وَشَرْحُ مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جُمْلَةِ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ دَوَّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَمَا دَوَّنُوهُ إِلَّا لِيَفْهَمَ النَّاسُ مَعْنَاهُ وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ. وَمَاذَا يَقُولُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْتَقِدُونَ ذِكْرَ مَا وَرَدَ فِى مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ قَاتَلُوا عَلِيًّا بِمَا هُوَ الْوَاقِعُ إِذَا رَأَوْا نَصَّ الْكَمَالِ بنِ الْهُمَامِ وَالْمَرْغِينَانِىِّ أَيَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ سَبًّا لِلصَّحَابَةِ أَمْ يَسْكُتُونَ وَمَاذَا يَقُولُ هَؤُلاءِ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِى تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلانِىَّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَجِيرُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ قُلِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَعَادَ مَقَالَتَهُ الأُولَى فَقَالَ مُعَاوِيَةُ هُوَ يَعْرِفُ مَا يَقُولُ هَلْ يَرَوْنَ هَذَا مِنْ أَبِى مُسْلِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ سَبًّا لِلصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِىُّ فِى كِتَابِ الإِمَامَةِ «وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ فَرِيقَىِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِىُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالأَوْزَاعِىُّ وَالْجُمْهُورُ الأَعْظَمُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مُصِيبٌ فِى قِتَالِهِ لِأَهْلِ صِفِّينَ كَمَا قَالُوا بِإِصَابَتِهِ فِى قِتَالِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ وَقَالُوا أَيْضًا بِأَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ بُغَاةٌ ظَالِمُونَ لَهُ وَلَكِنْ لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِبَغْيِهِمْ» اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ شَهَادَةُ الزُّورِ وَالزُّورُ الْكَذِبُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ ﷺ «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ» أَىْ شُبِّهَتْ بِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْقُلُ فَاعِلَهَا عَنِ الدِّينِ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَالْبَيْهَقِيُّ [فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى]. فَمَنْ شَهِدَ بِأَنَّ لِفُلانٍ عَلَى فُلانٍ مَالًا مَثَلًا زُورًا وَكَذِبًا إِرْضَاءً لِصَدِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَطْلُ الْغَنِىِّ أَىْ تَأْخِيرُ دَفْعِ الدَّيْنِ مَعَ غِنَاهُ أَىْ مَقْدِرَتِهِ.
الشَّرْحُ مَطْلُ الْغَنِىِّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ بِالْقَوْلِ بِالْوَفَاءِ ثُمَّ يُخْلِفُ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ «لَىُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ لَىَّ الْوَاجِدِ أَىْ مُمَاطَلَةَ الْغَنِىِّ الْقَادِرِ عَلَى الدَّفْعِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ أَىْ يُحِلُّ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمَطْلِ وَسُوءِ الْمُعَامَلَةِ وَيُحِلُّ عُقُوبَتَهُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ وَحَثًّا لَهُ وَإِرْغَامًا عَلَى دَفْعِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالشَّتْمُ وَاللَّعْنُ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ شَتْمُ الْمُسْلِمِ أَىْ سَبُّهُ وَالشَّتْمُ مُرَادِفٌ لِلسَّبِّ، رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» أَىْ أَنَّ سَبَّ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَبَائِرِ بِدَلِيلِ تَسْمِيَتِهِ فُسُوقًا وَأَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قِتَالِهِ لَفْظَ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْكُفْرِ لا يَعْنِى أَنَّهُ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَقَاتِلَتَيْنِ مُؤْمِنِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/9] الآيَةَ.
وَأَمَّا اللَّعْنُ فَمَعْنَاهُ الطَّرْدُ مِنَ الْخَيْرِ وَلَعْنُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمَعْنَاهُ سَبُّ الشَّخْصِ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ لَعَنَكَ اللَّهُ أَوْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَوْ أَنْتَ مَلْعُونٌ أَوْ أَنْتَ مِنْ أَهْلِ لَعْنَةِ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ» [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ]. ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّةَ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لَعْنُ الْعَاصِى الْمُعَيَّنِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا إِذَا كَانَ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ كَأَنْ يَكُونَ غَشَّاشًا ظَالِمًا لا يَرْحَمُ يَتِيمًا وَلا مَنْكُوبًا بَلْ يَأْكُلُ حَقَّهُمْ لِأَجْلِ أَنْ يَتَبَجَّحَ بِالإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ،
وَلا يَكُونُ لَعْنُهُ بِقَصْدِ التَّفَكُّهِ بِذِكْرِ عُيُوبِ النَّاسِ بَلْ بِقَصْدِ رَدْعِهِ وَزَجْرِهِ وَتَحْذِيرِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَمَنْ رَأَى مُسْلِمًا فَاسِقًا كَبَائِعِ خَمْرٍ فَلَعَنَهُ لا لِزَجْرِهِ وَلا لِزَجْرِ النَّاسِ عَنْ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَهُ أَحَدٌ لا يَجُوزُ وَمَنِ اسْتَحَلَّ هَذَا يَكْفُرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَرِيبِ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ إِنْكَارَ
الْمُنْكَرِ وَقَالَ بَعْضٌ لا يَجُوزُ لَعْنُ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا إِلَّا مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ أَىْ كَإِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهَامَانَ وَأَبِى جَهْلٍ وَأَشْبَاهِهِمْ فَقَالَ بِالْقَوْلِ الأَوَّلِ قَائِلُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِى قَائِلُونَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ هُوَ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِأَدِلَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ [الرَّسُولُ إِذَا لَعَنَ شَخْصًا أَوْ سَبَّهُ أَوْ جَلَدَهُ يَكُونُ ذَلِكَ بِحَقٍّ] فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَىْ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ كَفَّارَةً وَأَجْرًا.
فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ لَعْنِ الشَّخْصِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْوَحْىِ أَوْ بِالنَّصِّ، أَمَّا بِالْوَحْىِ فَبِالنِّسْبَةِ لَهُ وَأَمَّا النَّصُّ فَبِالنِّسْبَةِ لِأُمَّتِهِ فَلا حُجَّةَ فِى الْقَوْلِ الآخَرِ. وَقَدْ أَجَازَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ لَعْنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ [نَقَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ فِى كِتَابِهِ الْبَازِ الأَشْهَبِ]. وَقَدْ لَعَنَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُخْتَارَ بنَ أَبِى عُبَيْدٍ الثَّقَفِىَّ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ.
وَأَمَّا اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ بِلا تَعْيِينٍ فَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِهِ كَأَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ أَوِ الْغَشَّاشِينَ أَوِ الظَّالِمِينَ أَوِ الْكَافِرِينَ أَوْ أَكَلَةِ الرِّبَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْكَافِرُ الذِّمِّىُّ فَلا يَجُوزُ لَعْنُهُ وَسَبُّهُ بِحَيْثُ يَتَأَذَّى إِنْ كَانَ مُلْتَزِمًا الشُّرُوطَ الَّتِى مِنْهَا أَنْ لا يَسُبَّ الرَّسُولَ أَوِ الْقُرْءَانَ وَلا يُظْهِرَ بَيْعَ كُتُبِهِمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَسَبَّ الرَّسُولَ خَرَجَ مِنَ الْعَهْدِ.
وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ سَبُّ الْكَافِرِ الْحَرْبِىِّ إِنْ خَشِينَا أَنْ يَسُبَّ اللَّهَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ أَوْ دِينَ الإِسْلامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/108].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالْمُسْلِمِ وَكُلُّ كَلامٍ مُؤْذٍ لَهُ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْمُسْلِمِ أَىْ تَحْقِيرُهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلامٍ مُؤْذٍ لِلْمُسْلِمِ أَىْ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلامُ الَّذِى فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُسْلِمِ بِحَقٍّ شَرْعِىٍّ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ وَفِى حُكْمِ الْكَلامِ الْمُؤْذِى الْفِعْلُ وَالإِشَارَةُ اللَّذَانِ يَتَضَمَّنَانِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَلَوْ كَانَ بَالِغًا يَا حِمَارُ لِتَأْدِيبِهِ فَيَجُوزُ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا بَلِيدُ وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ لَهُ يَا غَبِىُّ يَا قَلِيلَ الأَدَبِ إِنْ كَانَ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَاتُ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ لِتَأْدِيبِهِ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ.
الشَّرْحُ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَذَا الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَلا خِلافَ فِى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُّسْوَدَّةٌ﴾ [سُورَةَ الزُّمَر/60] وَأَمَّا الْكَذِبُ عَلَى الرَّسُولِ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ زَجْرٌ بَلِيغٌ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].
وَمِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُؤَدِّى إِلَى الْكُفْرِ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى اللَّهِ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَهُ فِى شَرْعِهِ وَكَذَلِكَ نِسْبَةُ تَحْرِيـمِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالدَّعْوَى الْبَاطِلَةُ.
الشَّرْحُ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الدَّعَاوِى الْبَاطِلَةُ كَأَنْ يَدَّعِىَ عَلَى شَخْصٍ مَا لَيْسَ لَهُ اعْتِمَادًا عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ أَوْ عَلَى جَاهِهِ كَأَنْ يَقُولَ فُلانٌ لِى عَلَيْهِ كَذَا وَهُوَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى بَكْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِى أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالطَّلاقُ الْبِدْعِىُّ وَهُوَ مَا كَانَ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَوْ فِى طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الطَّلاقُ الْبِدْعِىُّ وَهُوَ أَنْ يُطَّلِقَ امْرَأَتَهُ فِى طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ أَوْ فِى حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِضْرَارٌ بِالْمَرْأَةِ بِإِطَالَةِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ إِذْ بَقِيَّةُ مُدَّةِ الدَّمِ لا يُحْسَبُ مِنْهَا، وَمَعَ حُرْمَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلاقَ فِيهِ وَاقِعٌ فَمَنْ طَلَّقَ طَلاقَ الْبِدْعَةِ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ طُهْرٍ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا أَوْ أَمْسَكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالظِّهَارُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى أَىْ لا أُجَامِعُكِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الظِّهَارُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ وَلَوْ رَجْعِيَّةً أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَنْتِ كَيَدِهَا أَوْ بَطْنِهَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَحَارِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيذَاءٍ لِلْمَرْأَةِ.
وَسُمِّىَ ظِهَارًا لِتَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِالظَّهْرِ وَإِنَّمَا خُصَّ الظَّهْرُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ وَالْمَرْأَةُ مَرْكُوبُ الزَّوْجِ وَلِذَا يُسَمَّى الْمَرْكُوبُ مِنَ الإِبِلِ وَنَحْوِهِ ظَهْرًا، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَزُورٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْبِيهِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ بِأُمِّهِ فِى التَّحْرِيمِ، وَالَّذِى جَرَتْ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَبِرُونَهُ طَلاقًا وَهُوَ لَيْسَ بِطَلاقٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِيهِ كَفَّارَةٌ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَعْدَهُ فَوْرًا وَهِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ فَإِنْ عَجَزَ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ عَجَزَ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا سِتِّينَ مُدًّا.
الشَّرْحُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الظِّهَارِ إِنْ لَمْ يُتْبِعْهُ الزَّوْجُ بِالطَّلاقِ فَوْرًا الْكَفَّارَةُ وَحُرْمَةُ جِمَاعِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَكَفَّارَتُهُ إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ عَلَى التَّرْتِيبِ
الأُولَى إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُسْلِمَةٍ أَىْ نَفْسٍ مَمْلُوكَةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ سَلِيمَةٍ عَمَّا يُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ إِخْلالًا بَيِّنًا لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إِعْتَاقِهِ تَكْمِيلُ حَالِهِ لِيَتَفَرَّغَ لِوَظَائِفِ الأَحْرَارِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اسْتِقْلالِهِ بِكِفَايَةِ نَفْسِهِ فَتُجْزِئُ الرَّقَبَةُ الصَّغِيرَةُ وَلَوْ عَقِبَ الْوِلادَةِ وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلافِ.
الثَّانِيَةُ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَذَلِكَ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ وَقْتَ الأَدَاءِ وَعَمَّا يَصْرِفُهُ فِيهَا فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَأَثَاثًا لا بُدَّ مِنْهُ وَعَنْ دَيْنِهِ وَلَوْ مُؤَجَّلًا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَمُونُ عَبْدًا وَالْعِبْرَةُ بِالْهِلالِ وَلَوْ نَقَصَا عَنْ سِتِّينَ يَوْمًا وَيَجِبُ تَبْيِيتُ نِيَّةِ الصَّوْمِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَلا يَجِبُ فِى هَذِهِ النِّيَّةِ تَعْيِينُ أَنَّهَا عَنِ الظِّهَارِ فَلَوْ كَانَ عَلَى ذِمَّةِ الشَّخْصِ كَفَّارَتَانِ إِحْدَاهُمَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَالأُخْرَى كَفَّارَةُ قَتْلٍ فَصَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فَإِنْ بَدَأَ بِالصِّيَامِ أَثْنَاءَ شَهْرٍ بِأَنْ لَمْ يَنْوِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ الْهِلالِىِّ كَمَّلَ الأَوَّلَ ثَلاثِينَ مِنَ الثَّالِثِ، وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ [وَلَوْ لِعُذْرٍ].
الثَّالِثَةُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ فَقِيرًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِمَّا يَصِحُّ دَفْعُهُ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرَةِ فَلا يَصِحُّ دَفْعُهَا لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَيَصِحُّ أَنْ يَجْمَعَ السِّتِّينَ فِى ءَانٍ وَاحٍدٍ وَيَضَعَهَا بَيْنَهُمْ فَيُمَلِّكَهُمْ فَإِذَا قَالَ لَهُمْ مَلَّكْتُكُمْ هَذَا الطَّعَامَ فَخُذُوهُ فَقَبِلُوا صَحَّ وَلا يُجْزِئُ هَذَا الإِطْعَامُ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الصَّوْمِ أَوْ عَنْ تَتَابُعِهِ لِهَرَمٍ أَىْ كِبَرِ سِنٍّ أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ لَحِقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ لا تُحْتَمَلُ عَادَةً أَوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا اللَّحْنُ فِى الْقُرْءَانِ بِمَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى أَوِ الإِعْرَابِ وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ اللَّحْنُ فِى قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَلَوْ كَانَ لا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يُغَيِّرْهُ لَكِنْ تَعَمَّدَهُ كَالَّذِى يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِضَمِّ اللَّامِ بَدَلَ كَسْرِهَا فَإِنَّ هَذَا لا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى لَكِنْ حَرَامٌ. وَيُشَارِكُهُ فِى الإِثْمِ الْمُسْتَمِعُ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَنْعَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَصْحِيحُ الْقِرَاءَةِ إِلَى الْحَدِّ الَّذِى يَسْلَمُ فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الإِعْرَابِ وَالْحَرْفِ وَمِنْ قَطْعِ الْكَلِمَةِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ وُجُوبًا عَيْنِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاتِحَةِ وُوُجُوبًا كِفَائِيًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا فَيَجِبُ صَرْفُ جَمِيعِ الْوَقْتِ الَّذِى يُمْكِنُهُ لِتَحْصِيلِ تَصْحِيحِ الْفَاتِحَةِ فَإِنْ قَصَّرَ عَصَى وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِصَلَوَاتِ الْمُدَّةِ الَّتِى أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمَ؟؟؟
فِيهَا فَلَمْ يَتَعَلَّمْ، وَأَمَّا اللَّحْنُ الَّذِى يُغَيِّرُ الْمَعْنَى فَهُوَ كَالَّذِى يَقْرَأُ أَنْعَمْتُ بِالضَّمِّ بَدَلَ أَنْعَمْتَ. وَكَالَّذِى يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ» بِجَرِّ رَسُولِهِ فَإِنَّ هَذَا يُفْسِدُ الْمَعْنَى لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمِنَ الرَّسُولِ فَمَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ إِلَّا مَنْ قَرَأَ بِالرِّوَايَةِ الشَّاذَّةِ وَهِىَ الْجَرُّ عَلَى وَجْهِ الْقَسَمِ أَىْ وَأُقْسِمُ بِرَسُولِهِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ لَكِنْ لا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا.
