئَلَةُ الأُولَى فَمَعْنَاهَا أَنْ يُقْرِضَهُ الثَّمَنَ الَّذِى يَشْتَرِى بِهِ الْبِضَاعَةَ وَيَزِيدَ عَلَيْهِ فِى الثَّمَنِ فِى مُقَابِلِ ذَلِكَ وَهَذَا لا يَجُوزُ. الْقَرْضُ شُرِعَ لِلإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ لَيْسَ لِطَلَبِ الرِّبْحِ.
وَالْمَسْئَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُقْرِضَ الْحَائِكَ الَّذِى يَنْسُجُ الثِّيَابَ وَيَشْرِطَ عَلَيْهِ فِى مُقَابِلِ ذَلِكَ أَنْ يَعْمَلَ عِنْدَهُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَيُسَمُّونَ هَذَا الرَّبْطَةَ لِأَنَّهُ رَبَطَهُ بِهَذَا، وَهَذَا مِنْ عَادَةِ بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ.
وَالْمَسْئَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُقْرِضَ الْحَرَّاثِينَ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ وَيَشْرِطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبِيعُوهُ طَعَامَهُمْ بِأَقَلَّ مِنَ السِّعْرِ قَلِيلًا وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْمَقْضِىَّ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْقَضَى بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَذَا جُمْلَةٌ مِنْ مُعَامَلاتِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ وَأَكْثَرُهَا خَارِجَةٌ عَنْ قَانُونِ الشَّرْعِ.
الشَّرْحُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِى مَعْنَى هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ ءَانِفًا فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ لا يَخْلُو مِنْ مَحْظُورَاتِ الشَّرْعِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُعَامَلاتِ الْفَاسِدَةِ أَنْوَاعُ التَّأْمِينَاتِ الَّتِى تَعَارَفُوهَا فِى هَذَا الزَّمَنِ كَتَأْمِينِ السَّيَّارَةِ أَوْ تَأْمِينِ الْبَضَائِعِ الْمُسْتَجْلَبَةِ وَمَا يُسَمُّونَهُ التَّأْمِينَ عَلَى الْحَيَاةِ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا فِيمَا قَبْلُ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِى ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَعَلَى مُرِيدِ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَسَلامَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ عَالِمٍ وَرِعٍ نَاصِحٍ شَفِيقٍ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
الشَّرْحُ أَنَّهُ يَجِبُ تَعَلُّمُ عِلْمِ الدِّينِ الَّذِى يُعْرَفُ بِهِ الْحَلالُ وَالْحَرَامُ تَلَقِيًّا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالثِّقَةِ فَلا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ لَهُ كَفَاءَةٌ فِى عِلْمِ الدِّينِ وَلا اسْتِفْتَاءُ الْعَالِمِ الْفَاسِقِ. قَالَ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ التَّابِعِىُّ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ »إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِى مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ. فَالَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَمْرٍ دِينِىٍّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ أَىَّ شَخْصٍ بَلْ يَسْأَلُ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالثِّقَةِ. يَسْأَلُ الثِّقَاتِ هَلْ هَذَا الْمُفْتِى أَهْلٌ لِلْفَتْوَى فَإِنْ قَالَ لَهُ الْعَالِمُ الثِّقَةُ فُلانٌ ثِقَةٌ أَهْلٌ لِلْفَتْوَى يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيهِ، أَمَّا أَنْ نَهْجُمَ بِدُونِ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّهُ ثِقَةٌ تَقِىٌّ فَنَسْتَفْتِيَهُ فَلا يَجُوزُ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عَالِمَانِ ثِقَتَانِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ فَيَسْتَفْتِيهِ.
وَلا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ إِلَّا بِالتَّلَقِّى إِمَّا سَمَاعًا مِنْ فَمِ الْعَالِمِ وَإِمَّا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُهُ فَيُقِرُّهُ عَلَيْهِ أَىْ مَعَ تَفْهِيمِ الْعَالِمِ لِلْقَارِئِ إِذَا كَانَ لَمْ يَفْهَمْهُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ، أَمَّا مُجَرَّدُ الْمُطَالَعَةِ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَهَذَا لَيْسَ طَرِيقًا نَافِعًا، الطَّرِيقُ النَّافِعُ هُوَ الَّذِى مَضَى عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ.
الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلائِىُّ خَلِيلُ بنُ كَيْكَلْدِى هُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَافِظِ زَيْنِ الدِّينِ الْعِرَاقِىِّ تَلَقَّى الْحَدِيثَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ عَالِمٍ سَمَاعًا. سَمَاعُ لَفْظِ الْعَالِمِ مَعَ تَفَهُّمِ الْمَعَانِى هُوَ الأَفْضَلُ وَلا سِيَّمَا الْحَدِيثُ وَالْقُرْءَانُ.
الْقُرْءَانُ تَلَقِّيهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِمَّا أَنْ يَسْمَعَ الطَّالِبُ مِنْ لَفْظِ الْمُقْرِئِ ثُمَّ يَقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرُّهُ وَهَذَا أَفْضَلُ وَإِمَّا أَنْ يَقْرَأَ الطَّالِبُ عَلَى الْمُقْرِئِ وَالْمُقْرِئُ يَسْمَعُهُ فَيُقِرُّهُ.
وَمِنْ فَسَادِ طَرِيقِ التَّلَقِّى الْيَوْمَ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ كَثُرَ التَّحْرِيفُ وَالِافْتِرَاءُ عَلَى الدِّينِ وَإِدْخَالُ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ. الْعِلْمُ يُحَصَّلُ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ أَمَّا الْكَسَلُ فَإِنَّهُ يُنَافِى تَحْصِيلَ الْعِلْمِ. الْمُحَدِّثُونَ لا يَعْتَبِرُونَ مُحَدِّثًا مَنْ لَمْ يَتَلَقَّ مِنْ أَفْوَاهِ الْمُحَدِّثِينَ. كَذَلِكَ الْفِقْهُ لا يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيهًا إِنْ لَمْ يَتَلَقَّ مِنْ أَفْوَاهِ الْفُقَهَاءِ.
يَقُولُ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْ أَخَذَ الْحَدِيثَ مِنَ الْكُتُبِ لا يُسَمَّى مُحَدِّثًا بَلْ يُسَمَّى صَحَفِيًّا، وَمَنْ أَخَذَ الْقُرْءَانَ مِنَ الْمُصْحَفِ يُسَمَّى مُصْحَفِيًّا وَلا يُسَمَّى قَارِئًا. فَمَنْ كَانَ قَوِىَّ الْهِمَّةِ لا يَعْتَمِدُ عَلَى مُطَالَعَةِ نَفْسِهِ إِلَّا عَلَى التَّلَقِّى مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ سَافَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مِصْرَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا صَحَابِيًّا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ مُقِيمًا فِى مِصْرَ رَوَى حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَسَافَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مِصْرَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ فَلَقِيَهُ فَقَالَ جِئْتُ لِكَذَا فَأَقَرَّهُ ذَلِكَ الصَّحَابِىُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ بِتَمَامِهَا الْبُخَارِىُّ فِى الأَدَبِ [الْمُفْرَدِ]. هَكَذَا كَانُوا يَهْتَمُّونَ لِتَلَقِّى الْعِلْمِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ »إِنَّ طَلَبَ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ« أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَنَاوُلُ رِزْقٍ مِنْ طَرِيقٍ حَرَامٍ بَلْ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَحْصِيلَ الْمَالِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ حَاجَةِ عِيَالِهِ أَنْ يَسْعَى لِلتَّحْصِيلِ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ شَرْعًا، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَمْكُثَ مِنْ دُونِ تَعَاطِى عَمَلٍ فَلَوْ تَرَكَ الشَّخْصُ الْعَمَلَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعْتَمِدٍ عَلَى السُّؤَالِ مِنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى الشَّحَاذَةِ بَلْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِذَلِكَ وَاثِقًا بِرَبِّهِ أَنَّهُ يَسُوقُ إِلَيْهِ رِزْقَهُ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ] بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَاهُ لِأَنَّهُ لا يَحْتَرِفُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ »لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ« الشَّاهِدُ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الأَخِ تَرْكَ الِاحْتِرَافِ مَعَ أَخِيهِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا إِنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ لا يَأْكُلَ الْحَرَامَ وَلا يَشْحَذَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَكْفِىَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّحَاذَةِ وَلا يُضَيِّعَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ الأَطْفَالَ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ لِتَكَاسُلِهِ عَنِ الْعَمَلِ. وَأَمَّا حَدِيثُ »طَلَبُ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ« فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ [فِى شُعُبِ الإِيمَانِ] وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
