ثُمَّ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ مُبَاشَرَةُ الطِّيبِ إِذَا كَانَ صَالِحًا لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ بِأَنْ يُلْصِقَهُ بِبَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ عَلَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الطِّيبِ، فَإِذَا مَسَّ طِيبًا يَابِسًا كَمِسْكٍ فَعَبِقَ بِهِ رِيْحُهُ لا عَيْنُهُ أَوْ حَمَلَ الْعُودَ أَوْ أَكَلَهُ لَمْ يَضُرَّ فَلا يَحْرُمُ، لِأَنَّ الرِّيحَ قَدْ تَحْصُلُ بِالْمُجَاوَرَةِ بِلا مَسٍّ فَلا اعْتِبَارَ بِهِ، وَلِأَنَّ حَمْلَهُ وَأَكْلَهُ لا يُعَدُّ تَطَيُّبًا، وَإِنْ تَجَمَّرَ بِهِ أَوْ حَمَلَ الْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ فِي ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ لَهُ أَوْ حَمَلَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي جَيْبِهَا أَوْ فِي حَشْوِ حُلِيِّهَا وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ،
وَكَذَا تَجِبُ لَوِ اسْتَعْطَ بِهِ أَوِ احْتَقَنَ أَوِ اكْتَحَلَ بِهِ. وَالتَّطَيُّبُ بِالْوَرْدِ أَنْ يَشُمَّهُ مَعَ اتِّصَالِهِ بِأَنْفِهِ، وَالتَّطَيُّبُ بِمَائِهِ أَنْ يَمَسَّهُ كَالْعَادَةِ بِأَنْ يَصُبَّهُ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ فَلا يَكْفِي شَمُّهُ، وَإِنْ حَمَلَ مِسْكًا وَنَحْوَهُ فِي خِرْقَةٍ مَشْدُودَةٍ أَوْ فَأْرَةٍ غَيْرِ مَشْقُوقَةٍ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ شَمَّ الرِّيحَ لِوُجُودِ الْحَائِلِ، وَإِنْ كَانَتِ الْفَأْرَةُ مَشْقُوقَةً وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ [وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ:
«وَلا يَضُرُّ شَمُّ مَاءِ الْوَرْدِ إِذِ التَّطَيُّبُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِسْكٌ إِنَّمَا يَكُونُ بِصَبِّهِ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ»]، وَلَوْ جَلَسَ عَلَى مَكَانٍ مُطَيَّبٍ أَوْ دَاسَ طِيبًا بِنَعْلِهِ فَدَى، وَلَوْ فَرَشَ عَلَى الْمَكَانِ الْمُطَيَّبِ ثَوْبًا أَوْ لَمْ يَفْرِشْ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِهِ شَىْءٌ مِنْ عَيْنِ الطِّيبِ فَلا فِدْيَةَ، فَعُلِمَ مِنْ مَا مَضَى أَنَّهُ لا فِدْيَةَ عَلَى الْمُتَطَيِّبِ النَّاسِي لِلإِحْرَامِ وَالْمُكْرَهِ عَلَى التَّطَيُّبِ وَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيْمِ أَوْ بِكَوْنِهِ طِيبًا أَوْ رَطْبًا لِعُذْرِهِ لا الْجَاهِلِ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فَقَطْ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيْمِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ. وَمَنْ مَسَّ سِتَارَ الْكَعْبَةِ أَوِ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ أَنَّهَا مُطَيَّبَةٌ بِطِيبٍ يَعْلَقُ عَلَى بَدَنِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَىْءٌ أَمَّا إِنْ كَانَ عَالِمًا فَفَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
أَمَّا قَبْلَ الإِحْرَامِ فَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ سُنِّيَّةِ التَّطَيُّبِ لِلإِحْرَامِ وَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَلْنَذْكُرْ هُنَا دلِيلًا حَدِيثِيَّا ءَاخَرَ وَهُوَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِحْرَامِهِ [هَذَا لِلنُّسُكِ] وَلِحِلِّهِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ]. وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمَةِ كُلُّ الْحُلِيِّ وَلُبْسُ الْحَرِيرِ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْتَحِلَ.
وَأَمَّا مَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ الإِحْرَامِ ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَ الإِحْرَامِ فَأَصَابَهَا الطِّيبُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى لابِسًا لَهَا لَكِنْ إِذَا رَفَعَهَا عَنْهُ فَلا يُعِيدُهَا عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا غَسَلَهَا وَذَهَبَتِ الرَّائِحَةُ، أَوْ يَلْبَسَ غَيْرَهَا. وَإِذَا غَسَلَ ثِيَابَهُ بِمُنَظِّفَاتِ الْغَسِيلِ الْمُعَطَّرَةِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ هَذِهِ إِلَّا إِنْ زَالَتْ مِنْهَا الرَّائِحَةُ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُ الصَّابُونِ الْمُطَيَّبِ فِي بَدَنِهِ أَوْ سَائِلٍ مُطَيَّبٍ وَلَوْ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الأَوَانِي.
تَنْبِيهٌ التَّطَيُّبُ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَلَيْسَ بِحَرَامٍ إِلَّا إِنْ قَصَدَتِ التَّعَرُّضَ لِلرِّجَالِ وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌّ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا مُتَعَطِّرَةً فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيْحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ]، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لِيَجِدُوا رِيحَهَا» بَيَانٌ مِنْهُ أَنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ خُرُوجُهَا مُتَطَيِّبَةً إِلَّا إِذَا كَانَ قَصْدُهَا ذَلِكَ.
فَاتَّضَحَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا أَوْهَمَ تَحْرِيْمَ التَّطَيُّبِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ خُرُوجِهَا مُطْلَقًا هُوَ مُؤَوَّلٌ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ وَنَحْوِهِمَا. وَأَمَّا دَعْوَى بَعْضِ النَّاسِ بِأَنَّ لامَ «لِيَجِدُوا رِيْحَهَا» لامُ الْعَاقِبَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِسَنَنِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إِلْغَاءُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ، ثُمَّ يَرُدُّهُ أَيْضًا أَنَّ اللَّامَ لا تَكُونُ لِلْعَاقِبَةِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهَا نَقِيضُ مُقْتَضَى مَا قَبْلَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْقَوَاطِعُ»، وَالْمَجَازُ لَهُ شَرْطٌ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَقِيقَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ تُصَانُ عَنْهُ النُّصُوصُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الأُصُولِيُّونَ مِنْهُمُ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَدَهْنُ رَأْسٍ وَلِحْيَةٍ بِزَيْتٍ أَوْ شَحْمٍ أَوْ شَمْعِ عَسَلٍ ذَائِبَيْنِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الثَّانِيَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ دَهْنُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِمَا يُسَمَّى دُهْنًا وَلَوْ غَيْرَ مُطَيَّبٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِالزَّيْتِ أَوِ السَّمْنِ أَوِ الزُّبْدَةِ أَوْ بِشَحْمٍ أَوْ شَمْعِ عَسَلٍ ذَائِبَيْنِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلا يَحْرُمُ كَالَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْجُرْحِ وَهُوَ غَيْرُ مُطَيَّبٍ، وَلَهُ دَهْنُ شَعَرِ جَسَدِهِ وَلَهُ أَكْلُ الشَّحْمِ وَالزَّيْتِ، وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ أَصْلَعَ أَوْ أَقْرَعَ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دَهْنُ رَأْسِهِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَى الأَمْرَدِ دَهْنُ ذَقَنِهِ بِالزَّيْتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدُّهُونِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِزَالَةُ ظُفْرٍ وَشَعَرٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ الثَّالِثَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ إِزَالَةُ الظُّفْرِ بِدُونِ الْمَنْبِتِ فَإِنْ أَزَالَهُ مَعَ الْمَنْبِتِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ لَكِنَّهُ يَحْرُمُ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ لا يَحْرُمُ إِزَالَةُ الْمُنْكَسِرِ إِذَا انْكَسَرَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ أَيْ أَنَّ إِزَالَةَ الظُّفْرِ الْمُنْكَسِرِ لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ وَلا فِدْيَةٌ سَوَاءٌ كَانَ انْكَسَرَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ إِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِبَاقِيهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَزَالَ شَعْرَةً مِنْ بَاطِنِ الْعَيْنِ نَبَتَتْ دَاخِلَ جَفْنِهِ جَازَ وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تُؤْذِي،
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ شَعَرُهُ يُغَطِّي عَيْنَهُ فَأَزَالَهُ فَلَيْسَ حَرَامًا أَنْ يُزِيلَهُ وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ [فَإِنْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً بِصِفَةِ الأُضْحِيَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ ثَلاثَةَ ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَوْ حَلَقَ جَمِيعَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ حَلَقَ شَعَرَ رَأْسِهِ فِي مَكَانَيْنِ أَوْ مَكَانٍ وَاحِدٍ لَكِنْ فِي زَمَانَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ وَجَبَتْ فِدْيَتَانِ وَلَوْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ أَوْ قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارٍ فِي ثَلاثَةِ أَمْكِنَةٍ أَوْ ثَلاثَةِ أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَجَبَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يَجِبُ فِيهَا لَوِ انْفَرَدَتْ].