أَمَّا الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ فَهِىَ بِضَمِّ لامِ رَسُولُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الرَّسُولَ أَيْضًا بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ «الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ» فَلا يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَنَّنَ فِيهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ أَوْ تَغْيِيرِ حَرْفٍ وَلَوْ أَتَى بِالْمَعْنَى الَّذِى يُوَافِقُ مَعْنَى الآيَةِ، أَمَّا حَدِيثُ الرَّسُولِ ﷺ فَيَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى وَهَذَا أَمْرٌ شَائِعٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الصَّحَابَةُ مَا كَانُوا مُلْتَزِمِينَ أَنْ يَرْوُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ بِاللَّفْظِ الَّذِى خَرَجَ مِنْ فَمِهِ بَلْ كَانُوا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَرْوُوا بِالْمَعْنَى إِنَّمَا الضَّرَرُ هُوَ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى وَعَلَى هَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ وَمِنْ هُنَا مَنْشَأُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ.
أَمَّا الْقُرْءَانُ أُنْزِلَ لِتَحَدِّى الْمُعَارِضِينَ أَىْ لِإِعْجَازِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَلا بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَصْرًا بَلَغَتْ فِيهِ الْبَلاغَةُ وَالْفَصَاحَةُ الْقِمَّةَ، فَمَعَ أَنَّ الْقُرْءَانَ أُنْزِلَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ لا يَجُوزُ تِلاوَتُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى مَعَ تَرْكِ اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَمَّا إِذَا
كَانَ الشَّخْصُ لا يَحْفَظُ الآيَةَ فَقَالَ وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ مَا مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا فَهَذَا جَائِزٌ وَلا نَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا ثُمَّ نُورِدُ أَلْفَاظًا لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْءَانِ [مَعَ إِرَادَةِ أَنَّ هَذَا هُوَ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ الْمَكْتُوبُ فِى الْمَصَاحِفِ أَمَّا إِنْ أَوْرَدَ أَلْفَاظًا لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْءَانِ لَكِنْ بِمَعْنَاهَا فَقَالَ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى» وَأَوْرَدَهَا لا عَلَى أَنَّهَا عَيْنُ اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ الْمَكْتُوبِ فِى الْمَصَاحِفِ فَيَجُوزُ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ **** الْحَقَّ وَلَيْسَ بِهِ خَفَاءُ يَعْنِى قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾].
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْقُدْسِىُّ فَيَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرْءَانِ أَنَّ الْقُرْءَانَ يُتَعَبَّدُ بِتِلاوَتِهِ لَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ الشَّخْصُ لِلْحِفْظِ أَوْ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ أَمَّا الْحَدِيثُ الْقُدْسِىُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ لا يُتَعَبَّدُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِىٍّ مُجَابٍ» وَعَدَّ مِنْهُمُ الزَّائِدَ فِى كِتَابِ اللَّهِ.
وَالزِّيَادَةُ أَنْوَاعٌ مِنْهَا أَنْ يَزِيدَ الشَّخْصُ بِنِيَّةِ أَنْ يُوهِمَ النَّاسَ أَنَّ هَذَا قُرْءَانٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْءَانِ إِجْمَاعًا فَهَذَا أَشَدُّهُمْ إِثْمًا فَمَنْ زَادَ فِى الْقُرْءَانِ شَيْئًا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْءَانِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَالثَّانِى هُوَ مَنْ يَزِيدُ حَرْفًا مِنْ أَجْلِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ عَمْدًا لَيْسَ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَهَذَا أَقَلُّ إِثْمًا وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ هُوَ الَّذِى يَزِيدُ حَرْفًا مِنْ دُونِ تَعَمُّدٍ إِنَّمَا جَهْلًا مِنْهُ بِالتِّلاوَةِ الَّتِى أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِىِّ فَهَذَا أَقَلُّ إِثْمًا مِنَ الأَوَّلَيْنِ كَمَنْ يُوَلِّدُ حَرْفًا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ فَيَقُولُ «إِيْنَا» بَدَلَ «إِنَّا» وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ مِنْ زِيَادَةِ وَاوٍ أَمَامَ حَرْفِ الْغُنَّةِ إِذَا سَبَقَتْهُ ضَمَّةٌ يَقُولُونَ «مَاهُونَّ» لِأَنَّهُ لَيْسَ فِى لُغَتِهِمْ غُنَّةٌ وَإِنَّمَا هِىَ مِنْ خَصَائِصِ لُغَةِ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ يَزِيدُونَ أَلِفًا جَوْفِيَّةً وَيُقَالُ لَهَا الأَلِفُ اللَّيِنَةُ بَيْنَ الْحَرْفِ الَّذِى قَبْلَ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَبَيْنَ النُّونِ يَقُولُونَ «ءَانَّ لَهُمُ النَّارُ» وَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ.
وَأَمَّا الإِخْلالُ بِالتَّرْقِيقِ وَالتَّفْخِيمِ وَسَائِرِ الْمُدُودِ سِوَى الْمَدِّ الطَّبِيعِىِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَأْثَمُ مَنْ أَخَلَّ بِهِ فِى حَالِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّ فِى إِيجَابِ ذَلِكَ لِكُلِّ قَارِئٍ حَرَجًا، وَقَوْلُ بَعْضٍ بِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ كُلِّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ مِنْ مَدٍّ وَقَصْرٍ وَتَرْقِيقٍ وَتَفْخِيمٍ وَإِظْهَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّى إِلَى الْحَرَجِ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعَالَى فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذِ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِىُّ بِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْجَزَرِىِّ [رَجَز]
وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لازِمُ مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرَانَ ءَاثِمُ [وَفِى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «مَنْ لَمْ يُصَحِّحِ الْقُرْءَانَ ءَاثِمُ»].
