قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلُ. يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حِفْظُ إِسْلامِهِ وَصَوْنُهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيَقْطَعُهُ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، قَالَ النَّوَوِيُّ [فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ] وَغَيْرُهُ: الرِّدَّةُ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ.

الشَّرْحُ أَنَّ الرِّدَّةَ أَقْبَحُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُذْهِبُ كُلَّ الْحَسَنَاتِ وَتَبْقَى السَّيِّئَاتُ، وَلَوْ رَجَعَ إِلَى الإِسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ لا تَرْجِعُ لَهُ الْحَسَنَاتُ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا، وَتَبْقَى السَّيِّئَاتُ فَإِنْ تَابَ مِنْهَا ذَهَبَتْ. وَلَيْسَ مَعْنَى «الرِّدَّةُ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ» أَنَّ كُلَّ أَنْوَاعِ الرِّدَّةِ أَشَدُّ مِنْ كُفْرِ الْكَافِرِ الأَصْلِيِّ لِأَنَّ كُفْرَ الْكَافِرِ الأَصْلِيِّ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ كُفْرِ الْمُرْتَدِّ، فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّ الرِّدَّةَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ كُفْرًا، إِنَّمَا مُرَادُهُ شِدَّةُ قُبْحِهَا فِي أَنَّهَا خُرُوجٌ مِنَ الإِسْلامِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ إِلَى الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ اَلْكُفْرُ كَمَا يُقَالُ «الْفُسُوقُ أَقْبَحُ مِنَ الْعَالِمِ مِنْهُ مِنَ الْجَاهِلِ».

وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ التَّعْطِيلُ وَهُوَ قَوْلُ الشُّيُوعِيِّ لا إِلَهَ وَالْحَيَاةُ مَادَّةٌ [مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ طَبِيعَة]، وَقَوْلُ أَهْلِ الْوَحْدَةِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ جُمْلَةُ الْعَالَمِ، وَعَقِيدَةُ الْحُلُولِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي غَيْرِهِ كَالْيَشْرُطِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ يَدْخُلُ فِي كُلِّ شَخْصٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ فِي بَعْضِ الأَشْخَاصِ أَنْتَ اللَّهُ وَهَذَا الْجِدَارُ اللَّهُ، وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّاذِلِيَّةِ انْحَرَفُوا عَنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ عَقِيدَةُ كُلِّ مَشَايِخِ أَهْلِ اللَّهِ الَّذِينَ عَمِلُوا الطُّرُقَ الرِّفَاعِيِّ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ التَّسَاهُلُ فِي الْكَلامِ حَتَّى إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَعْضِهِمْ أَلْفَاظٌ تُخْرِجُهُمْ عَنِ الإِسْلامِ وَلا يَرَوْنَ ذَلِكَ ذَنْبًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كُفْرًا وَذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» أَيْ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا فِي النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى جَهَنَّمَ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكُفَّارِ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [فِي سُنَنِهِ] وَحَسَّنَهُ.

الشَّرْحُ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُطْلِقُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكَلامِ الْفَاسِدِ الْمُخْرِجِ مِنَ الإِسْلامِ وَلا يَرَوْنَ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنَ الإِسْلامِ [بَلْ وَلا يَرَوْنَهُ ذَنْبًا وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بَعْدُ مُسْلِمُونَ]، وَهَذَا الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» أَيْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَاهَا ضَارَّةً لَهُ وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَسْتَوْجِبُ بِهَا النُّزُولَ إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُ لا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ الَّذِي هُوَ مَسَافَةُ سَبْعِينَ عَامًا فِي النُّزُولِ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ [فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ الْوَيْلُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ قَعْرُهُ أَرْبَعُونَ خَرِيفًا يَهْوِي بِهِ الْكَافِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومسلمٌ [فِي صَحِيحَيْهِمَا].

الشَّرْحُ الْحَدِيثُ هُوَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَحَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ وَلا شَرْحُ الصَّدْرِ بِهِ وَلا اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ كَمَا يَقُولُ كِتَابُ «فِقْهِ السُّنَّةِ». وَكَذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ فِي الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ عَدَمُ الْغَضَبِ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ قَالَ: «لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلامِهِ فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ فَقَالَ لا، مُتَعَمِّدًا كَفَرَ» وَقَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ حَنَفِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ.

