وَهَذَا الْمَبِيتُ فِيهِ قَوْلٌ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَيْسَ وَاجِبًا، فَعَلَى قَوْلِ عَدَمِ الْوُجُوبِ لا إِثْمَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ وَلا دَمَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَرَمْيُ الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا يَوْمَ النَّحْرِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَيَبْقَى إِلَى ءَاخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَرَمْيَ الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاللَّتَيْنِ قَبْلَهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعًا، وَالرَّمْيُ لا خِلافَ فِي وُجُوبِهِ. وَيَجُوزُ لِمَنْ أَخَّرَ رَمْيَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي إِلَى الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ زَوَالِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَنِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي.

وَتَأْخِيرُ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِلا عُذْرٍ مَكْرُوهٌ، وَإِلَّا فَلا كَرَاهَةَ. وَمَنْ رَمَى عَنِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ مِنًى قَبْلَ الْغُرُوبِ كَفَاهُ ذَلِكَ وَلا يَرْمِي الْيَوْمَ الثَّالِثَ.

أَمَّا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَهِيَ الَّتِي تَكُونُ أَقْرَبَ الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ إِلَى مَكَّةَ، أَمَّا الْجَمْرَتَانِ الأُولَيَانِ فَهُمَا أَقْرَبُ إِلَى جِهَةِ مُزْدَلِفَةَ، فَالأُولَى مِنْهُمَا تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، وَالثَّانِيَةُ تَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وَهَذِهِ الْجَمَرَاتُ الثَّلاثُ جَاءَ فِي الأَثَرِ أَنَّ الشَّيْطَانَ ظَهَرَ لإِبْرَاهِيمَ لِيُوَسْوِسَ لَهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَيَصُدَّهُ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَرَمَاهُ بِالْحَصَى إِهَانَةً لَهُ، وَنَحْنُ مَعَاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أُمِرْنَا بِهَذَا الرَّمْيِ إِحْيَاءً لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ،

وَفِي ذَلِكَ رَمْزٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ مُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ وَإِهَانَتِهِ وَكَأَنَّ الرَّامِيَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لِلشَّيْطَانِ «لَوْ ظَهَرْتَ لَنَا كَمَا ظَهَرْتَ لإِبْرَاهِيمَ لَرَمَيْنَاكَ إِهَانَةً لَكَ». وَلَيْسَتْ هَذِهِ الأَمَاكِنُ مَسْكَنًا لِلشَّيْطَانِ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسُ. فَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّ إِبْلِيسَ سَاكِنٌ هُنَاكَ غَلَطٌ بَلْ وَرَدَ أَنَّ لَهُ عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ أَيِ الْبَحْرِ مِنْ هُنَاكَ يُرْسِلُ جَمَاعَتَهُ، وَأَكْرَهُ النَّاسِ إِلَى إِبْلِيسَ الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَوْلِيَاءُ فَلَوْلا حِفْظُ اللَّهِ لَهُمْ لَقَتَلَ كُلَّ نَبِيٍّ وَوَلِيٍّ.

وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الرَّمْيِ:

• تَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ [فِيمَا بَعْدَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ إِلَى جِهَةِ الْجَبَلِ وَرَدَ أَثَرٌ بِأَنَّ ءَادَمَ دُفِنَ هُنَاكَ لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ عَلامَةٌ. وَوَرَدَ الأَثَرُ أَيْضًا بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُفِنَ تَحْتَ الْحِجْرِ أَيْ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَمَاذَا تَقُولُ الْوَهَّابِيَّةُ فِي هَذَا هَلْ يُحَرِّمُونَ الصَّلاةَ فِي الْحِجْرِ]، ثُمَّ يَرْمِي الَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ الْوُسْطَى، ثُمَّ يَخْتِمُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الَّتِي رَمَاهَا الْحَاجُّ يَوْمَ الْعِيدِ.