[تَنْبِيهٌ مِمَّا يُخَالِفُ الصَّوَابَ عَدُّ بَعْضٍ فِى مَعَاصِى اللِّسَانِ نِسْيَانَ الْقُرْءَانِ وَلَوْ حَرْفًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ حَفِظَهُ وَكَلامُهُمْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَذَا يُؤَدِّى بِبَعْضِ النَّاسِ إِلَى الْخَوْفِ مِنْ حِفْظِ الْقُرْءَانِ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَنْسَوْنَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِى يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِى ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ «عُرِضَتْ عَلَىَّ أُجُورُ أُمَّتِى حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَىَّ ذُنُوبُ أُمَّتِى فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ ءَايَةٍ أُوتِيَهَا؟؟؟ رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا».
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَرَجَ عَلَى مُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ لا يَخْلُو الْحَفَظَةُ لِلْقُرْءَانِ غَالِبًا مِنْ نِسْيَانِ شَىْءٍ مِنْهُ وَاللَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَدْ أَبْعَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِى الشُّذُوذِ فَقَالَ يَدْخُلُ فِى مَعْصِيَةِ نِسْيَانِهِ بِمُجَرَّدِ النُّقْصَانِ عَنِ الْحَالِ الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا فِى الْحِفْظِ وَهَذَا ضَلالٌ وَكُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالسُّؤَالُ لِلْغَنِىِّ بِمَالٍ أَوْ حِرْفَةٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسْأَلَ الشَّخْصُ الْمُكْتَفِى بِالْمَالِ أَوِ الْحِرْفَةِ بِأَنْ كَانَ مَالِكًا مَا يَكْفِيهِ لِحَاجَاتِهِ الأَصْلِيَّةِ أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ بِكَسْبٍ حَلالٍ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «لا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ لِغَنِىٍّ وَلا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَالْبَيْهَقِىُّ [فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى]، وَالْمِرَّةُ هِىَ الْقُوَّةُ أَىِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاكْتِسَابِ، وَالسَّوِىُّ تَامُّ الْخَلْقِ.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» وَالْمُزْعَةُ الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ. يَعْنِى رَسُولُ اللَّهِ مَنْ شَحَذَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْمُومُ وَأَمَّا الشَّاحِذُ عَنْ حَاجَةٍ فَلا يُذَّمُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ] أَىْ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ يَمْلِكُ فَرَسًا وَهُوَ فَقِيرٌ لَيْسَ عِنْدَهُ كِفَايَتُهُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُكْتَفِيَةِ بِنَفَقَةِ زَوْجِهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَشْتَرِىَ لَهَا الأَشْيَاءَ الثَّمِينَةَ كَأَسَاوِرِ الذَّهَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ كَانَ قَالَ لَهَا اطْلُبِى مِنِّى مَا شِئْتِ فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أَمَّا الأَشْيَاءُ الْخَفِيفَةُ الْمُتَعَارَفُ عَلَيْهَا أَىْ بَيْنَ النِّسَاءِ التَّقِيَّاتِ فَهَذِهِ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَهَا كَأَنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِىَ لَهَا شَيْئًا مِنَ الْحَلْوَى وَالأَحْسَنُ إِذَا أَرَادَتِ الطَّلَبَ أَنْ تَقُولَ لَهُ لَوْ جَلَبْتَ لَنَا كَذَا بَدَلَ أَنْ تَقُولَ لَهُ اجْلِبْ لَنَا كَذَا.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أَخْذَهَا لِبَعْضِ الْمَطَاعِمِ لِأَكْلِ الطَّعَامِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ الْمَالَ مِنْهُ لِتَذْهَبَ إِلَى الْحَجِّ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ طَلَبَتْهُ لِعَمَلٍ فِيهِ طَاعَةٌ لَيْسَ لِلتَّنَعُّمِ].
وَأَمَّا مَا جَرَى بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ الْعَادَةُ بِطَلَبِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَهَذَا لا يُعَدُّ شِحَاذَةً مُحَرَّمَةً كَأَنْ يَقُولَ لَهُ عِنْدَّمَا تَعُودُ مِنَ الْحَجِّ تُهْدِينَا مَسَاوِيكَ أَوْ زَمْزَمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ [وَلَيْسَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ أَنْ يَقْعُدُوا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بَلِ الْمَعْرُوفُ عَنْهُمُ الْعَمَلُ لِيَكْفُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمْ فَقَدْ كَانَ الْجُنَيْدُ إِمَامُ الصُّوفِيَّةِ لَهُ دُكَّانٌ يَقْعُدُ فِيهِ وَكَانَ الرَّوَّاسُ يَبِيعُ رُؤُوسَ الْغَنَمِ وَكَانَ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ يَعْمَلُونَ بِالتِّجَارَةِ وَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتِّجَارَةِ وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلامُ نَجَّارًا وَكُلُّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ رَعَى الْغَنَمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّخِذُوا ذَلِكَ مِهْنَةً وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَأَعْلَى النَّاسِ مَقَامًا].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالنَّذْرُ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ نَذْرًا يَقْصِدُ بِهِ أَنْ يَحْرِمَ وَارِثَهُ فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ شَخْصٍ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ النَّذْرُ. وَمِنْ هَذَا النَّذْرِ الْفَاسِدِ أَنْ يَقُولَ نَذَرْتُ مَالِى لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِمَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَهَبَ كُلَّ مَالِهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْكَبَائِرِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ابْنَهُ هَذَا فَاسِقٌ فَاجِرٌ يُبَذِّرُ هَذَا الْمَالَ إِنْ تَرَكَهُ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِى الْحَرَامِ وَيَفْجُرُ بِهِ فَقَالَ الأَبُ مِنَ الآنَ أَنَا أَنْذُرُ مَالِى لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَنَذَرَهُ تَهَرُّبًا مِنْ أَنْ يَصِلَ هَذَا الْمَالُ بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى ابْنِهِ الْفَاسِقِ الْفَاجِرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَرْكُ الْوَصِيَةِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لا يَعْلَمُهُمَا غَيْرُهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ تَرْكَ الْوَصِيَةِ بِدَيْنٍ عَلَى الشَّخْصِ أَوْ عَيْنٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوْ نَحْوِهَا فَيَجِبُ [فِى حَالِ خَوْفِ فَجْأَةِ الْمَوْتِ أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مَخُوفٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ] عَلَى مَنْ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَ بِهِ غَيْرَ وَارِثٍ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ وَاحِدًا ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ إِنْ خَافَ ضَيَاعَهُ بِمَوْتِهِ أَوْ يَرُدَّهُ حَالًا خَوْفًا مِنْ خِيَانَةِ الْوَارِثِ فَإِنْ عَلِمَ بِهَا غَيْرُهُ كَانَتِ الْوَصِيَةُ مَنْدُوبَةً وَيَشْمَلُ مَا ذُكِرَ مَا كَانَ دَيْنًا لِلَّهِ كَزَكَاةٍ أَوْ لِآدَمِىٍّ.
وَتُسَنُّ الْوَصِيَةُ لِغَيْرِ الْمَذْكُورِ لِحَدِيثِ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالِانْتِمَاءُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ أَىْ مَنْ أَعْتَقَهُ كَأَنْ يَقُولَ «أَنَا أَعْتَقَنِى فُلانٌ» يُسَمِّى غَيْرَ الَّذِى أَعْتَقَهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَنْتَمِىَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ كَأَنْ يَقُولَ أَنَا ابْنُ فُلانٍ وَهُوَ لَيْسَ ابْنَهُ أَوْ أَنْ يَنْتَمِىَ الْمُعْتَقُ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ أَىِّ الَّذِينَ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلاءُ عَتَاقَةٍ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَضْيِيعَ حَقٍّ لِأَنَّ الْوَلاءَ يَثْبُتُ بِهِ شَرْعًا أَحْكَامٌ مِنْهَا أَنَّ الْمُعْتِقَ يَرِثُ الْمُعْتَقَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ، وَيَكُونُ
وَلِىَّ مُعْتَقَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِىٌّ فِى النِّكَاحِ أَىْ أَنَّ الأَمَةَ الَّتِى هِىَ مَمْلُوكَةٌ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا فَصَارَتْ حُرَّةً ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ أَهْلِهَا مَنْ يُجْرِي لَهَا الْعَقْدَ الَّذِى أَعْتَقَهَا يَكُونُ وَلِيَّهَا فِى النِّكَاحِ [قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ «حَادِثَةٌ حَدَثَتْ لَمَّا كُنْتُ فِى بِلادِنَا قَبْلَ خَمْسِينَ سَنَةً رَجُلٌ فِى الأَصْلِ مِنْ بِلادِنَا كَانَ عَبْدًا مَمْلُوكًا ثُمَّ عَاشَ فِى مِصْرَ زَمَانًا وَجَمَعَ مَالًا كَثِيرًا ثُمَّ تُوُفِّىَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَرَثَةً مَا كَانَ لَهُ أَوْلادٌ وَكَانَ أَخْبَرَ الْقَاضِى أَنِّى مَوْلَى فُلانٍ يَعْنِى كُنْتُ عَبْدًا مَمْلُوكًا فَاعْتَقَنِى وَهَذَا الْمَالُ إِذَا مِتُّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى عَصَبَةِ الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ إِنْ كَانَ مَاتَ.
الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ سَيِّدُهُ يَرِثُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ. فَصَارُوا يَسْأَلُونَ فِى الْبَلَدِ عَنْ وَرَثَةِ الَّذِى أَعْتَقَهُ لِأَنَّ الَّذِى أَعْتَقَهُ مَاتَ إِنَّمَا أَهْلُهُ كَانُوا مَوْجُودِينَ»].
رَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ حَرَامٌ عَلَيْهِ» مَعْنَاهُ لا يَدْخُلُ مَعَ الأَوَّلِينَ يَدْخُلُ بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبَ مَعَ الآخِرِينَ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ».
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَىْ أَخِيهِ فِى الإِسْلامِ أَىْ أَنْ يَطْلُبَهَا لِلزِّوَاجِ بَعْدَ أَنْ طَلَبَهَا الأَوَّلُ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ الإِجَابَةِ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ مِنْهُ مِنْ وَلِىٍّ مُجْبِرٍ [وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُجْبِرِ هُنَا الْمُكْرِهَ بِضَرْبٍ أَوْ نَحْوِهِ إِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ لَهُ إِجْرَاءُ عَقْدِ نِكَاحِ الْبِكْرِ عَلَى كُفُءٍ لَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ إِذْنِهَا وَهُوَ الأَبُ وَالْجَدُّ] أَوْ مِنْهَا أَوْ مِنْهَا وَمِنْ وَلِىٍّ بِدُونِ إِذْنِ الأَوَّلِ فَأَمَّا إِنْ أَذِنَ فَلا حُرْمَةَ فِى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْرَضَ،
فَلَوْ كَانَ الْخَاطِبُ الأَوَّلُ كَافِرًا ذِمِيًّا خَطَبَ كِتَابِيَّةً امْتَنَعَ أَنْ يَخْطُبَ الْمُسْلِمُ عَلَى خِطْبَتِهِ وَإِنَّمَا حَرُمَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ وَالْقَطِيعَةِ. رَوَى الْبُخَارِىُّ [فِى صَحِيحِهِ] وَمُسْلِمٌ [فِى صَحِيحِهِ] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «لا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ».
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يُفْتِىَ الشَّخْصُ بِفَتْوًى بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/36] أَىْ لا تَقُلْ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَصَحَّ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَعْضِ الأَشْيَاءِ فَقَالَ «لا أَدْرِى» ثُمَّ سَأَلَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لا أَدْرِى أَسْأَلُ رَبَّ الْعِزَّةِ فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَعَلَّمَهُ جَوَابَ ذَلِكَ السُّؤَالِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَاذَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ وَهَذَا السُّؤَالُ كَانَ عَنْ خَيْرِ الْبِقَاعِ وَشَرِّ الْبِقَاعِ وَفِى لَفْظٍ عَنْ خَيْرِ الْبِلادِ وَشَرِّهَا فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ «خَيْرُ الْبِلادِ الْمَسَاجِدُ» وَفِى لَفْظٍ «خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ وَشَرُّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ].
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ [فِى تَارِيخِهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ الشَّافِعِىِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَجْلانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ «إِذَا أَغْفَلَ الْعَالِمُ لا أَدْرِي فَقَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ» أَىْ هَلَكَ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفَتْوَى أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا «الْعِلْمُ ثَلاثَةٌ كِتَابٌ نَاطِقٌ وَسُنَّةٌ مُحْكَمَةٌ وَلا أَدْرِى».
فَمَنْ أَفْتَى فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَفْتَى عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِىَ إِلَّا اعْتِمَادًا عَلَى فَتْوَى إِمَامٍ مُجْتَهِدٍ مَنْصُوصٍ لَهُ أَوِ اسْتَخْرَجَهُ أَصَحَابُ مَذْهَبِهِ مِنْ نَصٍّ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُلَ فَتْوَى مَذْهَبٍ غَيْرِ مَذْهَبِ الْمَسْئُولِ وَالسَّائِلِ، فَإِنْ نَقَلَ مِنْ نُسْخَةِ كِتَابٍ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ النُّسْخَةُ مَوْثُوقًا بِصِحَّتِهَا أَوْ رَأَى لَفْظَهَا مُنْتَظِمًا وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ يُدْرِكُ السَّقَطَ وَالتَّحْرِيفَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ قَالَ لِلسَّائِلِ وَجَدْتُ كَذَا فِى نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِ كَذَا بِلا جَزْمٍ بِنِسْبَتِهِ لِلْمُؤَلِّفِ،
فَمَنْ سُئِلَ عَنْ مَسْئَلَةٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِحُكْمِهَا فَلا يُغْفِلْ كَلِمَةَ لا أَدْرِى فَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ سُؤَالًا فَأَجَابَ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ؟؟؟ وَقَالَ عَنِ الْبَقِيَّةِ «لا أَدْرِى» رَوَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ هَيْثَمُ بنُ جَمِيلٍ [فِى صِفَةِ الْفَتْوَى وَالْمُفْتِى وَالْمُسْتَفْتِى]، وَرُوِىَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ فَقَالَ «وَا بَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ أَنْ أُسْأَلَ عَنْ شَىْءٍ لا عِلْمَ لِى بِهِ فَأَقُولَ لا أَدْرِى» رَوَاهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلانِىُّ فِى تَخْرِيجِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ الأَصْلِىِّ. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِى قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ» فَكَيْفَ حَالُ مَنْ سِوَاهُ.
فَيَنْبَغِى لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ لا أَدْرِى وَأَنْ يَلْتَزِمَ بِالْمَنْقُولِ الْمُحَرَّرِ وَإِلَّا أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ.
