الْخُلْعُ بِضَمِّ الْخَاءِ مِنَ الْخَلْعِ بِفَتْحِهَا وَهُوَ لُغَةً النَّزْعُ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسُ الآخَرِ. وَالْخُلْعُ مَعْنَاهُ أَنْ تَشْتَرِىَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنَ الزَّوْجِ بِمَالٍ هِىَ تَقُولُ خَالِعْنِى عَلَى مَهْرِى مَثَلًا مَعْنَاهُ أَتْرُكُ لَكَ مَهْرِى عَلَى أَنْ تَحُلَّ الْعِصْمَةَ أَوْ تَقُولُ لَهُ خَالِعْنِى عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا فَيَقُولُ خَالَعْتُكِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ هِىَ تَدْفَعُ لَهُ الْمِائَةَ دِينَارٍ وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ تَدْفَعَهَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/4] أَىْ فَإِنْ وَهَبْنَ لَكُمْ شَيْئًا مِنَ الصدقات وَتَجَافَتْ عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّبَاتٍ غَيْرَ مُخْبَثَاتٍ بِمَا يَضْطَرُّهُنَّ إِلَى الْهِبَةِ مِنْ شَكَاسَةِ أَخْلاقِكُمْ وَسُوءِ مُعَاشَرَتِكُمْ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ لا إِثْمَ فِيهِ وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِى امْرَأَةِ ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ [فِى صَحِيحِهِ] وَالنَّسَائِىُّ [فِى سُنَنِهِ].
وَنَصُّ رِوَايَةِ الْبُخَارِىِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِى خُلُقٍ وَلا دِينٍ وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِى الإِسْلامِ [أَىْ أَكْرَهُ أَنَا الْمُسْلِمَةُ أَنْ أَقَعَ فِى الْكُفْرِ أَىْ أَنْ يَخْرُجَ مِنِّى شَىْءٌ كُفْرٌ بِسَبَبِ نُفُورِى مِنْ مُعَاشَرَتِهِ] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» فَقَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَفِى رِوَايَةٍ لَهُ «وَأَمَرَهُ بِطَلاقِهَا».
وَاخْتُلِفَ فِى الْخُلْعِ هَلْ هُوَ طَلاقٌ أَوْ فَسْخٌ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ الْجَدِيدِ أَنَّهُ طَلاقٌ، وَفِى كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْءَانِ لِلشَّافِعِىِّ وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ أَنَّهُ فَسْخٌ وَهُوَ مَذْهَبُهُ الْقَدِيمُ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ إِلَّا عِنْدَ الشِّقَاقِ أَوْ خَوْفِ تَقْصِيرٍ مِنْ أَحَدِهِمَا فِى حَقِّ الآخَرِ أَوْ كَرَاهَةِ الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ أَوْ كَرَاهَتِهِ إِيَّاهَا لِزِنَاهَا أَوْ نَحْوِهِ كَتَرْكِ الصَّلاةِ أَوْ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ وُقُوعِ الثَّلاثِ أَوِ الثِّنْتَيْنِ بِالْفِعْلِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلاقِ ثَلاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ عَلَى فِعْلِ مَا لا بُدَّ مِنْهُ.
وَتَعْرِيفُهُ أَنَّهُ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ رَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ.
وَأَرْكَانُهُ خَمْسَة:
أَحَدُهَا مُلْتَزِمٌ لِلْعِوَضِ إِنْ كَانَ زَوْجَةً أَوْ غَيْرَهَا.
وَثَانِيهَا الْبُضْعُ أَىْ أَنْ لا تَكُونَ بَائِنًا.
وَثَالِثُهَا الْعِوَضُ.
وَرَابِعُهَا الصِّيغَةُ.
وَخَامِسُهَا الزَّوْجُ.
وَشُرِطَ فِى الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْمُلْتَزِمِ كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِى الْمَالِ فَلا يَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْبُضْعِ مِلْكُ زَوْجٍ لَهُ فَيَصِحُّ فِى الرَّجْعِيَّةِ لا فِى الْبَائِنِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْعِوَضِ أَنْ يَصِحَّ جَعْلُهُ صَدَاقًا فَإِنْ خَالَعَهَا بِفَاسِدٍ مَقْصُودٍ [أَىْ مَا يَقْصِدُهُ النَّاسُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ كَالْخَمْرِ يَقْصِدُهَا بَعْضُ النَّاسِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لَكِنْ جَعْلُهَا مَهْرًا فَاسِدٌ] كَالْمَجْهُولِ وَالْخَمْرِ وَالْمُؤَجَّلِ بِالْمَجْهُولِ صَحَّ وَلَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ مَا لا يُقْصَدُ كَدَمٍ فَرَجْعِىٌّ [مَعْنَاهُ لا يَثْبُتُ الْخُلْعُ وَيَكُونُ طَلاقًا رَجْعِيًّا]. وَيُشْتَرَطُ فِى الصِّيغَةِ الإِيجَابُ وَالْقَبُولُ. وَيَجُوزُ لِلزَّوْجَيْنِ التَّوْكِيلُ.
ثُمَّ الْخُلْعُ إِمَّا صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ كَقَوْلِهِ خَالَعْتُكِ عَلَى كَذَا أَوْ فَادَيْتُكِ.
وَالْكِنَايَةُ كَأَنْ يَقُولَ فَسَخْتُ نِكَاحَكِ بِأَلْفٍ أَوْ بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِأَلْفٍ فَتَقْبَلَ فَالْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَمَا فِى الطَّلاقِ.
ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَسْخٌ يَصْلُحُ لِمَنْ يُرِيدُ الْخَلاصَ مِنْ وُقُوعِ الطَّلاقِ الْمُعَلَّقِ إِنْ كَانَ ثلاثًا أَوْ أَقَلَّ كَأَنْ قَالَ إِنْ كَلَّمْتِ فُلانًا أَوْ دَخَلْتِ دَارَ فُلانٍ أَوْ خَرَجْتِ بِدُونِ إِذْنِى فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا مَثَلًا، فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ لا يُرِيدُ أَنْ يَقَعَ الطَّلاقُ الْمُعَلَّقُ خَالَعَهَا بِغَيْرِ قَصْدِ الطَّلاقِ بَلْ بِقَصْدِ الْفَسْخِ أَىْ حَلِّ النِّكَاحِ فَتَصِيرُ الزَّوْجَةُ بِالْخُلْعِ بَائِنًا ثُمَّ تَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَتْ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ بِهِ، ثُمَّ يَعْمَلُ عَقْدًا جَدِيدًا بِطَرِيقِ وَلِيِّهَا الْوَلِىِّ الْخَاصِّ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرِ الْعَقْدُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِىِّ الْخَاصِّ كَأَنْ يُجْرِىَ الْحَاكِمُ الْعَقْدَ أَوِ الْمُحَكَّمُ الَّذِى يُحَكِّمُهُ الزَّوْجَانِ أَىْ يَجْعَلانِهِ حَاكِمًا فِى قَضِيَّةِ تَزْوِيجِهِمَا عِنْدَ فَقْدِ الْقَاضِى الْمُسْلِمِ، أَوْ كَانَ الْقَاضِى لا يُجْرِى الْعَقْدَ إِلَّا بِمَالٍ لَهُ وَقْعٌ فَيَكُونُ الْمُحَكَّمُ فِى حُكْمِ الْوَلِىِّ الْخَاصِّ الأَصْلِىِّ، وَشَرْطُ هَذَا الْمُحَكَّمِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا.
