قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصلٌ ومِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَىْ مِنَ الْمَعَاصِى الَّتِى لا تَلْزَمُ جَارِحَةً مِنَ الْجَوَارِحِ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ عَلا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِى ضَبْطِهِ هُوَ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ فِى الْعُرْفِ. وَمِنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ الَّذِى هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكُ الشَّخْصِ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِمَا إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ أَمَّا إِنْ كَانَا مُكْتَفِيَيْنِ فَلا يَجِبُ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا لَكِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَا يُحِبَّانِهِ بَلْ يُسَنُّ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِى كُلِّ شَىْءٍ إِلَّا فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، حَتَّى فِى الْمَكْرُوهَاتِ إِذَا أَطَاعَ أَبَوَيْهِ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ رِفْعَةَ دَرَجَةٍ عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ الْفُقَهَاءُ إِذَا أَمَرَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ الْوَلَدَ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا فِيهِ شُبْهَةٌ أَىْ لَيْسَ حَرَامًا مُؤَكَّدًا يَأْكُلُ لِأَجْلِ خَاطِرِهِمَا ثُمَّ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِمَا يَتَقَايَؤُهُ وَقَالُوا إِذَا أَمَرَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ وَلَدَهُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ وَكَانَ يَغْتَمُّ قَلْبُ الْوَالِدِ أَوِ الْوَالِدَةِ إِنْ خَالَفَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِى ذَلِكَ.
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يُشْرَعُ أَنْ يُطِيعَ الْوَلَدُ وَالِدَيْهِ فِى الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ لَكِنْ لا يَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِى كُلِّ مُبَاحٍ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِى كُلِّ مَا فِى تَرْكِهِ يَحْصُلُ لَهُمَا غَمٌّ بِسَبَبِهِ وَإِلَّا لا يَكُونُ وَاجِبًا، فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْوَلَدِ أَنْ لا يُسَافِرَ وَكَانَ سَفَرُهُ بِلا ضَرُورَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ ذَلِكَ السَّفَرِ إِذَا كَانَ يَغْتَمُّ بِسَفَرِهِ. وَإِذَا أَرَادَ الأَبُ مَنْعَ وَلَدِهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ بِدُونِ إِذْنِهِ فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ يُسَبِّبُ لِلأَبِ غَمًّا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ انْهِيَارٌ أَوْ شِبْهُ ذَلِكَ عِنْدَئِذٍ لا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِدُونِ إِذْنِهِ بَلْ يَكُونُ خُرُوجُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ،
فَدَرَجَةُ الْمَعْصِيَةِ فِى ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الإِيذَاءِ الَّذِى يَحْصُلُ لِلْوَالِدِ. فَإِذَا خَرَجَ الْوَلَدُ الْبَالِغُ بِدُونِ رِضَى وَالِدَيْهِ بِحَيْثُ يَغْتَمَّانِ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ خَطْوَةٍ سَيِّئَةٌ [لا مُجَرَّدُ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ غَيْرِ اغْتِمَامٍ] أَمَّا إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ خُرُوجُهُ.
وَإِذَا طَلَبَ الأَبُ أَوِ الأُمُّ مِنَ الِابْنِ شَيْئًا مُبَاحًا كَغَسْلِ الصُّحُونِ أَوْ تَرْتِيبِ الْغُرْفَةِ أَوْ تَسْخِينِ الطَّعَامِ أَوْ عَمَلِ الشَّاىِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنْ كَانَ يَغْتَمُّ قَلْبُ الْوَالِدِ أَوِ الْوَالِدَةِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ لا يَفْعَلَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء]. أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ بِأَنْ لا يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَأَمَرَ بِالإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالإِحْسَانُ هُوَ الْبِرُّ وَالإِكْرَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ »لا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فيُصِيبَهُمَا الْغُبَارُ» وَقَالَ عُرْوَةُ »لا تَمْتَنِعْ عَنْ شَىْءٍ أَحَبَّاهُ».
وَقَد نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ فِى هَذِهِ الآيَةِ عَنْ قَوْلِ أُفٍّ لِلْوَالِدَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ لَهُمَا فَلَوْ طَلَبَا مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِىَ لَهُمَا غَرَضًا مَثَلًا أَوْ أَنْ يَعْمَلَ الشَّاىَ لَهُمَا أَوْ أَنْ يَغْسِلَ الصُّحُونَ فَقَالَ لَهُمَا أُفٍّ جَادًّا غَيْرَ مَازِحٍ فَقَدْ وَقَعَ فِى كَبِيرَةٍ، أَمَّا إِنِ امْتَنَعَ فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ فَإِنْ كَانَا يَتَأَذَيَانِ بِذَلِكَ يَكُونُ مَعْصِيَةً وَأَمَّا إِنْ كَانَا لا يَتَأَذَيَانِ مِنِ امْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ مَعْصِيَةً. وَكَلِمَةُ أُفٍّ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلَى التَّضَجُّرِ وَأَصْلُهَا نَفْخُكَ الشَّىْءَ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْ تُرَابٍ وَرَمَادٍ، وَلِلْمَكَانِ تُرِيدُ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنْهُ فَقِيلَتْ لِكُلِّ مُسْتَثْقَلٍ.
﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ وَلا تَزْجُرْهُمَا عَمَّا يَتَعَاطَيَانِهِ مِمَّا لا يُعْجِبُكَ، وَالنَّهْىُ وَالنَّهْرُ أَخَوَانِ.
﴿وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أَىْ لَيِّنًا لَطِيفًا أَحْسَنَ مَا تَجِدُ كَمَا يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأَدَبِ أَوْ هُوَ أَنْ يَقُولَ يَا أَبَتَاهُ يَا أُمَّاهُ وَلا يَدْعُوهُمَا بِأَسْمَائِهِمَا فَإِنَّهُ مِنَ الْجَفَاءِ وَسُوءِ الأَدَبِ مَعَهُمَا.