فَائِدَةٌ لَوْ سُئِلَ شَخْصٌ عَنْ أَلْفِ مَسْئَلَةٍ فَأَجَابَ إِجَابَةً صَحِيحَةً عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَأَخْطَأَ فِى وَاحِدَةٍ مِنَ الأَلْفِ وَسُئِلَ ءَاخَرُ عَنِ الأَلْفِ مَسْئَلَةٍ فَأَجَابَ عَنْ مِائَةٍ عَلَى الصَّوَابِ وَلَمْ يُجِبْ عَنِ التِّسْعِمِائَةِ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ فِى هَذَا الأَمْرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَعْلِيمُ وَتَعَلُّمُ عِلْمٍ مُضِرٍّ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ تَعْلِيمَ الشَّخْصِ غَيْرَهُ كُلَّ عِلْمٍ مُضِرٍّ شَرْعًا وَتَعَلُّمَ الشَّخْصِ ذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ كَالسِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ وَعِلْمِ الْحَرْفِ الَّذِى يُقْصَدُ لِاسْتِخْرَاجِ الأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أَوِ الأُمُورِ الْخَفِيَّةِ مِمَّا وَقَعَ وَقَدْ عَدَّ هَذَا الْعِلْمَ مِنَ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ السُّيُوطِىُّ وَغَيْرُهُ. وَالْمُشْتَغِلُونَ بِعِلْمِ الْحَرْفِ الْمُحَرَّمِ يُقَسِّمُونَ الْحُرُوفَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ثُمَّ يَقُولُونَ مَنِ اسْمُهُ مَرَكَّبٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْحُرُوفِ يَصْلُحُ لَهُ كَذَا وَلْيَحْتَرِسْ مِنْ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْغَيْبِيَّاتِ.
وَمِنَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ عِلْمُ التَّنْجِيمِ الَّذِى فِيهِ الْحُكْمُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى النُّجُومِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الْكَافِرِ الْقُرْءَانَ وَلا الْمُبْتَدِعِ الْجِدَالَ لِيُجَادِلَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ [وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ مَنْ يَدِينُ بِغَيْرِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَالصَّحَابَةُ] وَلا السُّلْطَانِ تَأْوِيلًا يَتَطَرَّقُ بِهِ إِلَى الإِضْرَارِ بِالرَّعِيَّةِ وَلا نَشْرُ الرُّخَصِ لِلسُّفَهَاءِ لِيَتَّخِذُوهَا طَرِيقًا لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ.
وَمِنَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ الْفَلْسَفَةُ الَّتِى تُسَمَّى الإِلَهِيَّاتِ أَىِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَهِىَ الْمَوْرُوثَةُ عَنْ إِرَسْطُو وَأَمْثَالِهِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهَا ابْنُ سِينَا فَإِنَّهَا كُفْرٌ كَقَوْلِهِمْ إِنَّ الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ مَادَّةً وَصُورَةً وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّ الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ مَادَّةً أَىْ جِنْسًا هَؤُلاءِ مُحْدَثُو الْفَلاسِفَةِ وَتَبِعَهُمُ ابْنُ تَيْمِيَةَ مِنْ غَيْرِ انْتِسَابٍ إِلَيْهِمْ بَلْ يَنْسُبُ هَذَا لِأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَذِبًا وَزُورًا.
وَمَنْشَأُ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِمُطَالَعَةِ كُتُبِ الْفَلاسِفَةِ كَمَا قَالَ الذَّهَبِىُّ فِى رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بَيَانَ زَغْلِ الْعِلْمِ وَالطَّلَبِ فَابْنُ تَيْمِيَةَ جَمَعَ بَيْنَ عَقِيدَتَيْنِ فَاسِدَتَيْنِ التَّشْبِيهِ وَمَقَالَةِ الْفَلاسِفَةِ هَذِهِ وَالْعَقِيدَتَانِ كُفْرٌ فَالتَّشْبِيهُ تَكْذِيبٌ لِآيَةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] وَقَوْلُ إِنَّ الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ مَادَّةً وَصُورَةً أَوْ مَادَّةً وَجِنْسًا فَقَطْ كُفْرٌ وَتَكْذِيبٌ لِآيَةِ ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/3] وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِىُّ «الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ» [الأَشْبَاه وَالنَّظَائِر] وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ «مَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَفَرَ» نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ صَاحِبُ الْخِصَالِ الْحَنْبَلِىُّ [نَقَلَهُ الزَّرْكَشِىُّ فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ].
وَمِمَّا يَحْرُمُ سُؤَالُ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ عَنِ الضَّائِعِ وَالْمَسْرُوقِ وَالأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وَرَوَى الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَىْ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى الْغَيْبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ يُوَافِقُ خَبَرُهُ الْوَاقِعَ وَقَدْ لا يُوَافِقُ الْوَاقِعَ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا بِسُؤَالِهِ إِيَّاهُمْ،
وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِى يَتَعَاطَى الإِخْبَارَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِى الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى النَّظَرِ فِى النُّجُومِ وَعَلَى أَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَالَّذِينَ لَهُمْ أَصْحَابٌ مِنَ الْجِنِّ يَأْتُونَهُمْ بِالأَخْبَارِ فَيَعْتَمِدُونَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ فَيُحَدِّثُونَ النَّاسَ بِأَنَّهُ سَيَحْصُلُ كَذَا [رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُنَاسٌ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ «لَيْسُوا بِشَىْءٍ» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانًا بِشَىْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيَقَرُّهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» قَوْلُهُ فَيَقَرُّهَا أَىْ يُلْقِيهَا.
وَفِى رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِىِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِى الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِىَ فِى السَّمَاءِ فَيَسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْعَ فَيَسْمَعُهُ فَيُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ»]. وَأَمَّا الْعَرَّافُ فَهُوَ الَّذِى يُخْبِرُ عَنِ الْمَسْرُوقَاتِ وَنَحْوِهَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسْرُوقِ أَوْ عَنِ الضَّالَّةِ أَيْنَ هِىَ وَمَا صِفَتُهَا فَإِنَّ هَذَا مَنْ سَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَىْ لا ثَوَابَ لَهُ لا بِصَلاةِ الْفَرْضِ وَلا بِصَلاةِ النَّفْلِ كُلَّ هَذِهِ الْمُدَّةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ.
وَمِمَّنْ يَدْخُلُ فِى ذَلِكَ أَيْضًا مَنْ يَعْتَمِدُ فِى إِخْبَارِهِ عَلَى الضَّرْبِ بِالْمِنْدَلِ يَقْرَأُ أَشْيَاءَ فَتَظْهَرُ لَهُ صُورَةُ جِنِّىٍّ فِى الْمِرْءَاةِ فَيُكَلِّمُهُ وَمَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى النَّظَرِ فِى فِنْجَانِ قَهْوَةِ الْبُنِّ وَكَذَا الَّذِى يَعْتَمِدُ عَلَى كِتَابِ قُرْعَةِ الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ جَدْوَلٌ بِأَسْمَاءِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ ثُمَّ يَقْرَأُ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ حَظَّهُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَيَضَعُ إِصْبَعَهُ عَلَى الْجَدْوَلِ الَّذِى فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ يَشْرَحُ لَهُ يَقُولُ لَهُ أَنْتَ شَأْنُكَ كَذَا وَكَذَا وَيَصْلُحُ لَكَ مِنَ النِّسَاءِ مَا كَانَ وَصْفُهَا كَذَا وَكَذَا وَمِنَ الْبُيُوتِ مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَأَعْدَاؤُكَ فُلانٌ وَفُلانٌ وَقَدْ يَذْكُرُ بَعْضَ أَقْرِبَائِهِ.