الشَّرْحُ هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ دِينًا غَيْرَهُ كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الصُّوفِيَّةَ وَهُمْ يَتَخَبَّطُونَ فِي الْكُفْرِ، أَيْ إِنْ كَانَ الشَّخْصُ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْكُفْرِيَّ الَّذِي قَالَهُ كُفْرٌ أَوْ لا يَعْرِفُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، إِنَّمَا الشَّرْطُ مَعْرِفَةُ مَعْنَى اللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ بَلْ بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ وَهُوَ يَفْهَمُ الْمَعْنَى كَفَرَ وَخَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ.

وَقَدْ شَذَّ سَيِّدُ سَابِق فَإِنَّ لَهُ كِتَابًا سَمَّاهُ «فِقْهَ السُّنَّةِ» [انْظُرْ كِتَابَهُ (2/453)] يَقُولُ فِيهِ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ «إِنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ وَدَخَلَ فِي دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ»، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ ءَانِفًا وَمَوْضِعُ الشَّاهِدِ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا يَرَى بِهَا بَأْسًا»،

أَيْ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ الْكَلامِ مَا يُخْرِجُ الإِنْسَانَ مِنَ الإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنْشَرِحَ الْبَالِ أَوْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُنْشَرِحِ الْبَالِ لِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَيَجُوزُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَيَّ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الْكُفْرِ وَيُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ «أَنَا مَا كُنْتُ مُنْشَرِحَ الْبَالِ إِنَّمَا نَطَقْتُ بِذَلِكَ بِاللِّسَانِ فَقَطْ» فَيُعْفَى مِنَ الِاسْتِتَابَةِ ثُمَّ تَرَتُّبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هَدْمًا لِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرْعِ وَهُوَ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنِ انْقِطَاعِ النِّكَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَانْقِطَاعِ التَّوَارُثِ وَمِنْ قَتْلِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا،

فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ ذَلِكَ كَمَا قَتَلَ أَبُو بَكْرٍ امْرَأَةً ارْتَدَّتْ [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ]، وَكَمَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَانَتْ تَقَعُ فِي رَسُولِ اللَّهِ فَيَزْجُرَهَا فَلا تَنْزَجِرُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَتْلِهَا، قَالَ الرَّجُلُ أَنَا قَتَلْتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ تَقَعُ فِيكَ فَأَزْجُرُهَا فَلا تَنْزَجِرُ، فَقَالَ الرَّسُولُ «اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» أَيْ لا قِيمَةَ لَهُ رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَى الأَوَّلَ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ [فِي سُنَنِهِ] وَرَوَى الثَّانِي أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ [فِي سُنَنِهِ].

وَلَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيـمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيـمَانِ وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ النَّحْل/106] دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ سَيِّد سَابِق لِأَنَّ هَذَا وَرَدَ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ إِنْ كَانَ نُطْقُهُ بِالْكُفْرِ بِدُونِ انْشِرَاحِ صَدْرٍ لِذَلِكَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ هَذَا الْمُكْرَهُ إِنِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ حَالَةَ النُّطْقِ بِالْكُفْرِ لِمَا قَالَهُ مِنَ الْكُفْرِ، كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ «هَلْ كُنْتَ شَارِحًا صَدْرَكَ حِينَ قُلْتَ مَا قُلْتَ أَمْ لا؟» فَقَالَ لا،

رَوَاهُ الإِمَامُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِهِ الإِشْرَافِ، فَحَرَّفَ هَذَا الرَّجُلُ سَيِّدُ سَابِقٍ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ قَطُّ. فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ﴾ يَعُودُ إِلَى الْمُكْرَهِ الَّذِي انْشَرَحَ صَدْرُهُ حِينَ النُّطْقِ فَهَذَا الَّذِي يَكْفُرُ، فَهَذَا الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الِانْشِرَاحُ أَمَّا غَيْرُ الْمُكْرَهِ فَلَيْسَ مَحَلَّ هَذِهِ الآيَةِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَمْثِلَةً لِثُبُوتِ الْكُفْرِ بِالْقَوْلِ حِينَ الْغَضَبِ مِمَّا يَشْهَدُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ لِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِغَيْرِ الْمُكْرَهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِنْسَانًا لَوْ ضَرَبَ ابْنَهُ أَوْ غُلامَهُ - أَيْ عَبْدَهُ- ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ فَقَال «لا» مُتَعَمِّدًا كَفَرَ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ «مُتَعَمِّدًا» أَيْ بِغَيْرِ سَبْقِ لِسَانٍ، وَهَذَا مِثَالٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثِلَةِ تَكْفِيرِ مَنْ نَطَقَ بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الرِّدَّةِ وَهُوَ غَضْبَانُ غَيْرُ مُنْشَرِحِ الْبَالِ لِمَا يَقُولُهُ حَيْثُ إِنَّهُمْ كَفَّرُوهُ لِقَوْلِهِ وَهُوَ غَاضِبٌ «لَسْتُ مُسْلِمًا».

