قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَفِى إِسْكِتَّيْهَا وَهُمَا شُفْرَاهَا جَانِبَا فَرْجِهَا إِذَا أَوْعِبَتَا دِيَتُهَا» اهـ.

فَالإِسْكِتَّانِ هُمَا اللَّحْمَانِ الْمُحِيطَانِ بِالْفَرْجِ كَإِحَاطَةِ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ. وَإِنْ قَطَعَ أَحَدَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ شُفْرَىِ الصَّغِيرَةِ وَالْعَجُوزِ وَالْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَسَوَاءٌ كَانَا صَغِيرَيْنِ أَوْ كَبِيرَيْنِ رَقِيقَيْنِ أَوْ غَلِيظَيْنِ. وَإِنْ جَنَى عَلَى شُفْرَيْهَا فَشَلَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَإِنْ أَفْضَاهَا ثَيِّبًا كَانَ عَلَيْهِ دِيَتُهَا» اهـ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالإِفْضَاءُ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ مَسْلَكَ الْبَوْلِ وَمَسْلَكَ الذَّكَرِ وَاحِدًا.

وَأَمَّا الشُّعُورُ فَلا يَجِبُ فِيهَا قِصَاصٌ وَلا دِيَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَفِى التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ وَفِى الضِلَعِ جَمَلٌ» وَقَالَ فِى مَوْضِعٍ «تَجِبُ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكُومَةٌ» اهـ.

وَالتَّرْقُوَةُ هِىَ الْعَظْمُ الْمُدَوَّرُ مِنَ النَّحْرِ إِلَى الْكَتِفِ وَلِلإِنْسَانِ تَرْقُوَتَانِ.

فَإِذَا جَنَى عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً لَمْ يَحْصُلْ بِهَا جَرْحٌ وَلا كَسْرٌ وَلا إِتْلافُ حَاسَّةٍ بِأَنْ لَطَمَهُ الْجَانِى أَوْ لَكَمَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ فَلَمْ يَجْرَحْ وَلَمْ يَكْسِرْ نَظَرْتَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ أَثَرٌ أَوْ حَصَلَ بِهِ سَوَادٌ أَوْ خُضْرَةٌ ثُمَّ زَالَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْجَانِى أَرْشٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا مِنْ جَمَالِهِ وَلا مِنْ مَنْفَعَتِهِ وَيُعَزَّرُ الْجَانِى لِتَعَدِّيهِ.

وَإِنِ اسْوَدَّ مَوْضِعُ الضَّرْبِ أَوِ اخْضَرَّ أَوِ احْمَرَّ يُنْظَرُ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِى يَزُولُ مِثْلُ ذَلِكَ فِى الْعَادَةِ فَإِنْ لَمْ يَزُلْ وَجَبَتْ عَلَى الْجَانِى الْحُكُومَةُ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ شَيْنًا، فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْحُكُومَةُ ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ الشَّيْنُ وَجَبَ رَدُّ الْحُكُومَةِ كَمَا لَوْ كَانَ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ فَأُخِذَ أَرْشُهَا ثُمَّ زَالَ الْبَيَاضُ.

وَإِنْ جَنَى عَلَى حُرٍّ جِنَايَةً نَقَصَ بِهَا جَمَالٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ وَلا أَرْشَ لَهَا مُقَدَّرٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ. وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ هَذَا الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا قَبْلَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُقَوَّمَ بَعْدَ انْدِمَالِ الْجِنَايَةِ فَإِنْ بَقِىَ لِلْجِنَايَةِ شَيْنٌ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِهِ وَجَبَ عَلَى الْجَانِى مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ فَإِنْ نَقَصَ الْعُشْرُ مِنْ قِيمَتِهِ وَجَبَ الْعُشْرُ مِنْ دِيَتِهِ وَإِنْ نَقَصَ التُّسُعُ مِنْ قِيمَتِهِ وَجَبَ التُّسُعُ مِنْ دِيَتِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ فِى الْجِنَايَاتِ الَّتِى لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ اعْتُبِرَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ فِى الْجِنَايَاتِ الَّتِى لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَلِأَنَّ جُمْلَتَهُ جُمْلَةٌ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ فَكَانَتْ أَجْزَاؤُهُ مَضْمُونَةً بِجُزْءٍ مِنَ الدِّيَةِ.

وَلا يُبْلَغُ بِالْحُكُومَةِ أَرْشُ الْعُضْوِ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى الإِصْبَعِ فَبَلَغَتْ حُكُومَتُهَا دِيَةَ الإِصْبَعِ أَوْ عَلَى الْبَدَنِ مِمَّا دُونَ الْجَائِفَةِ فَبَلَغَتِ الْحُكُومَةُ أَرْشَ الْجَائِفَةِ نَقَصَ الْحَاكِمُ مِنَ الْحُكُومَةِ شَيْئًا بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لِأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ تَجِبَ فِيمَا دُونَ الإِصْبَعِ دِيَتُهَا وَلا فِيمَا دُونَ الْجَائِفَةِ دِيَتُهَا.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَإِنْ جَرَحَهُ فَشَانَ وَجْهَهُ أَوْ رَأْسَهُ شَيْنًا يَبْقَى فَإِنْ كَانَ الشَّيْنُ أَكْثَرَ مِنَ الْجِرَاحِ أُخِذَ بِالشَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْجِرَاحُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّيْنِ أُخِذَ بِالْجِرَاحِ وَلَمْ يُرَدَّ لِلشَّيْنِ» اهـ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا شَجَّهُ فِى رَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ شَجَّةً دُونَ الْمُوضِحَةِ فَإِنْ عُلِمَ قَدْرُهَا مِنَ الْمُوضِحَةِ وَجَبَ بِقَدْرِهَا مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُهَا مِنَ الْمُوضِحَةِ وَالْحُكُومَةِ وَجَبَ أَكْثَرُهُمَا. وَلا تَبْلُغُ الْحُكُومَةُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ.

بَيَانُ مَعْنَى الْعَقْلِ

الْعَقْلُ اسْمٌ لِلدِّيَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الدِّيَةُ الْعَقْلَ لِأَنَّهَا تُعْقَلُ بِبَابِ وَلِىِّ الْمَقْتُولِ، وَالْعَصَبَةُ الَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ الدِّيَةَ يُسَمَّوْنَ الْعَاقِلَةَ وَإِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِالدِّيَةِ فَيَعْقِلُونَهَا عِنْدَ بَابِ الْوَلِىِّ.

وَهَلْ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا دُونَ دِيَةِ النَّفْسِ قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى الْجَدِيدِ «تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنَ الأَرْشِ» وَقَالَ فِى الْقَدِيمِ «تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ النَّفْسِ وَلا تَحْمِلُ مَا دُونَ دِيَةِ النَّفْسِ بَلْ تَجِبُ فِى مَالِ الْجَانِى» اهـ.

وَالْعَاقِلَةُ هُمُ الْعَصَبَةُ وَلا يَدْخُلُ فِيهِمْ أَبُو الْجَانِى وَلا جَدُّهُ وَإِنْ عَلا وَلا ابْنُهُ وَلا ابْنُ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَدْخُلُونَ فِيهِمْ.