وَمِمَّا يَجِبُ تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْهُ كِتَابُ قُرْعَةِ الطُّيُورِ وَكِتَابُ أَبِى مَعْشَرٍ الْفَلَكِىِّ الَّذِى يَدَّعِى أَنَّ الْبَشَرَ كُلَّهُمْ أَحْوَالُهُمْ مُرْتَبِطَةٌ بِالْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَرْجِعُ أَمْرُهُ إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَبْرَاجِ يَقُولُ لِلشَّخْصِ بَعْدَمَا يَحْسُبُ اسْمَهُ وَاسْمَ أُمِّهِ أَنْتَ بُرْجُكَ كَذَا وَكَذَا أَوْ يَنْفَعُكَ مِنَ الْبُيُوتِ مَا كَانَ بَابُهُ شَرْقِيًّا أَوْ شِمَالِيًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَدْ حَصَلَ أَنَّ امْرَأَةً عَجُوزًا ذَهَبَتْ إِلَى هَذَا الَّذِي يَفْتَحُ كِتَابَ قُرْعَةِ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لَهَا يَصِيرُ كَذَا وَكَذَا فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ عُمْلَةً ثُمَّ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الشَّىْءُ فَعَادَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ رُدَّ لِىَ مَالِى الَّذِى دَفَعْتُهُ لِأَنَّهُ مَا تَحَقَّقَ لِى مَا أُرِيدُ.
وَيُوجَدُ كِتَابٌ سَمَّاهُ صَاحِبُهُ خَبَرَ السَّاعَةِ يَقُولُ فِيهِ مَنْ جَاءَكَ فِى السَّاعَةِ الْفُلانِيَّةِ فِى الْيَوْمِ الْفُلانِىِّ فَأَمْرُهُ كَذَا وَكَذَا وَمَنْ جَاءَ سَاعَةَ كَذَا فَأَمْرُهُ كَذَا وَكَذَا وَكُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ حَرَامٌ.
وَكَذَلِكَ كِتَابُ خَزِينَةِ الأَسْرَارِ هَذَا أَيْضًا فِيهِ مَا يُحْذَرُ وَكَذَلِكَ كِتَابُ مَنْبَعِ أُصُولِ الْحِكْمَةِ هَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ فِيهِ سِحْرٌ وَكَهَانَةٌ وَدَعْوَةُ الْكَوَاكِبِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فَدَفَعَ الْمَالَ فَعَلَيْهِ إِثْمٌ بِذَهَابِهِ إِلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ إِثْمٌ بِدَفْعِ الْمَالِ لَهُمْ وَهَذِهِ الْكُتُبُ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُتْلِفَهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُتْلِفَهَا إِنْ وَجَدَهَا لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِزَالَةُ الْمُحَرَّمَاتِ فَرْضٌ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ. فَكُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى الإِخْبَارَ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَعَنِ الأَمْرِ الْخَفِىِّ وَعَنِ السَّرِقَةِ وَعَنِ الضَّائِعِ اعْتِمَادًا عَلَى خَبَرِ الْجِنِّ أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى نُجُومِ السَّمَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَهَذِهِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَالإِنْكَارُ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَمَلَهُ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيمَا ذَكَرْنَا الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الرَّمْلِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ وَالضَّرْبِ بِالْحَصَى أَوِ الْحُبُوبِ لِذَلِكَ.
وَمِنَ الْكُهَّانِ مَنْ يُسَمِّيهِمُ النَّاسُ الرُّوحَانِيِّينَ يَقُولُونَ فُلانٌ رُوحَانِىٌّ يَعْتَمِدُونَ كَلامَهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ اتِّصَالًا بِالْمَلائِكَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى فُسَّاقِ الْجِنِّ مِنْ كُفَّارِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَعَ عَدِّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمِسْبَحَةِ اللَّهُ مُحَمَّدٌ عَلِىٌّ أَبُو جَهْلٍ فَإِنِ انْتَهَى إِلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ أَوْ إِلَى لَفْظِ مُحَمَّدٍ أَوْ لَفْظِ عَلِىٍّ يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْحَاجَةَ نَاجِحَةٌ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى أَبِى جَهْلٍ يَقُولُ إِنَّهَا غَيْرُ نَاجِحَةٍ.
وَكَذَلِكَ الَّذِى يُمْسِكُ الْمِسْبَحَةَ أَوِ الْمِفْتَاحَ وَيُعَلِّقُهُ بِمِفْتَاحٍ مَعَهُ وَيَكُونُ مَعَهُ جِنِّىٌّ ثُمَّ الْجِنِّىُّ يُحَرِّكُهُ إِمَّا إِلَى الْيَمِينِ وَإِمَّا إِلَى الْيَسَارِ وَالنَّاسُ لا يَرَوْنَ الْجِنِّىَّ الَّذِى يُحَرِّكُهُ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا فِيهِ سِرٌّ فَيُصَدِّقُونَهُ فِيمَا يَقُولُ لَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ حَاجَتُكَ الَّتِى تُرِيدُهَا تَنْجَحُ أَوْ لا تَنْجَحُ كُلُّ هَؤُلاءِ الذَّهَابُ إِلَيْهِمْ لِسُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ حَرَامٌ.
وَكَذَلِكَ يُوجَدُ أُنَاسٌ إِذَا أَرَادُوا بَيْعَ بَيْتٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ أَنْ يَعْمَلُوا تِجَارَةً أَوْ أَنْ يَشْتَرُوا سَيَّارَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يُمْسِكُونَ مِسْبَحَةً فَيَقُولُونَ افْعَلْ لا تَفْعَلْ مِنْ دُونِ أَنْ يَعُدُّوا فَإِنْ وَقَفُوا عَلَى افْعَلْ يَقُولُونَ هَذِهِ الْحَاجَةُ نَاجِحَةٌ وَإِنْ وَقَفُوا عَلَى لا تَفْعَلْ يَتْرُكُونَهَا يَقُولُونَ هَذِهِ الْحَاجَةُ غَيْرُ نَاجِحَةٍ فَيَرْجِعُ عَمَّا قَصَدَهُ وَمِثْلُ هَذَا أَخْذُ الْفَأْلِ مِنَ الْمُصْحَفِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْتَحَ الْمُصْحَفَ فَيَعُدَّ سَبْعَةَ أَسْطُرٍ فَإِنْ أَتَى عَلَى ءَايَةٍ فِيهَا بِشَارَةٌ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْحَاجَةَ تَنْجَحُ وَإِنْ أَتَى عَلَى ءَايَةِ تَخْوِيفٍ وَإِنْذَارٍ قَالَ لا تَنْجَحُ فَيَرْجِعُ عَنْهَا.
وَمِنَ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا الِاعْتِمَادُ عَلَى النَّظَرِ فِى الْكَفِّ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا لِأَسْفَارِهِمْ أَوْ لِصَفَقَاتِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَالزِّوَاجِ وَكُلُّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الأَزْلامِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا فِى الْقُرْءَانِ بِقَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/3] وَالأَزْلامُ هِىَ سِهَامٌ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى أَحَدِهَا أَمَرَنِى رَبِّى وَعَلَى الآخَرِ مَكْتُوبٌ نَهَانِى رَبِّى وَالثَّالِثُ لَيْسَ عَلَيْهِ كِتَابَةٌ وَيُعِيدُونَ الْخَلْطَ إِلَى أَنْ يَطْلَعَ أَحَدُ الْمَذْكُورَيْنِ،
فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ فِى هَذِهِ الآيَةِ طَلَبَ مَعْرِفَةِ الْبَخْتِ وَالنَّصِيبِ بِهَذِهِ الأَزْلامِ وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا وَضَعُوا فِى الْكَعْبَةِ صُورَةً لِإِبْرَاهِيمَ وَصُورَةً لِإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ عَلَى أَيْدِيهِمَا هَذِهِ الأَزْلامُ لِإِيْهَامِ النَّاسِ أَنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلانِ هَذَا.