وَهَذَا التَّرْتِيبُ لا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى لِمَنْ أَخَّرَ رَمْيَ الْجِمَارِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. فَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ عَنِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ مَثَلًا ثَلاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ عَنِ الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلَ إِلَى الْوُسْطَى وَهَكَذَا. وَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ الأُولَى أَوَّلَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكْمِلَ مِنْ شِدَّةِ الزَّحْمَةِ فَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي يُكْمِلُ مِنَ الْوُسْطَى.

• وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَرْمِيِّ بِهِ حَجَرًا وَلَوْ يَاقُوتًا .

• وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا، فَلا يَكْفِي الْوَضْعُ .

• وَكَوْنُهُ بِالْيَدِ لا بِنَحْوِ رِجْلٍ وَقَوْسٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّمْيِ بِالْيَدِ .

• وَعَدَمُ الصَّارِفِ، أَيْ أَنْ لا يَنْوِيَ بِهَذَا الرَّمْيِ غَيْرَهُ فَلَوْ قَصَدَ بِهِ تَمْرِينَ يَدِهِ عَلَى جَوْدَةِ الرَّمْيِ لَمْ يَصِحَّ .

• وَقَصْدُ الْمَرْمَى، فَلَوْ قَصَدَ غَيْرَهُ كَأَنْ قَصَدَ رَمْيَ حَيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ «لَوْ قَصَدَ رَمْيَ الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ فِي الْجَمْرَةِ أَيْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يَكْفِ» وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْمَى ثَلاثَةُ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْجَمْرَتَيْنِ الأُولَى وَالْوُسْطَى وَمِنْ قُبَالَةِ الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَلا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى فَلا يَضُرُّ تَدَحْرُجُهَا أَوْ خُرُوجُهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فِي الْمَرْمَى، وَلَوْ رَمَى بِقَصْدِ الْمَرْمَى فَاصْطَدَمَتِ الْحَصَاةُ الْمَرْمِيَّةُ بِالأَرْضِ خَارِجَ الْجَمْرَةِ أَوْ بِعُنُقِ بَعِيرٍ أَوْ ثَوْبِ إِنْسَانٍ ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى اعْتُدَّ بِهَا،

وَلَوْ شَكَّ فِي وُقُوعِ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا. وَلَوْ رَمَى بِمَا رَمَى بِهِ غَيْرُهُ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَالْمُوَكَّلُ بِالرَّجْمِ عَنْ غَيْرِهِ يَرْمِي الأُولَى أَوَّلًا عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنِ الْمُوَكِّلِ ثُمَّ الْوُسْطَى عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنِ الْمُوَكِّلِ وَهَكَذَا. وَلا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الرَّجْمِ إِلَّا لِمَنْ خَشِيَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ. وَمَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ قَبْلَ الرَّمْيِ لا يَكُونُ حَجُّهُ مَبْرُورًا. وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا يَكْفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ .

وَمَا رَوَاهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ حَصَيَاتِ الْجِمَارِ وَاصِلَةٌ إِلَى وَجْهِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَطْلُعُ لِكُلِّ حَاجٍّ مِنْ مَحَلِّ مَا طَلَعَ لِآدَمَ ثُمَّ لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ فَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ شُدِخَ رَأْسُهُ حَتَّى يَحْتَبِسَ فَلا أَصْلَ لَهُ .

وَقَدْ وَرَدَ [فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى] أَنَّ الَّذِي يُقْبَلُ حَجُّهُ تَرْفَعُ الْمَلائِكَةُ حَصَاهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا أَنْ تُرْفَعَ فَوْرًا. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ الْمَلائِكَةَ لِنَفْعِ بَنِي ءَادَمَ مَنْ قُبِلَ حَجُّهُ الْمَلائِكَةُ يَرْفَعُونَ حَصَيَاتِهِ وَلَوْلا ذَلِكَ لَكَانَ الْمَرْمَى جَبَلًا عَظِيمًا .

وَيُسَنُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ».

وَمَنْ رَمَى وَحَلَقَ فَقَدْ تَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الأَوَّلَ فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكُلُّ شَىْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ».

وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ. وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوفِهِ لِيَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَقِفَ تَحْتَهَا فِي بَطْنِ الْوَادِي فَيَجْعَلَ مَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَقْبِلَ الْعَقَبَةَ ثُمَّ يَرْمِي.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ عَلَى قَوْلٍ فِي الْمَذْهَبِ.

الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مِنًى عَقِبَ النَّفْرِ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ مَا يُرِيدُ تَوَطُّنَهُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ وَعَلَيْهِ فَلا إِثْمَ عَلَى تَارِكِهِ وَلا دَمَ .

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذِهِ الأُمُورُ السِّتَّةُ مِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لا يَفْسُدُ حَجُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمٌ وَفِدْيَةٌ، بِخِلافِ الأَرْكَانِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فَإِنَّ الْحَجَّ لا يَحْصُلُ بِدُونِهَا وَمَنْ تَرَكَهَا لا يَجْبُرُهُ دَمٌ أَيْ ذَبْحُ شَاةٍ .

الشَّرْحُ أَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِ الإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ دَمٌ وَهُوَ شَاةٌ، فَإِنْ عَجَزَ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثَلاثَةٍ فِي الْحَجِّ أَيْ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا يُسَمَّى دَمَ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ وَهُوَ مِثْلُ دَمِ التَّمَتُّعِ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَعْمَلَهَا ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إِلَى مِيقَاتٍ مِنَ الْمَوَاقِيتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/196].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتُهُمَا عَلَى مُحْرِمٍ وَحَلالٍ وَتَزِيدُ مَكَّةُ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ، فَلا فِدْيَةَ فِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَقَطْعِ نَبَاتِهَا. وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ جَبَلِ عَيْرٍ وَجَبَلِ ثَوْرٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ أَحْكَامِ الْحَرَمَيْنِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَالْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ وَحُرْمَةَ قَطْعِ الشَّجَرِ أَوِ الْقَلْعِ، وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِي الصَّيْدِ وَالشَّجَرِ لَكِنْ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ خَاصٌّ بِحَرَمِ مَكَّةَ أَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ لَكِنْ بِلا فِدْيَةٍ، وَكَذَلِكَ وَجُّ الطَّائِفِ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ .

أَمَّا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَلَيْسَ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ وَلا يُسَمَّى حَرَمًا كَمَا شَاعَ عَلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْجِدٌ لَهُ الأَفْضَلِيَّةُ بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، لِأَنَّ الصَّلاةَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاةٍ .

وَأَمَّا صَيْدُ مَكَّةَ وَشَجَرُهَا فَفِيهِ فِدْيَةٌ أَيْ ضَمَانٌ، فَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا مِنْ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَيْ شَبَهٌ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ ذَلِكَ الْمِثْلَ وَيُوَزِّعَهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَلا يَكْفِي ذَبْحُهُ بِغَيْرِ أَرْضِ الْحَرَمِ الشَّامِلِ لِمَكَّةَ وَمَا يَلِيهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا مِنْ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي حُدُودِ الْحَرَمِ فَمَكَّةُ مُكْتَنَفَةٌ بِذَلِكَ، وَلا يَكْفِي تَوْزِيعُ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ مِنَ الذَّبْحِ لا يَكْفِي تَمْلِيكُ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُسْتَوْطِنُونَ بِأَرْضِ الْحَرَمِ وَالْغُرَبَاءُ .

وَأَمَّا حُكْمُ قَطْعِ شَجَرَةِ الْحَرَمِ فَفِي الْكَبِيرَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُقَارِبُ سُبُعَ الْكَبِيرَةِ شَاةٌ، وَفِي مَا دُونَ ذَلِكَ قِيمَتُهَا.

