وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ »ائْتَزِرُوا وَتَسَرْوَلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ« رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ]، مَعْنَاهُ أَحْيَانًا الْبَسُوا الإِزَارَ وَأَحْيَانًا الْبَسُوا السِّرْوَالَ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَا كَانُوا يَلْبَسُونَ إِلَّا السِّرْوَالَ، فَإِذَا عَمِلَ الْكُفَّارُ زِيًّا مِنَ الثِّيَابِ أَوْ غَيْرِهَا وَشَاعَ بَيْنَهُمْ فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لُبْسُهُ، أَمَّا مَا عَمِلَهُ الْكُفَّارُ وَشَاعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ابْتِدَاءً فَلا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لُبْسُهُ.
الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ بَعِيدًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَصُومُ السَّبْتَ وَالأَحَدَ مُخَالَفَةً لِلْكُفَّارِ لِأَنَّ الْيَهُودَ عِيدُهُمْ السَّبْتُ وَالنَّصَارَى عِيدُهُمْ الأَحَدُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ» إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنَا أُرِيدُ مُخَالَفَتَهُمْ« رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِسْبَالُ الثَّوْبِ لِلْخُيَلاءِ أَىْ إِنْزَالُهُ عَنِ الْكَعْبِ لِلْفَخْرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَطْوِيلَ الثَّوْبِ لِلْخُيَلاءِ أَىِ الْكِبْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِرْسَالِ الإِزَارِ إِلَى أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْزَالُ الإِزَارِ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ إِنْ كَانَ لِلْبَطَرِ وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا وَالطَّرِيقَةُ الْمُسْتَحْسَنَةُ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ الإِزَارُ وَنَحْوُهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقَيْنِ لِحَدِيثِ أَبِى دَاوُدَ» إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ« [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ].
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَسْدُلُ ثَوْبَهَا ذِرَاعًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ« [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ] فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ» يُرْخِينَ شِبْرًا« قَالَتْ إِذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ» فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْحِنَّاءُ فِى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلرَّجُلِ بِلا حَاجَةٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَالَ الْحِنَّاءِ أَىِ الْخِضَابِ بِهِ فِى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلرَّجُلِ بِلا حَاجَةٍ إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ أَمَّا إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَأَنْ قَالَ لَهُ طَبِيبٌ ثِقَةٌ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِى فَيَجُوزُ، فَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَ لِإِحْرَامٍ اسْتُحِبَّ لَهَا الْخِضَابُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً أَوْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا، وَإِذَا خَضَبَتْ عَمَّتِ الْيَدَيْنِ بِالْخِضَابِ أَىْ بِلا نَقْشٍ وَتَطْرِيفٍ، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يُسَنُّ لِغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ أَيْضًا إِنْ كَانَتْ حَلِيلَةً أَىْ مُتَزَوِّجَةً وَإِلَّا كُرِهَ.
وَالنَّقْشُ هُوَ التَّنْقِيطُ وَهُوَ غَيْرُ الْوَشْمِ، أَمَّا الْوَشْمُ يَكُونُ بِغَرْزِ الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ حَتَّى يَطْلَعَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ الْكُحْلُ الأَسْوَدُ أَوْ شَىْءٌ أَخْضَرُ حَتَّى يَدْخُلَ هَذَا وَيَخْتَلِطَ بِالدَّمِ فَيَبْقَى لَوْنُهُ. أَمَّا النَّقْشُ عَلَى الْجِلْدِ فَيَكُونُ بِدُونِ غَرْزٍ بِإِبْرَةٍ بَلْ يَكُونُ عَلَى ظَاهِرِ الْجِلْدِ فَإِذَا غُسِلَ الْجِسْمُ ذَهَبَ. وَأَمَّا التَّطْرِيفُ فَهُوَ وَضْعُ الْحِنَّاءِ عَلَى أَطْرَافِ الأَصَابِعِ فَقَطْ. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ لِتَغْمِسْ غَمْسًا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطْعُ الْفَرْضِ بِلا عُذْرٍ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ قَطْعُ الْفَرْضِ أَىِ الأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَوْ كَانَ مُوَسَّعًا مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّىَ مَثَلًا ضِمْنَ الْوَقْتِ إِنْ قَطَعَ هَذِهِ، فَلا يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهَا أَنْ يَقْطَعَهَا سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سُورَةَ مُحَمَّد/33]. مَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ بِدُونِ عُذْرٍ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ فَلا يَحْرُمُ.
وَيَجُوزُ قَطْعُ صَلاةِ الْفَرْضِ إِذَا كَانَ دَخَلَ فِى صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ رَأَى جَمَاعَةً مَشْرُوعَةً لِأَنَّهُ يُسَنُّ فِى هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَقْلِبَ فَرْضَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا وَيُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةٍ، وَلا يَحْرُمُ قَطْعُ النَّفْلِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوِ اعْتِكَافٍ لِأَنَّهُ لا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ قَالَ ﷺ» الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ« [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ] وَيُقَاسُ بِالصَّوْمِ غَيْرُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيُسَنُّ قَضَاؤُهُ إِنْ خَرَجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ خُرُوجًا مِنَ الْخِلافِ، نَعَمْ يَجُوزُ قَطْعُ الصَّلاةِ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ أَوْ طِفْلٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِى نَارٍ أَوِ السُّقُوطِ فِى مَهْوَاةٍ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْغَرِيقُ مَعْصُومًا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَطْعُ نَفْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَطْعَ نَفْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يَصِيرُ وَاجِبًا فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ لِأَنَّهُ كَفَرْضِهِ نِيَّةً وَكَفَّارَةً وَغَيْرَهُمَا، وَيُتَصَوَّرُ التَّطَوُّعُ فِى الْحَجِّ فِى الأَرِقَّاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وَنَصَّ الْغَزَالِىُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ إِتْمَامِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا لا يَجِبُ ابْتِدَاؤُهُ عَيْنًا وَذَلِكَ كَالْعِلْمِ الشَّرْعِىِّ غَيْرِ الْعَيْنِىِّ فَإِنَّ طَالِبَهُ إِذَا شَرَعَ فِيهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدُومَ فِيهِ وَإِنْ أَنِسَ مِنْ نَفْسِهِ النَّجَابَةَ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْفَتْوَى [هَذَا فِى حَالِ وُجُودِ الْمُفْتِى فِى الْبَلَدِ وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْبَلَدِ] لِأَنَّهُ لَيْسَ خَصْلَةً وَاحِدَةً بِخِلافِ النُّسُكِ أَىِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَأَمَّا صَلاةُ الْجِنَازَةِ وَالْجِهَادُ وَكَذَلِكَ دَفْنُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَحَمْلُهُ وَغَسْلُهُ فَيَجِبُ إِتْمَامُهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا لِئَلَّا تُهْتَكَ حُرْمَةُ الْمَيِّتِ وَتُكْسَرَ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ،