وَأَمَّا مَنْ يُرَدِّدُ ءَايَةً بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ فَقَدْ يَحْضُرُهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِبَرَكَةِ هَذِهِ الآيَةِ أَمَّا مَنْ كَانَ غَرَضُهُ الدُّنْيَا فَهَذَا لا يَحْضُرُ إِلَيْهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا قَدْ يَحْضُرُ إِلَيْهِ بَعْضُ الْجِنِّ الْفَاسِدِينَ، وَأَغْلَبُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ إِنَّهُمْ رُوحَانِيُّونَ يَعْمَلُونَ مَعَ الْجِنِّ لَكِنَّهُمْ لا يَقُولُونَ لِلنَّاسِ نَحْنُ نَعْمَلُ مَعَ الْجِنِّ لِأَنَّهُمْ إِنْ قَالُوا ذَلِكَ لِلنَّاسِ النَّاسُ لا يَعْتَقِدُونَهُمْ أَمَّا إِنْ قَالُوا نَحْنُ رُوحَانِيُّونَ النَّاسُ يَقْصِدُونَهُمْ.
فِى الْبَدْءِ أَحْيَانًا الْجِنُّ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ قَائِمُونَ بِالشَّرِيعَةِ ثُمَّ يُدْخِلُونَ أَشْيَاءَ مُخَالِفَةً لِلشَّرِيعَةِ. كَانَ فِى نَاحِيَتِنَا رَجُلٌ يَمَنِىٌّ يَقُولُ إِنَّنِى رُوحَانِىٌّ أَىْ مَعِى مَلائِكَةٌ فَصَارَ النَّاسُ يَطْلُبُونَهُ لِمَرِيضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَأْتِى بَعْدَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ النَّاسُ يَحْضُرُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ بُرْهَةٍ يُطْفَأُ الضَّوْءُ فَيُحِسُّونَ بِحَرَكَاتٍ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى الْحَاضِرِينَ وَلا يَقُولُونَ نَحْنُ جِنٌّ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ رُوحَانِىٌّ ثُمَّ يَتَكَلَّمُونَ فَيَقُولُونَ هَذَا الْمَرِيضُ مَرَضُهُ كَذَا وَدَوَاؤُهُ كَذَا، مَرَّةً لَمَّا حَضَرُوا قَالُوا بَعْضُ النَّاسِ يُسِيئُونَ الظَّنَّ بِنَا يَقُولُونَ نَحْنُ جِنٌّ نَحْنُ لَسْنَا جِنًّا.
نَحْنُ الْمَلَكُ الَّذِى بِلا أَبٍ وَأُمٍّ لا أَكْلَ وَلا شُرْبَ وَلا نَوْمَ لَهُمْ ثُمَّ هُوَ اعْتَرَفَ فَقَالَ ءَامُرُ ابْنِى مَيْمُونَ بِكَذَا، اللَّهُ فَضَحَهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَلائِكَةَ لا يَتَنَاكَحُونَ. وَشَخْصٌ ءَاخَرُ طَالِبُ عِلْمٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَحْضُرُ إِلَى بَيْتِ فُلانٍ ظَلَّ يَقْرَأُ ءَايَةَ الْكُرْسِىِّ سِرًّا وَانْدَسَّ بَيْنَ النَّاسِ فَهَؤُلاءِ الْجِنُّ مَا اسْتَطَاعُوا الدُّخُولَ سِرُّ الآيَةِ مَنَعَهُمْ وَقَفُوا خَارِجَ الْبَابِ وَقَالُوا لِصَاحِبِ الْبَيْتِ الْيَوْمَ أَنْتَ أَدْخَلْتَ سَاحِرًا ظَلَّ يَشْتَغِلُ بِنَا فَنَحْنُ لا نَدْخُلُ. أَغْلَبُهُمْ كَذَّابُونَ يَحْتَمِلُ مِنْ بَيْنِ مِائَةِ أَلْفٍ مِنْهُمْ أَنْ يُوجَدَ وَاحِدٌ صَادِقٌ يُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ.
وَمِنَ الْكُتُبِ الَّتِى يَسْتَعِينُ بِهَا بَعْضُ هَؤُلاءِ كِتَابٌ يُقَالُ لَهُ شَمْسُ الْمَعَارِفِ الْكُبْرَى وَفِيهِ كُفْرٌ مُنْذُ نَحْوِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ نُشِرَ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ كَهَانَةٌ وَفِيهِ دَعْوَةُ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ زُحَلَ وَعُطَارِدَ وَالْمِرِّيخِ وَالْمُشْتَرِى وَغَيْرِهَا وَفِيهِ عِبَادَةُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يَقُولُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَكُونُ عَمِلْتَ مَعَ الشَّمْسِ اتِّصَالًا، فِى يَوْمِ كَذَا فِى سَاعَةِ كَذَا تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَكْلُهُ كَذَا وَتُبَخِّرُ كَذَا وَكَذَا وَتَقُولُ لِلشَّمْسِ وَتَسْتَقْبِلُهَا السَّلامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ الْمُنِيرَةُ أُرِيدُ مِنْكِ أَنْ تَفْعَلِى لِى كَذَا وَكَذَا.
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ جُنُّوا بِسَبَبِهِ يَقُولُ إِذَا اخْتَلَيْتَ وَقَرَأْتَ كَذَا بِعَدَدِ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا يَوْمًا يَأْتِيكَ رُوحَانِىٌّ وَقَدْ يَقُولُ أَنْتَ يَصِيرُ لَكَ جَاهٌ كَبِيرٌ أَوْ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَفْتَحُ كُنُوزًا ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ يَصْرِفُ لِثَمَنِ الْبَخُورِ مَالًا وَيَبْقَى يَطْمَعُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَقُولُهُ هَذَا الْكِتَابُ ثُمَّ أَحْيَانًا الْجِنُّ يَضْرِبُونَهُ فِى الْخَلْوَةِ فَيَخْرُجُ مَجْنُونًا.
وَمَرَّةً جَاءَ مِصْرِىٌّ إِلَى لُبْنَانَ وَأَخَذَ بَيْتَيْنِ وَسَمَّى الْمَنْزِلَ الأَعْلَى بَيْتَ الْمُلُوكِ ثُمَّ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَقْضِى لَهُمْ حَاجَاتِهِمْ يُوصِلُهُمْ إِلَى مَرَاكِزَ فِى الدَّوْلَةِ ثُمَّ جَمَعَ مَا جَمَعَ وَهَرَبَ إِلَى الْكُوَيْتِ وَهُنَاكَ النَّاسُ صَارُوا يَقْصِدُونَهُ وَسَجَّلَ شَرِيطًا يَقُولُ فِيهِ هَذَا صَوْتُ أَبِى الْعَبَّاسِ الْخَضِرِ وَهُوَ صَوْتُ رَجُلٍ أَفْرِيقِىٍّ ضَخْمٍ لا يُحْسِنُ الشَّهَادَتَيْنِ وَالآيَاتِ، ذَهَبَ إِلَيْهِ شَخْصٌ وَأَحْضَرَ الشَّرِيطَ فَقُلْتُ لَهُ الْخَضِرُ لا يَفْعَلُ هَذَا [مَا أَخَذَ بِكَلامِى ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ حَصَلَتْ لَهُ فَضِيحَةٌ فِى الْكُوَيْتِ].