وَفَائِدَةُ ﴿عِنْدَكَ﴾ أَنَّهُمَا إِذَا صَارَا كَلًّا [أَىْ ثِقَلًا] عَلَى وَلَدِهِمَا وَلا كَافِلَ لَهُمَا غَيْرُهُ فَهُمَا عِنْدَهُ فِى بَيْتِهِ وَكَنَفِهِ وَذَلِكَ أَشَقُّ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتعْمِلَ مَعَهُمَا لِينَ الْخُلُقِ حَتَّى لا يَقُولَ لَهُمَا إِذَا أَضْجَرَهُ مَا يَسْتَقْذِرُ مِنْهُمَا أُفٍّ فَضْلًا عَمَّا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ بَالَغَ سُبْحَانَهُ فِى التَّوْصِيَةِ بِهِمَا حَيْثُ افْتَتَحَهَا بِأَنْ شَفَعَ الإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ ضَيَّقَ الأَمْرَ فِى مُرَاعَاتِهِمَا حَتَّى لَمْ يُرَخِّصْ فِى أَدْنَى كَلِمَةٍ تَنْفَلِتُ مِنَ الْمُتَضَجِّرِ مَعَ مُوجِبَاتِ الضَّجَرِ وَمَعَ أَحْوَالٍ لا يَكَادُ يَصْبِرُ الإِنْسَانُ مَعَهَا.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أَىْ أَلِنْ لَهُمَا جَانِبَكَ مُتَذَلِّلًا لَهُمَا مِنْ فَرْطِ رَحْمَتِكَ إِيَّاهُمَا وَعَطْفِكَ عَلَيْهِمَا وَلِكِبَرِهِمَا وَافْتِقَارِهِمَا الْيَوْمَ إِلَى مَنْ كَانَ أَفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِمَا بِالأَمْسِ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ عِبَارَةٌ عَنِ السُّكُونِ وَتَرْكِ التَّصَعُّبِ وَالإِبَاءِ أَىِ ارْفُقْ بِهِمَا وَلا تَغْلُظْ عَلَيْهِمَا.
﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ أَىْ مِثْلَ رَحْمَتِهِمَا إِيَّاىَ فِى صِغَرِى حَتَّى رَبَّيَانِى أَىْ وَلا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمَا الَّتِى لا بَقَاءَ لَهَا وَادْعُ اللَّهَ بِأَنْ يَرْحَمَهُمَا رَحْمَتَهُ الْبَاقِيَةَ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ جَزَاءً لِرَحْمَتِهِمَا عَلَيْكَ فِى صِغَرِكَ وَتَرْبِيَتِهِمَا لَكَ، وَالدُّعَاءُ مُخْتَصٌّ بِالأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِهِ مَرْفُوعًا »رِضَا اللَّهِ فِى رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُهُ فِى سَخَطِهِمَا«. وَعَنْ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ »أُمَّكَ« قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ »أُمَّكَ« قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ »أُمَّكَ« قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ »أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ «أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَحَسَّنَهُ. فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الأُمِّ عَلَى الأَبِ فِى الْبِرِّ فَلَوْ طَلَبَتِ الأُمُّ مِنْ وَلَدِهَا شَيْئًا وَطَلَبَ الأَبُ خِلافَهُ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَطَاعَ أَحَدَهُمَا يَغْضَبُ الآخَرُ يُقَدِّمُ الأُمَّ عَلَى الأَبِ فِى هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَإِنَّمَا حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَدِيثِهِ هَذَا عَلَى بِرِّ الأُمِّ ثَلاثًا وَعَلَى بِرِّ الأَبِ مَرَّةً لِعَنَائِهَا وَشَفَقَتِهَا مَعَ مَا تُقَاسِيهِ مِنْ حَمْلٍ وَطَلْقٍ وَوِلادَةٍ وَرَضَاعَةٍ وَسَهَرِ لَيْلٍ. وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجُلًا يَحْمِلُ أُمَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِهَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِى وَفَّيْتُهَا حَقَّهَا، قَالَ »وَلا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَلَقَاتِهَا وَلَكِنْ قَدْ أحْسَنْتَ وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا«.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فِى الْعُمُرِ مَرَّةً، ثُمَّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاسْتِغْفَارُ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا.
فَالْوَلَدُ إِنِ اسْتَغْفَرَ لِوَالِدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا يَنْتَفِعُ وَالِدَاهُ بِهَذَا الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى إِنَّهُمَا يَلْحَقُهُمَا ثَوَابٌ كَبِيرٌ فَيَعْجَبَانِ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ جَاءَهُمَا هَذَا الثَّوَابُ فَيَقُولُ لَهُمَا الْمَلَكُ »هَذَا مِنِ اسْتِغْفَارِ وَلَدِكُمَا لَكُمَا بَعْدَكُمَا«.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ لِوَلَدِهِ طَلِّقْ زَوْجَتَكَ لِأَنَّهُمَا لا يُحِبَّانِ زَوْجَتَهُ مَعَ أَنَّهَا لا تُؤْذِيهِمَا يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِى ذَلِكَ وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ تُؤْذِيهِمَا بِالشَّتْمِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْفِسْقِ كَالزِّنَى وَكَانَ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا يَحْصُلُ لَهُمَا غَمٌّ شَدِيدٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا.
وَأَمَّا إِنْ أَمَرَهُ أَحَدُ وَالِدَيْهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ فُلانَةَ وَكَانَ لا يَرْغَبُ بِالزِّوَاجِ مِنْهَا يُبَيِّنُ لَهُمَا السَّبَبَ فِى ذَلِكَ وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمَا أَمَرَاهُ بِذَلِكَ وَيَكْرَهَانِ عَدَمَ طَاعَتِهِمَا فِى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمَا غَمٌّ. أَمَّا إِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمَا غَمٌّ شَدِيدٌ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلا بَأْسَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً وَهُمَا لا يُرِيدَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمَا اغْتِمَامٌ شَدِيدٌ إِنْ فَعَلَ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ »الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الأُمَّهَاتِ« فَهُوَ ضَعِيفٌ [قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى اتْحَافِ السَّادَةِ الْمُتَّقِينَ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ مَنْ لا يُعْرَفُ] وَمَعْنَاهُ بِبِرِّ الأُمَّهَاتِ تُنَالُ الْجَنَّةُ.
وَفِى فَتَاوَى الإِمَامِ الْفَقِيهِ الْحَافِظِ شَيْخِ الإِسْلامِ سِرَاجِ الدِّينِ الْبُلْقِينِىِّ مَا نَصُّهُ »مَسْأَلَةٌ قَدِ ابْتُلِىَ النَّاسُ بِهَا وَاحْتِيجَ إِلَى بَسْطِ الْكَلامِ عَلَيْهَا وَإِلَى تَفَارِيعِهَا لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ فِى ضِمْنِ ذَلِكَ وَهِىَ السُّؤَالُ عَنْ ضَابِطِ الْحَدِّ الَّذِى يُعْرَفُ بِهِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ إِذِ الإِحَالَةُ عَلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ لا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، إِذِ النَّاسُ أَغْرَاضُهُمْ
تَحْمِلُهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَا لَيْسَ بِعُرْفٍ عُرْفًا وَلا سِيَّمَا إِذَا كَانَ قَصْدُهُمْ تَنْقِيصَ شَخْصٍ أَوْ أَذَاهُ فَلا بُدَّ مِنْ مِثَالٍ يُنْسَجُ عَلَى مِنْوَالِهِ وَهُوَ أَنَّهُ مَثَلًا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ حَقٌّ شَرْعِىٌّ فَاخْتَارَ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ وَلَوْ بِحَبْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوقًا أَمْ لا أَجَابَ هَذَا الْمَوْضِعُ صَرَّحَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الأَكَابِرِ بِعُسْرِ ضَبْطِهِ وَقَد فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِضَابِطٍ أَرْجُو مِنْ فَضْلِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فَأَقُولُ الْعُقُوقُ لِأَحَدِ الْوَالِدَيْنِ هُوَ أَنْ يُؤْذِىَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّغَائِرِ فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ إِلَى الْكَبَائِرِ،
أَوْ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ أَوْ نَهْيَهُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَا لَمْ يُتَّهَمِ الْوَالِدُ فِى ذَلِكَ، أَوْ أَنْ يُخَالِفَهُ فِى سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَى الْوَالِدِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى الْوَلَدِ، أَوْ فِى غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ فِيمَا لَيْسَ بِعِلْمٍ نَافِعٍ وَلا كَسْبٍ، أَوْ مِنْ وَقِيعَةٍ فِى الْعِرْضِ لَهَا وَقْعٌ.