وَهَذَا الْمَخْلَصُ الْمَذْكُورُ لا يَتَأَتَّى عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ لَكِنْ يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَعَلَى قَوْلٍ قَالَهُ الشَّافِعِىُّ فِى كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْءَانِ فَلا بَأْسَ بِالْعَمَلِ بِهِ، فَيَنْبَغِى إِرْشَادُ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ بِهِ إِلَى هَذَا الْمَخْلَصِ لِأَنَّ كَثِيرِينَ يَعْدِلُونَ إِلَى الْمُعَاشَرَةِ بِالْحَرَامِ بَعْدَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ الَّذِى هُوَ ثَلاثٌ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَعْدِلُونَ إِلَى طَرِيقٍ لا يَنْفَعُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ شَخْصٍ يُجْرَى لَهُ عَلَيْهَا الْعَقْدُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلاثِ ثُمَّ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِ أَنْ لا يُجَامِعَهَا وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ التَّابِعِينَ يُجِيزُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ يَشْتَرِطُ أَنْ لا يَكُونَ الزَّوْجُ الثَّانِى يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِحْلالَهَا لِلأَوَّلِ.
فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرْشِدُونَ النَّاسَ إِلَى هَذَا الأَمْرِ الْفَاسِدِ يَغُشُّونَ النَّاسَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَهُمْ لِلِاسْتِفْتَاءِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُوَافِقُوا ذَلِكَ الْمُجْتَهِدَ بَلْ كَانَ عَمَلُهُمْ هَذَا حَرَامًا عِنْدَ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ فَلا وَافَقُوا الْجُمْهُورَ وَلا وَافَقُوا هَذَا الْمُجْتَهِدَ الَّذِى شَذَّ. قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِيمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ «مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُ هَذَا الْمُجْتَهِدِ لِأَنَّهُ خَالَفَ حَدِيثًا صَحِيحًا بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إِلَى رِفَاعَةَ، لا تَحِلِّينَ لَهُ حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» أَىْ لا يَحِلُّ لَكِ أَنْ تَرْجِعِى لِلزَّوْجِ الأَوَّلِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُجَامِعَكِ هَذَا الثَّانِى،
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، فَالْفَتْوَى بِخِلافِهِ لا عِبْرَةَ بِهَا لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا خَالَفَ قَوْلُهُ نَصًّا قُرْءَانِيًّا أَوْ حَدِيثِيًّا يُعَدُّ دَلِيلًا بِاتِّفَاقٍ لا يُقَلَّدُ فِى اجْتِهَادِهِ وَلَوْ كَانَ قَاضِيًا قَضَى بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ يَحْرُمُ الرِّبَا فِعْلُهُ وَأَكْلُهُ وَأَخْذُهُ وَكِتَابَتُهُ وَشَهَادَتُهُ وَهُوَ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآخَرِ نَسِيئَةً، وَالنَّقْدَانِ هُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مَضْرُوبَيْنِ سِكَّةً أَمْ لا وَالْحُلِىُّ وَالتِّبْرُ وَهُوَ الذَّهَبُ غَيْرُ الْمَضْرُوبِ، أَوْ بِغَيْرِ تَقَابُضٍ أَىِ افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ التَّقَابُضِ أَوْ بِجِنْسِهِ كَذَلِكَ أَىِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ نَسِيئَةً أَوِ افْتِرَاقًا بِغَيْرِ تَقَابُضٍ أَوْ مُتَفَاضِلًا أَىْ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مَعَ زِيَادَةٍ فِى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الآخَرِ بِالْوَزْنِ.
وَالْمَطْعُومَاتُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَذَلِكَ أَىْ لا يَحِلُّ بَيْعُهَا مَعَ اخْتِلافِ الْجِنْسِ كَالْقَمْحِ مَعَ الشَّعِيرِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ انْتِفَاءِ الأَجَلِ أَىْ عَدَمِ ذِكْرِ الأَجَلِ وَانْتِفَاءِ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ. وَمَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ كَالْبُرِّ بِالْبُرِّ يُشْتَرَطُ هَذَانِ الشَّرْطَانِ مَعَ التَّمَاثُلِ فَلا يَحِلُّ بَيْعُ شَعِيرٍ بِشَعِيرٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا مَعَ الْحُلُولِ أَىْ مَعَ شَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ فِيهِ أَجَلٌ وَالتَّقَابُضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
الشَّرْحُ [قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/275] فِى هَذِهِ الآيَةِ إِنْكَارٌ عَلَى الَّذِينَ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا إِذِ الْحِلُّ مَعَ الْحُرْمَةِ ضِدَّانِ فَأَنَّى يَتَمَاثَلانِ]. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ءَاكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ».
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا». اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا. الْقَرْضُ شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْعِبَادِ فَلا يَجُوزُ شَرْطُ جَرِّ الْمَنْفَعَةِ. الْقَرْضُ شُرِعَ لِلإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ لَيْسَ لِطَلَبِ الرِّبْحِ. وَالرِّبَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ عَقْدٌ يَشْتَمِلُ عَلَى عِوَضٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّمَاثُلِ فِى الْمِعْيَارِ الشَّرْعِىِّ حَالَةَ الْعَقْدِ أَوْ مَعَ تَأْخِيرٍ فِى الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَهَذَا الرِّبَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بَيْنَ الْعَرَبِ عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِ ءَايَةِ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا الرِّبَا الَّذِى كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ هُوَ رِبَا الْقَرْضِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ إِذَا حَلَّ الأَجَلُ يَقُولُ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِمَّا أَنْ تَدْفَعَ وَإِمَّا أَنْ أَزِيدَ عَلَيْكَ، قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ تَحْرِيمُهُ مِنَ الرِّبَا اهـ وَلَمْ يُحَرَّمِ الرِّبَا إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
وَيَنْقَسِمُ الرِّبَا أَىْ مَا عَدَا رِبَا الْقَرْضِ إِلَى ثَلاثَةِ أَنْوَاعٍ
أَحَدُهَا رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ بَيْعُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَهُمَا مُتَّفِقَا الْجِنْسِ بِالآخَرِ زَائِدًا عَلَيْهِ كَبَيْعِ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ أَوْ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ صَاعِ قَمْحٍ بِصَاعَىْ قَمْحٍ.