ثُمَّ إِنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنِ انْتَتَفَ شَىْءٌ مِنْ شَعَرِ رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ انْتَتَفَ بِفِعْلِهِ أَمَّا إِنْ شَكَّ هَلِ انْتَتَفَ بِفِعْلِهِ أَمْ كَانَ مُنْتَتِفًا قَبْلًا فَسَقَطَ مَعَ الْمِشْطِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ. وَفِي نَتْفِ شَعْرَةٍ أَوْ قَصِّ ظُفْرٍ مُدٌّ وَفِي اثْنَيْنِ مُدَّانِ وَفِي ثَلاثَةٍ وِلاءً أَيْ إِنْ أَزَالَهَا عَلَى التَّتَابُعِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِدْيَةٌ.
وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْسِلَ شَعَرَهُ بِنَحْوِ سِدْرٍ أَوْ صَابُونٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ وَالأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ، وَالسِّدْرُ شَجَرٌ يَطْلَعُ مِنْهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ يُسَنُّ وَضْعُهُ فِي مَاءِ غَسْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الرَّسُولُ لِلنِّسَاءِ «اغْسِلْنَهَا وَاجْعَلْنَ فِي مَائِهَا سِدْرًا» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ].
كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ مَعَ الْكَرَاهَةِ الِاكْتِحَالُ بِمَا فِيهِ زِينَةٌ كَالإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ الأَسْوَدِ إِلَّا لِعُذْرٍ كَوَجَعِ الْعَيْنِ فَلا يُكْرَهُ، فَلَيْسَ الْمُحْرِمُ مِثْلَ الَّتِي تُحِدُّ عَلَى زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى فَإِنَّهَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَكْتَحِلَ بِمَا فِيهِ زِينَةٌ وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَكْتَحِلَ بِالإِثْمِدِ فِي النَّهَارِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَجِمَاعٌ وَمُقَدِّمَاتُهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ الرَّابِعَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ الْجِمَاعُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُحْرِمَةٍ تَمْكِينُ حَلِيلٍ مُحْرِمٍ، قَالَ الْفُقَهَاءُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْرِمَةِ تَمْكِينُ زَوْجِهَا الْمُحْرِمِ مِنَ الْجِمَاعِ أَوْ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْحَلالِ أَيِ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَطْءُ مُحْرِمَةٍ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ، يَقُولُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ دُونَ إِذْنِ زَوْجِهَا فَلَهُ أَنْ يَغْصِبَهَا عَلَى التَّحْلِيلِ لِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِدُونِ إِذْنِهِ [وَالْمُرَادُ بِتَحْلِيلِهِ إِيَّاهَا أَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّحَلُّلِ وَتَحَلُّلُهَا كَتَحَلُّلِ الْمحصَرِ فَلَوْ لَمْ تَتَحَلَّلْ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالإِثْمُ عَلَيْهَا لا عَلَيْهِ] وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ حَتَّى فِي الْمُحْرِمَةِ بِالْفَرْضِ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ تُحْرِمَ الْمَرْأَةُ بِدُونِ إِذْنِ زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَتْ هِيَ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَجُّ لِكَوْنِهَا مُسْتَطِيعَةً هَؤُلاءِ قَالُوا إِنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي أَيْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ هَذَا الْعَامَ يَحُجُّ الْعَامَ التَّالِي وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ التَّالِي يَحُجُّ الْعَامَ الَّذِي بَعْدَهُ فَاعْتَبَرُوهَا عَاصِيَةً إِذَا أَحْرَمَتْ بِدُونِ إِذْنِهِ، لَكِنْ هُنَاكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنَ الْحَجِّ الْفَرْضِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَهَا بِالتَّحَلُّلِ.
وَأَمَّا الْمُقَدِّمَاتُ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمُعَانَقَةِ بِشَهْوَةٍ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَعَلَيْهِ دَمٌ أَيْ عَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ أَوِ التَّصَدُّقُ بِثَلاثَةِ ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلِ الْمَنِيَّ أَمَّا إِنْ كَانَ بِحَائِلٍ فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَلا فِدْيَةَ فِيهِ. وَالشَّهْوَةُ التَّلَذُّذُ أَيِ اشْتِيَاقُ النَّفْسِ إِلَى ذَلِكَ وَمَيْلُهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَقْدُ النِّكَاحِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْخَامِسَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَقْدُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ وَلا يَصِحُّ ذَلِكَ، فَلَوْ عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا أَوْ وَكَّلَ شَخْصًا بِأَنْ يَعْقِدَ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا وَلا يَنْعَقِدُ ذَلِكَ النِّكَاحُ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ [فِي صَحِيحِهِ] عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ».
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَصَيْدُ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ وَحْشِيٍّ.
الشَّرْحُ أَنَّ السَّادِسَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ الِاصْطِيَادُ أَيِ التَّعَرُّضُ لِصَيْدٍ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ وَحْشِيٍّ أَوْ مُتَوَلِّدٍ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ طَيْرًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوِ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيُّ حَرُمَ لا عَكْسُهُ كَبَعِيرٍ نَدَّ أَيْ هَرَبَ وَدَخَلَ الْغَابَةَ مَثَلًا وَصَارَ وَحْشِيًّا فَلا يَحْرُمُ اصْطِيَادُهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُسْتَأْنِسٌ. وَكَمَا لا يَجُوزُ صَيْدُ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ وَحْشِيٍّ عَلَى الْمُحْرِمِ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنَفِّرَهُ وَيَطْرُدَهُ.