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالرِّدَّةُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ كَمَا قَسَّمَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ شَافِعِيَّةٍ وَحَنَفِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ اعْتِقَادَاتٌ وَأَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ وَكُلٌّ يَتَشَعَّبُ شُعَبًا كَثِيرَةً.

الشَّرْحُ أَنَّ الرِّدَّةَ هِيَ قَطْعُ الإِسْلامِ وَتَحْصُلُ تَارَةً بِالْقَوْلِ وَتَارَةً بِالْفِعْلِ وَتَارَةً بِالِاعْتِقَادِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مَالِكِيَّةٍ وَحَنَابِلَةٍ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ بِالْقُرْءَانِ الْكَرِيْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/74] فَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ الْكُفْرَ مِنْهُ قَوْلِيٌّ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/15] أَيْ لَمْ يَشُكُّوا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْهُ اعْتِقَادِيٌّ لِأَنَّ الِارْتِيَابَ أَيِ الشَّكَّ يَكُونُ بِالْقَلْبِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ [سُورَةَ فُصِّلَت/37] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْهُ فِعْلِيٌّ.

وَهَذَا التَّقْسِيمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ وَإِنَّمَا شَذَّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَيِّد قُطُب الَّذِي كَفَّرَ الْحُكَّامَ بِدَعْوَى أَنَّ الْحُكَّامَ يَحْكُمُونَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ، وَكَفَّرَ الرَّعَايَا مَنْ تَابَعَهُمْ وَمَنْ لَمْ يُتَابِعْهُمْ لِأَنَّهُمْ يَعِيشُونَ تَحْتَ سُلْطَانِ هَذَا الْحَاكِمِ وَلَمْ يَثُورُوا عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ كَفَّرَ رُعَاةَ الْغَنَمِ وَالْمُؤَذِّنِينَ فِي الْمَسَاجِدِ، فَأَخَذَ جَمَاعَتُهُ بِهَذَا الْمَنْهَجِ فَحَكَمُوا عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُمْ بِالْكُفْرِ وَصَارُوا يَقْتُلُونَ النَّاسَ مِنْ شُيُوخٍ وَنِسَاءٍ وَأَطْفَالٍ فِي مِصْرَ وَالْجَزَائِرِ وَغَيْرِهِمَا،

وَهَؤُلاءِ يُقَالُ لَهُمْ حِزْبُ الإِخْوَانِ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمُ الْجَمَاعَةَ الإِسْلامِيَّةَ وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ الإِسْلامَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّهُمْ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُمُ الشَّيْخُ حَسَنُ الْبَنَّا [أَيِ الَّذِينَ نَهَجَ سَيِّد قُطب مَنْهَجَهُمْ] رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بَلْ وَحَكَمَ بِكُفْرِهِمْ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعَالِمُ الْحَقِّ حَيْثُ قَالَ إِنَّهُمْ لَيْسُوا إِخْوَانًا وَلَيْسُوا مُسْلِمِينَ وَهَذَا فِي الطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ سَنَةَ 1382هـ - 1963ر.

ثُمَّ أَعَادَ هَؤُلاءِ طَبْعَ هَذَا الْكِتَابِ لَمَّا اطَّلَعُوا عَلَى كَلامِ الشَّيْخِ حَسَنِ الْبَنَّا مِنْ تَكْفِيرِهِ لَهُمْ وَالتَّبَرُّؤِ مِنْهُمْ طَبَعُوا هَذَا الْكِتَابَ وَحَذَفُوا مِنْهُ هَذَا الْمَوْضِعَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا الْغَزَالِيَّ مَاتَ. فَحِزْبُ الإِخْوَانِ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ، وَهُمْ يُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ بِقَوْلِهِمْ نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُثْبِتَ حُكْمَ الْقُرْءَانِ فَإِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتَقْطِبُوا الْمُسْلِمِينَ لِيَرْكَبُوا عَلَى أَكْتَافِهِمْ لِيَصِلُوا إِلَى الْحُكْمِ،