وَالثَّانِى رِبَا الْيَدِ وَهُوَ الْبَيْعُ مَعَ تَأْخِيرِ قَبْضِهِمَا أَوْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا بِأَنْ يَفْتَرِقَ الْمُتَبَايِعَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ يَتَخَايَرَا فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَىْ يُمْضِيَا إِثْبَاتَ الْعَقْدِ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْعِوَضَيْنِ أَىِ اتِّفَاقِهِمَا فِى عِلَّةِ الرِّبَا بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَطْعُومًا أَىْ مَقْصُودًا لِلأَكْلِ غَالِبًا تَقَوُّتًا كَالْقَمْحِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوْ تَأَدُّمًا [كَالتَّمْرِ، وَالإِدَامُ مَعْرُوفٌ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مَعَ الْخُبْزِ] أَوْ تَفَكُّهًا [كَالتِّينِ] أَوْ تَدَاوِيًا [كَالْمِلْحِ وَالزَّعْفَرَانِ] أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا كَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ وَالْجُبْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ أَوِ الْمِلْحِ وَالتَّمْرِ بِالزَّبِيبِ وَالتُّفَّاحِ بِالتِّينِ،
أَوْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَقْدًا وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْعَكْسُ ثُمَّ يَفْتَرِقَا بِلا تَقَابُضٍ لِلْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. فَإِنْ قَالَ لَهُ بِعْتُكَ وَسْقَ شَعِيرٍ بِوَسْقِ قَمْحٍ ثُمَّ ذَهَبَ هَذَا وَهَذَا مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبَضَ وَالآخَرُ لَمْ يَقْبِضْ صَارَ رِبًا. أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ أَقْرَضْتُكَ هَذَا الْقَمْحَ عَلَى أَنْ تَرُدَّ لِى مِثْلَهُ بِتَارِيخِ كَذَا لَمْ يَكُنْ رِبًا لَكِنَّ التَّأْجِيلَ فِى الْقَرْضِ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ، هَذَا لَيْسَ بَيْعًا وَشِرَاءً. وَلَوْ بَاعَهُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مُتَسَاوِيًا فِى الْوَزْنِ ثُمَّ تَمَاشَيَا مَسَافَةً وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا تَقَابَضَا جَازَ ذَلِكَ وَيُعْتَبَرَانِ كَأَنَّهُمَا فِى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّالِثُ رِبَا النَّسَاءِ بِفَتْحِ النُّونِ أَىِ التَّأْجِيلِ وَهُوَ الْبَيْعُ لِلْمَطْعُومَيْنِ أَوْ لِلنَّقْدَيْنِ الْمُتَّفِقَىِ الْجِنْسِ أَوِ الْمُخْتَلِفَيْهِ لِأَجَلٍ وَلَوْ كَانَ الأَجَلُ قَصِيرًا جِدًّا كَلَحْظَةٍ أَوْ دَقِيقَةٍ، أَىْ أَنْ يُشْرَطَ ذَلِكَ لَفْظًا بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا بِعْتُكَ هَذَا الدِّينَارَ بِهَذَا الدِّينَارِ أَوْ هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ أَوْ هَذَا الْقَمْحَ بِهَذَا الْقَمْحِ أَوْ هَذَا الْقَمْحَ بِهَذَا الشَّعِيرِ عَلَى أَنْ تُسَلِّمَنِيهِ غَدًا أَوْ فِى سَاعَةِ كَذَا أَوْ لِسَاعَةِ كَذَا أَوْ فِى الدَّقِيقَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الآنَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الأَجَلِ. وَلا يَحْصُلُ الأَجَلُ بِدُونِ الذِّكْرِ.
فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَىِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ كَحُلِىٍّ أَوْ تِبْرٍ نَسِيئَةً أَىْ مُؤَجَّلًا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ أَوْ بِغَيْرِ تَقَابُضٍ، أَوْ بِجِنْسِهِ كَذَلِكَ أَىْ نَسِيئَةً أَوْ بِغَيْرِ تَقَابُضٍ فِى الْمَجْلِسِ أَىْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَوْ مُتَفَاضِلًا أَىْ بِزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ كَدِرْهَمِ فِضَّةٍ بِدِرْهَمَىْ فِضَّةٍ وَيَحُرُمُ بَيْعُ أَحَدِ الْمَطْعُومَيْنِ بِالآخَرِ نَسِيئَةً أَوْ بِلا تَقَابُضٍ، أَوْ بِجِنْسِهِ كَذَلِكَ أَىْ بِأَجلٍ أَوْ بِلا تَقَابُضٍ أَوْ مَعَ التَّفَاضُلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى اسْتَوَى الْعِوَضَانِ جِنْسًا وَعِلَّةً كَبُرٍّ بِبُرٍّ أَوْ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ لا يَحِلُّ إِلَّا بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ التَّسَاوِى بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ أَىِ الْوَزْنِ فِى النَّقْدِ وَالْكَيْلِ فِى الْبُرِّ وَنَحْوِهِ وَعِلْمُهُمَا بِالتَّسَاوِى يَقِينًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَالتَّقَابُضُ وَالْحُلُولُ أَىْ تَرْكُ ذِكْرِ الأَجَلِ. وَمَتَى اخْتَلَفَا جِنْسًا وَاتَّحَدَا عِلَّةً كَبُرٍّ بِشَعِيرٍ أَوْ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ اشْتُرِطَ شَرْطَانِ الْحُلُولُ أَىْ تَرْكُ ذِكْرِ الأَجَلِ وَالتَّقَابُضُ، وَجَازَ التَّفَاضُل أَىِ بِالْوَزْنِ فِيمَا هُوَ مَوْزُونٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَفِى الْكَيْلِ فِيمَا هُوَ مَكِيلٌ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ. وَمَتَى اخْتَلَفَا جِنْسًا وَعِلَّةً كَبُرٍّ بِذَهَبٍ أَوْ ثَوْبٍ لَمْ يُشْتَرَطْ شَىْءٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ.
[وَعِلَّةُ الرِّبَا أَمْرَانِ الطُّعْمُ وَالنَّقْدِيَّةُ] فَعِلَّةُ الرِّبَا بَيْنَ الْبُرِّ وَالْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ كَوْنُهُمَا مَطْعُومَيْنِ أَىْ أَنَّ أَظْهَرَ مَقَاصِدِهِمَا الأَكْلُ، وَأَمَّا النَّقْدِيَّةُ فَمَعْنَاهَا الْكَوْنُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مُتَّفِقَانِ فِى عِلَّةِ الرِّبَا وَهِىَ النَّقْدِيَّةُ وَكَذَلِكَ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مُتَّفِقَانِ فِى عِلَّةِ الرِّبَا وَهِىَ النَّقْدِيَّةُ وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ مُتَّفِقَانِ فِى عِلَّةِ الرِّبَا مُخْتَلِفَانِ فِى الْجِنْسِ فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا رِبَا فِى الْفُلُوسِ أَىْ إِذَا بِيعَ الْفَلْسُ بِالْفَلْسِ فَهُوَ حَلالٌ بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ فَلْسٍ بِأَلْفِ فَلْسٍ،
لَكِنْ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِجَوَازِ بَيْعِ الْفَلْسِ بِفَلْسَيْنِ فَأَكْثَرَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بِأَعْيَانِهِمَا، أَمَّا فِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ فَيَجُوزُ إِنْ تَقَابَضَا فِى الْمَجْلِسِ أَوْ لَمْ يَتَقَابَضَا أَوْ تَبَايَعَا مَعَ التَّفَاضُلِ.
وَفِى حَوَاشِى الْبُلْقِينِىِّ عَلَى الرَّوْضَةِ مَا نَصُّهُ
فَائِدَةٌ الْفُلُوسُ مِعْيَارُهَا فِى الْبَيْعِ الْوَزْنُ لَكِنْ إِذَا بَاعَ فُلُوسًا بِفُلُوسٍ جَازَ إِذَا كَانَتَا مُعَيَّنَتَيْنِ كَالْصُّبْرَةِ جُزَافًا وَكَالدَّرَاهِمِ الَّتِى تُجْعَلُ عِوَضَ غَيْرِهَا جُزَافًا، أَمَّا إِذَا جُعِلَتْ عِوَضًا فِى الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهَا بِوَزْنٍ وَلا يَجُوزُ تَقْدِيرُهَا بِالْعَدِّ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا اهـ.
وَفِيهَا [أَىْ فِى حَوَاشِى الرَّوْضَةِ] قَوْلُهُ (أَىِ النَّوَوِىِّ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لا رِبَا فِيهَا لِانْتِفَاءِ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبِ.
