قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ وَمِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الْمَشْىُ فِى مَعْصِيَةٍ كَالْمَشْىِ فِى سِعَايَةٍ بِمُسْلِمٍ أَىْ لِلإِضْرَارِ بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ فِى قَتْلِهِ أَىِ الْمَشْىِ لِقَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ لِلإِضْرَارِ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الَّتِى مِنَ الْكَبَائِرِ السِّعَايَةَ بِالْمُسْلِمِ لِلإِضْرَارِ بِهِ لِأَنَّ السِّعَايَةَ فِيهَا أَذًى كَبِيرٌ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا إِدْخَالُ الرُّعْبِ إِلَى الْمَسْعِىِّ بِهِ وَإِرْجَافُ أَهْلهِ وَتَرْوِيعُهُمْ بِطَلَبِ السُّلْطَانِ كَهَؤُلاءِ الْجَوَاسِيسِ الَّذِينَ يَتَجَسَّسُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَأْخُذونَ الأَخْبَارَ إِلَى الْحُكَّامِ لِيَضُرُّوا الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا إِذَا كَانَتِ السِّعَايَةُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا السِّعَايَةُ بِحَقٍّ فَهِىَ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَعَتْ حَاجَةٌ شَرْعِيَّةٌ إِلَى النَّمِيمَةِ جَازَتْ وَالأَمْرُ فِى ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْحَالِ أَىْ عَلَى حَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّةِ فَإِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ لِلنَّمِيمَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُفْسِدَيْنِ لِإِبْعَادِهِمَا عَنْ هَذَا الْفَسَادِ وَلِإِضْعَافِ الْفَسَادِ الَّذِى بَيْنَهُمَا جَازَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الْمَشْىُ بِالرِّجْلِ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَالْمَشْىِ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ أَوِ التَّلَذُّذِ بِهَا بِمَا دُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ حِزْبِ التَّحْرِيرِ الَّتِى سَبَقَ ذِكْرُهَا أَنَّهُمْ نَشَرُوا بِطَرَابُلُسَ الشَّامِ مَنْشُورًا يَتَضَمَّنُ جَوَازَ مَشْىِ الرَّجُلِ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ إِنَّمَا الْحَرَامُ الزِّنَى الْحَقِيقِىُّ بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَشْىُ بِقَصْدِ الْفُجُورِ بِغُلامٍ لا يَكُونُ مَعْصِيَةً عِنْدَهُمْ إِلَّا بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ فِيهِ وَكَفَاهُمْ هَذَا خِزْيًا، وَقَدْ نَاظَرَ بَعْضُ كِبَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِى الأَوْسَطِ مَا نَصُّهُ «ذِكْرُ التَّغْلِيظِ فِى السِّعَايَةِ بِالْمَرْءِ الْبَرِيءِ إِلَى السُّلْطَانِ [إِعْطَاءُ الْخَبَرِ لِلْحَاكِمِ لِلإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ يُقَالُ لَهُ سِعَايَةٌ]
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَمَةَ عَنْ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ حَتَّى نَسْأَلَ هَذَا النَّبِىَّ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فَقَالَ لا تَقُلْ إِنَّهُ نَبِىٌّ فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَ صَارَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ [يَعْنِى يَتَكَبَّرُ] فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/101] قَالَ «لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً وَلا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ وَلا تَذْهَبُوا بِبَرِىءٍ إِلَى ذِى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ» الْحَدِيثَ [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ] وَفِيهِ «وَعَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ خَاصَّةً أَنْ لا تَعْدُوا فِى السَّبْتِ» فَقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَالا نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِىٌّ،
قَالَ «فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِى» قَالا إِنَّ دَاوُدَ دَعَا أَنْ لا يَزَالَ فِى ذُرِّيَّتِهِ نَبِىٌّ وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اهـ وَهَذَا افْتِرَاءٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَدْعُ بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِبَاقُ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ وَمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ بِرِّ وَالِدَيْهِ أَوْ تَرْبِيَةِ الأَطْفَالِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِبَاقُ أَىْ هُرُوبُ الْعَبْدِ أَىِ الْمَمْلُوكِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ سَيِّدِهِ وَالزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَذَلِكَ كَبِيرَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى مُسْنَدِهِ «الْعَبْدُ الآبِقُ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَلاتَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ» وَفِى مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ».
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الْهَرَبُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَى الشَّخْصِ عَمَّا يَلْزَمُهُ كَأَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ بِأَنْ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً عَمْدًا ظُلْمًا أَوْ فَقَأَ عَيْنَ شَخْصٍ مَعْصُومٍ عَمْدًا ظُلْمًا، أَوْ نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْوَالِدَيْنِ أَوْ لِلأَطْفَالِ.