وَلا يَحْمِلُ الْعَقْلَ مِنَ الْعَاقِلَةِ إِلَّا الْغَنِىُّ وَالْمُتَوَسِّطُ فَأَمَّا الْفَقِيرُ فَإِنَّهُ لا يَحْمِلُ الْعَقْلَ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَمَعْرِفَةُ الْعَاقِلَةِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيُحَمِّلَهُمْ» اهـ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَرَادَ قِسْمَةَ الْعَقْلِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالإِخْوَةِ لِلأَبِ وَالأُمِّ أَوْ لِلأَبِ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ الْعَاقِلَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِىِّ مِنْهُمْ نِصْفُ دِينَارٍ وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ رُبْعُ دِينَارٍ فَإِنْ وَفَّى ذَلِكَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَفِ ذَلِكَ حَمَلَ عَلَى بَنِى الإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفِ ذَلِكَ حَمَلَ عَلَى الأَعْمَامِ فَإِنْ لَمْ يَفِ ذَلِكَ حَمَلَ عَلَى بَنِى الأَعْمَامِ إِلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْقَبِيلِ الَّذِينَ يَتَّصِلُ أَبُو الْجَانِى بِأَبِيهِمْ فَإِنْ لَمْ يَفِ مَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِثُلُثِ الدِّيَةِ حَمَلَ عَنْهُ الْمَوْلَى وَمَنْ أَدْلَى بِهِ فَإِنْ لَمْ يَفِ مَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِثُلُثِ الدِّيَةِ حُمِلَتْ تَمَامُ الثُلُثِ فِى بَيْتِ الْمَالِ وَعَلَى هَذَا فِى الْحَوْلِ الثَّانِى وَالثَّالِثِ.

تِتِمَّةٌ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْكَبَائِرِ قَتْلُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ لَكِنَّهُ لا يُكَفَّرُ كَمَا أَنَّهُ لا يُكَفَّرُ قَاتِلُ نَفْسِ غَيْرِهِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى جَهَنَّمَ» وَقَوْلُ الْجُهَّالِ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ إِنَّهُ كَافِرٌ بَاطِلٌ.

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ لا يَكُونُ كَافِرًا لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلًا مُهَاجِرًا مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا جَزِعَ مِنْهُ أَىْ لَمْ يَصْبِرْ فَقَطَعَ بَرَاجِمَهُ وَهِىَ رُؤُوسُ السُّلامِيَّاتِ بِحَدِيدَةٍ فَصَارَ الدَّمُ يَشْخَبُ أَىْ يَسِيلُ فَمَاتَ، ثُمَّ رَءَاهُ رَفِيقُهُ الَّذِى هَاجَرَ مَعَهُ فِى الْمَنَامِ بِهَيْأَةٍ حَسَنَةٍ وَرَءَاهُ مُغَطِيًّا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ، قَالَ غَفَرَ لِى بِهِجْرتِى إِلَى نَبِيِّهِ، قَالَ لَهُ فَمَا لِيَدَيْكَ، قَالَ قِيلَ لِى إِنَّا لا نُصْلِحُ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ قَصَّ عَلَى النَّبِىِّ الرُّؤْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».

فَوَجْهُ الدَّلِيلِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ صَدَّقَ الصَّحَابِىَّ الَّذِى قَصَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَأَقَرَّ رُؤْيَاهُ هَذِهِ، وَفِى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».

فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ فِى صَحِيحَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُحْمَلُ عَلَى الْكَافِرِ، فَالْكَافِرُ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كُفْرِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ. فَهَذَا الْكَافِرُ الَّذِى قَتَلَ نَفْسَهُ بِتِلْكَ الْحَدِيدَةِ يُعَذَّبُ بِتِلْكَ الْحَدِيدَةِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى الدَّوَامِ بِطَعْنِ نَفْسِهِ بِتِلْكَ الْحَدِيدَةِ فِى بَطْنِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ الَّذِى قَتَلَ نَفْسَهُ بِأَنْ رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ حَتَّى مَاتَ بِهَذَا التَّرَدِّى يُفْعَلُ بِهِ فِى جَهَنَّمَ مِثْلُ مَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ. أَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِى قَتَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ يُعَذَّبُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ بِمَا قَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ بُرْهَةً ثُمَّ يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ].

وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِىِّ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ» فَهَذَا يَشْمَلُ الْمُنْتَحِرَ الْمُسْلِمَ وَالْمُنْتَحِرَ الْكَافِرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ «خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الِانْتِحَارُ حَرَامًا وَيُونُسُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِى الْبَحْرِ وَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْهُ أَنَّهُ حِينَ فَتَرَ الْوَحْىُ عَنْهُ فِى أَوَائِلِ الْبِعْثَةِ هَمَّ بِأَنْ يُلْقِىَ بِنَفْسِهِ مِنْ ذَرْوَةِ الْجَبَلِ فَالْجَوَابُ أَنَّ يُونُسَ عِنْدَمَا أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِى الْبَحْرِ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ هَلاكٌ بِالْغَرَقِ وَأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ إِلَّا تَخْفِيفَ شِدَّةِ الْوَجْدِ الَّذِيىحَصَلَ لَهُ مِنْ إِبْطَاءِ الْوَحْىِ عَلَيْهِ لا الِانْتِحَارَ، فَإِنَّهُ حَصَلَ لِكَثِيرٍ مِنَ الأَوْلِيَاءِ أَنَّهُمْ مَشَوْا عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَغْرَقُوا وَطَارُوا فِى الْهَوَاءِ وَلَمْ يَقَعُوا، فَمَنْ حَمَلَ مَا وَرَدَ فِى الْبُخَارِىِّ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ أَنْ يَنْتَحِرَ فَقَدْ كَفَرَ.

وَكَذَلِكَ لا يَكْفُرُ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا مَعَ اعْتِقَادِهِ حُرْمَةَ ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قِصَّةُّ الإِسْرَائِيلِىِّ الَّذِى كَانَ عَلَى الإِسْلامِ قَبْلَ بِعْثَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَالَّذِى أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْوَحْىِ الَّذِى أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَفِيهَا أَنَّ هَذَا الإِسْرَائِيلِىَّ كَانَ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ ظُلْمًا ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَةَ فَقَالَ لَهُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ ذَلِكَ الْعَصْرِ لَمَّا سَأَلَهُ هَلْ لِى مِنْ تَوْبَةٍ، قَالَ لَهُ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، اذْهَبْ إِلَى أَرْضِ كَذَا فَإِنَّ بِهَا قَوْمًا صَالِحِينَ فَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ قَتْلِهِ تِلْكَ الأَنْفُسِ الْمِائَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَقْرِبَاءَ الْمَقْتُولِينَ،

فَفِى هَذِهِ الْحَالِ يَكْفِيهِ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ لِلذَّنْبِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى تِلْكَ الأَرْضِ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِى مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ فَجَاءَ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ وَمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ وَهَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَاخْتَصَمُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا بِصِفَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِى ءَادَمَ فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ، قَالَ لَهُمْ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا وَجَدْتُمُوهُ أَقْرَبَ فَهُوَ لَهَا فَقَاسُوا فَوَجَدُوا هَذَا الشَّخْصَ أَقْرَبَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِى هُوَ ذَاهِبٌ إِلَيْهَا بِشِبْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» فَأَخَذَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/93] فَقَدْ قِيلَ فِيهِ عِدَّةُ تَأْوِيلاتٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالآيَةِ الْخُلُودُ النِّسْبِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الآيَةِ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ مُسْتَحِلًّا قَتْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهَذَا يَكْفُرُ، وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنْ قَتَلَ الْمُؤْمِنَ لإِيـمَانِهِ فَهَذَا يَكْفُرُ أَيْضًا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا الضَّرْبُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ ضَرْبَ الْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّىِّ بِغَيْرِ حَقٍّ فَفِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] وَمِثْلُ الضَّرْبِ تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِ وَالإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِنَحْوِ سِلاحٍ فَفِى الصَّحِيحِ «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ]. هَذَا إِنْ قَصَدَ تَرْوِيعَهُ أَمَّا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَرْوِيعَهُ وَكَانَ الآخَرُ لا يَتَرَوَّعُ فَرَفَعَ عَلَيْهِ نَحْوَ حَدِيدَةٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَخْذُ الرِّشْوَةِ وَإِعْطَاؤُهَا.

الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَخْذُ الرِّشْوَةِ وَإِعْطَاؤُهَا فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِىَ وَالْمُرْتَشِىَ فِى الْحُكْمِ». وَهَذَا الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِىُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. فَأَمَّا الأَخْذُ فَيَحْرُمُ عَلَى الْحَاكِمِ وَلَوْ حَكَمَ بِحَقٍّ، وَأَمَّا الإِعْطَاءُ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْطِى إِنْ كَانَ يَطْلُبُ بِبَاطِلٍ، فَمَنْ أَعْطَى قَاضِيًا أَوْ حَاكِمًا رِشْوَةً أَوْ أَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً فَإِنْ كَانَ لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ أَوْ يَتَوَصَّلَ بِهَا لِنَيْلِ مَا لا يَسْتَحِقُّهُ أَوْ لِأَذِيَّةِ مُسْلِمٍ فَسَقَ الرَّاشِى وَالْمُهْدِى بِالإِعْطَاءِ،

وَالْمُرْتَشِى وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ بِالأَخْذِ، وَكَذَلِكَ الرَّائِشُ أَىِ السَّاعِى لِسَعْيِهِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ حُكْمٌ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِعْطَاءُ لِيَحْكُمَ لَهُ بِحَقٍّ أَوْ لِيَدْفَعَ عَنْهُ ظُلْمًا أَوْ لِيَنَالَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَسَقَ الآخِذُ فَقَطْ وَلَمْ يَأْثَمِ الْمُعْطِى لِاضْطِرَارِهِ لِلتَّوَصُّلِ لِحَقِّهِ، وَأَمَّا الرَّائِشُ فِى هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُعْطِى الَّذِى لا يَجُوزُ لَهُ الإِعْطَاءُ عَصَى وَفَسَقَ وَإِلَّا فَلا.

تَنْبِيهٌ لَيْسَ مِنَ الرِّشْوَةِ بَذْلُ الْمَالِ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ لَهُ مَعَ السُّلْطَانِ مَثَلًا فِى أَمْرٍ جَائِزٍ فَإِنَّهُ أُجْرَةٌ جَائِزَةٌ. وَيَجُوزُ دَفْعُ الرِّشْوَةِ لِلضَّرُورَةِ كَدَفْعِ الظُّلْمِ أَوْ لِتَحْصِيلِ حَقِّهِ.

فَائِدَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ فِى الأَوْسَطِ مَا نَصُّهُ «ذِكْرُ إِبَاحَةِ رَفْعِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ الظُّلْمَ بِالشَّىْءِ يَبْذُلُهُ مِنْ مَالِهِ

حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنِ الْقَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا أَتَى أَرْضَ الْحَبَشَةِ أُخِذَ فِى شَىْءٍ فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّىَ سَبِيلُهُ.

وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ وَجَابِرِ بنِ زَيْدٍ وَالشَّعْبِىِّ وَالْحَسَنِ الْبِصْرِىِّ أَنَّهُمْ قَالُوا «لا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا خَافَ الظُّلْمَ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ «اجْعَلْ مَالَكَ جُنَّةً دُونَ دِينِكَ وَلا تَجْعَلْ دِينَكَ جُنَّةً دُونَ مَالِكَ» [مَعْنَاهُ اجْعَلْ دُنْيَاكَ حِصْنًا لِدِينِكَ أَىِ احْفَظْ دِينَكَ بِدُنْيَاكَ أَىِ اصْرِفْ مَالَكَ لِحِفْظِ دِينِكَ لا الْعَكْسُ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَبِيعُونَ الدِّينَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا، مَعْنَاهُ لا تَبِعْ دِينَكَ بِدُنْيَاكَ بَلِ افْعَلِ الْعَكْسَ. الْجُنَّةُ الْحِصْنُ الدِّرْعُ الَّذِى يُتَحَصَّنُ بِهِ، فِى الْقَدِيمِ كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنْ جِلْدِ الْجَمَلِ، يَكُونُ قَاسِيًا مِثْلَ الْحَجَرِ، يَرُدُّ السِّلاحَ عَنْ صَاحِبِهِ].

وَرَوَيْنَا عَنِ الشَّعْبِىِّ أَنَّهُ قَالَ «لَأَنْ أُعْطِىَ دِرْهَمًا فِى النَّائِبَةِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُعْطِىَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ» يَعْنِى يَتَصَدَّقُ بِهَا.

وَقَالَ جَابِرُ بنُ زَيْدٍ «مَا رَأَيْنَا فِى زَمَانِ زِيَادٍ شَيْئًا أَنْفَعَ لَنَا مِنَ الرِّشَا» وَقَالَ أَحْمَدُ فِى الرِّشْوَةِ «أَرْجُو إِذَا كَانَ يَدْفَعُ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ» اهـ أَىْ أَرْجُو جَوَازَ ذَلِكَ.

فَائِدَةٌ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ عَلَى الْقَاضِى، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُحَشِّى عَلَى الدَّرْدِيرِ الْمَالِكِىِّ جَوَازَ شُرْبِ قَهْوَةِ الْبُنِّ وَالأَكْلِ فِى بَيْتِ النَّاسِ، وَفِيهَا وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْهَدِيَّةُ إِلَيْهِ وَإِلَى ذِى الْجَاهِ إِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ جَاهُهُ بِحَيْثُ يُتَوَصَّلُ بِالْهَدِيَّةِ إِلَى أَمْرٍ مَمْنُوعٍ أَوْ إِلَى أَمْرٍ يَجِبُ عَلَى ذِى الْجَاهِ دَفْعُهُ عَنِ الْمُهْدِى بِلا تَعَبٍ وَلا حَرَكَةٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إِلَى أَنْ يَذْهَبَ بِهِ فِى قَضَاءِ مَصَالِحِهِ إِلَى نَحْوِ ظَالِمٍ أَوْ سَفَرٍ لِمَكَانٍ فَيَجُوزُ كَالْهَدِيَّةِ لَهُ لا لِحَاجَةٍ وَإِنَّمَا هِىَ لِمَحَبَّةٍ أَوِ اكْتِسَابِ جَاهٍ،

وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ وَهُوَ الْوَانْشَرِيسِىُّ أَنَّهُ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدُوسِىُّ عَمَّنْ يَحْرُسُ النَّاسَ فِى الْمَوَاضِعِ الْمُخِيفَةِ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِشُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَاهٌ قَوِىٌّ بِحَيْثُ لا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهِ عَادَةً، وَأَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ مَعَهُمْ بِقَصْدِ تَجْوِيزِهِمْ [أَىْ أَنْ يَجْتَازَ بِهِمُ الْمَسَافَةَ] فَقَطْ لا لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ عَلَى أُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِحَيْثُ يَرْضَى بِمَا يُدْفَعُ لَهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ إِلَّا إِذَا ءَاذَى وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا فِى الدَّفْعِ، وَالْمُثْلَةُ بِالْحَيَوَانِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ صَغِيرًا أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى صَحِيحِهِ] وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنِ الإِحْرَاقُ طَرِيقًا لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ ضَرَرِهِ إِلَّا بِالإِحْرَاقِ عِنْدَئِذٍ يَجُوزُ إِحْرَاقُهُ.