وَلا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ اصْطِيَادُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ أَيِ اصْطِيَادُ مَا لا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِ فَإِنَّهُ لا يَحْرُمُ كَمَا لا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْرِمِ، كَذَلِكَ لا يَحْرُمُ اصْطِيَادُ كُلِّ حَيَوَانٍ مُؤْذٍ طَبْعًا أَيِ الَّذِي هُوَ مِنْ طَبِيعَتِهِ الإِيذَاءُ بَلْ يُنْدَبُ كَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ وَالْحِدَأَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ [الْكَلْبُ الْعَقُورُ الأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالْحِدَأَةُ طَيْرٌ يُشْبِهُ الصَّقْرَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَنْقَضُّ عَلَى حَامِلِ اللَّحْمِ مِنَ الْجَوِّ فَيَخْطِفُهُ مِنْ يَدِهِ وَقَدْ يَجْرَحُهُ]،
هَذِهِ الأَشْيَاءُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي قَتْلِهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] فِي حَالِ الإِحْرَامِ وَفِي غَيْرِ حَالِ الإِحْرَامِ وَفِي قَتْلِهَا ثَوَابٌ. أَمَّا الْقَمْلُ فَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ التَّعَرُّضُ لَهُ فَإِنْ قَتَلَهُ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُسَنُّ لِمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَىْءٍ وَلَوْ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ.
أَمَّا الشَّىْءُ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ وَفِيهِ ضَرَرٌ كَالْفَهْدِ هَذَا لا يُسَنُّ قَتْلُهُ وَلا يُكْرَهُ.
وَيَحْرُمُ قَتْلُ النَّحْلِ وَالنَّمْلِ السُّلَيْمَانِيِّ وَهُوَ أَحْمَرُ كَبِيرٌ لا يُؤْذِي فَقَدْ نَهَى الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ]. وَالصُّرَدُ طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ يَصْطَادُ الْعَصَافِيرَ لَيْسَ مِنَ الصُّقُورِ، هَؤُلاءِ الأَرْبَعَةُ قَتْلُهُنَّ لا يَجُوزُ لَكِنْ النَّحْلَةُ إِذَا هِيَ تَوَجَّهَتْ إِلَيْكَ لِلأَذَى يَجُوزُ دَفْعُهَا عَنْكَ وَلَوْ قُتِلَتْ فِي سَبِيلِ الدَّفْعِ.
أَمَّا النَّمْلُ الأَحْمَرُ الْكَبِيرُ فَسَمَّوْهُ السُّلَيْمَانِيَّ لِأَنَّ ذَلِكَ الصِّنْفَ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي سُلَيْمَانَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [سُورَةَ النَّمْل/18] أَمَّا النَّمْلُ الصَّغِيرُ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ، أَمَّا الْحَيَوَانُ الَّذِي لا يَظْهَرُ مِنْهُ نَفْعٌ وَلا ضَرَرٌ كَالسَّرَطَانِ فَقَتْلُهُ مَكْرُوهٌ.
وَكَذَلِكَ لا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ التَّعَرُّضُ لِلْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ الْبَحْرِيِّ وَهُوَ مَا لا يَعِيشُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ وَلَوْ نَحْوِ بِئْرٍ وَلَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَأْكُولِ الْبَحْرِيِّ الْمَأْكُولُ الْمَائِيُّ وَلَوْ كَانَ يُخْلَقُ فِي ضِمْنِ الْبِئْرِ فَلَوْ كَانَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ بِرْكَةٌ يَتَوَلَّدُ فِيهَا السَّمَكُ وَنَحْوُهُ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَرِّيًّا إِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُ الْبَرِّيِّ الْمَأْكُولِ الْوَحْشِيِّ.
وَكَمَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ أَيْ لِلْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِنَحْوِ بَيْضِهِ وَلَبَنِهِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ كَشَعَرِهِ وَرِيشِهِ. وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ تُغْرَمُ فَمَنْ أَتْلَفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ رِيشَ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ مَأْكُولٍ وَحْشِيٍّ أَوْ شَعَرَهُ أَوْ بَيْضَهُ أَوْ قِشْرَهُ إِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَذَلِكَ كَقِشْرِ بَيْضِ النَّعَامِ الْمَذِرِ أَيِ الْفَاسِدِ لِأَنَّ قِشْرَهُ لَهُ قِيمَةٌ بِخِلافِ الْبَيْضِ الْمَذِرِ مِنْ غَيْرِ النَّعَامِ إِذَا أَتْلَفَهُ الْحَاجُّ الْمُحْرِمُ.
أَمَّا إِذَا أَتْلَفَ الْحَيَوَانَ فَيَدْفَعُ الْمِثْلَ فَمَنْ قَتَلَ نَعَامَةً يَدْفَعُ مِثْلَهَا أَيْ مَا يُشْبِهُهَا مِنَ الأَنْعَامِ الثَّلاثَةِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَمِثْلُ النَّعَامَةِ مِنْ بَيْنِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ الإِبِلُ فَيَذْبَحُهُ وَيَدْفَعُهُ لِثَلاثَةٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ فَأَكْثَرَ ثُمَّ هُمْ إِنْ شَاءُوا يَأْكُلُونَهَا وَإِنْ شَاءُوا يَبِيعُونَهَا وَيَنْتَفِعُونَ بِالثَّمَنِ، وَالَّذِي يَقْتُلُ ضَبُعًا وَهُوَ مُحْرِمٌ يَدْفَعُ كَبْشًا، وَالضَّبُعُ مَأْكُولٌ.
فَائِدَةٌ الْحَشَرَاتُ الَّتِي تَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَفِي خَارِجِ الْمَاءِ حَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَكْلُهَا وَتَحِلُّ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا ذُبِحَتْ، الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ هَذِهِ الْحَشَرَاتُ أَيِ الْحَيَوَانَاتُ الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَتْ تَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِثْلُ السَّرَطَانِ مُسْتَخْبَثَةٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سُورَةَ الأَعْرَاف/157] وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَبَائِثِ فَلا يَجُوزُ أَكْلُهَا، وَمِثْلُهُ الضِّفْدَعُ وَهَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُزَّاقٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَلَى الرَّجلِ سَتْرُ رَأْسِهِ وَلُبْسُ مُحِيطٍ بِخِيَاطَةٍ أَوْ لِبْدٍ [اللِّبْدُ مَا يَتَلَبَّدُ مِنْ شَعَرٍ أَوْ صُوفٍ] أَوْ نَحْوِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ السَّابِعَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَلَى الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ مُخْتَارًا سَتْرُ شَىْءٍ مِنْ رَأْسِهِ وَإِنْ قَلَّ كَالْبَيَاضِ الْمُحَاذِي لِأَعْلَى الأُذُنِ لا الْمُحَاذِي لِشَحْمَةِ الأُذُنِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا وَإِنْ حَكَى اللَّوْنَ وَكَانَ غَيْرَ مُحِيطٍ كِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ بِحَيْثُ لا تُقَارِبُ الْخَيْطَ، بِخِلافِ نَحْوِ خَيْطٍ دَقِيقٍ وَمَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ وَفِدْيَةٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْخَيْطِ فَلا يَحْرُمُ وَلَيْسَ فِيهِ فِدْيَةٌ،
وَكَذَلِكَ لا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَتَوَسَّدَ نَحْوَ عِمَامَةٍ يَضَعُهَا تَحْتَ رَأْسِهِ، وَكَذَلِكَ لا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا السَّتْرَ أَمَّا إِنْ قَصَدَ سَتْرَ رَأْسِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَحَرَامٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُهُ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُ مُحِيطٍ أَيْ مَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ حَتَّى كِيسِ اللِّحْيَةِ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ السَّتْرُ وَالْحَلْقُ لِلْحَاجَةِ كَكَثْرَةِ الْقَمْلِ وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحِيطَ أَيْ مَا يُحِيطُ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ،
وَالْحَاجَةُ تَكُونُ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ مَرِيضًا فَاحْتَاجَ لِلُبْسِ الْمُحِيطِ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحِيطَ ثُمَّ يَفْدِي، أَمَّا إِنْ نَسِيَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فَلَبِسَ السِّرْوَالَ فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ إِزَارَهُ بِأَنْ يَرْبِطَ كُلًّا مِنْ طَرَفَيْهِ بِالآخَرِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْبِطَ خَيْطًا عَلَى إِزَارِهِ وَأَنْ يَعْقِدَ هَذَا الْخَيْطَ عَلَى الإِزَارِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَقَلَّدَ سَيْفًا وَأَنْ يَشُدَّ مِنْطَقَةً عَلَى وَسَطِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا تُفِيدُهُ تَثْبِيتَ الإِزَارِ.