وَهُمْ لَوْ حَكَمُوا لَحَكَمُوا بِالْقَانُونِ أَيْضًا [وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا انْحَلَّتِ الْوَحْدَةُ بَيْنَ مِصْرَ وَسُورْيَا دَخَلَ شَخْصَانِ مِنْ رُؤُوسِهِمْ فِي لَجْنَةِ وَضْعِ الدُّسْتُورِ الَّتِي كَانَتْ مُؤَلَّفَةً مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَخْصًا] وَمَوَّهُوا عَلَى النَّاسِ بِذِكْرِ بَعْضِ الآيَاتِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/44] وَهَذِهِ الآيَةُ فَسَّرَهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانُ الْقُرْءَانِ الَّذِي ضَمَّهُ إِلَيْهِ الرَّسُولُ وَدَعَا لَهُ قَائِلًا «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ» أَيْ تَفْسِيرَ الْقُرْءَانِ [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ]،

فَصَارَ هُوَ تَرْجُمَانَ الْقُرْءَانِ أَيْ مُفَسِّرَ الْقُرْءَانِ وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَقَالَ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ «لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ» أَيْ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ تُشْبِهُ الْكُفْرَ وَذَلِكَ كِقِتَالِ الْمُسْلِمِ، الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] وَقَالَ «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] مَعْنَاهُ تِلْكَ السَّاعَةَ إِيـمَانُهُ لَيْسَ كَامِلًا لَيْسَ مَعْنَاهُ كَفَرَ وَخَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ،

وَهَذَا كَذَلِكَ أَيْ كَالَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ لِأَجْلِ الرِّشْوَةِ أَوْ نَحْوِهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ الْقُرْءَانِ لِرِشْوَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ ذَنْبُهُ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الْكُفْرَ هَذَا مَعْنَى الآيَةِ. هَذِهِ الآيَةُ لا تَعْنِي الْكُفْرَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ بَلْ مَعْنَاهَا كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ أَيْ كُفْرٌ أَصْغَرُ لِأَنَّ الشِّرْكَ شِرْكٌ أَكْبَرُ وَشِرْكٌ أَصْغَرُ كَذَلِكَ الْكُفْرُ كُفْرٌ أَكْبَرُ وَكُفْرٌ أَصْغَرُ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ أَصْغَرُ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَذَكَرَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ، وَإِسْنَادُ هَذَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ صَحِيحٌ.

فَمُجَرَّدُ الْحُكْمِ بِخِلافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لا يَكُونُ كُفْرًا مُخْرِجًا مِنَ الْمِلَّةِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ دَرَجَاتٌ وَذَلِكَ كَتَرْكِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الحديث [الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الأَوْسَطِ]: «مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ جِهَارًا» وَوَرَدَ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّ تَرْكَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ شَبِيهٌ بِالْكُفْرِ فِي عُظْمِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْلِمَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ يَصِيرُ كَافِرًا خَارِجًا مِنَ الْمِلَّةِ،

وَهَكَذَا الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُضَاةِ وَالْوُلاةِ كَانُوا يَحْكُمُونَ بِمَا هُوَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلا سِيَّمَا فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَلَمْ يُكَفَّرُوا لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ فُسِّقُوا فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ] أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بنَ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ مُعَاوِيَةَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَأَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ «أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ»، وَلَمْ يُرِدْ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بِذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَفَرَ.

لَكِنَّ حِزْبَ الإِخْوَانِ تَرَكُوا تَفْسِيرَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ لِلآيَةِ وَفَسَّرُوهَا بِتَفْسِيرٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ عَالِمٌ مُسْلِمٌ، فَنَرَاهُمْ يَقْتَدُونَ بِالْيَهُودِ حَيْثُ إِنَّ الْيَهُودَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ مَا غَيَّرُوا أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ إِنَّمَا غَيَّرُوا مَعَانِيَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ غَيَّرُوا اللَّفْظَ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ إِلَّا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ لا تَقْتُلْ لا تَسْرِقْ لا تَزْنِ وَمَا أَشْبَهَهَا.

وَحِزْبُ الإِخْوَانِ حَرَّفُوا الْمَعْنَى وَلا نَدْرِي إِنْ كَانُوا يُحَاوِلُونَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ فِيمَا بَعْدُ كَمَا غَيَّرُوا الْمَعْنَى لَكِنَّ الْقُرْءَانَ مَحْفُوظٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سُورَةَ الْحِجْر/9]. وَأَمَّا الْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ فَقَدْ فَسَّرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ بِأَنَّهُ نَزَلَ فِي الْكُفَّارِ لا فِي الْمُسْلِمِينَ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ].