وَأَمَّا وَسْمُ الْبَهِيمَةِ فِى وَجْهِهَا فَهُوَ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِى وَجْهِهِ فَقَالَ «لَعَنَ اللَّهُ الَّذِى وَسَمَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا صَعْقُ الْبَقَرِ وَنَحْوِهِ بِالْكَهْرَبَاءِ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَلا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهَا.

وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ خَصْىُ بَعْضِ الْبَهَائِمِ كَالْهِرِّ. لَكِنَّ الْبَقَرَ يَجُوزُ خَصْيُهُ قَبْلَ الْكِبَرِ لِأَنَّ لَحْمَهُ يَطِيبُ بِذَلِكَ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَكْبَرَ لا يَجُوزُ خَصْيُهُ.

وَمِمَّا يَحْرُمُ غَرْزُ الدُّودَةِ بِنَحْوِ إِبْرَةٍ لِيُصَادَ بِهَا السَّمَكُ وَهِىَ حَيَّةٌ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَعْذِيبًا لَهَا.

كَذَلِكَ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الْمُثْلَةُ بِالْحَيَوَانِ، وَمَعْنَى الْمُثْلَةِ تَقْطِيعُ الأَجْزَاءِ وَتَغْيِيرُ الْخِلْقَةِ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَعْذِيبًا لَهُ فَلا يَجُوزُ فَقْأُ عَيْنِهِ أَوْ قَطْعُ رِجْلِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا الْحَيَوَانُ مِمَّا يُسَنُّ قَتْلُهُ كَالْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ [وَأَمَّا تَشْرِيحُ الْبَهَائِمِ لِلدِّرَاسَةِ وَهِىَ حَيَّةٌ بَعْدَ تَخْدِيرِهَا فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ مِمَّا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلا تَتَعَذَّبُ بِذَلِكَ فَيَجُوزُ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَكُلِّ مَا فِيهِ قِمَارٌ حَتَّى لَعِبُ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ وَالْكِعَابِ [هُوَ عَظْمُ كَعْبٍ مِنَ الْغَنَمِ يُرْمَى إِلَى عِظَامٍ كَثِيرَةٍ مَصْفُوفَةٍ] وَاللَّعِبُ بِآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالطُّنْبُورِ وَالرَّبَابِ وَالْمِزْمَارِ وَالأَوْتَارِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْيَدِ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالنَّرْدَشِيرِ وَهُوَ نِسْبَةٌ لِأَوَّلِ مُلُوكِ الْفُرْسِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وُضِعَ لَهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِى لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمَعْنَى فِى تَحْرِيمِهِ أَنَّ فِيهِ حَزْرًا وَتَخْمِينًا فَيُؤَدِّى لِلتَّخَاصُمِ وَالْفِتَنِ الَّتِى لا غَايَةَ لَهَا فَفُطِمَ النَّاسُ عَنْهُ حِذَارًا مِنَ الشُّرُورِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ.

وَيُقَاسُ عَلَى النَّرْدِ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ أَىْ كُلُّ لُعْبَةٍ كَانَ الِاعْتِمَادُ فِى لَعِبِهَا عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ لا عَلَى الْفِكْرِ وَالْحِسَابِ فَهِىَ حَرَامٌ فَخَرَجَ الشَّطْرَنْجُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِى مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ عَلَى الْفِكْرِ وَالْحِسَابِ قَبْلَ نَقْلِ الأَدَوَاتِ، وَكُلُّ مَا يُرْوَى فِى النَّهْىِ عَنْهُ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ وَغَيْرُهُ «لَمْ يَثْبُتْ فِى الشَّطْرَنْجِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ شَىْءٌ» وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى ذَمِّهِ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَقِيَاسُهُ عَلَى النَّرْدِ مَمْنُوعٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إِذْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِصِحَّةِ الْفِكْرِ وَصَوَابِ التَّدْبِيرِ وَنِظَامِ السِّيَاسَةِ فَهُوَ مُعِينٌ عَلَى تَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَالْحِسَابِ، وَالنَّرْدُ مَوْضُوعٌ لِمَا يُشْبِهُ الأَزْلامَ.

وَيَلْتَحِقُ بِالنَّرْدِ فِى الْحُكْمِ اللَّعِبُ بِالأَوْرَاقِ الْمُزَوَّقَةِ [وَهِىَ الْمَعْرُوفَةُ فِى بَعْضِ الْبِلادِ الْيَوْمَ بِوَرَقِ الشَّدَّةِ] الْمُسَمَّاةِ بِالْكَنْجَفَةِ أَوِ الْكَمَنْجَفَةِ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَقِمَارٌ وَالْقِمَارُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِلَّا فَهِىَ كَالنَّرْدِ الَّذِى وَرَدَ النَّهْىُ عَنْهُ بِوَجْهِ الإِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمَالِ، وَكَذَلِكَ اللَّعِبُ بِمَا فِيهِ قِمَارٌ وَصُورَتُهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا أَنْ يُخْرَجَ الْعِوَضُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَأَنْ يَتَّفِقَ اثْنَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِى يَرْبَحُ مِنْهُمَا فِى هَذِهِ اللُّعْبَةِ مِنَ الآخَرِ يَدْفَعُ لَهُ الآخَرُ مَبْلَغَ كَذَا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْسُ الأَجْنَبِيَّةِ عَمْدًا بِغَيْرِ حَائِلٍ أَوْ بِهِ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ مَعَ جِنْسٍ أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ لَمْسَ الأَجْنَبِيَّةِ أَىْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِ الزَّوْجَةِ عَمْدًا بِغَيْرِ حَائِلٍ مُطْلَقًا أَىْ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَذَا مَعَ اخْتِلافِ الْجِنْسِ وَذَلِكَ حَرَامٌ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ وَامْرَأَةٍ مَعَ مِثْلِهَا وَلَوْ مَعَ مَحْرَمِيَّةٍ كَأُخْتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِى أَثْنَاءِ حَدِيثٍ «وَالْيَدَانِ زِنَاهُمَا الْبَطْشُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْبَطْشُ هُنَا مَعْنَاهُ الْعَمَلُ بِالْيَدِ كَمَا قَالَ الْفَيُّومِىُّ فِى الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ وَهُوَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ قَالَ «بَطَشَتِ الْيَدُ إِذَا عَمِلَتْ فَهِىَ بَاطِشَةٌ» وَمَعْنَى الْبَطْشِ الْمَشْهُورُ هُوَ الأَخْذُ بِعُنْفٍ وَهُوَ الْمُرَادُ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [سُورَةَ الشُّعَرَاء/130].