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَحْرُمُ قَطْعُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُطْلَقًا كَالْعَيْنِىِّ وَلَوْ قُلْنَا بِجَوَازِ قَطْعِ الْعِلْمِ الْكِفَائِىِّ اهـ لَكِنَّ الْقَوْلَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ إِلَّا الْجِهَادُ وَالْحَجُّ وَنَحْوُهُمَا لِأَنَّ الْجِهَادَ حَتَّى فِى الْحَالِ الَّتِى يَكُونُ فِيهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ أَىِ الْجَيْشَيْنِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِأَنَّهُ إِنْ رَجَعَ تَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ لِرُجُوعِهِ وَتَضْعُفُ هِمَمُهُمْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَّا أَنْ مَرِضَ مَرَضًا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ عَلَيْهِ أَوْ عَمِىَ أَوْ عَرِجَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الْجِهَادُ مَعَ الْمَرَضِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمُحَاكَاةُ الْمُؤْمِنِ اسْتِهْزَاءً بِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ مُحَاكَاةَ الْمُؤْمِنِ أَىْ تَقْلِيدَهُ فِى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِشَارَةٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/11] أَىْ لا يَسْتَهْزِئْ غَنِىٌّ بِفَقِيرٍ وَلا مَسْتُورٌ عَلَيْهِ ذَنْبُهُ بِمَنْ لَمْ يُسْتَرْ عَلَيْهِ وَلا ذُو حَسَبٍ بِلَئِيمِ الْحَسَبِ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَقَّصُهُ بِهِ،
عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنْهُ وَالْقَوْمُ اسْمٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَلِذَلِكَ قَالَ »وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ«، وَتَلْمِزُوا بِمَعْنَى تَعِيبُوا وَالْمَعْنَى لا تَعِيبُوا إِخْوَانَكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ كَأَنْفُسِكُمْ ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/11] أَىْ لا تَتَدَاعَوْا بِهَا وَالأَلْقَابُ جَمْعُ لَقَبٍ وَهُوَ اسْمٌ يُدْعَى بِهِ الإِنْسَانُ سِوَى الِاسْمِ الَّذِى سُمِّىَ بِهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِى الْمُرَادِ بِهَذِهِ الأَلْقَابِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا تَعْيِيرُ التَّائِبِ بِسَيِّئَاتٍ قَدْ كَانَ عَمِلَهَا وَالثَّانِى تَسْمِيَتُهُ بَعْدَ إِسْلامِهِ بِدِينِهِ قَبْلَ الإِسْلامِ كَقَوْلِهِ لِلْيَهُودِىِّ إِذَا أَسْلَمَ يَا يَهُودِىُّ [هَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنْ أَرَادَ بِهَا تَكْفِيرَهُ كَفَرَ وَإِنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهَا يَا مَنْ كُنْتَ يَهُودِيًّا لا يَكْفُرُ] وَهَذَانِ الْقَوْلانِ مَرْوِيَّانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالثَّالِثُ أَنَّهُ تَسْمِيَتُهُ بِالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ كَقَوْلِهِ يَا زَانِى يَا سَارِقُ يَا فَاسِقُ [وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ] وَالرَّابِعُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ يَا كَافِرُ يَا مُنَافِقُ وَهُوَ مَرْوِىٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الأَلْقَابِ مَا يَكْرَهُهُ الْمُنَادَى بِهِ أَوْ يُعَدُّ ذَمًّا لَهُ فَأَمَّا الأَلْقَابُ الَّتِى تُكْسِبُ حَمْدًا وَتَكُونُ صِدْقًا فَلا تُكْرَهُ كَمَا قِيلَ لِأَبِى بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَتِيقٌ وَلِعُمَرَ فَارُوقٌ وَلِعُثْمَانَ ذُو النُّورَيْنِ وَلِعَلِىٍّ أَبُو تُرَابٍ وَلِخَالِدٍ سَيْفُ اللَّهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/11] أَىْ تَسْمِيَتُهُ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا وَقَدْ ءَامَنَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/11] مَنْ لَقَّبَ أَخَاهُ وَسَخِرَ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ. وَقَدْ تَكُونُ الْمُحَاكَاةُ بِالضَّحِكِ عَلَى كَلامِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ وَغَلِطَ أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ وَقُبْحِ صُورَتِهِ أَوْ عَلَى مَشْيِهِ إِنْ كَانَ بِهِ عَرَجٌ فَتَقْلِيدُهُ فِى ذَلِكَ لِإِضْحَاكِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَرَامٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّجَسُّسُ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ التَّجَسُّسَ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ أَىِ التَّطَلُّعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَالتَّتَبُّعَ لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/12] وَالتَّجَسُّسُ وَالتَّحَسُّسُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ ﷺ» لا تَجَسَّسُوا وَلا تَنَافَسُوا [وَلا تَنَافَسُوا أَىْ فِى مُحَاوَلَةِ الْغَلَبَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا] وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا« رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. فَمَعْنَى الآيَةِ لا يَبْحَثْ أَحَدُكُمْ عَنْ عَيْبِ أَخِيهِ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِذْ سَتَرَهُ اللَّهُ. فَالتَّجَسُّسُ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ مَعْنَاهُ الْبَحْثُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ أَىْ أَنْ يُفَتِّشَ عَمَّا لا يُرِيدُ النَّاسُ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ أَىْ عَنْ مَسَاوِئِ النَّاسِ لا عَنْ مَحَاسِنِهِمْ، يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ عَنْهُمُ الْقَبِيحَ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ فَيَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسَ أَوْ يَبْحَثُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ سُؤَالٍ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِى مُسْتَدْرَكِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ» مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُودَةً مِنْ قَبْرِهَا« [صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِىُّ] فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى عَوْرَةَ مُسْلِمٍ فَسَتَرَهَا أَىْ لَمْ يَبُثَّهَا بَيْنَ النَّاسِ بَلْ أَخْفَاهَا فَلَهُ أَجْرٌ شَبِيهٌ بِأَجْرِ مَنْ أَحْيَا مَوْؤُودَةً أَىْ أَنْقَذَ بِنْتًا مَوْلُودَةً دُفِنَتْ وَهِىَ حَيَّةٌ كَمَا كَانَ جَاهِلِيَّةُ الْعَرَبِ يَفْعَلُونَ.