وَمَقْصُودُ الْفُقَهَاءِ هُنَا بِالْحَاجَةِ مَا فِي تَرْكِهِ مَشَقَّةٌ لا يُحْتَمَلُ مِثْلُهَا عَادَةً وَإِنْ كَانَتْ لا تُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَلُفَّ عِمَامَةً عَلَى وَسَطِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقِدَهَا، وَيَجُوزُ أَيْضًا لُبْسُ الْخَاتَمِ وَالسَّاعَةِ وَالنَّظَّارَةِ وَالْحِزَامِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ خِيَاطَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ قِمَاشٍ كَهَذَا الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ النُّقُودُ وَنَحْوِهَا.
وَأَنْ يَحْتَبِيَ بِحَبْوَةٍ وَإِنْ عَرُضَتْ جِدًّا كَأَنْ أَخَذَتْ رُبُعَ الظَّهْرِ بِشَرْطِ أَنْ تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ حَبْوَةً [الْعَرَبُ الْقُدَمَاءُ كَانُوا فِي مَجَالِسِهِمْ يُدِيرُونَ الرِّدَاءَ عَلَى الظَّهْرِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَيَكُونُ الشَّخْصُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ تُرِيحُهُ]. وَيَجُوزُ عَمَلُ كِيسٍ لِلنَّعْلِ يَحْمِلُهُ الْمُحْرِمُ مَعَ عِلاقَةٍ مِثْلُ حِمَالَةِ السَّيْفِ. وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ مَا عُرِفَ بِالدَّبُّوسِ الإِفْرَنْجِيِّ فِي الرِّدَاءِ أَوْ لِرَبْطِ الإِزَارِ لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ وَاسْتِعْمَالُ مَا يُسَمَّى أَزْرَارَ الْكَبْسُونِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَلا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَضَعَ الْمِنْشَفَةَ عَلَى رَأْسِهِ لِتَنْشِيفِهِ بِحَيْثُ يُعَدُّ سَاتِرًا لِرَأْسِهِ أَمَّا إِنْ نَشَّفَ رَأْسَهُ بِطَرَفِ الْمِنْشَفَةِ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ سَتْرًا فَيَجُوزُ. وَلَوْ وَضَعَ حَقِيبَةً عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِنْ قَصَدَ سَتْرَهُ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ قَصَدَ الْحَمْلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَة. وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ عِنْدَ النَّوْمِ بِنَحْوِ بَطَّانِيَّةٍ. وَيَحْرُمُ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسُ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ فَقَالَ «لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلا الْعَمَائِمَ وَلا السّرَاوِيلاتِ وَلا الْبَرَانِسَ وَلا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ».
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَلَى الْمُحْرِمَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا وَقُفَّازٌ.
الشَّرْحُ أَنَّ الثَّامِنَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ الإِحْرَامِ أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا دُونَ بَقِيَّةِ بَدَنِهَا فَيَجِبُ سَتْرُهُ وَلَوْ بِمُحِيطٍ [جَاءَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، الْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ سَتْرُ رَأْسِهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا بِالإِحْرَامِ سَتْرُ وَجْهِهَا، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ قُفَّازٍ]،
وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتُرَ مِنَ الْوَجْهِ الْقَدْرَ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ سَتْرُ الرَّأْسِ بِدُونِهِ فِي الصَّلاةِ فَهَذَا شَأْنُهَا فِي الإِحْرَامِ إِذْ لا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سَتْرِ الْوَاجِبِ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ «مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ»، فَلَمَّا كَانَ سَتْرُ الرَّأْسِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَاجِبًا كَمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ الْمُحْرِمَةِ وَكَانَ سَتْرُ الْوَجْهِ حَرَامًا عَلَى الْمُحْرِمَةِ جَازَ لَهَا أَنْ تَسْتُرَ شَيْئًا مِنْ وَجْهِهَا مَعَ الرَّأْسِ لِتَحْقِيقِ سَتْرِ الرَّأْسِ، لَكِنْ لا يَحْرُمُ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا فِي حَالِ الإِحْرَامِ بِثَوْبٍ مُتَجَافٍ عَنِ الْوَجْهِ بِنَحْوِ خَشَبَةٍ أَيْ بِحَيْثُ يَمْنَعُ لُصُوقَ السَّاتِرِ بِالْوَجْهِ وَلَوْ بِلا حَاجَةٍ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ بِالْمِظَلَّةِ،
فَإِنْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا مُتَجَافِيًا عَنِ الْوَجْهِ ثُمَّ وَقَعَ السِّتْرُ عَلَى الْوَجْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَوْرًا فَلا شَىْءَ عَلَيْهَا، أَوْ عَمْدًا أَوْ تَرَكَتْهُ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ فَقَدْ أَثِمَتْ وَلَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ [إِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِحُرْمَةِ سَتْرِ الْوَجْهِ وَسَتَرَتْ لَيْسَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ وَلا فِدْيَةٌ]، وَكَانَتْ أَزْوَاجُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرِ الْحَجِّ إِذَا حَاذَيْنَ الرَّكْبَ أَيِ الرِّجَالَ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ مَعَ الْمُجَافَاةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْصَقَ هَذَا السَّاتِرُ بِالْوَجْهِ، لِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ بِالنِّسْبَةِ لَهُنَّ فَرْضٌ عَلَى الدَّوَامِ بِحَضْرَةِ الأَجَانِبِ، أَمَّا عَلَى غَيْرِهِنَّ فَلَيْسَ فَرْضًا إِنَّمَا الْفَرْضُ سَتْرُ الرَّأْسِ.
أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ لَهُنَّ أَحْكَامٌ خَصَّهُنَّ اللَّهُ بِهَا دُونَ سَائِرِ النِّسَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلا يُقَاسُ غَيْرُهُنَّ عَلَيْهِنَّ، الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي مَا عَاشَ بَعْدَهَا إِلَّا نَحْوَ ثَمَانِينَ يَوْمًا جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمَ الْعِيدِ وَكَانَتْ شَابَّةً جَمِيلَةً فَجَعَلَتْ تَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْحَجِّ، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟
قَالَ «نَعَمْ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ]، مَا قَالَ لَهَا غَطِّي وَجْهَكِ أَنْتِ شَابَّةٌ جَمِيلَةٌ لا يَجُوزُ لَكِ، وَهَذَا بَعْدَ نُزُولِ ءَايَةِ الْحِجَابِ بِنَحْوِ خَمْسِ سَنَوَاتٍ. فَهُؤَلاءِ النَّاسُ الَّذِينَ يَتَشَدَّدُونَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّشَدُّدِ فَيُحَرِّمُونَ مَا لَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ وَيَفْرِضُونَ مَا لَمْ يَفْرِضِ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ لا تُحْمَدُ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ.