وَالأَخْذُ بِيَدِ الأَجْنَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جِسْمِهَا بِلا حَائِلٍ أَوْ بِحَائِلٍ مَعَ الشَّهْوَةِ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ مُصَافَحَةُ الصَّبِىِّ الَّذِى بَلَغَ حَدًّا يُشْتَهَى فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ وَإِلَّا فَإِلَى أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ الْمُرَاهَقَةِ. وَالْمُرَاهِقُ هُوَ الَّذِى قَارَبَ الْبُلُوغَ كَابْنِ ثَلاثَ عَشْرَةَ أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الأَجْنَبِىِّ مُصَافَحَةُ الصَّبِيَّةِ إِنْ كَانَتْ تُشْتَهَى وَإِلَّا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُصَافَحَةُ الْمُرَاهِقَةِ.

وَمِنْ ضَلالاتِ طَائِفَةٍ نَبَغَتْ فِى هَذَا الْعَصْرِ تُسَمَّى حِزْبَ التَّحْرِيرِ تَحْلِيلُ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ مَعَ وُجُودِ هَذَا النَّصِّ، وَبِهَذَا يُنَادُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْجَهْلِ الْعَمِيقِ بِأُمُورِ الدِّينِ، وَقَدْ صَارَحَنِى بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنَّا، فَقُلْتُ لَهُ تَجْتَهِدُونَ مَعَ النَّصِّ فَسَكَتَ وَلَمْ يَرُدَّ جَوَابًا. وَمِمَّا يَدُلُ عَلَى حُرْمَةِ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «إِنِّى لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ [فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى]. وَالْحَدِيثُ الآخَرُ الَّذِى رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ [فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ] وَهُوَ «لَأَنْ يُطْعَنَ أَحَدُكُمْ بِحَدِيدَةٍ فِى رَأْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ» وَهَذَا الْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

فَإِنِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نِسَاءِ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْنَ مَرْحَبًا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ فَمَدَدْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَمَدَّ يَدَهُ فَهَذَا كَانَ مِنْ بَابِ الإِشَارَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ صَافَحَهُنَّ كَمَا يَدَّعِى جَمَاعَةُ حِزْبِ التَّحْرِيرِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَصْوِيرُ ذِى رُوحٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ تَصْوِيرَ ذِى رُوحٍ سَوَاءٌ كَانَ مُجَسَّمًا أَوْ مَنْقُوشًا فِى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ مَنْسُوجًا فِى ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِى الْمَذَاهِبِ الثَّلاثَةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ وَالْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِىِّ وَالْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ بَلْ يَحْرُمُ فِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ تَصْوِيرُ ذِى رُوحٍ وَلَوْ بِهَيْئَةٍ لا يَعِيشُ عَلَيْهَا الْحَيَوَانُ أَمَّا اقْتِنَاؤُهَا وَهِىَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ.

وَأَبَاحَ الْمَالِكِيَّةُ تَصْوِيرَ ذِى رُوحٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُجَسَّمًا وَفِى ذَلِكَ فُسْحَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ فِى هَذَا الزَّمَنِ كَثُرَ اقْتِنَاءُ الصُّوَرِ. أَمَّا الصُّوَرُ الْمُجَسَّمَةُ الَّتِى تَقُومُ بِنَفْسِهَا إِنْ كَانَتْ مَعْمُولَةً مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهِىَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ فِى الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، لَكِنَّ تَصْوِيرَ ذِى رُوحٍ لا لِعِبَادَتِهِ كَانَ جَائِزًا فِى شَرْعِ مَنْ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا تَصْبِيرُ [أَىْ تَحْنِيطُ] الطُّيُورِ وَنَحْوِهَا فَجَائِزٌ.

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» أَىْ صَوَّرْتُمْ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ.

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ قَالَ «لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ».

فَالصُّورَةُ إِنْ كَانَتْ عَلَى هَيْئَةٍ يَعِيشُ بِهَا الْحَيَوَانُ تَمْنَعُ دُخُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَلَوْ كَانَتْ فِى صُنْدُوقٍ دَاخِلَ الْبَيْتِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ يُدَاسُ. أَمَّا الْمَلائِكَةُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ فَيَدْخُلُونَ لِأَنَّهُمْ لا يُفَارِقُونَ الشَّخْصَ إِلَّا عِنْدَمَا يَكُونُ فِى بَيْتِ الْخَلاءِ أَوْ فِى حَالَةِ الْجِمَاعِ وَمَعَ هَذَا يَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُ هَذَا الشَّخْصُ بِإِعْلامِ اللَّهِ لَهُمْ فِى الْوَقْتِ الَّذِى يُفَارِقُونَهُ فِيهِ.

وَأَمَّا الصَّلاةُ فِى غُرْفَةٍ فِيهَا صُوَرُ حَيَوَانَاتٍ كَامِلَةٍ فِى خِزَانَةٍ بِحَيْثُ لا تُرَى فَهَذِهِ لا تَمْنَعُ الثَّوَابَ فِى الصَّلاةِ أَمَّا مَنْ كَانَتْ أَمَامَهُ أَوْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ فِى الصَّلاةِ بِخِلافِ انْعِكَاسِ الصُّورَةِ فِى الْمِرْءَاةِ فَلا يُؤَثِّرُ أَمَّا إِنِ انْشَغَلَ بِهَا فَمَكْرُوهٌ.

وَأَمَّا الِاحْتِفَاظُ بِصُوَرِ الْمَشَايِخِ وَالتَّبَرُّكُ بِهَا فَهُوَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ بِخِلافِ التَّبَرُّكِ بِصُورَةِ الشَّعْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وَصُورَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ حَسَنٌ لا بَأْسَ بِهِ. وَأَجَازَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْعَ الصُّورَةِ الْمَعْمُولَةِ مِنَ الْحَلْوَى لِتُؤْكَلَ.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ اسْتِبْقَاءِ الصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ عَلَى أَرْضٍ أَوْ بِسَاطٍ يُدَاسُ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مُمْتَهَنٍ، وَكَذَلِكَ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِبْقَاءِ الصُّورَةِ الَّتِى تَكُونُ فِى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالْفَلْسِ وَسَائِرِ مَا يُعَدُّ مُمْتَهَنًا.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ لُعَبُ الْبَنَاتِ الصِّغَارِ وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ شِرَاءِ ذَلِكَ لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ. أَمَّا الصَّبِىُّ فَيُمْنَعُ مِنَ اللَّعِبِ بِهَا وَلَوْ بَكَى لِأَجْلِ ذَلِكَ.

وَيُشْتَرَطُ لِتَحْرِيمِ اسْتِبْقَاءِ الصُّورَةِ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ بِهَيْئَةٍ يَعِيشُ عَلَيْهَا الْحَيَوَانُ.

وَقَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ الْقَائِلَ بِجَوَازِ مَا لَيْسَ مُجَسَّمًا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، مَرْدُودٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

فَائِدَةٌ فِى كِتَابِ الآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَا نَصُّهُ «وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ ابْنُ الْمُنْجِى فَأَمَّا صُوَرُ الأَشْجَارِ وَالتَّزْوِيقَاتُ وَالتَّمَاثِيلُ [وَلا يُرَادُ بِهِ الْمُجَسَّمُ إِنَّمَا صُوَرُ الأَشْيَاءِ] فَمُبَاحٌ وَقَالَ ابْنُ أَبِى مُوسَى يُكْرَهُ أَيْضًا فَإِنْ قَطَعَ رَأْسَ الصُّورَةِ أَوْ صَوَّرَ جَسَدَهَا دُونَهَا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الصُّوَرُ فِى الْحِيطَانِ وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ وَالأَسِرَّةِ وَالسُّقُوفِ كُرِهَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِى الْبُسُطِ وَمَا يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ فَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ» اهـ.