وَالسَّبَبُ فِي نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ عَنْ حُكْمِ الرَّجُلِ الَّذِي تَزَّوَجَ ثُمَّ زَنَى فَقَالَ لَهُمْ «يُرْجَمُ» فَقَالُوا لا نَقْبَلُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ لَهُمْ «ايتُوا بِالتَّوْرَاةِ»، فَأَتَوْا بِهَا فَقَرَأَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حُكْمِ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَوْضِعِ وَتَجَاوَزَهُ، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ،

فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ ارْفَعْ يَدَكَ فَلَّمَا رَفَعَهَا وَقَرَأَ ظَهَرَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ الْمُؤَيِّدَةُ لِكَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالآيَةُ عَلَى تَفْسِيرِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ مَعْنَاهَا مَنْ أَنْكَرَ حُكْمَ الْقُرْءَانِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الآيَةُ وَالآيَتَانِ اللَّتَانِ بَعْدَهَا ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كُلُّهَا نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ].

وَمِثْلُ حِزْبِ الإِخْوَانِ فِي تَكْفِيرِ الأُمَّةِ الْوَهَّابِيَّةُ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الَّذِي قَالَ مَنْ دَخَلَ فِي دَعْوَتِنَا فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي دَعْوَتِنَا فَهُوَ كَافِرٌ حَلالُ الدَّمِ، نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ مُفْتِي مَكَّةَ أَحْمَدُ بنُ زَيْنِي دَحْلانَ وَالْعَالِمُ الْعَلامَّةُ الْحَنْبَلِيُّ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حُمَيْدٍ مُفْتِي الْحَنَابِلَةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ فِي كِتَابِهِ السُّحُبُ الْوَابِلَةُ عَلَى ضَرَائِحِ الْحَنَابِلَةِ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْوَهَّابِيَّةَ تَسْتَحِلُّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ أَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَاهُمْ كَافِرٌ، فَهَؤُلاءِ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُمْ بِالسَّلَفِيَّةِ كَمَا أَطْلَقُوا ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَمْوِيهًا عَلَى النَّاسِ لِيُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِلسَّلَفِ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ ضِدُّ السَّلَفِ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مِنَ الاِعْتِقَادَاتِ مَا إِذَا طَرَأَ لِلإِنْسَانِ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ، فَمِنَ الاِعْتِقَادَاتِ الْمُخْرِجَةِ مِنَ الإِسْلامِ اعْتِقَادُ أَنَّ الْعَالَمَ أَزَلِيٌّ بِنَوْعِهِ وَتَرْكِيبِهِ أَوْ بِنَوْعِهِ فَقَطْ، أَوِ اعْتِقَادُ مَا يُوجِبُ الْحُدُوثَ فِي اللَّهِ تَعَالَى كَاعْتِقَادِ أَنَّ مَشِيئَتَهُ حَادِثَةٌ تَحْدُثُ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ تَحْدُثُ لَهُ مَشِيئَةُ شَىْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَائِيًا لَهُ، أَوْ أَنَّ عِلْمَهُ حَادِثٌ أَوْ أَنَّهُ يَحْدُثُ لَهُ عِلْمُ شَىْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ لِأَنَّ حُدُوثَ صِفَةٍ فِي اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ ذَاتِهِ وَالْحُدُوثُ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ.

وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ اللَّوْنِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَاكِنًا لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ لا تُحْصَى وَلَوْ كَانَ مُتَحَرِّكًا لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ لا تُحْصَى وَهَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11].

وَلْيُعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مِنَ الأَفْعَالِ مَا يُخْرِجُ الإِنْسَانَ مِنَ الإِسْلامِ وَمِنْ ذَلِكَ إِلْقَاءُ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَالسُّجُودُ لِصَنَمٍ أَوْ وَثَنٍ وَهُوَ مَا يَعْبُدُهُ الْكُفَّارُ مِنْ حَجَرٍ كَانَ أَوْ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَالسُّجُودُ لَهُ كُفْرٌ وَلَوْ كَانَ الشَّخْصُ مَازِحًا، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ مَنْ سَجَدَ لَهَا يَكْفُرُ، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ، وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ سَجَدَ لِمَخْلُوقٍ ءَاخَرَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ. وَمِنَ الأَفْعَالِ الْكُفْرِيَّةِ كِتَابَةُ الْقُرْءَانِ بِالْبَوْلِ، وَالدَّوْسُ عَلَى الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ الْعِلْمِ وَالتَّعَمُّدِ.