أَقُولُ: لَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خِلافِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ الْحَنَفِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّ الْوَجْهَ يَجِبُ سَتْرُهُ أَيْ فِي زَمَانِنَا لا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ بَلْ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ اهـ وَكَذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ هُوَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ تُوُفِّيَ بَعْدَ تِسْعِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ أَيْضًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَّا أَنَّهُ أَقْدَمُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ:
«لِلْمَرْأَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا إِجْمَاعًا وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ» اهـ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «وَلَوْ مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ بِكَشْفِهِ» اهـ كَمَا فِي مِنَحِ الْجَلِيلِ شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ، وَمَعْنَاهُ إِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا ثُمَّ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ أَيْ أَنْ لا يَنْظُرُوا بِشَهْوَةٍ فَإِنْ نَظَرُوا بِشَهْوَةٍ إِلَى الْوَجْهِ فَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَمَّا إِنْ نَظَرُوا بِلا شَهْوَةٍ فَلَيْسَ حَرَامًا، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ كَلامَ الْقَاضِي وَأَقَرَّهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى إِيضَاحِ النَّوَوِيِّ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ:
«(قَوْلُهُ أَوِ احْتَاجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ حَاجَتِهَا لِذَلِكَ مَا إِذَا خَافَتْ مِنْ نَظَرٍ إِلَيْهَا يَجُرُّ لِفِتْنَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا لا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ وَجْهِهَا فِي الطُّرُقَاتِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ» انْتَهَى.
وَنَصُّ عِبَارَتِهِ فِي مَوْضِعٍ ءَاخَرَ: «وَمِنْهُ، أَيْ مِنَ الْمَكْرُوهِ أَنْ تَطُوفَ الْمَرْأَةُ مُنْتَقِبَةً وَهِيَ غَيْرُ مُحْرِمَةٍ» إِلَى أَنْ قَالَ: «وَإِلَّا فَهُوَ ذُهُولٌ عَمَّا قَالُوهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا كَشْفُ وَجْهِهَا إِجْمَاعًا وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ، وَلا يُنَافِيهِ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِسَتْرِهِ لِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهَا بِذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وُجُوبُهُ» انْتَهَى.
وَنَصُّ عِبَارَتِهِ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ بَعْدَ كَلامٍ: «وَأَمَّا الِاضْطِبَاعُ فَلا وَقْفَةَ فِي تَحْرِيْمِهِ لا مِنْ جِهَةِ التَّشَبُّهِ بَلْ لِأَنَّ فِيهِ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلطَّوَافِ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا لا يَأْتِي إِلَّا فِي الْحُرَّةِ إِنْ كَشَفَتْ مَنْكِبَهَا لِأَجْلِهِ أَمَّا لَوْ فَعَلَتْهُ فَوْقَ ثِيَابِهَا أَوْ لَمْ تَجِدْ مَا تَسْتُرُ بِهِ كُلَّ بَدَنِهَا وَجَوَّزْنَا طَوَافَهَا عَارِيَةً أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَلا حُرْمَةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا الأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي النَّظَرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ يَجُوزُ لِلْحُرَّةِ كَشْفُ وَجْهِهَا وَإِنْ قُلْنَا بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ [تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْحُرَّةِ بِلا شَهْوَةٍ خِلافُ الْمُعْتَمَدِ] وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ.
وَقَوْلُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ: يُسَنُّ لَهَا الرَّمَلُ لَيْلًا مَعَ الْخَلْوَةِ كَالسَّعْيِ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ رُدَّ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي السَّعْيِ وَهُوَ التَّشَبُّهُ بِهَاجَرَ لَمَّا سَعَتْ لِأَجْلِ عَطَشِ ابْنِهَا وَلَيْسَ ثَمَّةَ غَيْرُهَا كَمَا فِي الصَّحِيحِ مَوْجُودٌ فِي الْمَرْأَةِ بِخِلافِ مَعْنَى الرَّمَلِ، فَجَرَى ثَمَّةَ قَوْلٌ بِسَعْيِهَا فِي الْخَلْوَةِ وَلَمْ يَجْرِ هُنَا، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ الرَّمَلِ إِنْ أَدَّى إِلَى رُؤْيَةِ بَعْضِ عَوْرَتِهَا مِنْ أَسَافِلِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بِذَلِكَ إِذِ الرَّجُلُ كَذَلِكَ؛ أَمَّا إِذَا أَدَّى إِلَى حِكَايَةِ حَجْمِهَا فَلا وَجْهَ لِلْحُرْمَةِ خِلافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ لِقَوْلِهِمْ لُبْسُ مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ مَكْرُوهٌ» اهـ.
فَمِمَّا فِي هَذِهِ الْجُمَلِ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ سُنَّةٌ لِلرَّجُلِ وَلَيْسَ سُنَّةً لِلْمَرْأَةِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَطُوفَ الْمَرْأَةُ مُضْطَبِعَةً إِنْ فَعَلَتْ هَذَا فَوْقَ الثِّيَابِ وَلَمْ تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا أَوْ فِي حَالِ لَمْ تَجِدِ الْمَرْأَةُ سَاتِرًا تَسْتُرُ بِهِ مَنْكِبَهَا فَاضْطَبَعَتْ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهَا تَكُونُ كَشَفَتْ بَعْضَ جَسَدِهَا لِعُذْرٍ فِي الطَّوَافِ. وَفِي هَذِهِ الْجُمَلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ مَا يَصِفُ حَجْمَ جِسْمِهَا مَعَ سَتْرِ لَوْنِ الْجِلْدِ مِنْ هُزَالٍ أَوْ سِمَنٍ لَكِنْ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْقَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ إِنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ الضَّيِّقِ،
هَؤُلاءِ كَلامُهُمْ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ. قَالَ الْفُقَهَاءُ: لُبْسُ الضَّيِّقِ فِي الصَّلاةِ مَكْرُوهٌ لِلنِّسَاءِ وَأَقَلُّ مِنَ الْكَرَاهَةِ لِلرِّجَالِ أَمَّا أُولَئِكَ الْحَنَفِيَّةُ فَشَدَّدُوا فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّشْدِيدِ وَحَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَأَشَدُّ بُعْدًا عَنِ الْحَقِّ تَحْرِيْمُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ فَعِنْدَهُمْ لا يَجُوزُ لُبْسُ السِّرْوَالِ الضَّيِّقِ لا لِلرِّجَالِ وَلا لِلنِّسَاءِ.
هَذَا الْقَوْلُ ظَهَرَ فِيهِمْ مُنْذُ مِائَتَيْ سَنَةٍ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَبَرِيءٌ مِنْ هَذَا لا يَقُولُهُ.