ثُمَّ قَالَ «وَقَالَ فِى الْمُحَرَّرِ يَجُوزُ افْتِرَاشُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَجَعْلُهُ وَسَائِدَ» اهـ.

ثُمَّ قَالَ «وَسَأَلَهُ الْمَرْوَزِىُّ عَنِ الرَّجُلِ يُدْعَى فَيَرَى الْكِلَّهَ فَكَرِهَهَا وَقَالَ هِىَ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَلا يَجُوزُ تَحْرِيقُ الثِّيَابِ الَّتِى عَلَيْهَا الصُّوَرُ وَلا الْمَرْقُومَةُ الَّتِى تَصْلُحُ بُسُطًا».

[فَائِدَةٌ بِلادُ الشَّامِ بَعْضُهَا بِالْقُوَّةِ دَخَلَهَا الإِسْلامُ وَبَعْضُهَا صَالَحُو عَلَى الْجِزْيَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ. أَهْلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَارَى الْقُدْسِ صَالَحُوا عَلَى الْجِزْيَةِ أَيَّامَ عُمَرَ وَفِى خِلالِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِى زَارَ فِيهَا عُمَرُ فِلَسْطِينَ النَّصَارَى دَعَوْهُ إِلَى مَأْدُبَةِ طَعَامٍ إِلَى دَاخِلِ الْكَنِيسَةِ فَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى حُضُورِ دَعْوَتِهِمْ بَلْ قَالَ «إِنَّا لا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ» عَلَى هَذَا بَقِىَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ إِلَى أَنْ هَاجَمَتِ النَّصَارَى مِنْ إِنْكِلِيز وَفَرَنْسِيِّينَ وَأَلْمَان وَغَيْرِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسَ فَاحْتَلُّوهُ تِسْعِينَ سَنَةً فَحَارَبَهُمْ صَلاحُ الدِّينِ فَأَخْرَجَهُمْ. الآنَ الْوَهَّابِيَّةُ تَقُولُ صَلاحُ الدِّينِ كَافِرٌ لِأَنَّهُ أَشْعَرِىٌّ عَقِيدَتُهُ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُمُ الْكُفَّارُ.]

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْعُ الزَّكَاةِ أَوْ بَعْضِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالتَّمَكُّنِ، وَإِخْرَاجُ مَا لا يُجْزِئُ أَوْ إِعْطَاؤُهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّهَا.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ مَنْعَ الزَّكَاةِ أَىْ تَرْكَ دَفْعِهَا أَوْ إِعْطَاءَ بَعْضِهَا وَتَرْكَ بَعْضٍ، وَتَأْخِيرَ إِخْرَاجِهَا بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إِخْرَاجِهَا بِلا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ، وَلا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ رَمَضَانَ كَشَهْرِ رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ مَثَلًا أَنْ يُؤَخِّرَ إِلَى رَمَضَانَ، وَلَيْسَ رَمَضَانُ مَوْسِمًا لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ بَلْ مَوْسِمُهَا وَقْتُ حَوَلانِ الْحَوْلِ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُؤَخِّرُونَ زَكَوَاتِهِمْ إِلَى رَمَضَانَ وَهَذَا حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ. الزَّكَاةُ كَالصَّلاةِ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا.

وَكَذَلِكَ دَفْعُ مَا لا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنَ الْمُجْزِئِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ عِنْدَ الإِمَامِ أَبِى حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ.

وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ إِعْطَاؤُهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّهَا كَإِعْطَائِهَا لِلْجَمْعِيَّاتِ الَّتِى تَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِى غَيْرِ مَصَارِفِهَا، وَأَمَّا إِنْ وَكَّلَ الْمُزَكِى جَمْعِيَّةً يَثِقُ بِأَنَّهَا تَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِى مَصَارِفِهَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا.

وَتَضْيِيعُ الزَّكَاةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَقَدْ صَحَّ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ لاوِىَ الصَّدَقَةِ أَىْ مَانِعَهَا مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ﷺ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ].

فَائِدَةٌ رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «مَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِى شِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيَةَ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/180].

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ [فِى فَتْحِ الْبَارِى] فِى شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْمُرَادُ بِالشُّجَاعِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ جِيمٍ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ وَقِيلَ الَّذِى يَقُومُ عَلَى ذَنْبِهِ وَيُوَاثِبُ الْفَارِسَ، وَالأَقْرَعُ الَّذِى تَقْرَعُ رَأْسُهُ أَىْ تُمْعَطُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ، وَفِى تَهْذِيبِ الأَزْهَرِىِّ سُمِّىَ أَقْرَعَ لِأَنَّهُ يَقْرِى السُّمَّ وَيَجْمَعُهُ فِى رَأْسِهِ حَتَّى تَتَمَعَّطَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِىُّ الأَقْرَعُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّذِى ابْيَضَ رَأْسُهُ مِنَ السُّمِّ وَمِنَ النَّاسِ الَّذِى لا شَعَرَ بِرَأْسِهِ، قَوْلُهُ «لَهُ زَبِيبَتَانِ» تَثْنِيَةُ زَبِيبَةٍ بِفَتْحِ الزَّاىِ وَمُوَحَدَّتَيْنِ وَهُمَا الزَّبْدَتَانِ اللَّتَانِ فِى الشِّدْقَيْنِ يُقَالُ تَكَلَّمَ حَتَّى زَبَدَ شِدْقَاهُ أَىْ خَرَجَ الزَّبَدُ مِنْهُمَا،

وَقِيلَ هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ وَقِيلَ نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ وَقِيلَ هُمَا فِى حَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ زَنَمَتَىِ الْعَنْزِ وَقِيلَ لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْقَرْنَيْنِ وَقِيلَ نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ، قَوْلُهُ «يُطَوَّقُهُ» بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ أَىْ يَصِيرُ لَهُ ذَلِكَ الثُّعْبَانُ طَوْقًا، قَوْلُهُ «ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ» فَاعِلُ يَأْخُذُ هُوَ الشُّجَاعُ وَالْمَأْخُوذُ يَدُ صَاحِبِ الْمَالِ كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِى رِوَايَةِ هُمَامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ الآتِيَةِ فِى تَرْكِ الْحِيَلِ بِلَفْظِ لا يَزَالُ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ قَوْلُهُ «بِلِهْزِمَتَيْهِ» بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا زَاىٌ مَكْسُورَةٌ وَقَدْ فُسِّرَ فِى الْحَدِيثِ بِالشِّدْقَيْنِ وَفِى الصَّحَاحِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِى اللَّحْيَيْنِ تَحْتَ الأُذُنَيْنِ وَفِى الْجَامِعِ هُمَا لَحْمُ الْخَدَّيْنِ الَّذِى يَتَحَرَّكُ إِذَا أَكَلَ الإِنْسَانُ، قَوْلُهُ «ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ» وَفَائِدَةُ هَذَا الْقَوْلِ الْحَسْرَةُ وَالزِّيَادَةُ فِى التَّعْذِيبِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّهَكُّمِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْعُ الأَجِيرِ أُجْرَتَهُ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكَ إِعْطَاءِ الأَجِيرِ أُجْرَتَهُ وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ الْقُدْسِىُّ «ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ رَجُلٌ أَعْطَى بِىَ الْعَهْدَ ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَمَعْنَى خَصَمْتُهُ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ لا حُجَّةَ لَهُ.