فَائِدَةٌ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَخَافَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَجِّ يَقُولُ عِنْدَ النِّيَّةِ «نَوَيْتُ الْحَجَّ وَأَحْرَمْتُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَحِلِّي حَيْثُمَا حَبَسَنِي حَابِسٌ إِذَا حَبَسَنِي» ثُمَّ إِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ حَائِلٌ بَعْدَمَا أَحْرَمَ يَتَحَلَّلُ بِحَلْقِ شَعَرِ رَأْسِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ وَلا يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ.

كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» اهـ.

وَيَجُوزُ التَّحَلُّلُ أَيْ فَكُّ الإِحْرَامِ أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ لِلْمُحْصَرِ وَهُوَ الَّذِي مَنَعَهُ الْعَدُوُّ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فَهَذَا بِالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ يَنْوِي التَّحَلُّلَ عِنْدَمَا يَذْبَحُ وَعِنْدَمَا يَحْلِقُ يَنْوِي بِقَلْبِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِحْرَامِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الذَّبْحِ فَطَعَامٌ بِنِيَّتِهِ أَيْ إِنْ عَجَزَ عَنِ الذَّبْحِ يَدْفَعُ طَعَامًا بِقِيمَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ يَشْتَرِي الْقَمْحَ إِنْ كَانَ هُنَاكَ، فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ أَغْلَبُ قُوتِ أَهْلِ الْحَرَمِ الْقَمْحُ وَلا يَشْتَرِي الْخُبْزَ بَلْ يَشْتَرِي الْقَمْحَ وَيُوَزِّعُهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، فَإِنْ عَجَزَ فَيَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا أَيْ بِعَدَدِ أَمْدَادِ الطَّعَامِ يَصُومُ .

وَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَالًا أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الإِحْصَارُ وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَنْتَظِرَ مُدَّةً .نَعَمْ إِنْ تَيَقَّنَ الْحَاجُّ زَوَالَ الْحَصْرِ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ إِدْرَاكَ الْحَجِّ بَعْدَهَا امْتَنَعَ تَحَلُّلُهُ، وَكَذَا الْمُعْتَمِرُ إِذَا تَيَقَّنَ قُرْبَ زَوَالِهِ وَهُوَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ.

وَلا إِعَادَةَ عَلَى مُحْصَرٍ مُتَطَوِّعٍ، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا مُسْتَقِرِّا كَحَجَّةِ الإِسْلامِ بَعْدَ السَّنَةِ الأُولَى مِنْ سِنِيِّ الإِمْكَانِ وَكَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ أَيْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَسْتَطِيعَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَحَجَّةِ الإِسْلامِ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ سِنِيِّ الإِمْكَانِ اعْتُبِرَتِ الإِسْتَطَاعَةُ بَعْدَ زَوَالِ الإِحْصَارِ إِنْ وُجِدَتْ وَجَبَ وَإِلَّا فَلا.

وَعَلَى مَنْ فَاتَهَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ تَحَلُّلٌ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَدَمٍ وَإِعَادَةٌ .فَإِنْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهُ لِأَنَّ تَقْرِيرَهُ عَلَى الإِحْرَامِ يُعَطِّلُ مَنَافِعَهُ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالتَّحَلُّلِ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ فَيَحْلُقُ وَيَنْوِي التَّحَلُّلَ وَيَصُومُ لِأَنَّهُ لا يَمْلِكُ مَا يُهْدِي أَوْ يُطْعِمُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهُ، وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ.

وَإِنْ أَحْرَمَتِ الْمَرْأَةُ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِأَنَّ تَقْرِيرَهَا عَلَيْهِ يُعَطِّلُ حَقَّهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْمُرُهَا بِالتَّحَلَّلِ فَتَأْتِي بِمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ الْمُحْصَرُ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهَا. وَفِي حَجِّ الإِسْلامِ إِذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ قَوْلانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِمَا ذَكَرُوا، وَالثَّانِي لا.