وَتَحْرِيمُ الْهُرُوبِ مِنَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ] وَفِى رِوَايَةٍ «مَنْ يَعُولُ» [أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ] أَىْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، فَفِى هَذَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِى.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّبَخْتُرُ فِى الْمَشْىِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ التَّبَخْتُرَ فِى الْمَشْىِ أَىْ مِشْيَةِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/37] أَىْ لا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مُخْتَالًا فَخُورًا. وَالْمَرَحُ الأَشَرُ وَالْبَطَرُ. وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَعَظَّمَ فِى نَفْسِهِ أَوِ اخْتَالَ فِى مِشْيَتِهِ لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان» رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ [فِى شُعَبِ الإِيمَانِ].
وَمِنْ عَادَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ عِنْدَمَا يَمْشُونَ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَى ثِيَابِهِمْ مُعْجَبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِى مُتَبَخْتِّرًا يَنْظُرُ فِى جَانِبَيْهِ أَعْجَبَهُ ثَوْبُهُ وحُسْنُ شَعَرِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِى مُتَبَخْتِّرًا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ الأَرْضَ فَبَلَعَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [تَجَلْجَلَ أَىْ سَاخَ وَدَخَلَ فِيهَا] وَهَذِهِ الْحَادِثَةُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا عِبْرَةً لِلنَّاسِ.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ» أَىْ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يُهِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا التَّبَخْتُرُ فِى الْمَشْىِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ فِى الْجِهَادِ حَتَّى يَقُولَ الْكُفَّارُ هَؤُلاءِ نُشَطَاءُ أَقْوِيَاءُ فَجَائِزٌ.
تَنْبِيهٌ إِذَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا مَعْنَاهُ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يَكُونُ مُهَانًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّظَرَ بِالْجَارِحَةِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِالْجَارِحَةِ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، اللَّهُ يَرَى بِرُؤْيَةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، يَرَى ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَالْحَادِثَاتِ بِرُؤْيَةٍ أَزَلِيَّةٍ لا بِرُؤْيَةٍ تَحْدُثُ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَخَطِّى الرِّقَابِ إِلَّا لِفُرْجَةٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ تَخَطِّىَ الرِّقَابِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الإِيذَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ يَخْطُبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «اجْلِسْ فَقَدْ ءَاذَيْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ [فِى شُعَبِ الإِيمَانِ] وَغَيْرُهُ «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ» مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ ءَاذَى الْمُسْلِمِينَ بِتَخَطِّيهِ رِقَابَ النَّاسِ بِإِصَابَتِهِ بِرِجْلِهِ أُذُنَ هَذَا أَوْ رَقَبَةَ هَذَا أَوْ رَأْسَ هَذَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. أَمَّا التَّخَطِّى لِفُرْجَةٍ أَىْ لِأَجْلِ سَدِّهَا فَهُوَ جَائِزٌ.
وَيُسْتَثْنَى تَخَطِّى الإِمَامِ مِنْ أَجْلِ بُلُوغِ الْمِحْرَابِ أَوِ الْمِنْبَرِ إِذَا كَانَ لا يَتَمَكَّنُ إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ لا يُكْرَهُ لِاضْطِرَارِهِ إِلَيْهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ كُرِهَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْمُرُورُ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُ السُّتْرَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى الرِّجْلِ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى صَلاةً صَحِيحَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَذْهَبِ الْمُصَلِّى مَعَ حُصُولِ السُّتْرَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِأَنْ قَرُبَ مِنْهَا ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذِرَاعِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ مُرْتَفِعَةً ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَمُصَلًّى يَفْتَرِشُهُ [كَسَجَّادَةِ صَلاةٍ وَنَحْوِهَا] فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَخَطٌّ يَخُطُّهُ إِلَى نَحْوِ الْقِبْلَةِ وَيَكُونُ هَذَا الْخَطُّ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّى أَوْ عَنْ شِمَالِهِ لا أَمَامَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمِ الْمُرُورُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَصَّرَ هُوَ بِأَنْ صَلَّى فِى مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْمُرُورُ ذَلِكَ الْوَقْتَ كَالْمَطَافِ أَوْ تَرَكَ فُرْجَةً فِى صَفٍّ أَمَامَهُ فَاحْتِيجَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِسَدِّهَا فَلا يَحْرُمُ. وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَرَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ بِدُونِ لَفْظِ «خَرِيفًا».