وَمَعْنَى أَعْطَى بِىَ الْعَهْدَ أَىْ أَعْطَى الْعَهْدَ بِاسْمِى كَالَّذِى يُبَايِعُ إِمَامًا ثُمَّ يَتَمَرَّدُ عَلَيْهِ كَالَّذِينَ غَدَرُوا بِعَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فِى الْمَدِينَةِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْعُ الْمُضْطَرِّ مَا يَسُدُّهُ، وَعَدَمُ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِيهِمَا.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ مَنْعَ الْمُضْطَرِّ مَا يَسُدُّهُ أَىْ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُضْطَرِّ الْمُضْطَرُّ بِالْجُوعِ وَنَحْوِهِ أَىِ الَّذِى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاكِ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ أَوِ الْبَرْدِ مَثَلًا. ثُمَّ لا فَرْقَ فِى الْمُضْطَرِّ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ، وَيَشْمَلُ الذِّمِىَّ أَيْضًا وَيَشْمَلُ الْمُضْطَرَّ مَنِ اضْطُرَّ لِكِسْوَةٍ يَدْفَعُ بِهَا الْهَلاكَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنِ اضْطُرَّ لِطَعَامٍ يَدْفَعُ بِهِ الْهَلاكَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُضْطَرٍّ إِطْعَامُ الْمُضْطَرِّ حَالًا وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ يَحْتَاجُهُ بَعْدُ.

وَمِنْ مَعَاصِى الْيَدِ أَيْضًا عَدَمُ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ مَعْصُومٍ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الضَّرَرِ وَلا إِثْمَ عَلَى مَنْ هُوَ غَيْرُ قَادِرٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الَّتِى تَغْرَقُ امْرَأَةً مُسْلِمَةً وَكَانَ فِى إِنْقَاذِ الرَّجُلِ لَهَا مَسًّا لِيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ. وَمِثْلُ الْغَرِيقِ مَا أَشْبَهَهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكِتَابَةُ مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ كِتَابَةَ مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ كَالْغِيبَةِ، قَالَ الْغَزَالِىُّ فِى بِدَايَةِ الْهِدَايَةِ «لِأَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ فَاحْفَظْهُ عَمَّا يَجِبُ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْهُ مِنْ غِيبَةٍ وَغَيْرِهَا، فَلا يُكْتَبُ بِهِ مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا سَبَقَ» اهـ. وَأَمَّا لِعُذْرٍ شَرْعِىٍّ فَيَجُوزُ غِيبَةُ الْمُسْلِمِ كَأَنْ أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً وَكُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ خَبِيثٌ مُفْسِدٌ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُبَيِّنَ لِأَهْلِ الْبِنْتِ أَنَّ فِيهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْفَسَادِ فَتَقُولَ هَذَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَثَلًا أَوْ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَضْرِبُ النِّسَاءَ مِنْ دُونِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَإِذَا سَكَتَّ فَعَلَيْكَ ذَنْبٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ شَخْصٌ يَعْمَلُ مُنْكَرًا وَأَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْنَعَهُ وَيُوجَدُ شَخْصٌ إِذَا أَخْبَرْتَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَذْكُرَ لِذَلِكَ الشَّخْصِ لِيَقْطَعَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْخِيَانَةُ وَهِىَ ضِدُّ النَّصِيحَةِ فَتَشْمَلُ الأَفْعَالَ وَالأَقْوَالَ وَالأَحْوَالَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الْخِيَانَةَ (سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْحَالِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/58] فَالآيَةُ وَإِنْ كَانَ نُزُولُهَا فِى مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ فَهِىَ عَامَّةٌ فِى جَمِيعِ الأَمَانَاتِ.

وَتُطْلَقُ الأَمَانَةُ عَلَى مَا يَسْتَأْمِنُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الْوَدَائِعِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ مِنْ نَحْوِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتَشْمَلُ الأَمَانَةُ مَا يَأْتَمِنُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ أَجِيرَهُ مِنَ الْعَمَلِ وَمَا يَأْتَمِنُ عَلَيْهِ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فِى بَيْتِهِ بِأَنْ لا تَخُونَهُ فِى فِرَاشِهِ أَوْ مَالِهِ قَالَ ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ] وَابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «لا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ وَلا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ» أَىْ لا يَكُونُ مَنْ لا يُحَافِظُ عَلَى الأَمَانَةِ مُؤْمِنًا كَامِلًا وَلا يَكُونُ دِينُ مَنْ لا عَهْدَ لَهُ كَامِلًا مَعَ إِضَاعَةِ الْعَهْدِ.

مَعَاصِى الْفَرْجِ

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ وَمِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ الزِّنَى وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ فِى الْقُبُلِ، وَاللِّوَاطُ وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ فِى الدُّبُرِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ الزِّنَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/32] وَأَشَدُّ الزِّنَى الزِّنَى بِالْمَحَارِمِ كَالأُمِّ وَالأُخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَنَحْوِهِنَّ، وَالزِّنَى بِحَلِيلَةِ الْجَارِ أَىْ زَوْجَةِ الْجَارِ. وَالزِّنَى عِنْدَ الإِطْلاقِ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ أَىْ رَأْسِ الذَّكَرِ أَىِ الْقَدْرِ الَّذِى كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَتِرًا بِالْجِلْدَةِ ثُمَّ يَظْهَرُ بِالْخِتَانِ فى الْفَرْجِ، فَإِدْخَالُ الْحَشَفَةِ كَإِدْخَالِ كُلِّ الذَّكَرِ، فَهَذَا الزِّنَى الَّذِى يُعَدُّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَيَتَرَتَّبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فَلا يَتَرَتَّبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ مُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ حَرَامًا فَبِالأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَسُّهَا بِشَىْءٍ مِنَ الذَّكَرِ حَرَامًا.

وَلا يُسَمَّى مُجَرَّدُ الْمَسِّ زِنًى حَقِيقِيًا إِنَّمَا يُسَمَّى مُبَاشَرَةً وَهُوَ مِنَ اللَّمَمِ الَّذِى قَالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [سُورَةَ النَّجْم/32] وَفِيهِ وَفِى الْقُبْلَةِ وَالنَّظْرَةِ [أَىِ الْمُحَرَّمَةِ] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سُورَةَ النَّجْم/32] مَعْنَاهُ إِنِ اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ تُغْفَرُ هَذِهِ الأَشْيَاءُ الَّتِى تُسَمَّى اللَّمَمَ. وَفِى حُكْمِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ كُلُّ الصَّغَائِرِ. وَلا يُسَمَّى مُرْتَكِبُ الصَّغِيرَةِ فَاسِقًا إِلَّا إِذَا زَادَتْ صَغَائِرُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ.

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَشَدُّ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» أَىْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ الْفَقْرِ» قِيلَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ الزِّنَى فِى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ. هَذَا الَّذِى جَاءَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِى أَسَانِيدُهَا قَوِيَّةٌ، أَمَّا حَدِيثُ «دِرْهَمُ رِبًا أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً» فَلا يُقَاوِمُ هَذَا الْحَدِيثَ وَإِنْ صَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ [كَالْحَافِظِ السُّيُوطِىِّ فِى كِتَابِهِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ] لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ إِسْنَادًا فَالَّذِينَ صَحَّحُوا هَذَا الْحَدِيثَ غَفَلُوا غَفْلَةً كَبِيرَةً بَلْ قَوْلُهُمْ هَذَا يُجَرِّئُ النَّاسَ عَلَى الْوُقُوعِ فِى الزِّنَى لِأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِى الرِّبَا.