وَبَيَانُ هَذَا الضَّابِطِ أَنَّ قَوْلَنَا »أَنْ يُؤْذِىَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا« فَمِثَالُهُ لَوْ شَتَمَ غَيْرَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ أَوْ ضَرَبَهُ بِحَيْثُ لا يَنْتَهِى الشَّتْمُ وَالضَّرْبُ إِلَى الْكَبِيرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمُحَرَّمُ الْمَذْكُورُ إِذَا فَعَلَهُ الْوَلَدُ مَعَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ كَانَ كَبِيرَةً.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا »أَنْ يُؤْذِىَ« مَا لَوْ أَخَذَ فَلْسًا أَوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ مَالِ أَحَدِ وَالِدَيْهِ فَإِنَّه لا يَكُونُ كَبِيرَةً وَإِنْ كَانَ لَوْ أَخَذَ مِنْ مَالِ غَيْرِ وَالِدَيْهِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ كَانَ حَرَامًا مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَالِدَيْنِ لا يَتَأذَّى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ وَالْحُنُوِّ، فَإِنْ أَخَذَ مَالًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَأَذَّى الْمَأْخُوذُ مِنْهُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَبِيرَةً فِى حَقِّ الأَجْنَبِىِّ فَكَذَلِكَ يَكُونُ كَبِيرَةً هُنَا، وَإِنَّمَا الضَّابِطُ فِيمَا يَكُونُ حَرَامًا صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا »بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا« إِذَا طَالَبَ أَحَدَ الْوَالِدَيْنِ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا طَالَبَهُ بِهِ أَوْ رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الْعُقُوقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِى حَقِّ الأَجْنَبِىِّ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعُقُوقُ بِمَا يُؤْذِى أَحَدَ الْوَالِدَيْنِ مِمّا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا وَهَذَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ هُنَا فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ النَّفَائِسِ.
وَأَمَّا الْحَبْسُ فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى جَوَازِ حَبْسِ الْوَلَدِ الْوَالِدَيْنِ كَمَا صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ فَقَدْ طَلَبَ مَا هُوَ جَائِزٌ فَلا عُقُوقَ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى مَنْعِ حَبْسِهِ كَمَا هُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ ءَاخَرِينَ فَالْحَاكِمُ إِذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُ ذَلِكَ لا يُجِيبُهُ إِلَيْهِ وَلا يَكُونُ الْوَلَدُ بِطَلَبِ ذَلِكَ عَاقًّا إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُ الْوَجْهَ الأَوَّلَ، فَإِنِ اعْتَقَدَ الْمَنْعَ وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ كَانَ كَمَا لَوْ طَلَبَ حَبْسَ مَنْ لا يَجُوزُ حَبْسُهُ مِنَ الأَجَانِبِ لِإِعْسَارٍ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا حَبَسَهُ الْوَلَدُ وَاعْتِقَادُهُ الْمَنْعُ كَانَ عَاقًّا لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ حَيْثُ لا يَجُوزُ كَانَ حَرَامًا.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ الشَّكْوَى الْجَائِزَةِ وَالطَّلَبِ الْجَائِزِ فَلَيْسَ مِنَ الْعُقُوقِ فِى شَىْءٍ، وَقَدْ جَاءَ بَعْضُ وَلَدِ الصَّحَابَةِ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يَشْتَكِى مِنْ وَالِدِهِ فِى اجْتِيَاحِ مَالِهِ وَحَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عُقُوقًا وَلا نَهَى الْوَلَدَ عَنِ الشَّكْوَى الْمَذْكُورَةِ [أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ فِى سُنَنِهِ]. وَأَمَّا إِذَا نَهَرَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ وَالِدَيْهِ وَكَانَ مُحَرَّمًا كَانَ فِى حَقِّ أَحَدِ وَالِدَيْهِ كَبِيرَةً.
وَقَوْلُنَا »أَوْ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ أَوْ نَهْيَهُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى الْوَلَدِ« إِلَى ءَاخِرِهِ أَرَدْنَا بِهِ السَّفَرَ لِلْجِهَادِ وَنَحْوِهِ مِنَ الأَسْفَارِ الْخَطِرَةِ لِمَا يُخَافُ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِ الْوَلَدِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لِشِدَّةِ تَفَجُّعِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمْرٍو فِى الرَّجُلِ الَّذِى جَاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِىَّ ﷺ لِلْجِهَادِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ »أَحَىٌّ
وَالِدَاكَ «قَالَ نَعَمْ قَالَ »فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ« [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ]، وَفِى رِوَايَةٍ» ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَفِيهِمَا الْمُجَاهَدَةُ« [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ]، وَفِى رِوَايَةٍ جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَىَّ يَبْكِيَانِ فَقَالَ »ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا« [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ]، فِى إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْهُ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى قَدْ هَاجَرْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» قَدْ هَجَرْتَ الشِرْكَ وَلَكِنَّهُ الْجِهَادُ هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ «قَالَ أَبَوَايَ، قَالَ» أَذِنَا لَكَ« قَالَ لا، قَالَ »فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبَرَّهُمَا« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَلَفْظُهُ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ »هَلْ لَكَ مِنْ أَحَدٍ فِى الْيَمَنِ« وَسَاقَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِى إِسْنَادِهِ دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ الْمِصْرِىُّ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ سَمْعَانَ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى« اهـ.
فَلَوْ كَانَ الْجِهَادُ الَّذِى دُعِىَ لَهُ الْوَلَدُ إِلَى أَرْضٍ بَعِيدَةٍ مَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا قَبْلَ هَذَا فَهُنَا لا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ بِدُونِ إِذْنِ أَبَوَيْهِ لِأَنَّ الْجِهَادَ فِى هَذِهِ الْحَالِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ دَخَلُوا إِلَى بِلادِ الْمُسْلِمِينَ فَهُنَا لا يَتَوَقَّفُ مَشْرُوعِيَّةُ جِهَادِ الْوَلَدِ عَلَى إِذْنِ الأَبَوَيْنِ، رَضِيَا أَوْ لَمْ يَرْضَيَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِتَالِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
قَالَ فِى الْفَتَاوَى وَقَوْلُنَا »مَا لَمْ يُتَّهَمِ الْوَالِدُ فِى ذَلِكَ« أَخْرَجْنَا بِهِ مَا إِذَا كَانَ الْوَالِدُ كَافِرًا فَإِنَّهُ لا يَحْتَاجُ الْوَلَدُ إِلَى إِذْنِهِ فِى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ وَحَيْثُ اعْتَبَرْنَا إِذْنَ الْوَالِدِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُرَّا أَوْ عَبْدًا.