الرَّسُولُ ﷺ شَبَّهَ هَذَا الَّذِى يَرَى عَوْرَةً لِمُسْلِمٍ أَىْ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَى مِنْهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ إِنْ رَءَاهَا فَسَتَرَهَا بِأَجْرِ هَذَا الإِنْسَانِ الَّذِى رَأَى مَوْؤُودَةً فَأَنْقَذَهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ. وَقَدْ حَصَلَ فِى زَمَانِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قِصَّةٌ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهِىَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّى كُنْتُ وَأَدْتُ بِنْتًا لِى فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَىْ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ ثُمَّ أَخْرَجْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ ثُمَّ أَدْرَكْنَا الإِسْلامَ فَأَسْلَمَتْ وَنَحْنُ أَسْلَمْنَا ثُمَّ ارْتَكَبَتْ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَىْ زَنَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَأَخَذَتْ شَفْرَةً لِتَذْبَحَ نَفْسَهَا أَىْ مِنْ عُظْمِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ مِنَ الْفَضِيحَةِ فَأَدْرَكْنَاهَا وَقَدْ قَطَعَتْ بَعْضَ أَوْدَاجِهَا أَىْ بَعْضَ عُرُوقِ الْعُنُقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَدَاوَيْنَاهَا،
ثُمَّ تَابَتْ تَوْبَةً حَسَنَةً ثُمَّ خُطِبَتْ إِلَيْنَا مِنْ قَوْمٍ فَأَخْبَرْتُ بِبَعْضِ مَا جَرَى لَهَا حَتَّى يُقْدِمُوا عَلَى إِتْمَامِ خِطْبَتِهَا أَوْ يَفْسَخُوا وَيَتْرُكُوهَا [هُوَ عَلَى زَعْمِهِ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغُشَّهُمْ وَظَنَّ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَنْصَحُهُمْ] فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْتَ تَبُثُّ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ لَئِنْ أَخْبَرْتَ بِذَلِكَ أَحَدًا لَأَجْعَلَنَّكَ نَكَالًا يَتَحَدَّثُ بِهِ أَهْلُ الأَمْصَارِ مَعْنَاهُ لَئِنْ عُدْتَ بَعْدَ هَذَا إِلَى إِفْشَاءِ هَذِهِ الْعَوْرَةِ الَّتِى سَبَقَتْ لِابْنَتِكَ فَتَحَدَّثْتَ بِهَا لَأَجْعَلَنَّكَ عِبْرَةً لِلنَّاسِ بِعُقُوبَةٍ أُنَزِّلُهَا بِكَ يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الْمُدُنِ فَيُؤْخَذُ مِنْ هِذِهِ الْقِصَّةِ حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الإِنْسَانَ بَعْدَ أَنْ يَتُوبَ لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ بِالْعَارِ وَالْعَيْبِ الَّذِى سَبَقَ لَهُ، وَالآخَرُ أَنَّ هَذِهِ الْبِنْتَ لَوْ لَمْ تَكُنْ تَابَتْ كَانَ حَقًّا عَلَى أَبِيهَا إِذَا خُطِبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهَا وَإِنْ سَكَتَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ عَلِمَ بِالْحَادِثَةِ يَكُونُونَ غَاشِّينَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْوَشْمُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْوَشْمَ وَهُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَى الْمَحَلِّ نَحْوُ نِيلَةٍ لِيَزْرَقَّ أَوْ يَسْوَدَّ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ »لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ «وَرَجَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِى النَّمْصِ وَنَحْوِهِ الْحِلَّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا حَرُمَ عَلَيْهَا فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا يَحْرُمُ النَّمْصُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْفَاجِرَاتِ مُؤَوِّلِينَ لِلْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ كَالَّتِى تَنْتِفُ شَعَرَ الْحَاجِبِ كُلَّهُ ثُمَّ تَرْسُمُهُ رَسْمًا بِنَوْعٍ مِنَ الأَلْوَانِ فَهَذَا حَرَامٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ. فَلِذَلِكَ لا يَنْبَغِى التَّسَرُّعُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنِ اسْتَحَلَّ النَّمْصَ إِنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا قَصُّ شَعَرَاتِ الْحَاجِبِ الطَّوِيلَةِ الَّتِى مَنْظَرُهَا مُزْعِجٌ أَوِ الَّتِى تُؤْذِى الْعَيْنَ فَيَجُوزُ وَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ النَّمْصِ الْمُحَرَّمِ. وَمَنْ كَانَ حَاجِبَاهُ مُتَّصِلَيْنِ لا يَجُوزُ لَهُ فَتْحُهُمَا بِالنَّتْفِ.
وَأَمَّا إِزَالَةُ شَعَرِ جِسْمِ الْمَرْأَةِ الَّذِى يَنْبُتُ عَلَى سَاقَيْهَا وَيَدَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَطْلُوبٌ وَلَوْ بِالنَّتْفِ بَلْ قَالُوا يُسْتَحَبُّ لَهَا إِزَالَتُهُ وَكَذَا مَا يَنْبُتُ عَلَى شَارِبِهَا أَوْ لِحْيَتِهَا وَأَمَّا الشَّعَرُ النَّابِتُ عَلَى وَجْنَتَىِ الرَّجُلِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى جَوَازِ إِزَالَتِهِ بِالنَّتْفِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِى تَفْسِيرِ النَّمْصِ هُوَ الأَخْذُ مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ بِنَتْفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ النَّتْفُ فَقَطْ أَىْ لِغَيْرِ مَا يَنْبُتُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى شَارِبِهَا أَوْ عَلَى ذَقَنِهَا بَلْ قَالُوا هَذَا يُسْتَحَبُّ إِزَالَتُهُ لِلْمَرْأَةِ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى الْمَرْأَةِ بَرْدُ أَسْنَانِهَا بِالْمِبْرَدِ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَهَا لِلْحُسْنِ لِحَدِيثِ »لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَفَلِّجَاتِ مِنَ النِّسَاءِ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا إِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ. وَيَحْرُمُ الْوَصْلُ بِشَعَرٍ نَجِسٍ أَوْ شَعَرِ ءَادَمِىٍّ مُطْلَقًا. أَمَّا شَعَرُ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ فَلا يَجُوزُ لَهَا وَضْعُهُ عَلَى رَأْسِهَا. وَكَذَا إِنْ وَصَلَتْ شَعَرَهَا بِشَعَرِ نَفْسِهَا.