فَائِدَةٌ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى الأُمِّ فِى الصَّرْفِ «وَلا بَأْسَ فِى السَّلَفِ فِى الْفُلُوسِ إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّ ذَاكَ لَيْسَ مِمَّا فِيهِ رِبًا» انْتَهَتْ.
فَائِدَةٌ قَالَ الشَّافِعِىُّ فِى الأُمِّ «وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ السَّمْنَ أَوِ الزَّيْتَ وَزْنًا بِظُرُوفِهِ فَإِنْ شَرَطَ الْوَزْنَ فَلا خَيْرَ فِيهِ [مَعْنَاهُ لا يَجُوزُ] وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِهَا وَزْنًا عَلَى أَنْ يُفْرِغَهَا ثُمَّ يَزِنَ الظَّرْفَ فَلا بَأْسَ [مَعْنَاهُ أَخْرَجَ مِنْهُ ثُمَّ وَزَنَ] وَسَوَاءٌ الْحَدِيدُ وَالْفَخَّارُ» انْتَهَى.
وَإِنَّمَا كَانَ الرِّبَا مِنْ بَيْنِ الأَثْمَانِ خَاصًّا بِالنَّقْدِ دُونَ الْفُلُوسِ لِأَنَّ النَّقْدَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِى حَدِيثِ الرِّبَا الَّذِى فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا يُوزَنُ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا يُوزَنُ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ النَّقْدَيْنِ مَرْجِعُ الأَثْمَانِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّمَا لَمْ تُذْكَرْ هَذِهِ الأَثْمَانُ مِنَ الأَوْرَاقِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا فِى الْعُصُورِ الأَخِيرَةِ فِى النَّصِّ الْقُرْءَانِىِّ أَوِ الْحَدِيثِىِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَعْمَلَةً فِى الْعَصْرِ الأَوَّلِ فَلَوْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِى الْعَصْرِ الأَوَّلِ لَنُصَّ عَلَيْهَا كَمَا نُصَّ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعُمْلَةَ مِنَ النُّحَاسِ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِى الْعَصْرِ الأَوَّلِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ [الْوَافِر]
يُحِبُّ الْخَمْرَ مِنْ مَالِ النَّدَامَى *** وَيَكْرَهُ أَنْ تُفَارِقَهُ الْفُلُوسُ
وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهَا فِى الْحَدِيثِ.
فَإِنْ قِيلَ الْحُجَّةُ فِى إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِى الأَثْمَانِ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْقِيَاسُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الأَثْمَانَ لَيْسَتْ فِيهَا جوهريةَ الأَثْمَانِ الَّتِى فِى النَّقْدَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهَذَا الْقِيَاسُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَمْ يُوجِبْ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ ظَهَرَتْ فِى زَمَانِهِمْ هَذِهِ الأَثْمَانُ فِيهَا الزَّكَاةُ إِلَّا أُنَاسٌ لا اعْتِمَادَ عَلَيْهِمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا هَذِهِ الأَثْمَانَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لا زَكَاةَ فِيهَا مِنْهُمُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأَنْبَابِىُّ الْمِصْرِىُّ الَّذِى كَانَ يُلَقَّبُ الشَّافِعِىَّ الصَّغِيرَ.
وَأَمَّا رِبَا الْقَرْضِ فَهُوَ كُلُّ قَرْضٍ شُرِطَ فِيهِ جَرُّ مَنْفَعَةٍ لِلْمُقْرِضِ أَوْ لَهُ وَلِلْمُقْتَرِضِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ زِيَادَةً فِى جِنْسِ الْمُقْرَضِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ غَيْرَ زِيَادَةٍ وَالرِّبَا الَّذِى بِالْبُنُوكِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الزِّيَادَةُ هُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الرِّبَا. وَلا يُشْتَرَطُ فِى حُرْمَةِ رِبَا الْقَرْضِ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِى يَشْتَرِطُهُ الْمُقْرِضُ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ رَدِّ الْقَرْضِ كَثِيرًا بَلِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِى الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/279] أَىْ إِنْ أَرَدْتُمُ التَّوْبَةَ مِنَ مَعْصِيَةِ الرِّبَا فَاقْتَصِرُوا عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَلا تَطْلُبُوا شَيْئًا سِوَى رَأْسِ الْمَالِ.
أَمَّا الرِّبَا الَّذِى بِغَيْرِ الزِّيَادَةِ فِى قَدْرِ الدَّيْنِ فَهُوَ مِثْلُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْرِضُ شَخْصًا مَالًا إِلَى أَجَلٍ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهُ بَيْتَهُ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةٍ مُخَفَّفَةٍ إِلَى أَنْ يُؤَدِّىَ الدَّيْنَ وَيُسَمُّونَهُ فِى بَعْضِ الْبِلادِ اسْتِرْهَانًا وَهُوَ حَرَامٌ بِالإِجْمَاعِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ أَرَادَ الْمُقْتَرِضُ مُكَافَأَةَ الْمَعْرُوفِ بِالْمَعْرُوفِ فَرَدَّ الدَّيْنَ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ الْقَرْضَ حَسَنَةٌ مِنَ الْحَسَناتِ إِذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِىِّ أَىْ فِيهِ ثَوَابٌ.
وَقَدْ فَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا مِنَ الإِبِلِ أَىْ سِنًّا صَغِيرًا وَرَدَّ رَبَاعِيًا وَهُوَ سِنٌّ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَهَذَا شَىْءٌ جَائِزٌ. وَقَدْ مَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمِنَ الْجَائِزِ أَيْضًا أَنْ يُقْرِضَ مَالَهُ لِشَخْصٍ لِيَنْتَفِعَ بِهِ وَغَرَضُهُ مِنْ هَذَا الْقَرْضِ أَنْ يَبْقَى لَهُ هَذَا الْمَالُ كَمَا هُوَ لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُ عِنْدَهُ يَخْشَى أَنْ يَصْرِفَهُ فَأَقْرَضَهُ لِشَخْصٍ وَقَصْدُهُ أَنَّهُ إِنْ أَقْرَضَهُ صَارَ مَحْفُوظًا لَهُ وَأَمَّا إِنْ تَرَكَهُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَصْرِفُهُ فِى أُمُورٍ شَتَّى فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ بِالإِجْمَاعِ.
[وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى ذَمِّ مَنْ يَأْكُلُ الرِّبَا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/275] أَىْ أَنَّهُمْ إِذَا بُعِثُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يُبْعَثُونَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ أَىْ هَيْئَةِ الْمَصْرُوعِ لِأَنَّهُ تَخَبَّطَ فِى الْمُعَامَلَةِ فِى الدُّنْيَا فَجُوزِىَ عَلَى الْمُقَابَلَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُخَبَّلِينَ كَالْمَصْرُوعِينَ كَحَالِ مَنْ أَصَابَهُ مَسٌّ أَىْ جُنُونٌ، تِلْكَ سِيمَاهُمْ يُعْرَفُونَ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ.
وَقِيلَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ أَىِ الْقُبُورِ يُوفِضُونَ أَىْ يُسْرِعُونَ إِلَّا أَكَلَةَ الرِّبَا فَإِنَّهُمْ يَنْهَضُونَ وَيَسْقُطُونَ كَالْمَصْرُوعِينَ لِأَنَّهُمْ أَكَلُوا الرِّبَا فَأَرْبَاهُ اللَّهُ فِى بُطُونِهِمْ حَتَّى أَثْقَلَهُمْ فَلا يَقْدِرُونَ عَلَى الإِيفَاضِ أَىِ الإِسْرَاعِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/275].