وَلْنُورِدْ عِبَارَةً لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفِ بِعِلَّيْشٍ الْمَالِكِيِّ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى (مِنَحُ الْجَلِيلِ شَرْحُ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ) الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَتِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ مَمْزُوجًا بِالْمَتْنِ: «(وَ) هِيَ مِنْ حُرَّةٍ (مَعَ) رَجُلٍ (أَجْنَبِيٍّ) مُسْلِمٍ جَمِيعُ جَسَدِهَا (غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ظَهْرًا وَبطْنًا، فَالْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ لَيْسَا عَوْرَةً، فَيَجُوزُ لَهَا كَشْفُهُمَا لِلأَجْنَبِيِّ وَلَهُ نَظَرُهُمَا إِنْ لَمْ تُخْشَ الْفِتْنَةُ، فَإِنْ خِيفَتِ الْفِتْنَةُ بِهِ فَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ سَتْرِهِمَا وَقَالَ عِيَاضٌ: لا يَجِبُ سَتْرُهُمَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ غَضُّ بَصَرِهِ» انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمُطَالِعُ بِإِنْصَافٍ عِبَارَتَهُ مَا أَصْرَحَهَا فِي إِفَادَةِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ جَوَازُ كَشْفِ وَجْهِ الْحُرَّةِ. وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْكَلامُ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى يَرُدُّهَا قَوْلُ عِيَاضٍ وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ، وَبِهِ أَخَذَ شَارِحُ خَلِيلٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ ابْنِ عَابِدِينَ بِزَمَانٍ، وَقَوْلُ عِيَاضٍ هَذَا يُبْطِلُ دَعْوَى أَحَدِ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ أَنَّ كَشْفَ الْوَجْهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ لا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ وَأَيْنَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ الْعُلَمَاءُ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ سَتْرِ الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ فَمَحَلُّ اتِّفَاقٍ.
وَبَعْضُ مَنِ ادَّعَى الْعِلْمَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَهُنَّ كَأَزْوَاجِ الرَّسُولِ فِي وُجُوبِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ بَعْدَ نُزُولِ ءَايَةِ الْحِجَابِ عَلَيْهِنَّ، وَهَذَا الرَّجُلُ غَابَ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ الرَّسُولِ كَمَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ كُتُبِ الْحَدِيثِ شُهْرَةً بَعْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لِزَوْجَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِهِ لَمَّا دَخَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى «احْتَجِبَا مِنْهُ»، قَالَتَا أَوَلَيْسَ أَعْمَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا خَاصٌّ بِنِسَاءِ الرَّسُولِ» وَأَمَّا غَيْرُهُنَّ فَيَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ الْوَجْهِ عِنْدَ الأَجْنَبِيِّ.
ثُمَّ حَدِيثُ «احْتَجِبَا مِنْهُ» اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ قَالَ بَعْضٌ صَحِيحٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ ضَعِيفٌ فَجَوَازُ كَشْفِ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا فِي الطَّرِيقِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَيِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ، قَالَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأَئِمَّةِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي حَاشِيَةِ إِيضَاحِ الْمَنَاسِكِ لِلنَّوَوِيِّ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَبْلَهُ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا خَالَفَ الإِجْمَاعَ فَهُوَ بَاطِلٌ، حَتَّى الْحَدِيثَ إِذَا خَالَفَ الإِجْمَاعَ فَهُوَ مَرْدُودٌ لَيْسَ مِنْ كَلامِ الرَّسُولِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا» خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لَهَا «اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ». فَحَدِيثُ «احْتَجِبَا» خَاصٌّ بِنِسَاءِ الرَّسُولِ وَأَمَّا حَدِيثُ «اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ» فَلِغَيْرِهِنَّ.
هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ يَجِبُ سَتْرُ الْوَجْهِ فِي زَمَانِنَا دَفْعًا لِلْفِتْنَةِ كَلامُهُمْ لا مَعْنَى لَهُ، فَالْفِتْنَةُ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي زَمَنِ الرَّسُولِ لَيْسَ شَيْئًا جَدِيدًا، فَقَوْلُ هَؤُلاءِ دَفْعًا لِلْفِتْنَةِ يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ سَتْرُ الْوَجْهِ بِالْمُطْلَقِ بَعِيدٌ مِنَ الصَّوَابِ، عَلَى قَوْلِهِمْ يَجِبُ عَلَى الْمُرْدَانِ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ كَثُرَتِ الْفِتْنَةُ فَمَاذَا يَقُولُونَ، يُقَالُ لَهُمْ قُلْتُمْ دَفْعًا لِلْفِتْنَةِ يَجِبُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ وَالْفِتْنَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُرْدَانِ أَيْضًا فَهَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُغَطُّوا وُجُوهَهُمْ إِذَا خَرَجُوا.
ثُمَّ هَؤُلاءِ يَسْتَدِلُّونَ أَيْضًا بِآيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ [سُورَةَ النُّورِ/31] يَقُولُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَفْرِضُ عَلَى النِّسَاءِ تَغْطِيَةَ الْوَجْهِ وَالآيَةُ الأُخْرَى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [سُورَةَ الأَحْزَاب/59]. وَهَاتَانِ الآيَتَانِ لا تُعْطِيَانِ مَا يَدَّعُونَ. الْخِمَارُ هُوَ مَا تُغَطِّي بِهِ النِّسَاءُ الرَّأْسَ وَالْعُنُقَ وَالْجِلْبَابُ مَا يُغَطِّي مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْقَدَمِ وَالْجَيْبُ فَتْحَةُ الْقَمِيصِ وَقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [سُورَةَ الأَحْزَاب/59] أَيْ هَذَا عَلامَةُ الْحُرَّةِ أَيْ بِهَذَا يُعْرَفْنَ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ لَسْنَ إِمَاءً، وَالآيَةُ الأُخْرَى فِيهَا ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ مَا قَالَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ.
هَؤُلاءِ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَهُمْ عَلَى جَهْلٍ مُرَكَّبٍ بَلْ مِنْ كَثْرَةِ الْجَهْلِ النِّسَاءُ فِي سُورِيَّا كَثِيرٌ مِنْهُنَّ يَعْتَبِرْنَ تَغْطِيَةَ الْوَجْهِ كَأَنَّهَا رُكْنُ الإِسْلامِ الأَقْوَى فَالتَّقْوَى عِنْدَهُنَّ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ وَكَثِيرٌ مِنْهُنَّ لا يَعْرِفْنَ الْعَقِيدَةَ.
فَائِدَةٌ نُصَّ فِي عِدَّةِ كُتُبٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا يُكَيِّفُ حَجْمَ الْعَوْرَةِ بِكَرَاهَةٍ وَهَاكَ نَصّ شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ قَالَ: «(وَكُرِهَ) [يَحْرُمُ عِنْدَهُمْ مَا وَرَدَ فِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ أَمَّا مَا وَرَدَ فِيهِ دَلِيلٌ غَيْرُ قَاطِعٍ فَيُكْرَهُ] - بِضَمٍّ فَكَسْرٍ - لِبَاسُ (مُحَدِّدٍ) - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَة- أَيْ مُظْهِرٍ حَدَّ الْعَوْرَةِ لِرِقَّتِهِ أَوْ ضِيقِهِ وَإِحَاطَتِهِ أَوْ بِاحْتِزَامٍ عَلَيْهِ [إِذَا رُبِطَ عَلَيْهِ حِزَامٌ إِنْ كَانَ يُكَيِّفُ الْحَجْمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ]، وَلَوْ بِغَيْرِ صَلاةٍ لإِخْلالِهِ بِالْمُرُوءَةِ وَمُخَالَفَتِهِ لِزِيِّ السَّلَفِ؛
وَهَلِ الْمُرَادُ بِهَا خُصُوصُ الْمُغَلَّظَةِ فَلا يُكْرَهُ الِاحْتِزَامُ عَلَى نَحْوِ الْقُفْطَانِ وَالثَّوْبِ الْغَلِيظِ الْمُحَدِّدِ لِلْعَوْرَةِ الْمُخَفَّفَةِ كَالأَلْيَتَيْنِ، أَوْ مَا يَعُمُّ الْمُخَفَّفَةَ فَيُكْرَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَادَةَ قَوْمٍ أَوْ لِشُغْلٍ، وَقُيِّدَتْ كَرَاهَةُ لُبْسِ الْمُحَدِّدِ بِعَدَمِ لُبْسِ شَىْءٍ ءَاخَرَ عَلَيْهِ مَانِعٍ مِنْ ظُهُورِ حَدِّهَا كَقَمِيصٍ أَوْ قَبَاءٍ [الْقَبَاءُ هُوَ الَّذِي يَلْبَسُهُ بَعْضُ أَهْلِ بَيْرُوتَ الْكِبَار يُقَالُ لَهُ (قُمْبَاز) هَذَا مَعْرُوفٌ لِلرِّجَالِ قَدِيـمًا وَحَدِيثًا.
أَيَّامَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلِفُّ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الآخَرِ خَيْطٌ رَفِيعٌ يُرْبَطُ بِهِ] أَوْ بُرْنُسٍ [وَالْبُرْنُسُ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ وَكَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَهَا فِي صَدْرِ الإِسْلامِ كَمَا فِي مُخْتَارِ الصَّحَاحِ، وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْبُرْنُسُ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقٌ بِهِ]». انْتَهَى كَلامُ شَارِحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ، وَسَتَرَى فِي أَبْوَابٍ أُخْرَى نُصُوصًا مُشَابِهَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا النَّظَرُ لِلأَجْنَبِيَّةِ فَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّ لَكَ النَّظْرَةَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ النَّظْرَةُ الآخِرَةُ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ] وَمَعْنَى النَّظْرَةِ الأُولَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا وَقَعَ نَظَرُهُ مِنْ دُونِ نِيَّةِ التَّلَذُّذِ إِلَى وَجْهِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَوِ اسْتَدَامَ هَذَا النَّظَرَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ، أَمَّا النَّظْرَةُ الآخِرَةُ فَهِيَ النَّظْرَةُ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَهَذِهِ هِيَ الآخِرَةُ الْمُحَرَّمَةُ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَلَوْ فِي كَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَالْقُفَّازُ شَىْءٌ يُعْمَلُ لِلْكَفِّ وَالأَصَابِعِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تُزَرُّ عَلَى السَّاعِدِ مِنْ أَجْلِ الْبَرْدِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ الْكَفِّ بِغَيْرِ الْقُفَّازِ كَكُمِّهَا وَخِرْقَةٍ وَلَوْ عَقَدَتْهَا عَلَيْهِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَضْعُ يَدِهَا فِي جَيْبِهَا لِتُخْرِجَ الْمَالَ مَثَلًا.
وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِحُرْمَةِ سَتْرِ الْوَجْهِ وَسَتَرَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ وَلا فِدْيَةٌ، وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَضْعُ مَا يُسَمُّونَهُ بِالْكَمَّامَةِ الَّتِي تُغَطِّي الأَنْفَ وَالْفَمَ، أَمَّا الرَّجُلُ فَيَجُوزُ لَهُ، وَلا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَضَعَ يَدَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا بِالْمِنْشَفَةِ أَوْ بِالْبَطَّانِيَّةِ عِنْدَ النَّوْمِ مَثَلًا وَأَمَّا إِنْ نَشَّفَتْ وَجْهَهَا بِطَرَفِ الْمِنْشَفَةِ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ سَتْرًا فَيَجُوزُ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَضَعَ كَفَّيْهَا عَلَى وَجْهِهَا فِي الْوُضُوءِ، وَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَلُفَّ خِرْقَةً عَرِيضَةً عَلَى جَبْهَتِهَا أَمَّا الْخَيْطُ الدَّقِيقُ فَيَجُوزُ.
وَلَوْ سَتَرَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا أَثْنَاءَ لُبْسِهَا لِقَمِيصِهَا بِقَمِيصِهَا فَإِنْ كَانَ حَصَلَ بِإِرَادَتِهَا فَعَلَيْهَا فِدْيَةٌ أَمَّا إِنْ كَانَ بِدُونِ إِرَادَتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا فِدْيَةٌ، فَإِذَا أَرَادَتْ لُبْسَهُ فَلْتَضَعْهُ وَهِيَ تُمْسِكُ أَطْرَافَهُ مُجَافِيَةً عَنِ الْوَجْهِ حَتَّى يَتَجَاوَزَ وَجْهَهَا بِلا سَتْرٍ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ فَعَلَيْهِ الإِثْمُ وَالْفِدْيَةُ.
الشَّرْحُ أَنَّ الْفِدْيَةَ فِيهَا تَفْصِيلٌ، فَالْفِدْيَةُ فِي الطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَلُبْسِ الْمُحِيطِ وَإِزَالَةِ الشَّعَرِ وَالظُّفْرِ وَالْجِمَاعِ الَّذِي لا يُفْسِدُ الْحَجَّ - وَهُوَ مَا بَعْدَ فِعْلِ اثْنَيْنِ مِنْ طَوَافِ فَرْضٍ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ - وَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ كَالتَّقْبِيلِ بِشَهْوَةٍ شَاةٌ أَوِ التَّصَدُّقُ بِثَلاثَةِ ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَيُسَمَّى هَذَا دَمَ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ.
وَأَمَّا فِدْيَةُ الصَّيْدِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّيْدُ لَهُ مِثْلٌ مِنَ الأَنْعَامِ الثَّلاثَةِ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ الْمِثْلُ، مَعَ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ ذَبْحِهِ وَتَوْزِيعِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ وَبَيْنَ إِعْطَائِهِمْ طَعَامًا بِقِيمَتِهِ، أَوْ صَوْمِهِ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَيُسَمَّى ذَلِكَ دَمَ تَخْيِيرٍ وَتَعْدِيلٍ لِأَنَّ فِيهِ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَزِيدُ الْجِمَاعُ بِالإِفْسَادِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ فَوْرًا وَإِتْمَامِ الْفَاسِدِ، فَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ يَمْضِي فِيهِ وَلا يَقْطَعُهُ ثُمَّ يَقْضِي فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ ثُبُوتَ فَسَادِ الْحَجِّ وَوُجُوبَ الْقَضَاءِ فَوْرًا وَلُزُومَ إِتْمَامِ هَذَا النُّسُكِ الْفَاسِدِ هَذِهِ الأَحْكَامُ خَاصَّةٌ بِالإِفْسَادِ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ أَيْ قَبْلَ فِعْلِ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَشَرْطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَمُخْتَارًا أَيْ غَيْرَ مُكْرَهٍ وَمُتَعَمِّدًا أَيْ غَيْرَ نَاسٍ لِلإِحْرَامِ، فَأَمَّا الْجَاهِلُ بِحُرْمَةِ الْجِمَاعِ فِي الإِحْرَامِ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مَثَلًا فَلا يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ يَثْبُتُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ النُّسُكُ تَطَوُّعًا عَنِ الْغَيْرِ.