وَأَمَّا اللِّوَاطُ فَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ فِى الدُّبُرِ أَىْ فِى دُبُرِ امْرَأَةٍ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ أَوْ دُبُرِ ذَكَرٍ وَفِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا» وَأَمَّا إِدْخَالُ الذَّكَرِ فِى دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَهُوَ حَرَامٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ إِلَى حَدِّ اللِّوَاطِ بِغَيْرِ امْرَأَتِهِ، فَلا حَدَّ فِى جِمَاعِ الزَّوْجَةِ فِى دُبُرِهَا وَيُعَزِّرُهُ الْحَاكِمُ إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَلا يُعَزِّرُهُ لِلْمَرَّةِ الأُولَى، وَلا يَكُونُ مُوجِبًا لِلطَّلاقِ كَمَا شَاعَ عِنْدَ الْجُهَّالِ وَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ] وَغَيْرُهُ «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَتَهُ فِى دُبُرِهَا» وَمَعْنَى لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يُهِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْفُقَهَاءُ لَوِ اسْتَمْتَعَ بِمَا بَيْنَ أَلْيَتَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِدْخَالٍ لَمْ يَحْرُمْ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُحَدُّ الْحُرُّ الْمُحْصَنُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بِالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَدِلَةِ حَتَّى يَمُوتَ وَغَيْرُهُ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبِ سَنَةٍ لِلْحُرِّ وَيُنَصَّفُ ذَلِكَ لِلرَّقِيقِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الزِّنَى وَاللِّوَاطِ الْحَدُّ وَتَجِبُ إِقَامَتُهُ عَلَى الإِمَامِ الْخَلِيفَةِ وَمَنْ فِى مَعْنَاهُ، وَيَخْتَلِفُ الْحَدُّ فِى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ. وَالْمُحْصَنُ هُوَ الَّذِى وَطِئَ فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَكَانَ مُكَلَّفًا وَلَوْ سَكْرَانَ تَعَدَّى بِسُكْرِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَيُحَدُّ إِذَا زَنَى بِالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَدِلَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ رَجَمَ رَجُلًا يُسَمَّى مَاعِزًا وَالْمَرْأَةَ الْغَامِدِيَّةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَيْسَ وَاجِبًا كَوْنُ الْحِجَارَةِ مُعْتَدِلَةً لَكِنَّ ذَلِكَ نَدْبٌ وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِلْءَ الْكَفِّ لَكِنْ يَحْرُمُ رَجْمُهُ بِالْمُذَفِّفِ أَىِ الْمُسْرِعِ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْصَنِ وَهُوَ الَّذِى لَمْ يَطَأْ فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَيَكُونُ حَدُّهُ جَلْدَ مِائَةٍ (بِالسَّوْطِ الْمُعْتَدِلِ) أَىْ لَيْسَ قَاسِيًا جِدًّا وَلا هُوَ لَيِّنٌ جِدًّا، وَتَغْرِيبَ سَنَةٍ هِلالِيَّةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَحَلِّ الزِّنَى فَمَا فَوْقَهَا مِمَّا يَرَاهُ الإِمَامُ بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَأَنْ لا يَكُونَ فِى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِى يُغَرَّبُ إِلَيْهِ طَاعُونٌ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الدُّخُولُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِى وَقَعَ فِيهِ الطَّاعُونُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْمَرْأَةِ الَّتِى زَنَتْ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى حَدِّ اللَّائِطِ وَالْمَلُوطِ بِهِ فَقِيلَ حَدُّ الْفَاعِلِ حَدُّ الزِّنَى وَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهِ فَحَدُّهُ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَهَذَا حَدُّ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَأَمَّا الرَّقِيقُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ فَحَدُّهُ نِصْفُ ذَلِكَ فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَيُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» فَلا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.

وَلا يَثْبُتُ الزِّنَى إِلَّا بِبَيِّنَةٍ مُفَصَّلَةٍ، وَبَيِّنَةُ الزِّنَى أَرْبَعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الْعُدُولِ فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ أَدْخَلَ حَشَفَتَهُ فِى فَرْجِ فُلانَةَ زَانِيًا بِهَا، أَوْ زَنَى فُلانٌ بِفُلانَةَ بِإِدْخَالِ حَشَفَتِهِ فِى فَرْجِهَا وَإِنْ زَادَ كَمَا يَدْخُلُ الْمِرْوَدُ فِى الْمِكْحَلَةِ وَالرِّشَاءُ أَىِ الْحَبْلُ فِى الْبِئْرِ كَانَ أَحْسَنَ، أَوْ بِإِقْرَارِ الشَّخْصِ الْحَقِيقِىِّ الْمُفَصَّلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الزِّنَى يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يُرَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ تَحْتَ لِحَافٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنْ يُرَى رَاكِبًا لَهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ غَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ فِى الْفَرْجِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّلاصُقِ مَعَ الْعُرْىِ زِنًى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالزِّنَى الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ.

فَائِدَةٌ يَنْبَغِى لِمَنِ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالْمَعَاصِى أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ ابْتُلِىَ بِشَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى].

وَقَدْ حَصَلَ فِى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةً ذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَاعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا زَنَتْ وَكَانَتْ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى وَكَانَتْ مُحْصَنَةً فَقَالَ لَهَا «بَعْدَمَا تَلِدِينَ هَذَا الْحَمْلَ تَرْجِعِينَ» فَوَضَعَتِ الْحَمْلَ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا «أَرْضِعِيهِ حَتَّى إِذَا انْتَهَيْتِ مِنَ الرَّضَاعِ تَرْجِعِينَ إِلَيْنَا» ثُمَّ أَنْهَتِ الرَّضَاعَ فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ رُجِمَتْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَتْ ثُمَّ هِىَ لَوْ سَتَرَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَلَمْ تَذْهَبْ إِلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ وَنَدِمَتْ وَعَزَمَتْ أَنَّهَا لا تَعُودُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا،

بَلِ الْمَطْلُوبُ مِنَ الَّذِى زَنَى أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلا يُخْبِرَ الْحَاكِمَ وَهَذَا مَعْنَى «فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» ثُمَّ هَذَا الشَّخْصُ الَّذِى اعْتَرَفَ عِنْدَ الْحَاكِمِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ وَيَقُولَ أَنَا مَا زَنَيْتُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ لِيَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى لَوْ كَانُوا بَدَؤُوا بِرَجْمِهِ إِنْ رَجَعَ عَنِ اعْتِرَافِهِ يُتْرَكُ. السَّتْرُ عَلَى النَّفْسِ مَعَ التَّوْبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الِاعْتِرَافِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ يَكُونُ قَدْ طَهُرَ بِذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا إِتْيَانُ الْبَهَائِمِ وَلَوْ مِلْكَهُ وَالِاسْتِمْنَاءُ بِيَدِ غَيْرِ الْحَلِيلَةِ الزَّوْجَةِ، وَأَمَتُهُ الَّتِى تَحِلُّ لَهُ مِثْلُهَا.