وَقَوْلُنَا »وَأَنْ يُخَالِفَهُ فِى سَفَرٍ« إِلَى ءَاخِرِهِ أَرَدْنَا بِهِ السَّفَرَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَأَخْرَجْنَا بِذَلِكَ حَجَّ الْفَرْضِ وَإِذَا كَانَ فِيهِ رُكُوبُ بَحْرٍ حَيْثُ يَجِبُ رُكُوبُهُ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلامَةِ فَظَاهِرُ الْفِقْهِ يَقْتَضِى أَنَّهُ لا يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لِمَا عِنْدَ الْوَالِدِ مِنَ الْخَوْفِ فِى رُكُوبِ الْبَحْرِ وَإِنْ غَلَبَتِ السَّلامَةُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.
وَأَمَّا سَفَرُهُ لِلْعِلْمِ الْمُتَعَيِّنِ أَوْ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ فَلا مَنْعَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ فِى بَلَدِهِ خِلافًا لِمَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّعُ فِى السَّفَرِ فَرَاغَ قَلْبٍ أَوْ إِرْشَادَ أُسْتَاذٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْذَانٍ.
وَأَمَّا سَفَرُهُ وَغَيْبَتُهُ طَوِيلًا لِفَائِدَةٍ مِمَّا ذُكِرَ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ عِنْدَ حُصُولِ الضَّرَرِ وَالتَّلَهُّفِ، وَمَتَى كَانَ هُنَاكَ خَوْفٌ مِنْ سَفَرٍ فِى بَادِيَةٍ مُخْطِرَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ، وَحَيْثُ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ وَكَانَ فِى سَفَرِهِ يُضَيِّعُ الْوَاجِبَ فَلِلْوَالِدِ الْمَنْعُ كَصَاحِبِ الدَّيْنِ الْحَالِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى يَوْمِ السَّفَرِ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ فِيهِ تَضْيِيعُ مَا يَقُومُ بِهِ الْكِفَايَةُ وَلا كَذَلِكَ فِى الدَّيْنِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَلَدُ بِسَفَرِهِ تَحْصُلُ وَقِيعَةٌ فِى الْعِرْضِ لَهَا وَقْعٌ بِأَنْ يَكُونَ أَمْرَدَ وَيَخَافَ فِى سَفَرِهِ تُهَمَةً فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ فِى الأُنْثَى أَوْلَى.
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فِيمَا لا يَدْخُلُ عَلَى الْوَالِدِ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ إِرْشَادٌ لِلْوَلَدِ فَإِذَا فَعَلَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عُقُوقًا وَمُوَافَقَةُ الْوَالِدِ أَوْلَى« انْتَهَى كَلامُ الْبُلْقِينِيِّ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ» ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالدَّيُّوثُ وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ« رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ [فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى] أَىْ لا يَدْخُلُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ الْجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا وَأَمَّا إِنْ تَابُوا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ «رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ]. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ» مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ« قِيلَ وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ »نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ«.
وَرَوَى الْحَاكِمُ [فِى الْمُسْتَدْرَكِ] بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ يُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ «يَعْنِى الْعُقُوبَةَ فِى الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ فِى طَرَابُلُسَ الشَّامِ ضَرَبَ رَجُلٌ أُمَّهُ بِرِجْلِهِ فَأَصَابَهُ دَاءُ الْفِيلِ فِى رِجْلِهِ تَضَخَّمَتْ رِجْلُهُ كَالْفِيلِ وَتَشَقَّقَتْ وَصَارَ يَطْلَعُ مِنْهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ »ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ «رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ. وَهَذَا مَعْنَاهُ إِنْ دَعَا عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَمَّا إِنْ دَعَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَلْيُحْذَرْ مِنِ اعْتِقَادِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ غَضَبَ الأُمِّ وَالأَبِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى الإِطْلاقِ، أَمَّا إِنْ غَضِبَا عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَهَذَا دَلِيلُ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاحَ وَالْفَلاحَ فَلْيَبَرَّ أَبَوَيْهِ فَإِنَّ مَنْ بَرَّ أَبَوَيْهِ تَكُونُ عَاقِبَتُهُ حَمِيدَةً فَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ بَرَكَةٌ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ »بَرُّوا ءَابَاءَكُمْ يَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ «رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الأَوْسَطِ وَغَيْرُهُ وَمَعْنَاهُ فِى الْغَالِبِ هَكَذَا يَكُونُ وَلَيْسَ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَمِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَبَرَّ مَنْ كَانَ أَبُوهُ يُحِبُّهُ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِالزِّيَارَةِ وَالإِحْسَانِ، كَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ تُحِبُّهُ أَمُّهُ بَعْدَ وَفَاتِهَا أَنْ يَصِلَهُمْ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ وَيَزُورَهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَبَرَّ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّىَ« أَىْ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ بِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ. وَمِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ زِيَارَتُهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَهُوَ أَنْ يَفِرَّ مِنْ بَيْنِ الْمُقَاتِلِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بَعْدَ حُضُورِ مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ.
الشَّرْحُ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا قَالَ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ [فِى الأُمِّ] »إِذَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ وَلَقُوا ضِعْفَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ حَرُمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَلُّوا أَىْ أَنْ يَفِرُّوا إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِهِمْ لَمْ أُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا وَلا يَسْتَوْجِبُونَ السَّخَطَ عِنْدِى مِنَ اللَّهِ لَوْ وَلَّوْا عَنْهُمْ عَلَى غَيْرِ التَّحَرُّفِ لِقِتَالٍ أَوْ التَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ« اهـ. وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِىِّ إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ أَىْ تَرَاجَعُوا لِمَصْلَحَةِ الْقِتَالِ أَوِ انْحَازُوا إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى لِيَتَقَوَّوْا بِهَا. هَذَا فِى الْحَالِ الَّتِى يَكُونُ فِيهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِلاحٌ أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلاحٌ إِلَّا الشَّىْءَ الْخَفِيفَ وَالْكُفَّارُ مَعَهُمْ سِلاحٌ يُهْلِكُ الْمُسْلِمِينَ إِنْ ثَبَتُوا أَمَامَهُمْ فَيَجُوزُ لَهُمُ الْفِرَارُ.
قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ إِذَا خَافَ الْمُسْلِمُونَ الْهَلاكَ جَازَ لَهُمْ مُصَالَحَةُ الْكُفَّارِ وَلَوْ بِدَفْعِ الْمَالِ لَهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لا خَيْرَ فِى إِقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لا يُنْكُونَ بِالْعَدُوِّ أَىْ لا يُؤَثِّرُونَ وَقَدْ قَالَ ﷺ »لا يَنْبَغِى لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ« قِيلَ وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ »يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ
لِمَا لا يُطِيقُ« رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَرَةَ بِالنَّفْسِ الْمَحْمُودَةَ هِىَ الَّتِى يَحْصُلُ مِنْ وَرَائِهَا نَفْعٌ. أَمَّا إِنْ كَانَ فِى مُسْتَطَاعِ الْمُسْلِمِينَ الْجِهَادُ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ لا يَجُوزُ إِخْلاءُ سَنَةٍ مِنَ الْغَزْوِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ. أَمَّا الآيَاتُ فَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/29] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/36] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/216] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [سُورَةَ الْفَتْح/16] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/39] فَرْضٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا يَفْتِنُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، وَلِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أَىْ يَنْتَشِرَ الإِسْلامُ. أَىِ انْشُرُوا الإِسْلامَ بِقَدْرِ وُسْعِكُمْ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ وَبِهِ يَنْجُو الإِنْسَانُ مِنَ الْخُلُودِ فِى النَّارِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/73].
وَأَمَّا الأَحَادِيثُ فَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ» أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ« وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ رَوَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَوْلُهُ ﷺ »أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ« [رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ].
وَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ الرَّايَةَ لِعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ »سِرْ ولا تَلْتَفِتْ« فَسَارَ عَلِىٌّ فَقَالَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَفِتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ الرَّسُولُ »سِرْ عَلَى رِسْلِكَ قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ«.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمَلِكِ الْكُفَّارِ حِينَ غَزَا الصَّحَابَةُ الْعَجَمَ »فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ«.
وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ عَلَى وُجُوبِ الْجِهَادِ فَفِى كِتَابِ الْكَافِى لِابْنِ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِىِّ مَا نَصُّهُ »وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ (الْجِهَادُ) مَرَّةً فِى كُلِّ عَامٍ«.
وَفِى »الْمُغْنِى« لَهُ مَا نَصُّهُ »وَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِى الْجِهَادِ أَنْ يَنْهَضَ لِلْجِهَادِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِى قِتَالِهِمْ، إِمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْ يَكُونُوا قَدْ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَبَرُّعًا بِحَيْثُ إِذَا قَصَدُوا الْعَدُوَّ حَصَلَتِ الْمَنَعَةُ بِهِمْ«.
وَفِى حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ الْحَنَفِىِّ عَلَى شَرْحِ تَنْوِيرِ الأَبْصَارِ مَا نَصُّهُ »هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ابْتِدَاءً قَالَ الشَّارِحُ وَإِنْ لَمْ يَبْدَؤُونَا« اهـ.
وَفِى كِتَابِ التَّاجُ وَالإِكْلِيلُ شَرْحُ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ لِأَبِى عَبْدِ اللَّهِ بنِ يُوسُفَ بنِ أَبِى الْقَاسِمِ الْعَبْدَرِىِّ الْمَالِكِىِّ الشَّهِيرِ بِالْمَوَّاقِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ مَا نَصُّهُ »وَإِنَّمَا يُقَاتَلُ الْكُفَّارُ عَلَى الدِّينِ لِيَدْخُلُوا مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الإِسْلامِ لا عَلَى الْغَلَبَةِ فَيَنْبَغِى لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يَعْقِدَ نِيَّتَهُ أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا«.
ثُمَّ قَالَ »وَفِى الْكَافِى فَرْضٌ عَلَى الإِمَامِ إِغْزَاءُ طَائِفَةٍ إِلَى الْعَدُوِّ فِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَيُرَغِّبَهُمْ وَيَكُفَّ أَذَاهُمْ وَيُظْهِرَ دِينَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ«.
وَأَمَّا الْمَذْهَبُ الشَّافِعِىُّ فَفِى كِتَابِ رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ لِلنَّوَوِىِّ مَا نَصُّهُ »قَدْ يَكُونُ أَىِ الْجِهَادُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ ثُمَّ قَالَ وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِى كُلِّ سَنَةٍ فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ. ثُمَّ قَالَ وَلا يَجُوزُ إِخْلاءُ سَنَةٍ عَنْ جِهَادٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ يَكُونَ فِى الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَفِى الْكُفَّارِ كَثْرَةٌ وَيُخَافُ مِنِ ابْتِدَائِهِمُ الِاسْتِئْصَالُ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا نَقَلَهُ عَنِ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْجِهَادَ لا يَخْتَصُّ بِمَرَّةٍ فِى السَّنَةِ وَلا يُعَطَّلُ إِذَا أَمْكَنَتِ الزِّيَادَةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ حَمَلُوهُ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ أَنَّهُ لا يُتَمَكَّنُ مِنْهُ فِى السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ« اهـ.
فَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ قَوْلِ سَيِّد قُطُب الَّذِى حَرَّفَ مَعَانِىَ بَعْضِ الآيَاتِ وَقَالَ إِنَّ الْجِهَادَ شُرِعَ لِلدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ فَقَطْ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/193] فَقَالَ [فِى تَفْسِيرِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ] إِنَّ مَعْنَى ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ إِنِ انْتَهَوْا عَنِ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلامِ لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ.
وَالآيَةُ مَعْنَاهَا إِنِ انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلا تُقَاتِلُوهُمْ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ [انْظُرْ جَامِعَ الْبَيَانِ وَالْجَامِعَ لِأَحْكَامِ الْقُرْءَانِ وَتَفْسِيرَ النَّسَفِىِّ] وَفِى تَفْسِيرِ سَيِّد قُطُب هَذَا سَدٌّ لِبَابِ الْجِهَادِ.
وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا يَقُولُ مَا انْتَشَرَ الإِسْلامُ فِى الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزَا بِنَفْسِهِ سَبْعَ عَشَرَ غَزْوَةً أَوْ تِسْعَ عَشَرَ وَالْبُعُوثُ وَالسَّرَايَا الَّتِى أَرْسَلَهَا لِلْجِهَادِ نَحْوُ سِتِّينَ، وَالصَّحَابَةُ بَعْدَهُ اسْتَمَرُّوا فِى الْجِهَادِ حَتَّى وَصَلُوا فِى أَيَّامِ عُثْمَانَ إِلَى الصِّينِ شَرْقًا وَإِلَى طَنْجَةَ غَرْبًا كُلُّ هَذَا فِى ظَرْفِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَّا بِالْجِهَادِ، فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْمُحَرِّفُونَ مَا تَوَسَّعَ الإِسْلامُ.