وَأَمَّا وَشْمُ الْبَهِيمَةِ لِتَمْيِيزِهَا عَنْ غَيْرِهَا فَيَجُوزُ فِى غَيْرِ الْوَجْهِ لِحَدِيثِ »وَلا يَسِمْ أَحَدٌ الْوَجْهَ« رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِىُّ
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَجْرُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلَّا لِعُذْرٍ شَرْعِىٍّ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ هَجْرَ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَوْقَ ثَلاثٍ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِىٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ »لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلامِ« [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] فَأَفْهَمَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ إِثْمَ الْهَجْرِ يَرْتَفِعُ بِالسَّلامِ. وَأَمَّا الْعُذْرُ الَّذِى يُبِيحُ الْهَجْرَ فَكَأَنْ يَكُونَ هَجَرَهُ لِفِسْقٍ فِيهِ بِتَرْكِ صَلاةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ وَلَوْ إِلَى الْمَمَاتِ بَعْدَ إِعْلامِهِ بِسَبَبِ الْهَجْرِ لِأَنَّهُ قَدْ لا يَفْهَمُ سَبَبَ الْهَجْرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمُجَالَسَةُ الْمُبْتَدِعِ أَوِ الْفَاسِقِ لِلإِينَاسِ لَهُ عَلَى فِسْقِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ مُجَالَسَةَ الْمُبْتَدِعِ أَوِ الْفَاسِقِ لِإِينَاسِهِ عَلَى فِعْلِهِ الْمُنْكَرَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً اعْتِقَادِيَّةً أَىْ مَنْ لَيْسَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَهُوَ مُتَعَاطِى الْكَبِيرَةِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا أَيْضًا يُقَيَّدُ بِعَدَمِ الْعُذْرِ فَإِنْ جَالَسَهُمُ الشَّخْصُ لِحَاجَةٍ لَهُ فَيَجُوزُ. الْمُبْتَدِعُ فِى الِاعْتِقَادِ إِمَّا كَافِرٌ وَإِمَّا مُسْلِمٌ فَاسِقٌ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ظَلَمُوا عَلِيًّا بِالتَّقَدُّمِ فِى الْخِلافَةِ هَؤُلاءِ مُسْلِمُونَ عُصَاةٌ أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْمُشَبِّهَةُ كَهَؤُلاءِ الْوَهَّابِيَّةِ فَهُمْ كُفَّارٌ كَذَلِكَ الْخَوَارِجُ كُفَّارٌ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخَوَارِجُ قِسْمَانِ قِسْمٌ كُفَّارٌ وَقِسْمٌ غَيْرُ كُفَّارٍ بَلْ فُسَّاقٌ،
وَالْمُعْتَزِلِىُّ إِذَا كَانَ لا يَقُولُ الْعَبْدُ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بَلْ يَقُولُ اللَّهُ لا يُرَى فِى الآخِرَةِ فَلا يُكَفَّرُ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَمَّا الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً عَمَلِيَّةً مِنَ الْبِدَعِ السَّيِّئَةِ فَهُمْ قِسْمَانِ قِسْمٌ فُسَّاقٌ وَقِسْمٌ لا يُفَسَّقُونَ بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ مُرْتَكِبِ الْكَرَاهَةِ. الْفَاسِقُ الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً عَمَلِيَّةً هُوَ كَالَّذِى يَكْتُبُ عَلَى تَأْلِيفِهِ أَوْ صَنْعَتِهِ الَّتِى ابْتَكَرَهَا حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةٌ لِأَجْلِ أَنْ يُقَاضِىَ مَنْ طَبَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ أَوْ عَمِلَ تِلْكَ الصَّنْعَةَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِيُغَرِّمَهُ قَانُونًا أَوْ لِيَحْبِسَهُ فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ لَمْ تَكُنْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مُنْذُ نَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ.
مَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ إِنَّمَا أَخَذُوهَا مِنَ الأَورُوبِيِّينَ وَالْمُبْتَدِعُ إِذَا أُطْلِقَ فِى عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً اعْتِقَادِيَّةً وَكَانَ بَلَغَ عَدَدُهُمْ فِيمَا مَضَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالْيَوْمَ كَثِيرٌ مِنْهَا لا يُوجَدُ.
بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَقُولُونَ تُكْرَهُ الصَّلاةُ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِى لا يُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ وَبَعْضُهُمْ يُمَثِّلُ بِالْمُعْتَزِلَةِ وَهَذَا غَلَطٌ الْمُعْتَزِلِىُّ لا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، الشَّافِعِىُّ صَرَّحَ بِذَلِكَ، فَهُؤَلاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ خَالَفُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّافِعِىُّ وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ فَلا تَعْتَمِدُوا عَلَيْهِمْ فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ كَبَعْضِ شُرُوحِ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ وَشَرْحِ مَنْهَجِ الطُّلَّابِ وَنِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلُبْسُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَرِيرِ أَوْ مَا أَكْثَرُهُ وَزْنًا مِنْهُ لِلرَّجُلِ الْبَالِغِ إِلَّا خَاتَمَ الْفِضَّةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ لُبْسَ الذَّهَبِ مُطْلَقًا وَالْفِضَّةِ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْهَا وَلُبْسَ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ أَوْ مَا أَكْثَرُهُ وَزْنًا مِنْهُ لِلرَّجُلِ الْبَالِغِ، وَأَمَّا خَاتَمُ الْفِضَّةِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ لِأَنَّهُ ﷺ لَبِسَهُ، وَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَلَوِ اتَّخَذَتْ مِنْهُمَا ثَوْبًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْبَطَرِ وَالْفَخْرِ. رَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِىُّ وَالتِّرْمِذِىُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِى مُوسَى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ» أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِى وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا« [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ وَالنَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ]. وَالْحِكْمَةُ مِنْ تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ أَنَّ الذَّهَبَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ طَبَقَاتِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَإِذَا رَأَى الْفَقِيرُ رَجُلًا يَلْبَسُهُ يَنْكَسِرُ خَاطِرُهُ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَهُوَ يُنَافِى الشَّهَامَةَ الَّتِى هِىَ مَطْلُوبَةٌ لِلرِّجَالِ.
وَمِنَ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ الْمُحَرَّمِ التَّدَثُّرُ بِهِ أَىِ التَّلَفُّفُ بِهِ وَاتِّخَاذُهُ سِتْرًا، وَيَحِلُّ التَّسْجِيفُ بِهِ بِقَدْرِ الْعَادَةِ أَىْ جَعْلُ الْحَرِيرِ فِى طَرَفِ الثَّوْبِ وَجَعْلُ الطِّرَازِ مِنْهُ عَلَى الْكُمِّ إِذَا كَانَ بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ لا أَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ كِيسُ الْمُصْحَفِ، وَلا يَجُوزُ تَزْيِينُ الْوَسَائِدِ وَالْبُيُوتِ وَالْمَشَاهِدِ أَىِ الْقُبُورِ بِحَرِيرٍ أَوْ مُصُوَّرٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُصَوَّرِ مَا فِيهِ صُورَةُ ذِى رُوحٍ أَوْ صَلِيبٍ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ وَيُكْرَهُ بِغَيْرِهِمَا.
رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ» نَهَى رَسُولُ اللَّهُ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ«.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ» أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِى قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِى سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا«.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِى جَوَازِ إِلْبَاسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلصَّبِىِّ إِلَى الْبُلُوغِ [كمَاَ ذَكَرَ النَّوَوِىُّ فِى الْمَجْمُوعِ وَقَالَ إِنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْخَلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَرَاهُمَا ثَالِثٌ يُسْتَحَى مِنْهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْخَلْوَةَ بِالأَجْنَبِيَّةِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مَحْرَمٌ لِأَحَدِهِمَا بَصِيرٌ فَلا يَكْفِى الأَعْمَى، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَالِثُ بِحَيْثُ يُسْتَحَى مِنْهُ وَتَكْفِى امْرَأَةٌ أُخْرَى كَذَلِكَ وَلا زَوْجَ لِتِلْكَ الأَجْنَبِيَّةِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ، وَفِى صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ »لا يَدْخُلَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ
رَجُلانِ« وَالْمُغِيبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمَرْأَةُ الَّتِى زَوْجُهَا غَائِبٌ، فَالصَّحِيحُ جَوَازُ خَلْوَةِ رَجُلَيْنِ فَأَكْثَرَ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِشَرْطِ الثِّقَةِ. وَمَا ذُكِرَ فِى شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ تَحْرِيمِ خَلْوَةِ رَجُلَيْنِ بِامْرَأَةٍ فَخِلافُ الصَّوَابِ لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ وَلِمُخَالَفَتِهِ حَدِيثَ »وَلا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا« رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَصَحَّحَهُ. مَعْنَاهُ يَشْتَغِلُ بِهِمَا حَتَّى يُوَقِعَهُمَا فِى الْحَرَامِ لِأَنَّهُ تِلْكَ السَّاعَةَ يَقْوَى عَلَيْهِمَا وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ شَرَطَ فِى بَيْعَةِ النِّسَاءِ أَنْ لا يَعْصِينَهُ فِى مَعْرُوفٍ وَقَالَ »إِنَّمَا أُنْبِئُكُنَّ عَمَّا نُهِيتُنَّ عَنْ أَنْ تَعْصِيْنَنِى فِيهِ لا تَخْلُوَنَّ بِالرِّجَالِ وُحْدَانًا« الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَكُونُ إِذَا انْفَرَدَ أَجْنَبِىٌّ بِأَجْنَبِيَّةٍ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ كَالشَّيْخِ خَلِيلٍ فِى مُخْتَصَرِهِ عَلَى أَنَّ التَّعَدُّدَ يَمْنَعُ الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ [عِبَارَتُهُ شَامِلَةٌ لِخَلْوَةِ رَجُلَيْنِ بِامْرَأَةٍ وَخَلْوَةِ امْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ].