فَإِذَا وُجِدَتِ السُّتْرَةُ سُنَّ لِلْمُصَلِّى أَنْ يَدْفَعَ الْمَارَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ السُّتْرَةُ فَلَيْسَ لِلْمُصَلِّى أَنْ يُزْعِجَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوِ اقْتَرَبَ مِنْهُ بِذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُرُورُ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُصَلِّينَ فَإِذَا كَانَ مَا بَيْنَ الصَّفَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ فَيَجُوزُ وَإِلَّا فَلا يَجُوزُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَإِذَا كَانَ شَخْصٌ يُصَلِّى وَأَمَامَهُ شَخْصٌ قَاعِدٌ فَلا يُعَدُّ هَذَا الْقَاعِدُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّى. الصَّلاةُ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ مَكْرُوهَةٌ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّى قَرِيبًا مِنْ جِدَارٍ أَوْ يَغْرِزَ شَيْئًا أَوْ يَخُطَّ خَطًّا وَسَجَّادَةُ الصَّلاةِ تَكْفِى كَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا يَزِيدَ طُولُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرَفَيْهَا خَمْسَةُ أَذْرُعٍ أَوْ سِتَّةٌ فَهَذَا خِلافُ السُّنَّةِ فَإِنْ لَمْ يَضَعْ سُتْرَةً يَقِلُّ الثَّوَابُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَدُّ الرِّجْلِ إِلَى الْمُصْحَفِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُرْتَفِعٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الرِّجْلِ مَدَّهَا إِلَى الْمُصْحَفِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُرْتَفِعٍ عَلَى شَىْءٍ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ أَمَّا إِذَا كَانَ مُرْتَفِعًا فَلَيْسَ حَرَامًا وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ بَعِيدًا، كَمَا يَحْرُمُ كَتْبُهُ بِنَجِسٍ وَمَسُّهُ بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ بِرَطْبٍ أَوْ بِجَافٍّ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ. وَمَا ذُكِرَ فِى بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ جَوَازِ كَتْبِ الْفَاتِحَةِ بِالْبَوْلِ لِلِاسْتِشْفَاءِ إِنْ عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَهُوَ ضَلالٌ مُبِينٌ بَلْ كُفْرٌ، أَنَّى يَكُونُ فِى ذَلِكَ شِفَاءٌ وَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ عَاقِلٌ ذَلِكَ كَيْفَ ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ تَقْلِيبِ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ بِالإِصْبَعِ الْمَبْلُولَةِ بِالْبُصَاقِ،
كَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عِلَّيْشٍ الْمَالِكِىُّ مُفْتِى الْمَالِكِيَّةِ فِى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِى فَتَاوِيهِ بِأَنَّ ذَلِكَ رِدَّةٌ، وَإِنْ كَانَ إِطْلاقُ هَذَا الْقَوْلِ غَيْرَ سَدِيدٍ لَكِنْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ تَرَدُّدٌ بَلْ يَحْرُمُ كِتَابَةُ شَىْءٍ مِنَ الْقُرْءَانِ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِالدَّمِ بِدَمِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِلِاسْتِشْفَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَلا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْمَذْهَبُ الْحَنَفِىُّ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَبَعْضُ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَالَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ مَنْقُولٍ أَىْ لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ، وَمَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ فَقَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ. بَلِ الَّذِى ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ فِى ثَبْتِهِ عَنْ شَيْخِهِ الْعَقَّادِ أَنَّهُ قَالَ فِى كِتَابِهِ عُقُودُ اللآلِئِ «لا يَجُوزُ كِتَابَةُ الْقُرْءَانِ بِالدَّمِ» فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عَابِدِينَ (مِمَّا ذُكِرَ فِى الْحَاشِيَةِ فِى كِتَابِ الطَّهَارَةِ) مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا فَهُوَ كَذِبٌ مَدْسُوسٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ عَلَى سَجَّادَةِ الصَّلاةِ الَّتِى عَلَيْهَا صُورَةُ مَسْجِدٍ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، الْكَعْبَةُ أَلَيْسَ يَجُوزُ الصُّعُودُ عَلَى سَطْحِهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلُّ مَشْىٍ إِلَى مُحَرَّمٍ وتَخَلُّفٍ عَنْ وَاجِبٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الْمَشْىَ بِهَا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَشْىُ إِلَى مَا فِيهِ إِضَاعَةُ وَاجِبٍ كَأَنْ يَمْشِىَ مَشْيًا يَحْصُلُ بِهِ إِخْرَاجُ صَلاةٍ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سُورَةَ الْمُنَافِقُون/9].
وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ جَمَاعَةُ حِزْبِ التَّحْرِيرِ حَيْثُ قَالُوا إِنَّهُ لا يَحْرُمُ الْمَشْىُ بِقَصْدِ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ أَوِ الْفُجُورِ بِغُلامٍ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ فِى التَّطْبِيقِ بِالْفِعْلِ وَقَوْلُهُمْ هَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ »إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ ءَادَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ» وَفِيهِ »وَزِنَى الرِّجْلِ الْخُطَى».