فَالْمَقْصُودُ الأَصْلِىُّ مِنَ الْجِهَادِ حِفْظُ دِينِ الإِسْلامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لا يَفْتِنَهُمُ الْكُفَّارُ وَلِنَشْرِ دِينِ اللَّهِ وَلِإِنْقَاذِ الْكُفَّارِ مِنَ الْخُلُودِ الأَبَدِىِّ فِى النَّارِ رَحْمَةً بِهِمْ.
ثُمَّ وَافَقَ سَيِّدَ قُطُب فِى تَفْسِيرِهِ الْفَاسِدِ هَذَا أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ كَيُوسُفَ الْقَرَضَاوِىِّ وَمُحَمَّدِ سَعِيدٍ رَمَضَانَ الْبُوطِىِّ وَفَيْصَل مَوْلَوِى وَسَيِّدِ سَابِقٍ وَسُعَادِ مِيبَر وَعَمْرِو خَالِد وَغَيْرِهِم.
فَإِنْ قَالُوا أَلَيْسَ اللَّهُ قَالَ ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/256] وَقَالَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ يُونُس] قُلْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ فِيهِ أَقْوَالٌ مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى بَدْءِ الأَمْرِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِىَ الإِذْنُ بِالْقِتَالِ لِأَنَّهُ فِى ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الرَّسُولُ مَمْنُوعًا مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَتْبَاعِهِ بِالْجِهَادِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ضُعَفَاءَ،
ثُمَّ بَعْدَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً جَاءَهُ الإِذْنُ بِالْقِتَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [سُورَةَ الْحَجّ/39] فَنُسِخَتْ تِلْكَ الآيَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ وَءَايَاتِ الْقِتَالِ الأُخْرَى فَمَعْنَى الآيَةِ ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ لا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ بِالْقِتَالِ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الإِذْنُ، ثُمَّ جَاءَهُمُ الإِذْنُ بِالْقِتَالِ فَنُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِآيَاتِ الْقِتَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِى ءَايَةِ ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ أَىْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْرِهَ قُلُوبَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَىْ لَيْسَ لَكَ أَنْ تُكْرِهَ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْجِزْيَةَ مَا دَامُوا يَدْفَعُونَ الْجِزْيَةَ وَيَخْضَعُونَ لِسُلْطَةِ الإِسْلامِ أَىْ يَلْتَزِمُونَ الشُّرُوطَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ الْقَاضِى ابْنُ عَطِيَّةَ الإِشْبِيلِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ فِى سُورَةِ يُونُسَ (ج3/ ص145) مَا نَصُّهُ »الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الَّذِى تَقَدَّمَ إِنَّمَا كَانَ جَمِيعُهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمَشِيئَتِهِ فِيهِمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ الْجَمِيعُ مُؤْمِنًا،
[فَلا تَأْسَفْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ وَادْعُ وَلا عَلَيْكَ فَالأَمْرُ مَحْتُومٌ] أَفَتُرِيدُ أَنْتَ أَنْ تُكْرِهَ النَّاسَ بِإِدْخَالِ الإِيمَانِ فِى قُلُوبِهِمْ وَتَضْطَرَّهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَاءَ غَيْرَهُ« اهـ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الآيَةِ أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُكْرِهَ الْقُلُوبَ لِأَنَّ الْقَلْبَ أَمْرُهُ مَخْفِىٌّ فَلَيْسَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُكْرِهَ النَّاسَ حَتَّى تَصِيرَ قُلُوبُهُمْ مُؤْمِنَةً لِأَنَّ هَذَا لا يَمْلِكُهُ الرَّسُولُ وَلَيْسَ فِى اسْتِطَاعَتِهِ إِنَّمَا الَّذِى فِى اسْتِطَاعَتِهِ ﷺ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَيُقَاتِلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُسْلِمُوا بِأَنْ يَتَشَهَّدُوا أَوْ إِلَى أَنْ يَدْفَعُوا الْجِزْيَةَ إِنْ عَدَلُوا إِلَى الْجِزْيَةِ فَهَذَا الَّذِى كُلِّفَهُ الرَّسُولُ لِأَنَّ هَذَا عَمَلُ الظَّاهِرِ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ مَعْنَى الآيَةِ يَدُلُّ عَلَى حُرِّيَّةِ الرَّأْىِ وَالْفِكْرِ وَإِنَّ الْكَافِرَ لا يُكْرَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ.
فَنَحْنُ إِنْ رَأَيْنَا مُسْلِمًا يُرِيدُ الِانْتِحَارَ بِأَنْ يَرْمِىَ بِنَفْسِهِ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ بِأَنْ يَرْمِىَ نَفْسَهُ فِى الْبَحْرِ لِيَغْرَقَ أَوْ بِأَنْ يَرْمِىَ بِنَفْسِهِ فِى النَّارِ لِيَحْتَرِقَ نَسْعَى لِإِنْقَاذِهِ مِنَ الْهَلاكِ فَبِالأَوْلَى أَنْ نَسْعَى لِإِنْقَاذِ الْكَافِرِ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِى يُؤَدِّى بِهِ إِلَى الْخُلُودِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ إِنْ مَاتَ عَلَيْهِ.
وَأَوْلَى مَا ذُكِرَ فِى تَفْسِيرِ ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَعْنَى لا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تُكْرِهُوا الْقُلُوبَ حَتَّى تَصِيرَ مُؤْمِنَةً وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ﴾ أَىْ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَ وَبَيَّنَ طَرِيقَ الإِسْلامِ الَّذِى هُوَ الرُّشْدُ فَمَنْ سَمِعَ وَقَبِلَ تَبْلِيغَهُ فَقَدِ اهْتَدَى أَىْ نَجَا مِنَ الضَّلالِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَهِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالإِجْمَاعِ، وَهِىَ تَحْصُلُ بِإِيحَاشِ قُلُوبِ الأَرْحَامِ وَتَنْفِيرِهَا إِمَّا بِتَرْكِ الإِحْسَانِ بِالْمَالِ فِى حَالِ الْحَاجَةِ النَّازِلَةِ بِهِمْ أَوْ تَرْكِ الزِّيَارَةِ بِلا عُذْرٍ وَالْعُذْرُ كَأَنْ يَفْقِدَ مَا كَانَ يَصِلُهُمْ بِهِ مِنَ الْمَالِ أَوْ يَجِدَهُ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُهُ لِمَا هُوَ أَوْلَى بِصَرْفِهِ فِيهِ مِنْهُمْ. وَالْمُرَادُ بِالرَّحِمِ الأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ كَالْجَدَّاتِ وَالأَجْدَادِ وَكَالْخَالاتِ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلادِهِنَّ وَالأَخْوَالِ وَالأَعْمَامِ وَأَوْلادِهِمْ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ »لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ إِذَا قَطَعَتْ« فَفِى هَذَا الْحَدِيثِ إِيذَانٌ بِأَنَّ صِلَةَ الرَّجُلِ رَحِمَهُ الَّتِى لا تَصِلُهُ أَفْضَلُ مِنْ صِلَتِهِ رَحِمَهُ الَّتِى تَصِلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ الَّذِى حَضَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ حَضًّا بالِغًا وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَالتِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَقَالَ التِّرْمِذِىُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَأَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ].
وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ تَكُونُ بِأَنْ يُؤْذِيَهُمْ أَوْ لا يَزُورُهُمْ فَتَسْتَوْحِشَ قُلُوبُهُمْ مِنْهُ أَوْ هُمْ فُقَرَاءُ مُحْتَاجُونَ وَهُوَ مَعَهُ مَالٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ وَيَسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ يَتْرُكُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/1] أَىْ وَاتَّقُوا الأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [سُورَةَ الرَّعْد/25] وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [سُورَةَ مُحَمَّد].
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَالطَّبَرَانِىُّ [فِى الْكَبِيرِ] وَالْبَزَّارُ [فِى مُسْنَدِهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ« وَرَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ« وَمَعْنَى يُنْسَأَ فِى أَثَرِهِ أَىْ يُطَوَّلَ فِى عُمُرِهِ، وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ« يَعْنِى قَاطِعَ رَحِمٍ أَىْ لا يَدْخُلُها مَعَ الأَوَّلِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رَحِمَكَ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَزُورَهُ فَلا بُدَّ أَنْ تَزُورَهُ وَلا يَكْفِى أَنْ تُرْسِلَ السَّلامَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَزُورَهُ، إِنَّمَا لِوَقْتٍ مِنَ الزَّمَنِ يَكْفِى إِرْسَالُ السَّلامِ لَهُ أَمَّا أَنْ يَبْقَيَا فِى بَلَدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ لا يَزُورُهُ فِى السَّنَةِ وَلا فِى السَّنَتَيْنِ وَلا فِى الثَّلاثِ سَنَوَاتٍ مَعَ إِمْكَانِهِ أَنْ يَزُورَهُ فَهَذِهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ. فَإِنْ كَانَ أَرْحَامُ الشَّخْصِ كَثْرَةً فَدَعَاهُمْ لِلطَّعَامِ عِنْدَهُ مَثَلًا وَاجْتَمَعَ بِهِمْ وَزَارَهُمْ فِى الأَفْرَاحِ وَالأَحْزَانِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُرْضِيهِمْ يَكْفِى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلا بُدَّ مِنْ زِيَارَتِهِمْ فِى بُيُوتِهِمْ.
أَمَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّحِمُ لا يُحِبُّ دُخُولَ هَذَا الْقَرِيبِ بَيْتَهُ وَلا يَرْضَى وَكَانَ هَذَا الْقَرِيبُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَرْضَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ لِأَنَّهُ لا يَرْضَى، لَكِنْ بَقِىَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ السَّلامَ أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ وَأَمَّا إِنْ كَانَ رَحِمَهُ هَذَا يُحِبُّ دُخُولَهُ بَيْتَهُ وَقُعُودَهُ عِنْدَهُ فَلا يَكْفِى إِرْسَالُ السَّلامِ لِلْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، أَمَّا لِلْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ فَيَكْفِى، فَإِذَا زَارَ الْقَرِيبُ قَرِيبَهُ فِى أَحَدِ الْعِيْدَيْنِ وَزَارَهُ فِى الأَفْرَاحِ وَالأَحْزَانِ لا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ قَطِيعَةً هَذَا فِى حَالِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّخْصِ عُذْرٌ،
أَمَّا إِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَأَنْ كَانَ فِى بَلَدٍ بَعِيدَةٍ وَلا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ لِزِيَارَةِ أَقْرِبَائِهِ وَلَوْ غَابَ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ يُرْسِلُ لَهُمْ سَلامًا مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ مَا عَلَيْهِ شَىْءٌ. وَلَوْ زَارَ قَرِيبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ يَتْرُكُ لَهُ وَرَقَةً عَلَى بَابِ الْبَيْتِ أَنَا فُلانٌ جِئْتُ لِزِيَارَتِكَ فَلَمْ أَجِدْكَ يَكْفِى ذَلِكَ.
وَمِنَ الأَعْذَارِ فِى عَدَمِ زِيَارَةِ الرَّحِمِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ قَرِيبهِ هَذَا رِدَّةً كَسَبِّ اللَّهِ أَوِ الأَنْبِيَاءِ أَوِ الْمَلائِكَةِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْقُرْءَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لا صِلَةَ لَهُ.
وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ فَاسِقًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَتْرُكُ الصَّلاةَ أَوْ يَزْنِى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَكِنْ هَذَا لا يَقْطَعُهُ إِلَّا بَعْدَ إِعْلامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَزْجُرَهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأَفْعَالِ. وَإِنْ كَانَتْ رَحِمَهُ مِنَ النِّسَاءِ حَاسِرَةً فَلَهُ عُذْرٌ فِى عَدَمِ زِيَارِتِهَا إِنْ كَانَتْ لا تَسْتُرُ عَوْرَتَهَا عِنْدَ زِيَارَتِهِ لَهَا لَكِنْ بَعْدَ إِعْلامِهَا بِالسَّبَبِ.
رَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ »مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ «وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ أَنْ يُطَوَّلَ عُمُرُهُ.
وَأَخْرَجَ الْقُضَاعِىُّ فِى مُسْنَدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ قَالَ »صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِى الْعُمُرِ« يَعْنِى كَانَ فِى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْلا هَذِهِ الصِّلَةُ مَا كَانَ عُمُرُهُ كَذَا وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَكُونُ عُمُرُهُ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْمَعْلُومُ الْمَحْكُومُ أَنَّهُ يَصِلُ رَحِمَهُ وَيَعِيشُ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ. مَعْنَاهُ عِلْمُ اللَّهِ لا يَتَغَيَّرُ اللَّهُ عَالِمٌ فِى الأَزَلِ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ يَكُونُ حَالُهُ كَذَا وَكَذَا، اللَّهُ كَتَبَ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ يَعِيشُ إِلَى كَذَا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَأَنْ يَعِيشَ إِلَى كَذَا أَىْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَصِلْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ لا يَصِلُ فَلا يَكُونُ إِلَّا مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ الْعُمُرِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمُدَّ اللَّهُ فِى عُمُرِهِ وَيُوَسِّعَ لَهُ رِزْقَهُ وَيَدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةَ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ«.
وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ أَسْبابِ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ فِى الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ. فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ بِأَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ فِى الدُّنْيَا مَعَ مَا يَنْتَظِرُهُ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْىِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ« وَالْبَغْىُ مَعْنَاهُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِيذَاءُ الْجَارِ وَلَوْ كَافِرًا لَهُ أَمَانٌ أَذًى ظَاهِرًا.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ إِيذَاءَ الْجَارِ وَلَوْ كَافِرًا لَهُ أَمَانٌ إِيذَاءً ظَاهِرًا وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَنْ يُشْرِفَ عَلَى حُرَمِهِ أَوْ يَبْنِىَ مَا يُؤْذِيهِ مِمَّا لا يَسُوغُ شَرْعًا، أَمَّا الِاسْتِرْسَالُ فِى سَبِّهِ وَضَرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَأَشَدُّ وِزْرًا بِحَيْثُ إِنَّ الأَذَى الْقَلِيلَ لِغَيْرِ الْجَارِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَنْبَغِى الإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ لَهُ،
وَرُوىَ عَنْ سَهْلٍ التُسْتَرِىِّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جَارٌ مَجُوسِىٌّ فَانْفَتَحَ خَلاءُ الْمَجُوسِىِّ إِلَى دَارِ سَهْلٍ فَأَقَامَ سَهْلٌ مُدَّةً يُنَحِّى فِى اللَّيْلِ مَا يَجْتَمِعُ مِنَ الْقَذَرِ فِى بَيْتِهِ حَتَّى مَرِضَ فَدَعَا الْمَجُوسِىَّ وَاعْتَذَرَ مِنْهُ [فِيهِ تَأْلِيفٌ لِذَلِكَ الْمَجُوسِىِّ وَتَقْرِيبٌ لَهُ] بِأَنَّهُ يَخْشَى أَنَّ وَرَثَتَهُ لا يَتَحَمَّلُونَ ذَلِكَ الأَذَى كَمَا كَانَ يَتَحَمَّلُهُ فَيُخَاصِمُونَ الْمَجُوسِىَّ فَتَعَجَّبَ الْمَجُوسِىُّ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى هَذَا الأَذَى الْعَظِيمِ ثُمَّ قَالَ لَهُ تُعَاوِنُنِى بِذَلِكَ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَأَنَا عَلَى دِينِى مُدَّ يَدَكَ لِأُسْلِمَ فَمَدَّ يَدَهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ سَهْلٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهَدُونَ وَالْمُؤَمَّنُونَ لا يَجُوزُ إِيذَاؤُهُمْ وَالْمُعَاهَدُونَ هُمُ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ أَىْ هَادَنَهُمُ الْخَلِيفَةُ أَوْ سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِى يَحْكُمُ نَاحِيَةً، فَإِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ جَازَ قَتْلُهُمْ وَفِى الْحَدِيثِ »مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَأَنَا بَرِىءٌ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا «رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [انْظُرِ الإِحْسَانَ بِتَرْتِيبِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ] وَلا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ الْمُؤَمَّنِ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَجُوسِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا وَإِلَّا فَثُلُثُ خُمْسِ دِيَتِهِ وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ. وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الأَمَانِ لِلْكَافِرِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ لا تَخَفْ أَوْ أَنْتَ فِى أَمَانِى فَإِنْ أَمَّنَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ وَكَذَلِكَ عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُونَ فِى تَأْمِينِهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا.
وَإِذَا قَالَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ دَخَلَ بِلادَ الْكُفَّارِ أَنْتَ فِى أَمَانِى حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ قَتْلُهُ وَأَخْذُ مَالِهِ وَكَذَلِكَ إِذَا أَعْطَوْهُ تَأْشِيرَةَ الدُّخُولِ إِلَى بِلادِهِمْ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْعَهْدِ فَفِى الْحَدِيثِ» لا إِيمَانَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ «رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ، أَىْ لا يَكُونُ كَامِلَ الإِيمَانِ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَخَضْبُ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ وَأَجَازَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُؤَدِّى إِلَى الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْخَضْبَ بِالسَّوَادِ أَىْ دَهْنَ الشَّعَرِ وَصَبْغَهُ بِالأَسْوَدِ. وَهُوَ حَرَامٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ إِلَّا لِلْجِهَادِ وَأَجَازَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُؤَدِّى إِلَى الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ كَأَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ وَهُوَ شَائِبٌ فَسَوَّدَ لَهُ شَعَرَهُ حَتَّى يُدْفَعَ لَهُ فِيهِ ثَمَنٌ أَكْثَرُ أَوْ شَابَتِ الْمَرْأَةُ فَسَوَّدَتْ شَعَرَهَا حَتَّى يَخْطُبَهَا الرِّجَالُ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْضِبَ بِالسَّوَادِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا.
أَمَّا الْمَرْأَةُ الْخَلِيَّةُ أَىِ الْعَزْبَاءُ فَأَمْرُهَا شَدِيدٌ فَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْضِبَ بِالسَّوَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ. وَأَمَّا خَضْبُ الشَّعَرِ بِالأَصْفَرِ وَالأَحْمَرِ فَلِلرِّجَالِ فِيهِ ثَوَابٌ وَلِلْمُتَزَوِّجَةِ إِذَا أَمَرَهَا زَوْجُهَا كَذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَعَكْسُهُ أَىْ بِمَا هُوَ خَاصٌّ بِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ فِى الْمَلْبَسِ وَغَيْرِهِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِى الْمَشْىِ أَوْ فِى الْكَلامِ أَوْ فِى اللِّبَاسِ لَكِنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ أَشَدُّ إِثْمًا وَلا يُنْظَرُ إِلَى الْغَلَبَةِ فَمَا كَانَ خَاصًّا بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الزِّىِّ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الصِّنْفِ الآخَرِ وَمَا لا فَلا.
رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ.
فَتَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ الَّذِى هُوَ حَرَامٌ وَتَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ الَّذِى هُوَ حَرَامٌ هُوَ فِيمَا كَانَ خَاصًّا فِى الأَصْلِ بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الآخَرِ، أَمَّا مَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ الْفَرِيقَانِ وَلَوْ غَلَبَ فِى أَحَدِهِمَا لا يَكُونُ تَشَبُّهًا إِنْ لَبِسَهُ الآخَرُ، هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَلَيْسَ لِلْعُرْفِ دَخَلٌ فِى هَذَا، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ تُعْتَبَرُ عَادَةُ النَّاحِيَةِ فَالنَّاحِيَةُ الَّتِى يَخْتَصُّ النِّسَاءُ فِيهَا بِزِىٍّ دُونَ الرِّجَالِ يَحْرُمُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنَ الرِّجَالِ لُبْسُهُ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ.
فَلا يَجُوزُ لِلأَهْلِ أَنْ يُلْبِسُوا الصَّبِىَّ ثِيَابَ الْبَنَاتِ وَلا الْعَكْسُ وَيُمْنَعُ الصَّبِىُّ مِنْ ذَلِكَ إِنْ فَعَلَهُ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَيَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِى الزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ وَضْعُ الْحَلَقِ فِى الْفَرْجِ وَالسُّرَّةِ وَاللِّسَانِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِالْفُجَّارِ أَىِ الْفُسَّاقِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ »مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا.