فَائِدَةٌ فِى كِتَابِ التَّوَسُّطِ لِلأَذْرَعِىِّ عَنِ الْقَفَّالِ لَوْ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ الْمَسْجِدَ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ خَلْوَةٌ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ كُلُّ أَحَدٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ ذَلِكَ فِى مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ لا يَنْقَطِعُ طَارِقُوهُ عَادَةً، وَمِثْلُهُ فِى ذَلِكَ الطَّرِيقُ وَغَيْرُهُ الْمَطْرُوقُ كَذَلِكَ بِخِلافِ مَا لَيْسَ مَطْرُوقًا كَذَلِكَ اهـ. قَالَ الشَّبْرَامَلِّسِىُّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَدَارَ فِى الْخَلْوَةِ عَلَى اجْتِمَاعٍ لا تُؤْمَنُ مَعَهُ الرِّيبَةُ (أَىِ التُّهَمَةُ وَالشَّكُّ) عَادَةً بِخِلافِ مَا لَوْ قُطِعَ بِانْتِفَائِهَا فِى الْعَادَةِ فَلا يُعَدُّ خَلْوَةً اهـ.
قَاعِدَةٌ يُعْرَفُ مِنْهَا الْخَلْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ لَو كَانَ فِى الدَّارِ حُجْرَةٌ فَسَكَنَهَا الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْأَةُ الأَجْنَبِيَانِ وَسَكَنَ الآخَرُ الْحُجْرَةَ الأُخْرَى مِنَ الدَّارِ فَإِنِ اتَّحَدَتِ الْمَرَافِقُ وَهِىَ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ فِيهَا كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ وَمَصَبِّ مَاءٍ وَمَرْقَى سَطْحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ اشْتُرِطَ مَحْرَمٌ لَهَا مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى يُسْتَحَى مِنْهُ كَابْنِ تِسْعِ سِنِينَ مَثَلًا أَمَّا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ فَلا يَمْنَعُ الْخَلْوَةَ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَكِيًّا قَوِىَّ الِانْتِبَاهِ يُدْرِكُ طُرُقَ الرِّيبَةِ وَلا يُحْتَالُ عَلَيْهِ بِسُهُولَةٍ أَوْ مَحْرَمٌ لَهُ مُمَيِّزٌ بَصِيرٌ أُنْثَى أَوْ زَوْجَةٌ لَهُ أَوِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِنْ وَسِعَتْهُمَا الدَّارُ وَإِلَّا وَجَبَ انْتِقَالُهَا أَوِ انْتِقَالُهُ،
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاكِنَ مُطَلَّقَتَهُ مَعَ وُجُودِ الرَّجُلِ الثِّقَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّعَدُدَ مِنْ جِهَةِ الرِّجَالِ أَوِ الإِنَاثِ يَمْنَعُ الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ. وَهَذَا الْكَلامُ الْمَذْكُورُ فِى حُجْرَتَيْنِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِى الدَّارِ إِلَّا الْبَيْتُ وَالصُّفَّةُ [وَهِىَ مَكَانٌ مُظَلَّلٌ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ جِدَارٌ يَقُومُ عَلَيْهِ] أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاكِنَهَا وَلَوْ مَعَ مَحْرَمٍ لِأَنَّهَا لا تَتَمَيَّزُ مِنَ الْمَسْكَنِ بِمَوْضِعٍ، نَعَمْ إِنْ بُنِىَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَبَقِىَ لَهَا مَا يَلِيقُ بِهَا سُكْنًى جَازَ،
وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدِ الْمَرَافِقُ بَلِ اخْتَصَّتْ كُلٌّ مِنَ الْحُجْرَتَيْنِ بِمَرَافِقَ فَلا يُشْتَرَطُ نَحْوُ مَحْرَمٍ، وَلَكِنْ يَنْبَغِى أَنْ يُغْلَقَ وَيُسَمَّرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ وَأَنْ لا يَكُونَ مَمَرُّ إِحْدَاهُمَا يَمُرُّ بِهِ عَلَى الأُخْرَى، وَسُفْلٌ وَعُلْوٌ كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِمَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَسَفَرُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ نَحْوِ مَحْرَمٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ سَفَرَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ نَحْوِ مَحْرَمٍ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْىُ عَنْ ذَلِكَ فَفِى بَعْضِ أَحَادِيثِ النَّهْىِ عَنْهُ ذِكْرُ مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَفِى بَعْضِهَا ذِكْرُ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ وَفِى بَعْضِهَا ذِكْرُ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَفِى بَعْضِهَا ذِكْرُ بَرِيدٍ وَالْبَرِيدُ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيمُ مَا يُسَمَّى سَفَرًا عَلَى الْمَرْأَةِ بِدُونِ الْمَحْرَمِ أَوِ الزَّوْجِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا تَكُونَ ضَرُورَةٌ لِلسَّفَرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَرُورَةٌ بِأَنْ كَانَتْ مُهَاجِرَةً مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ أَوْ كَانَ سَفَرُهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ أَوْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ أَوْ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ الضَّرُورِىِّ إِذَا لَمْ تَجِدْ فِى بَلَدِهَا مَنْ يُعَلِّمُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. وَأَجَازَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِدُونِ مَحْرَمٍ. وَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ سَفَرَ الْمَرْأَةِ بِدُونِ مَحْرَمٍ إِذَا كَانَ مَعَ جَمْعٍ مِنَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاسْتِخْدَامُ الْحُرِّ كُرْهًا.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِخْدَامَ الْحُرِّ كُرْهًا أَىْ قَهْرًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَرِقَّ الْحُرَّ وَيَسْتَعْبِدَهُ أَوْ يَقْهَرَهُ عَلَى عَمَلٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ كَالْعَمَلِ فِى الزِّرَاعَةِ وَحِرَاثَةِ الأَرْضِ أَوِ الْبِنَاءِ أَوِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَمَّا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ الَّذِى هُوَ مِلْكٌ لَكَ فَلَكَ أَنْ تَقْهَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِى يُطِيقُهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمُعَادَاةُ الْوَلِىِّ
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ مُعَادَاةَ وَلِىٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَلِىُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَقِيمُ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَىِ الْمُؤَدِّى لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُجْتَنِبُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُكْثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سُورَةَ الأَحْقَاف/13] الآيَةَ، لِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ هِىَ لُزُومُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ الْمَرْوِىِّ فِى الْبُخَارِىِّ وَغَيْرِهِ» مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ« فَإِذَا كَانَ هَذَا فِى حَقِّ كُلِّ وَلِىٍّ فَكَيْفَ مُعَادَاةُ خَوَاصِّ الأَوْلِيَاءِ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَمَعْنَى ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ أُعْلِمُهُ أَنِّى مُحَارِبٌ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى الْبَدَنِ الإِعَانَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/2] فَالآيَةُ دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ مُعَاوَنَةِ شَخْصٍ لِشَخْصٍ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَحَمْلِ إِنْسَانٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى إِلَى مَحَلٍّ يُعْبَدُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ لِمُشَارَكَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُوَافَقَتِهِمْ لِعِبَادَةِ ذَلِكَ الصَّنَمِ وَذَلِكَ كُفْرٌ أَوْ لِمَا دُونَ ذَلِكَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ مُعَاوَنَةٌ فِى الْمَعْصِيَةِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ كَأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ إِلَى الْكَنِيسَةِ أَوْ يُعْطِيَهَا مَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاهِبَةٌ لِفِعْلِ الْكُفْرِ أَوْ قَوْلِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ إِعَانَةُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا لَكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ »لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ« رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] وَلِوَصْفِهِ لِلْعَصَبِيَّةِ بِأَنَّهَا مُنْتِنَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ »انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ [فِى صَحِيحِهِ] وَالْبَيْهَقِىُّ [فِى سُنَنِهِ] وَغَيْرُهُمَا فَمَعْنَى نَصْرِهِ إِنْ كَانَ ظَالِمًا مَنْعُهُ عَنِ الظُّلْمِ وَنَهْيُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَبِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ. وَلْيُحْذَرْ مِمَّا قَالَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِى الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَجَعَلَ هَذَا مِنَ الْبِرِّ لِلْوَالِدَيْنِ وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ. قَالَ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ »وَلَهُ (أَىِ الزَّوْجِ) مَنْعُهَا (أَىْ زَوْجَتِهِ إِذَا كَانَتْ كِتَابِيَّةً) مِنَ الْكَنِيسَةِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الأَعْيَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ، إِذَا كَانَ لَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ إِتْيَانَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ حَقٌّ كَانَ لَهُ فِى النَّصْرَانِيَّةِ مَنْعُ إِتْيَانِ الْكَنِيسَةِ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ« اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَرْوِيجُ الزَّائِفِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَرْوِيجَ الزَّائِفِ كَتَرْوِيجِ الْعُمْلَةِ الزَّائِفَةِ أَوْ طَلْىِ النُّحَاسِ بِالذَّهَبِ لِإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهُ ذَهَبٌ وَبَيْعِهِ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِى الْغَشِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَشْتَغِلُونَ بِالْكِيمْيَاءِ لِأَنَّ أَغْلَبَهُمْ لا يُحْسِنُونَهَا فَلا تَخْلُو أَعْمَالُهُمْ مِنْ غَشٍّ وَذَلِكَ تَغْرِيرٌ بِالنَّاسِ وَأَكْلُ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ، فَلِذَلِكَ صَارَ حَالُ هَؤُلاءِ لا تُحْمَدُ لَهُمْ ءَاثَارٌ وَعَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ الْمَحْقُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاتِّخَاذُهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَالَ أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاتِّخَاذَهَا. فَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَهُوَ بِالأَكْلِ فِى أَوَانِيهِمَا أَوِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا وَكَاسْتِعْمَالِ سُبْحَةٍ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ مِفْتَاحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَقَلَمٍ مِنْ ذَهَبٍ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. أَمَّا مَا طُلِىَ طِلاءً خَفِيفًا بِحَيْثُ لا يَتَقَاطَرُ مِنْهُ شَىْءٌ إِنْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ فَلا يَحْرُمُ. وَأَمَّا الِاتِّخَاذُ فَهُوَ اقْتِنَاءُ أَوَانِيهِمَا بِلا اسْتِعْمَالٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِى قَلْبِ مُقْتَنِيهِ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ اتِّخَاذَهُ لِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ جَائِزٌ كَأَنِ اتَّخَذَهُ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْقِنْيَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى يَبِيعُوهُ وَيَنْتَفِعُوا بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الِاقْتِنَاءُ لِزِينَةِ الْبَيْتِ فَخْرًا وَبَطَرًا فَهُوَ أَشَدُّ إِثْمًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» إِنَّ الَّذِى يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِى ءَانِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ أَوْ عُذْرٌ لِنَحْوِ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ لِلتَّدَاوِى بِنَحْوِ الْمِيلِ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِقَوْلِ طَبِيبٍ عَدْلٍ إِنَّ الِاكْتِحَالَ بِمِرْوَدِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَنْفَعُ لِعِلاجِ الْعَيْنِ الْمُحْتَاجَةِ. وَكَذَا يَجُوزُ تَرْكِيبُ سِنٍّ مِنْ ذَهَبٍ لِمَنْ قُلِعَ سِنُّهُ وَيَجُوزُ لِمَنْ ذَهَبَتْ أَسْنَانُهُ أَنْ يُرَكِّبَ جِسْرًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ. وَكَذَا يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ أَنْ يُرَكِّبَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ. وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الأَوَانِى حَتَّى الْجَوَاهِرَ النَّفِيسَةَ كَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ إِلَّا إِذَا كَانَ لِلْكِبْرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَرْكُ الْفَرْضِ أَوْ فِعْلُهُ مَعَ تَرْكِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَعَ فِعْلِ مُبْطِلٍ لَهُ لِأَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ حَرَامٌ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ، وَتَرْكُ نَحْوِ أَهْلِ قَرْيَةٍ الْجَمَاعَاتِ فِى الْمَكْتُوبَاتِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَرْكَ الْفَرْضِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَفِعْلَهُ صُورَةً مَعَ الإِخْلالِ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَعَ فِعْلِ مُبْطِلٍ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلاةِ فَيُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سُورَةَ الْمَاعُون] وَالْوَيْلُ هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مَنْ يَتَهَاوَنُونَ بِالصَّلاةِ بِأَنْ يُؤَخِّرُوهَا عَمْدًا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى بِلا عُذْرٍ.
وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ بِلا عُذْرٍ فِى حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى الظُهْرَ بَدَلَهَا.
وَكَذَلِكَ تَرْكُ نَحْوِ أَهْلِ بَلَدٍ أَىْ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ الْجَمَاعَةَ فِى الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ قَالَ ﷺ» مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِى قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ« أَىْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ].