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/275] أَىْ فَمَنْ بَلَغَهُ وَعْظٌ مِنَ اللَّهِ وَزَجْرٌ بِالنَّهْىِ عَنِ الرِّبَا فَتَبِعَ النَّهْىَ وَامْتَنَعَ فَلا يُؤَاخَذُ بِمَا مَضَى مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ، وَمَنْ عَادَ إِلَى اسْتِحْلالِ الرِّبَا فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/276] أَىْ يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ وَيُهْلِكُ الْمَالَ الَّذِى يَدْخُلُ فِيهِ، وَيُنَمِّى الصَّدَقَاتِ وَيَزِيدُهَا وَيُبَارِكُ فِيهَا فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ قَطُّ» وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ عَظِيمِ الْكُفْرِ بِاسْتِحْلالِ الرِّبَا مُتَمَادٍ فِى الإِثْمِ بِأَكْلِهِ].
وَمِنَ الرِّبَا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ الشَّىْءَ بِأَقْسَاطٍ مُؤَجَّلَةٍ إِلَى ءَاجَالٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ شَرْطِ أَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأَقْسَاطِ يُضَافُ عَلَيْهِ كَذَا مِنَ الزِّيَادَةِ. وَهَذَا كَانَ بَيْعًا جَائِزًا لَوْلا هَذَا الشَّرْطُ مَهْمَا حَصَلَ مِنَ الرِّبْحِ بِسَبَبِ التَّقْسِيطِ مِمَّا هُوَ زَائِدٌ عَلَى ثَمَنِ النَّقْدِ فَأَصْلُ بَيْعِ التَّقْسِيطِ جَائِزٌ إِذَا افْتَرَقَا عَلَى الْبَيَانِ أَىْ بَيَانِ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْعَ النَّسِيئَةِ لا النَّقْدِ أَوِ اخْتَارَ النَّقْدَ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إِذَا تَفَرَّقَا قَبْلَ الْبَيَانِ ثُمَّ أَخَذَ الشَّىْءَ قَبْلَ الْبَيَانِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ نَقْدًا وَبِأَلْفَيْنِ تَقْسِيطًا إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْخُذُ هَذَا الْغَرَضَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَارَ إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا وَرَدَ النَّهْىُ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ،
رَوَى أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» وَمَعْنَى أَوْكَسُهُمَا أَقَلُّهُمَا، فَإِنْ قَالَ لَهُ أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الدِّينَارَ فِى قَفِيزَيْنِ مِنَ الْبُرِّ إِلَى شَهْرٍ [لَوْ بَاعَ شَخْصٌ ءَاخَرَ شَيْئًا بِثَمَنٍ فِى الذِّمَّةِ وَعِنْدَمَا حَانَ الأَجَلُ بَاعَهُ الدَّيْنَ الَّذِى لَهُ عَلَيْهِ لِأَجَلٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ لا يَصِحُّ.
وَالْقَفِيزُ مِكْيَالٌ مِنَ الْبُرِّ] ثُمَّ حَلَّ الأَجَلُ فَقَالَ لَهُ ذَاكَ بِعْنِى ذَيْنِكَ الْقَفِيزَيْنِ بِأَرْبَعَةِ أَقْفِزَةٍ مَثَلًا إِلَى شَهْرٍ فَإِنْ بَقَيَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَقَعَا فِى الرِّبَا أَمَّا إِنْ أَنْهَيَا الْبَيْعَ الأَوَّلَ وَقَبَضَ الْمُسْلِمُ قَمْحَهُ الأَوَّلَ ثُمَّ بَاعَهُ بِدِينَارٍ يَكُونَانِ خَلُصَا مِنَ الرِّبَا. فَلْيَحْذَرِ الْمُؤْمِنُ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرِّبَا وَلا يَسْتَهِنْ بِشَىْءٍ مِنَ الرِّبَا فَإِنَّ عَاقِبَةَ الرِّبَا وَخِيمَةٌ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ أُنَاسٍ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَهُمْ فِى قُبُورِهِمْ ءَاثَارٌ مِنَ الْعَذَابِ أَىْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَكَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالرِّبَا،
فِى نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِى الْحَبَشَةِ كَانَ رَجُلٌ مَعْرُوفًا بِالْمُرَابَاةِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ تَجَبُّرٌ عَلَى النَّاسِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ مَرَّةً فِى مَوْكِبٍ وَهُوَ رَاكِبٌ بَغْلَةً فَرَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ وَزَوْجُهَا رَجُلٌ مِسْكِينٌ ضَعِيفٌ فَأَخَذَهَا مِنْهُ قَهْرًا ثُمَّ مَاتَ هَذَا الرَّجُلُ فَصَارَ يَطْلُعُ مِنْ قَبْرِهِ الدُّخَانُ فَصَارَ أَهْلُهُ يَجْمَعُونَ لَهُ الْمَشَايِخَ فَقَالَ لَهُمْ بَعْضُ الْمَشَايِخِ اسْتَسْمِحُوا لَهُ النَّاسَ الَّذِينَ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الرِّبَا فَصَارُوا يَدُورُونَ عَلَى النَّاسِ وَيَقُولُونَ لِهَذَا سَامِحْ فُلانًا وَلِهَذَا وَلِهَذَا وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقْرَؤُونَ لَهُ الْقُرْءَانَ عَلَى الْقَبْرِ ثُمَّ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ انْقَطَعَ هَذَا الدُّخَانُ مِنْ قَبْرِهِ. وَمَا يَسْتُرُهُ اللَّهُ أَكْثَرُ إِنَّمَا يُظْهِرُ الْقَلِيلَ مِنَ الْكَثِيرِ.
وَفِى حُكْمِ الْقَرْضِ الَّذِى فِيهِ رِبًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِاسْمِ التَّأْمِينِ يَدْفَعُونَ مَبْلَغًا مُعَيَّنًا إِلَى شَرِكَةٍ فِى أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ إِنْ أَصَابَهُ فِى نَفْسِهِ أَوْ فِى سَيَّارَتِهِ حَوَادِثُ تُكَلِّفُهُ صَرْفَ مَالٍ تَكْفِيهِ الشَّرِكَةُ هَذَا الصَّرْفَ وَهُوَ لَيْسَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ مَاذَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ إِصَابَاتٍ فِى الْمُسْتَقْبَلِ هَذَا يُعْتَبَرُ قَرْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَ هِبَةً وَلا بَيْعًا وَلا شِرَاءً وَلا صَدَقَةً وَلا إِبَاحَةً وَلا هَدِيَّةً فَإِذًا هُوَ قَرْضٌ مُحَرَّمٌ فَاسِدٌ يُعْتَبَرُ مِنْ رِبَا الْقَرْضِ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَخْشَى إِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَنْ يَتَكَلَّفَ غَرَامَاتٍ فِى الْمُسْتَقْبَلِ.
وَمِثْلُ هَذَا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ بِالْجَمْعِيَّةِ فَيَجْتَمِعُ عَدَدٌ مِنَ الأَشْخَاصِ وَيَتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَبْلَغًا فِى كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا ثُمَّ يُعْطَى الْمَجْمُوعُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَهَكَذَا يُدِيرُونَ فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَّا وَهُوَ يَطْمَعُ بِأَخْذِ مَالِ الْجَمِيعِ مَجْمُوعًا وَأَنْ يَصِلَهُ الدَّوْرُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الرِّبَا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» فَلا يَصِحُّ مَعْنًى.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَحْرُمُ بَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ.