وَلا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْمُفْسِدِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْبَالِغِ وَالصَّغِيرِ أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَأَفْسَدَ الْجَمِيعَ بِمَا ذُكِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاءٌ وَاحِدٌ عَنِ الأَوَّلِ، لَكِنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ [عَشْرَ مَرَّاتٍ] وَهِيَ بَدَنَةٌ أَيْ ذَبْحُ إِبِلٍ فَبَقَرَةٌ فَسَبْعُ شِيَاهٍ مِمَّا يَصِحُّ لِلأُضْحِيَةِ فَإِطْعَامٌ بِقِيمَةِ الْبَدَنَةِ أَيْ تَوْزِيعُ الطَّعَامِ مِمَّا هُوَ غَالِبُ قُوتِ أَهْلِ الْحَرَمِ فَالصِّيَامُ بِعَدَدِ الأَمْدَادِ، فَإِنِ انْكَسَرَ مُدٌّ أَكْمَلَهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ، هَذِهِ الْكَفَّارَةُ تَلْزَمُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ كَانَ قَارِنًا وَأَفْسَدَ النُّسُكَ بِالْجِمَاعِ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ عَقِبَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفَوْرُ فِي قَضَائِهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْمِيقَاتُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُحْرَمَ مِنْهُ كَالأَرْضِ الَّتِي تُسَمَّى ذَا الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ.
الشَّرْحُ أَنَّ هَذَا شُرُوعٌ فِي الْوَاجِبَاتِ وَهِيَ فِي بَابِ الْحَجِّ مَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلا يَفْسُدُ النُّسُكُ بِتَرْكِهِ كَمَا لا يَحْصُلُ الْحَجُّ بِتَرْكِ الرُّكْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ فِي غَيْرِ بَابِ الْحَجِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا الْحَنَفِيَّةَ. وَهِيَ أَيْ وَاجِبَاتُ الْحَجِّ أُمُورٌ وَمِنْهَا الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ خَمْسَةُ أَمَاكِنَ.
مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَبِهَا الْيَوْمَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَيُسَمُّونَهُ الْيَوْمَ أَبْيَارَ عَلِيٍّ).
وَمِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمُ الْجُحْفَةُ هَذَا إِذَا لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ الْمَدِينَةِ كَأَنْ جَاؤُوا مِنْ طَرِيقِ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرُّوا بِالْمَدِينَةِ.
وَمِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ قَرْنٌ وَهُوَ قَرْنُ الثَّعَالِبِ وَهُوَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ.
وَمِيقَاتُ أَهْلِ تِهَامَةِ الْيَمَنِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ وَهُوَ يَلَمْلَم وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَم، وَهِيَ تَبْعُدُ مِنْ مَكَّةَ قَرِيبًا مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ. وَالتِّهَامَةُ هِيَ الأَرْضُ الْمُنْخَفِضَةُ.
وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ.
وَالأَفْضَلُ لِمَنْ تَكُونُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ صَحَّ، وَلا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُهَا بِلا إِحْرَامٍ. وَلَوْ مَرَّ مِنْ مِيقَاتِ غَيْرِ بَلَدِهِ لا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ إِحْرَامِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ إِلَى مِيقَاتِ بَلَدِهِ. وَالإِحْرَامُ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الإِحْرَامِ مِنْ وَسَطِهِ أَوْ ءَاخِرِهِ.
وَمَنْ جَاوَزَ أَحَدَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ مُرِيدًا النُّسُكَ وَلَوْ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِلا إِحْرَامٍ وَلَيْسَ فِي نِيَّتِهِ الْعَوْدُ إِلَيْهِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ عَصَى وَوَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الإِحْرَامِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ كَطَوَافِ الْقُدُومِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ؛ أَمَّا مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ غَيْرُ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَعْمَلَ النُّسُكَ فَمِيقَاتُهُ مَحَلُّهُ، كَأَنْ جَاءَ مِنْ مِصْرَ أَوِ الشَّامِ إِلَى جُدَّةَ بِنِيَّةِ زِيَارَةِ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ نِيَّةُ النُّسُكِ فَمِيقَاتُهُ جُدَّة. وَيَسْقُطُ الدَّمُ عَمَّنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ بِعَوْدِهِ إِلَى مِثْلِ مِيقَاتِهِ الَّذِي تَرَكَ الإِحْرَامَ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَسَافَةُ.
وَمِيقَاتُ الْمَكِّيِّ لِلْحَجِّ مَكَّةُ أَيْ يُحْرِمُ مِنْهَا لِلْحَجِّ، وَأَمَّا لِلْعُمْرَةِ فَمِيقَاتُهُ مَا كَانَ خَارِجَ حُدُودِ الْحَرَمِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ، فَلا يَجُوزُ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يُحْرِمَ لِلْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ بَلْ يَخْرُجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ أَيْ إِلَى خَارِجِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ مِسَاحَتُهُ نَحْوُ عِشْرِينَ كِيلُو مِتْرًا. فَمَا وَرَاءَ هَذَا الْحَرَمِ يُقَالُ لَهُ حِلٌّ. لَكِنْ الأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَهِيَ مَكَانٌ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ ثُمَّ مِنَ التَّنْعِيمِ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ قَبْلَ مَكَّةَ بِنَحْوِ عِشْرِينَ كِيلُو مِتْرًا، وَأَمَّا التَّنْعِيمُ فَقَدْ صَارَ الْيَوْمَ كَأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَكَّةَ .
هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ تُسَمَّى الْمِيقَاتَ الْمَكَانِيَّ، فَإِذَا عَمِلَ الْعُمْرَةَ وَأَحْرَمَ لَهَا مِنْ مَكَّةَ صَحَّ مَعَ الإِثْمِ لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ أَيْ يَذْبَحُ، فَلَوْ أَحْرَمَ لَهَا مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ .
أَمَّا الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ فَهُوَ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ [شَوَالٌ كَانَ لِلُقَاحِ الإِبِلِ، وَذُو الْقَعْدَةِ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ عَنِ الْحَرْبِ الْعَرَبُ الْجَاهِلِيَّةُ لِذَلِكَ سَمَّوْهُ ذَا الْقَعْدَةِ] وَذُو الْحِجَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/197]. وَالْقَدْرُ الَّذِي هُوَ مِيقَاتٌ زَمَانِيٌّ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ هُوَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى فَجْرِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَبِانْتِهَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ يَفُوتُ الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَمِيقَاتُهَا الزَّمَانِيُّ الأَبَدُ،
لَكِنْ يَحْرُمُ الإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ عَلَى مَنْ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ مِنْهَا وَعَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَلَمْ يَنْفِرْ مِنْ مِنًى نَفْرًا صَحِيحًا وَالنَّفْرُ الصَّحِيحُ يَكُونُ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِنًى قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي الْحَجِّ مَبِيتُ مُزْدَلِفَةَ عَلَى قَوْلٍ .
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ فَقَطْ دُونَ الْعُمْرَةِ مَبِيتَ الْحَاجِّ أَيْ مُرُورَهُ فِي شَىْءٍ مِنْ أَرْضِ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَلَوْ لَحْظَةً وَنَائِمًا، وَيَسْقُطُ عَمَّنْ لَهُ عُذْرٌ كَأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرَّعْيِ. وَلِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِأَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ لَيْسَ وَاجِبًا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَارِكُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ وَلا دَمٌ، وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنًى عَلَى قَوْلٍ وَلا يَجِبَانِ عَلَى قَوْلٍ .
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ الْمَبِيتَ بِمِنًى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جَمِيعَ اللَّيْلِ بَلِ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُعْظَمَ اللَّيْلِ أَيْ لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّانِي لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ الْغُرُوبِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا فَأَدْرَكَهُ غُرُوبُ لَيْلَةِ ثَالِثِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنًى وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّفْرُ أَيْ مُغَادَرَةُ مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الْمَغْرِبِ. وَيَسْقُطُ وُجُوبُ هَذَا الْمَبِيتِ عَنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرَّعْيِ .