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى صَلاةِ الْجَمَاعَةِ هَلْ هِىَ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ وَمَالِكٍ وَأَبِى حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ إِنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَرْكُهَا دَلِيلٌ عَلَى التَّهَاوُنِ بِالدِّينِ وَذَلِكَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ فَقَدْ شُهِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تَرَكَ زَمَانًا الْخُرُوجَ لِلْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ لِعُذْرٍ عِنْدَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَأْخِيرُ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَأْخِيرَ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِنَّمَا أُعِيدَ هَذَا ذِكْرًا مَعَ الْعِلْمِ مِمَّا سَبَقَ لِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَامِ بِالْفَرْضِ وَمَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنِ التَّرْكِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ »مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ« وَرُوِىَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادًا. وَأَمَّا التَّأْخِيرُ بِعُذْرٍ فَلا إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَالْعُذْرُ إِمَّا سَفَرٌ مُبِيحٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ صَلاتَيْنِ، أَوْ مَطَرٌ بِشَرْطِهِ وَهُوَ الْجَمْعُ تَقْدِيمًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِمَنْ يُصَلِّى جَمَاعَةً تَهْوِينًا عَلَيْهِ مِنْ مَشَقَّةِ الْعَوْدِ لِلصَّلاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَمِنَ الأَعْذَارِ أَيْضًا الْمَرَضُ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِىُّ فِى بَعْضِ كُتُبِهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ اشْتِهَارًا كَالسَّفَرِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلاتَيْنِ لِكُلِّ عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَهِىَ كَثِيرَةٌ.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِىُّ وَهُوَ أَحَدُ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ أَىِ الَّذِينَ لَهُمْ حَقُّ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ نُصُوصِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ يَجُوزُ تَعَمُّدُ السَّبَبِ الْمُسْقِطِ لِلْجُمُعَةِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ الْمَرْدَاوِىُّ الْحَنْبَلِىُّ. وَلَكِنَّهُ إِنِ اسْتِطَاعَ إِزَالَةَ الْعُذْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِزَالَتُهُ وَالذَّهَابُ إِلَى الْجُمُعَةِ. وَمِنَ الأَعْذَارِ كَوْنُ رَائِحَةِ قَدَمَيْهِ كَرِيهَةً جِدًّا يَعْجِزُ عَنْ إِزَالَتِهَا فَإِنَّ هَذَا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْمُصَلُّونَ فَلَهُ عُذْرٌ بِعَدَمِ ذَهَابِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرَمْىُ الصَّيْدِ بِالْمُثَقَّلِ الْمُذَفِّفِ أَىْ بِالشَّىْءِ الَّذِى يَقْتُلُ بِثِقَلِهِ كَالْحَجَرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ رَمْىَ الصَّيْدِ بِالْمُثَقَّلِ الْمُذَفِّفِ، وَعُدَّ هَذَا مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ غَيْرُ الْيَدِ مَعَهَا، وَالْمُثَقَّلُ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ مَا يَقْتُلُ بِثِقَلِهِ كَالصَّخْرَةِ، وَأَمَّا الْمُذَفِّفُ فَهُوَ الْمُسْرِعُ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا يُقْتَلُ بِالرَّصَاصِ الَّذِى عُرِفَ اسْتِعْمَالُهُ لِلصَّيْدِ مَيْتَةٌ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَىْ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا فَيُذَكَّى بِالسِّكِّينِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَهُ حَدٌ،
وَمَذْهَبُ الإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ الأَوْزَاعِىِّ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ كَالشَّافِعِىِّ وَمَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّيْدُ بِبُنْدُقِ الرَّصَاصِ بِشَرْطِ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الرَّمْىِ عِنْدَ كُلِّ صَيْدٍ. فَإِنْ أُدْرِكَ هَذَا الصَّيْدُ حَيًّا فَلا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهِ عِنْدَهُ أَيْضًا فَإِنْ تُرِكَ يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ لَمْ يَحِلَّ عِنْدَهُ.
مَسْأَلَةٌ لا يَحِلُّ الْحَيَوَانُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ وَلَوْ وَحْشِيًّا إِلَّا بِالْقَطْعِ الْمَحْضِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِىٍّ ذِمِّىٍّ أَوْ غَيْرِ ذِمِّىٍّ لِجَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِىءِ أَىْ مَجْرَى النَّفَسِ وَمَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَعَ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ فِى الِابْتِدَاءِ بِمُحَدَّدٍ أَىْ بِمَا يَقْتُلُ بِحَدِّهِ غَيْرِ الْعَظْمِ، وَعَلامَةُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ أَنْ تَشْتَدَّ حَرَكَتُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَيَتَدَفَّقَ دَمُهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ غَرَضًا.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ اتِّخَاذَ الْحَيَوَانِ غَرَضًا أَىْ هَدَفًا كَالشَّىْءِ الَّذِى يُنْصَبُ لِيُصِيبُوهُ بِالرِّمَايَةِ مِنْ نَحْوِ الْقِرْطَاسِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّبَابِ لِلَّهْوِ أَوْ لِتَعَلُّمِ الرِّمَايَةِ. وَالْقِرْطَاسُ قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدٍ تُنْصَبُ لِلرَّمْىِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَدَمُ مُلازَمَةِ الْمُعْتَدَّةِ لِلْمَسْكَنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَتَرْكُ الإِحْدَادِ عَلَى الزَّوْجِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَرْكَ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الإِحْدَادَ عَلَى زَوْجِهَا، وَالإِحْدَادُ هُوَ الْتِزَامُ تَرْكِ الزِّينَةِ إِلَى انْتِهَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةِ أَيَّامٍ بِالأَشْهُرِ الْقَمَرِيَّةِ لِلْحَائِلِ وَلِلْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَلا يَخْتَصُّ الإِحْدَادُ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ مِنَ الثِّيَابِ بَلْ يَجُوزُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَالأَصْفَرُ وَالأَحْمَرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ ثِيَابَ زِينَةٍ، وَيَحْرُمُ مِنَ الأَسْوَدِ مَا كَانَ ثِيَابَ زِينَةٍ.
وَيَكُونُ الإِحْدَادُ بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ، وَيَدْخُلُ فِى الزِّينَةِ دَهْنُ الرَّأْسِ بِالأَدْهَانِ وَالزَّيْتِ لِأَنَّهَا تُجَمِّلُ الشَّكْلَ. أَمَّا الدُّهْنُ الَّذِى لا يُزَيِّنُهَا إِنَّمَا يَنْفَعُ جَسَدَهَا فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدَّهِنَ بِهِ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَخْضِبَ شَعَرَهَا بِمَا فِيهِ زِينَةٌ لَهَا، وَأَمَّا قَصُّ شَعَرِهَا فَيَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الزِّينَةِ. فَالإِحْدَادُ هُوَ الِانْكِفَافُ عَنِ الزِّينَةِ تَحَزُّنًا عَلَى الْمَوْتِ الَّذِى فَرَّقَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا لِأَنَّ فِى ذَلِكَ مُسَاعَدَةً لَهَا عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِمَصَالِحِ الآخِرَةِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِى الْعِدَّةِ مِنَ الْحِكَمِ حِفْظُ مَاءِ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِى رَحِمِهَا نُطْفَةٌ انْعَقَدَتْ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّفَرُّغُ فِى هَذِهِ الْمُدَّةِ لِعَمَلِ الآخِرَةِ كَمَا أَنَّ أَصْحَابَ الْخَلَوَاتِ يَتَفَرَّغُونَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فِى خَلَوَاتِهِمْ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَلْتَزِمِ الْعِدَّةَ فِى الْبَيْتِ وَكَانَتْ تَتَجَوَّلُ قَدْ تَقَعُ فِى فِتْنَةٍ فَيَزْنِى بِهَا شَخْصٌ فَيَخْتَلِطُ الْمَاءَانِ مَاءُ زَوْجِهَا وَمَاءُ الَّذِى زَنَى بِهَا وَلا يُعْرَفُ مِنْ أَيِّهِمَا انْعَقَدَ الْوَلَدُ.
وَلَيْسَ مِنَ الإِحْدَادِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا تَرْكُ مُكَالَمَةِ الرِّجَالِ غَيْرِ الْمَحَارِمِ أَوْ تَرْكُ كَشْفِ وَجْهِهَا فِى الْبَيْتِ أَمَامَ الرِّجَالِ غَيْرِ الْمَحَارِمِ فَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ فِى الإِحْدَادِ الشَّرْعِىِّ إِنَّمَا هَذِهِ عَادَةٌ أَضَافَهَا بَعْضُ النَّاسِ وَنَسَبَهَا إِلَى شَرْعِ اللَّهِ وَهِىَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ، فَلْيُنْشَرْ ذَلِكَ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنَ الإِحْدَادِ الشَّرْعِىِّ وَذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِلدِّينِ.
وَيَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِى الإِحْدَادِ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجَةِ مِنَ النِّسَاءِ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الإِحْدَادِ وَلا يَجُوزُ لِلْمُتَزَوِّجَةِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا بِدُونِ إِذْنِ الزَّوْجِ.
وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَلْبَسُوا خِرْقَةً سَوْدَاءَ إِحْدَادًا. وَنَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الإِحْدَادِ عَلَى الرِّجَالِ مُطْلَقًا لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمُ التَّحَزُّنُ. وَلَيْسَ الإِحْدَادُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا لِخِلافِ الْحَسَنِ الْبِصْرِىِّ. أَمَّا الْعِدَّةُ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا لِوُرُودِ النَّصِّ عَلَيْهَا.
وَلا يَجُوزُ لِلْمُحِدَّةِ أَنْ تَبِيتَ خَارِجَ بَيْتِهَا لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِتَسْتَأْنِسَ بِبَعْضِ جَارَاتِهَا وَلَوْ كُنَّ فِى الْبِنَاءِ الْمُجَاوِرِ ثُمَّ تَعُودَ إِلَى الْبَيْتِ لِلْمَبِيتِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ كَشِرَاءِ طَعَامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ كَانَتْ لا تَجِدُ مَنْ يَكْفِيهَا وَمَنْ يَقْضِى لَهَا حَاجَتَهَا. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهَا بُسْتَانٌ يَحْتَاجُ لِقَطْعِ النَّخِيلِ وَلَيْسَ عِنْدَهَا مِنْ يُعِينُهَا فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ لِلْعَمَلِ فِيهِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ لَهَا غَزْلٌ وَاحْتَاجَتْ لِبَيْعِهِ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِبَيْعِهِ إِنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً لِلْخُرُوجِ لِذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ وَتَقْذِيرُهُ وَلَوْ بِطَاهِرٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَنْجِيسَ الْمَسْجِدِ وَتَقْذِيرَهُ وَلَوْ بِطَاهِرٍ فَيَحْرُمُ تَنْجِيسُهُ بِالنَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ تَقْذِيرُهُ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ كَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَأَمَّا مَنْ يُلَطِّخُ الْمَسْجِدَ بِالْقَاذُورَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ اسْتِخْفَافًا بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَكَانُ الصَّلاةِ فَذَلِكَ رِدَّةٌ كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سُورَةَ الْحَجّ/32] وَمِنْ تَعْظِيمِهَا تَطْيِيبُهَا فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِى الْمَدِينَةِ بِتَبْخِيرِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْعُودِ كُلَّ جُمُعَةٍ وَذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ إِلَى اللَّهِ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ رَمْىُ قِشْرِ الْبِزْرِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَمْىُ الأَظَافِرِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَنْ يَتْرُكَ الشَّخْصُ فُتَاتَ الْخُبْزِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْحُصُرِ وَالسَّجَاجِيدِ بِحَيْثُ يَلْصَقُ بِجَبْهَةِ الْمُصَلِّى عِنْدَ سُجُودِهِ وَرِجْلِهِ عِنْدَ الْقِيَامِ أَوِ السَّيْرِ وَثَوْبِهِ عِنْدَ الْقُعُودِ. فَكُلُّ مَا يُؤْذِى الْمُصَلِّينَ لا يَجُوزُ رَمْيُهُ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ. وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْمَفْرُوشِ بِالْحَصَى وَنَحْوِهِ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْمَفْرُوشِ بِالْحِجَارَةِ الْمُمَلَّسَةِ الَّتِى عَلَيْهَا بُسُطٌ فَالأُولَى يَجُوزُ الْبَصْقُ عَلَيْهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَدْفِنَهَا فِيمَا بَعْدُ أَمَّا أَنْ يَبْصُقَ بِدُونِ نِيَّةِ أَنْ يُدْفَنَ هَذَا الْبُصَاقُ فَهُوَ حَرَامٌ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ أَنَّهُ بَصَقَ فِى مَسْجِدِهِ ثُمَّ دَفَنَهَا بِقَدَمِهِ الْيُسْرَى وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ» الْبُصَاقُ فِى الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ
فَالْمَسَاجِدُ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فَكَانَتِ الصَّلاةُ الْمَفْرُوضَةُ فِيهَا أَفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ فِى الْبُيُوتِ، أَمَّا النَّفْلُ فِى الْبَيْتِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْهُ فِى الْمَسْجِدِ.
أَمَّا الْمُكْثُ فِى الْمَسْجِدِ لِمَنْ نَوَى الِاعْتِكَافَ فِيهِ لَوْ مُدَّةً يَسِيرَةً سَاعَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ ثَوَابُ الِاعْتِكَافِ وَلَوْ ظَلَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ سَاكِتًا وَإِنْ كَانَ يَتْلُو قُرْءَانًا أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يُمَجِّدُ اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّهْلِيلِ أَوِ التَّكْبِيرِ أَوِ التَّحْمِيدِ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا. وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ كَرَاهَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهَا فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ» إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ يَبْتَاعُ فَقُولُوا لَهُ لا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ« [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ].
أَمَّا مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ فَلا كَرَاهَةَ فِى ذَلِكَ كَالَّذِى كَانَ يَحْصُلُ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ أَنَّ السَّقَّائِينَ يَدُورُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْقُونَهُمْ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ أَوْ غَيْرِهِ فَيُعْطُونَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا كَرَاهَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ شَدِيدَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَّ الشَّدِيدَ يَضْطَّرُ الإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ فِى مَكَانِهِ شَيْئًا يُهَدِّئُ بِهِ عَطَشَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَيَسَّرُ لَهُمُ الْخُرُوجُ بِسُهُولَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلشُّرْبِ.