الشَّرْحُ مِنَ الْبُيُوعِ الْمُحَرَّمَةِ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَامٌّ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَطْعُومًا أَوْ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ إِنْ كَانَ بِالتَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدِّ أَوْ بِالذَّرْعِ أَوْ جُزَافًا أَىْ بِلا تَقْدِيرٍ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى» أَىْ قَبْلَ قَبْضِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ «وَلا أَرَى كُلَّ شَىْءٍ إِلَّا كَذَلِكَ» [انْظُرِ الْمَصْدَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ]،
وَخَصَّ مَالِكٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ النَّهْىَ بِالْمَطْعُومِ. وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ بِالتَّخْلِيَةِ أَىِ التَّمْكِينِ فِى الْعَقَارِ فَإِنْ كَانَ بَيْتًا يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ تَفْرِيغُهُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِى وَيَحْصُلُ فِيمَا يُنْقَلُ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ وَبِالْمُنَاوَلَةِ فِيمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالثَّوْبِ. فَإِذَا اشْتَرَى شَخْصٌ بَيْدَرًا مِنْ قَمْحٍ لا يَبِيعُهُ إِلَّا أَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ هَذَا الْبَيْدَرِ إِلَى مَكَانٍ ءَاخَرَ.
أَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ فَقَدْ صَحَّ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِلنَّاسِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِى هُوَ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ ءَاخَرَ. فَعِنْدَ الشَّافِعِىِّ إِذَا اشْتَرَى الشَّخْصُ بَيْتًا لا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَبْضُهُ يَكُونُ بِاسْتِلامِ الْمِفْتَاحِ وَإِخْلاءِ الْبَيْتِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِىِّ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ ابْتَعْتُ زَيْتًا فِى السُّوقِ فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِى رَجُلٌ فَأَعْطَانِى بِهِ رِبْحًا حَسَنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِى بِذِرَاعِى فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِ هَذَا اللَّحْمِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ بَاعَ لَحْمَ ضَأْنٍ بِحَيَوَانِ ضَأْنٍ أَوْ بَاعَ لَحْمَ ضَأْنٍ بِحَيَوَانٍ إِبِلٍ لِحَدِيثِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» [أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالدَّارَقُطْنِىُّ فِى سُنَنِهِ] وَهِىَ مَسْئَلَةٌ خِلافِيَّةٌ بَيْنَ الأَئِمَّةِ. وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ الرَّطْبِ بِاللَّحْمِ الرَّطْبِ فَيَجُوزُ مَعَ اخْتِلافِ الْجِنْسِ لا مَعَ اتِّحَادِهِ.
فَائِدَةٌ لا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ وَزْنًا وَلا كَيْلًا، وَلا يَأْبَاهُ قَوَاعِدُ مَذْهَبِنَا مَعْشَر الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهُ إِذَا بِيعَ حَيَوَانٌ بِشَرْطِ الْوَزْنِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ يَدْخُلُ الْقَذَرُ الَّذِى فِى جَوْفِهِ فِى الْمُقَابَلَةِ بِالثَّمَنِ فَيَنْصَرِفُ قِسْمٌ مِنْهُ إِلَى الْقَذَرِ وَالْقِسْمُ الآخَرُ إِلَى مَا سِوَاهُ كَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ. وَالْخَلاصُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لا يُعْتَبَرَ الْوَزْنُ شَرْطًا وَإِنْ ذُكِرَ لِتَخْمِينِ السِّعْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْبَائِعُ هَذَا وَزْنُهُ كَذَا فَأَبِيعُكَ كُلَّ كِيلُو مِنْهُ بِكَذَا يَقُولُ الْمُشْتَرِى أَنَا لا أَشْتَرِيهِ بِشَرْطِ الْوَزْنِ إِنَّمَا أُعْطِيكَ الثَّمَنَ الَّذِى تُرِيدُهُ عَلَى حَسَبِ تَخْمِينِكَ [ثُمَّ يَعْقِدَانِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِى اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَا ثَمَنَ الْكِيلُو بِكَذَا] وَأَمَّا الْمَمْنُوعُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَهُ عَلَى أَنَّ وَزْنَهُ كَذَا بِكَذَا أَوْ سِعْرَ الْكِيلُو كَذَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِى أَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِكَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ كَذَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِى الأَوْسَطِ مَا نَصُّهُ
ذِكْرُ إِبَاحَةِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ وَاحِدٍ بِأَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَشْعُرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ عَبْدٌ فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «بِعْنِيهِ» فَاشْتَرَاهُ النَّبِىُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ].
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ رَدِيفَ أَبِى طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَقَدَمِى تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ وَوَقَعَتْ فِى سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ بِتِسْعَةِ أَرْؤُسٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَفِى حَدِيثِ جَابِرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَرْءِ مَا لَيْسَ بِيَدِهِ مِمَّا هُوَ فِى مِلْكِهِ جَائِزٌ اهـ [مَعْنَاهُ بَيْعُ الْغَائِبِ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَطِيعُ تَسَلُّمَهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَرِّدًا عَلَى سَيِّدِهِ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَأَنْ يَبِيعَ دَيْنًا لَهُ عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرٍ مَثَلًا.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَلَهُ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا مَا ذُكِرَ فِى الْمَتْنِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى ذِمَّةِ شَخْصٍ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ مِنْ طَرِيقِ السَّلَمِ كَأَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ إِلَى رَجُلٍ دِينَارًا فِى قَمْحٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يَبِيعُ ذَلِكَ الدَّيْنَ مِنْ شَخْصٍ بِدِينَارٍ مُؤَجَّلٍ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئ بِالْكَالِئ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ [فِى الْمُسْتَدْرَكِ] وَالْبَيْهَقِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَغَيْرُهُمَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِى إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَلَكِنْ عَمَلُ الأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمَعْنَاهُ يُقَوِّيهِ.
أَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ أَىْ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِثَمَنٍ حَالٍّ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ الآخَرِ فَيَجُوزُ وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ أَنْ يَكُونَ لِبَكْرٍ عَلَى عَمْرٍو دَيْنٌ وَقَدْ حَلَّ وَقْتُهُ فَبَاعَ بَكْرٌ هَذَا الدَّيْنَ لِزَيْدٍ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَقَبَضَ مِنْهُ الْمَالَ فِى الْحَالِ فَيَجُوزُ ثُمَّ زَيْدٌ يَقْبِضُ مِنْ عَمْرٍو وَأَمَّا قَبْلَ حُلُولِهِ فَهُوَ حَرَامٌ، فَيَحْرُمُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ لَهُ فِى ذِمَّةِ شَخْصٍ ثَمَنُ مَبِيعٍ مُقَسَّطٍ إِلَى ءَاجَالٍ ثُمَّ يَأْتِى إِلَى بَنْكٍ أَوْ شَخْصٍ فَيَقُولُ لَهُ لِى كَذَا وَكَذَا فِى ذِمَّةِ فُلانٍ فَأَبِيعُكَ بِمَبْلَغِ كَذَا فَيَكُونُ أَنْقَصَ مِنْ دَيْنِهِ وَيَكُونُ بَاعَهُ الدَّيْنَ الَّذِى لَهُ عَلَى فُلانٍ قَبْلَ حُلُولِهِ فَهَذَا حَرَامٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَهُوَ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَفِى كِتَابِ الأَوْسَطِ لِابْنِ الْمُنْذِرِ مَا نَصَّهُ «ذِكْرُ النَّهْىِ عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئ
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لا يَجُوزُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسْلِمَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ دَنَانِيرَ فِى عَشْرَةِ أَمْدَادِ قَمْحٍ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَيَأْتِىَ الْوَقْتُ وَلا يُحْضِرُ الَّذِى عَلَيْهِ الطَّعَامُ الطَّعَامَ الَّذِى عَلَيْهِ فَيَشْتَرِى الَّذِى عَلَيْهِ الأَمْدَادُ مِنَ الْمُسْلِفِ الَّذِى حَلَّ لَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى وَقْتٍ ثَانٍ مَعْلُومٍ، فَهَذَا دَيْنٌ انْقَلَبَ إِلَى دَيْنٍ مِثْلِهِ وَمِنْ هَذَا الدَّيْنِ أَنْ يُسْلِفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِى عَشْرَةِ أَمْدَادِ قَمْحٍ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَلا يُقْبِضَ الثَّمَنَ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا بِدَيْنٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لا يَجُوزُ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ وَالأَوْزَاعِىُّ وَالشَّافِعِىُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ ذَلِكَ عَنِ الْكُوفِىِّ [يَعْنِى أَبَا حَنِيفَةَ]. قَالَ أَحْمَدُ إِجْمَاعٌ أَنْ لا يُبَاعَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ النَّبِىِّ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيثًا وَفِى إِسْنَادِهِ مَقَالٌ أَنَّهُ نَهَى عَنِ كَالِئٍ بِكَالِئٍ، أَخْبَرَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ مَرْزُوقٍ عَنْ أَبِى عَاصِمٍ عَنْ مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَالِئٍ بِكَالِئٍ. يَعْنِى دَيْنًا بِدَيْنٍ.
مَسْئَلَةٌ كَانَ الشَّافِعِىُّ يَقُولُ وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ لِرَجُلٍ وَلَهُ عَلَيْهِ دَنَانِيرَ فَحَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِلَّ فَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ. وَحُكِىَ عَنْ أَبِى يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا اشْتَرَى عَشْرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الدِّينَارَ وَلَمْ يَقْبِضِ الْعَشَرَةَ حَتَّى جَعَلَهَا قِصَاصًا بِعَشَرَةٍ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا جَازَ» اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبَيْعُ الْفُضُولِىِّ أَىْ بَيْعُ مَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَلا وِلايَةٌ.
الشَّرْحُ الْفُضُولِىُّ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِى يَبِيعُ مَا لَيْسَ مِلْكًا لَهُ وَلا لَهُ عَلَيْهِ وِلايَةٌ فِى ذَلِكَ الْمَالِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ فَلا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ وِلايَةٌ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ وَلِىَّ يَتِيمٍ أَوْ وَكِيلًا عَنِ الْمَالِكِ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ، فَوَلِىُّ الْيَتِيمِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ لِمَصْلَحَتِهِ أَىْ لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ. وَفِى بَعْضِ الْمَذَاهِبِ إِنْ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَلا وِلايَةٌ مِنْ دُونِ إِذْنِ الْمَالِكِ ثُمَّ أَقَرَّ الْمَالِكُ هَذَا الْبَيْعَ وَرَضِىَ بِهِ صَحَّ الْبَيْعُ أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِىِّ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِرَّهُ هُوَ يَبِيعُ ذَلِكَ الشَّىْءَ لِلشَّخْصِ الَّذِى بَاعَهُ الْفُضُولِىُّ. وَإِنْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ ظَاهِرًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَالُهُ صَحَّ الْبَيْعُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَا لَمْ يَرَهُ وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِىِّ مَعَ الْوَصْفِ.
الشَّرْحُ يَحْرُمُ بَيْعُ عَيْنٍ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، وَجُمْهُورُ الأَئِمَّةِ يُجَوِّزُونَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَءَاهُ، وَلِلشَّافِعِىِّ قَوْلٌ بِصِحَّتِهِ إِذَا وَصَفَهُ وَصْفًا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ الْمُطْلَقَةِ ثُمَّ إِذَا طَلَعَ عَلَى حَسَبِ الْوَصْفِ ثَبَتَ وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ. فَلا يَصِحُّ بَيْعُ غَائِبٍ أَىِ الشَّىْءِ الَّذِى فِى غَيْرِ مَكَانِ الْبَيْعِ هَذَا إِذَا كَانَ لا يَعْرِفُهُ أَمَّا إِنْ كَانَ عَايَنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَ مِمَّا لا يَغْلِبُ تَغَيُّرُهُ فِى هَذِهِ الْمُدَّةِ فَيَصِحُّ.
وَكَذَلِكَ يَصِحُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِ مَبِيعٍ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ كَظَاهِرِ صُبْرَةِ نَحْوِ بُرٍّ وَرُؤْيَةِ الأُنْمُوذَجِ أَىْ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ بِالْعَيِّنَةِ وَيَصِحُّ بَيْعُ رُمَّانٍ وَبَيْضٍ إِذَا رَأَى ظَاهِرَهُ، وَكَذَا بَيْعُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ إِذَا رَأَى الْقِشْرَةَ السُّفْلَى وَهِىَ الْقِشْرَةُ الْقَاسِيَةُ الَّتِى تَلِى اللُّبَّ لِأَنَّ فِى بَقَائِهَا حِفْظًا لَهَا عَنْ سُرْعَةِ الْفَسَادِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يَصِحُّ بَيْعُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَعَلَيْهِ أَىْ لا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِىِّ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
الشَّرْحُ لا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِىِّ مَالَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَبِيعَهُ مَالَهُ، وَأَجَازَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بَيْعَ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَليِّهِ وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَءَاخَرِينَ. وَمِثْلُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ مَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ لِكَوْنِهِ سَفِيهًا فَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَالسَّفِيهُ هُوَ الَّذِى يَبْلُغُ وَهُوَ لا يُصْلِحُ دِينَهُ وَمَالَهُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ وَيُسَمَّى غَيْرَ الرَّشِيدِ، وَيَكْفِى عِنْدَ بَعْضِ الأَئِمَّةِ أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِدِينِهِ بِأَنْ يَبْلُغَ وَهُوَ تَارِكُ الصَّلاةِ أَوْ يَتَعَاطَى الْمَعَاصِىَ الْمُفَسِّقَةَ.
وَيَدْخُلُ فِى حُكْمِ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ، وَالْمُكْرَهُ هُوَ مَنْ هُدِّدَ بِنَحْوِ الْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ الأَطْرَافِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِى عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ] بِهَذَا اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَطَإِ مَا يَفْعَلُهُ الشَّخْصُ بِدُونِ إِرَادَةٍ.
فَإِذَا حَرُمَ إِكْرَاهُهُ عَلَى بَيْعِ مَا يَمْلِكُ حَرُمَ شِرَاؤُهُ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُكْرَهٌ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ شَرْعِىٍّ فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ كَأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ كَبَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنٍ أَوْ شِرَاءِ مَالٍ أُسْلِفَ فِيهِ فَأَكْرَهَهُ حَاكِمٌ عَلَى ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ عَدَمِ الإِكْرَاهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/29] وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] وَابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ].
فَائِدَةٌ الطِّفْلُ إِذَا اصْطَادَ سَمَكًا صَارَ مِلْكًا لَهُ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إِنَّمَا أَبُوهُ يَبِيعُهُ لَهُ مِنْ أَجْلِ مَصْلَحَتِهِ، كَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْغَابَةَ فَجَمَعَ حَطَبًا صَارَ مِلْكًا لَهُ وَأَبُوهُ يَبِيعُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَتْ أُمُّهُ وَتَرَكَتْ مَالًا فَالْمَالُ الَّذِى يَرِثُهُ مِنْ أُمِّهِ أَبُوهُ يَبِيعُهُ لِمَصْلَحَتِهِ إِذَا رَأَى فِى ذَلِكَ فَائِدَةً لَهُ وَإِذَا أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يُعْطِيَهُ هَدِيَّةً أَبُوهُ يَقْبَلُهَا لَهُ وَيَقْبِضُ لَهُ [أَىْ إِنْ كَانَ عَدْلًا].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ لا قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ الْبَيْعِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَبِيعَ مَا لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَكِنْ إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِى قَادِرًا عَلَى تَسَلُّمِهِ صَحَّ الْبَيْعُ، فَلا يَصِحُّ بَيْعُ ضَالٍّ وَمَغْصُوبٍ وَنَادٍّ لِمَنْ لا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ [نَدَّ الْبَعِيرُ يَنِدُّ بِالْكَسْرِ نَفَرَ وَذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ شَارِدًا]، بِخِلافِهِ لِقَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ بِلا كَثِيرِ مُؤْنَةٍ أَوْ كُلْفَةٍ فَيَجُوزُ. فَعَلَى هَذَا لَوِ اغْتُصِبَ لَهُ دَارٌ أَوْ سَيَّارَةٌ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَلِّمَهَا لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا إِلَّا لِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَهَا مِنَ الظَّالِمِ وَيَنْتَفِعَ بِهَا.
وَقَوْلُهُ أَوْ لا قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ يَجْمَعُهَا مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُطْلَقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ [فِى الأَوْسَطِ]
جمَاعُ مَا نُهِىَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بنُ عَلِىِّ بنِ عَفَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ].
حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ عَنْ أَبِى الزّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْحَصَى» [بَيْعُ الْحَصَى مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّجُلِ ثِيَابٌ فَيَقُولُ لِلَّذِى يَأْتِى لِلشِّرَاءِ بِعْتُكَ الثَّوْبَ الَّذِى تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، بَدَلَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ أَىْ بَعْدَ وُقُوعِ الْحَصَاةِ عَلَيْهِ وَتَعْيِينِهِ، يَجْعَلُ ذَلِكَ بَيْعًا ثَابِتًا مِنَ الِابْتِدَاءِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْحَصَاةِ عَلَى الثَّوْبِ قَبْلَ تَعْيِينِهِ].
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بنُ عَامِرٍ نَا شَاذَانُ قَالَ أَيُّوبُ بنُ عُتْبَةَ أَخْبَرَنَا عَنْ يَحْيَى بنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِى سُنَنِهِ].
قَالَ أَبُو بَكْرٍ [هُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ] وَنَهْىُ رَسُولِ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ يَدْخُلُ فِى أَبْوَابٍ مِنَ الْبُيُوعِ وَذَلِكَ كُلُّ بَيْعٍ عَقَدَهُ مُتَبَايِعَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى شَىْءٍ مَجْهُولٍ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِى أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا، مِنْ ذَلِكَ
• بَيْعُ مَا فِى بُطُونِ الْحَيَوَانِ مِنَ الأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ.
• وَبَيْعُ الأَلْبَانِ فِى ضُرُوعِ الأَنْعَامِ.
• وَبَيْعُ السَّمْنِ فِى الأَلْبَانِ وَعَصِيرِ هَذَا الْعِنَبِ وَزَيْتِ هَذَا الزَّيْتُونِ.
• وَبَيْعُ الْحِيتَانِ فِى الْمَاءِ الَّتِى تُؤَجَّلُ إِلَى اصْطِيَادِهِ أَوْ لا تُؤَجَّلُ.
• وَبَيْعُ الطَّيْرِ فِى السَّمَاءِ [وَأَمَّا النَّحْلُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ فِى الْهَوَاءِ لِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى كَوَّارَتِهِ]، وَالْعَبْدِ الآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ.
• وَكُلُّ شَىْءٍ مَعْدُومِ الشَّخْصِ فِى وَقْتِ تَبَايُعِهِمَا وَإِنْ وُجِدَ وَجْهٌ مَجْهُولٌ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ وَمَا كَانَ فِى هَذَا الْمَعْنَى وَأَنَا ذَاكِرٌ مَا يَحْضُرُنِى مِنْ بُيُوعٍ أُخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحَدُهُمْ يَشْتَرِى بِالشَّارِفِ مِنَ الإِبِلِ حَبَلَ الْحَبَلَةِ.
ذِكْرُ النَّهْىِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ [أَيِ ابْنُ الْمُنْذِرِ] وَمِمَّا هُوَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ حَبَلُ الْحَبَلَةِ أَخْبَرَنَا الْبُخَارِىُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ» [أَخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ].
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى مَعْنَاهُ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ فِى خَبَرِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا حَامِدُ بنُ أَبِى حَامِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الرَّازِىُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَهُوَ بَيْعٌ كَانُوا يَتَبَايَعُونَهُ بِالْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَزُورَ حَتَّى تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ يُنْتَجَ مَا فِى بَطْنِهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِىُّ وَلا أَعْلَمَهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِى إِبْطَالِ هَذَا الْبَيْعِ لِأَنَّهُ أَجَلٌ مَجْهُولٌ لا يُدْرَى أَيَكُونُ أَوْ لا، وَلا إِذَا كَانَ مَتَى يَكُونُ يَسْتَقْدِمُ وَيَسْتَأْخِّرُ وَقَدْ لا يَأْتِى ذَلِكَ الْوَقْتُ لِأَنَّ النَّاقَةَ قَدْ لا تَلِدُ، وَإِنْ نُتِجَتِ النَّاقَةُ لَمْ يُدْرَ أَتُنْتَجُ وَلَدُهَا، وَقَدْ يَكُونُ وَلَدُهَا ذَكَرًا فَلا يُنْتَجُ وَقَدْ تَمُوتُ النَّاقَةُ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، وَالْبَيْعُ إِلَى الأَجَلِ الْمَجْهُولِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يَبِيعَ وَلَدَ الْجَنِينِ الَّذِى فِى بَطْنِ النَّاقَةِ، هَذَا قَوْلُ أَبِى عُبَيْدٍ وَحُكِىَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ هُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَىُّ ذَلِكَ كَانَ فَالْبَيْعُ فِيهِ يَبْطُلُ مِنْ وُجُوهٍ.
ذِكْرُ النَّهْىِ عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ وَهُوَ بَيْعُ مَا فِى بُطُونِ الإِنَاثِ
رُوِّينَا عَنِ النَّبِىِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ، وَهُوَ بَيْعُ مَا فِى الأَرْحَامِ، حَدَّثَنِيهِ حَامِدُ بنُ أَبِى حَامِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِىُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُوسَى بنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِىُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَرَوَى أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الدَّارِىُّ عَنْ حَاجِبِ بنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ].