وَأَمَّا الأَقْوَالُ الَّتِي تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الإِسْلامِ فَهِيَ أَكْثَرُ وَأَكْثَرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ ءَادَمَ مِنْ لِسَانِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ [فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ] بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ.

وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ يُخْرِجُ مِنَ الإِسْلامِ بِمُفْرَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ قِسْمٌ ءَاخَرُ، أَيْ أَنَّ الأَقْوَالَ الْكُفْرِيَّةَ تُخْرِجُ مِنَ الإِسْلامِ مِنْ دُونِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا اعْتِقَادٌ أَوْ فِعْلٌ، هَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَلا الْتِفَاتَ إِلَى مَا خَالَفَ ذَلِكَ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقيُّ في نُكَتِهِ [أَيْ مَسَائِلِهِ] عَلَى التَّنْبِيهِ وَالْمِنْهَاجِ وَالْحَاوِي مَا نَصُّهُ «كِتَابُ الرِّدَّةِ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ (هِيَ قَطْعُ الإِسْلامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْلِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا) فِيهِ أُمُورٌ.

أَحَدُهَا أَنَّ قَوْلَهُ «بِنِيَّةٍ» لَيْسَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ وَالْحَاوِي وَذَكَرَهُ لِيُدْخِلَ فِي الضَّابِطِ الْعَزْمَ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ كُفْرٌ فِي الْحَالِ.

ثَانِيهَا كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ ذِكْرِ الْقَوْلِ عَنِ الْفِعْلِ كَمَا فِي الْحَاوِي لِأَنَّ التَّقْسِيمَ فِيهِ.

ثَالِثُهَا تَعْبِيرُهُ بِأَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ الْحَاوِي بِالْوَاوِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَافٍ.

وَأَوْرَدَ شَيْخُنَا الإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ عَلَيْهِمَا أُمُورًا:

أَحَدُهَا أَنَّ عِبَارَتَهُمَا لا تَتَنَاوَلُ كُفْرَ الْمُنَافِقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ إِسْلامٌ صَحِيحٌ [يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ الأَصْلِيَّ إِذَا أَظْهَرَ الإِسْلامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ بِقَلْبِهِ فَإِنَّ هَذَا إِذَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا كُفْرِيًا لا يَكُونُ قَطَعَ بِهَذَا الإِسْلامَ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا كَافِرًا بِالنِّفَاقِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ إِنَّمَا هَذَا يَكُونُ انْتَقَلَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ وَلَكِنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُرْتَدِّ أَخْذًا لَهُ بِالظَّاهِرِ].

ثَانِيهَا أَنَّ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَطْعِهِ الإِسْلامَ بِنَفْسِهِ، فَوَلَدُ الْمُرْتَدَّيْنِ الْمُنْعَقِدُ فِي رِدَّتِهِمَا صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ لَكِنْ سَيَأْتِي تَصِحيحُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.

ثَالِثُهَا أَنَّ الْمُنْتَقِلَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ فِي أَنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلامُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ» اهـ.

فَالْيَهُودِيُّ مَثَلًا إِنِ انْتَقَلَ إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ إِلَى مَجُوسِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْكُفْرِ لا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ كَمَا يُقَرُّ الثَّابِتُ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ أَوْ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَمِنَ الأَوَّلِ الشَّكُّ فِي اللَّهِ أَوْ فِي رَسُولِهِ أَوِ الْقُرْءَانِ أَوِ الْيَوْمِ الآخِرِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَوِ اعْتِقَادُ قِدَمِ الْعَالَمِ وَأَزَلِيَّتِهِ بِجِنْسِهِ وَتَرْكِيبِهِ أَوْ بِجِنْسِهِ فَقَطْ، أَوْ نَفْيُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا كَكَوْنِهِ عَالِمًا.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي وُجُودِ اللَّهِ كَفَرَ، وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ شَكَّ فِي رِسَالَةِ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ رِسَالَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ شَكَّ فِي نُزُولِ الْقُرْءَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ شَكَّ فِي الْيَوْمِ الآخِرِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَنَّ هَذَا هَلْ يَكُونُ أَمْ لا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ هَلِ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ مَوْجُودَتَانِ الآنَ كُفْرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ الآنَ،

وَشَذَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالَتْ «إِنَّهُمَا الآنَ لَيْسَتَا مَوْجُودَتَيْنِ وَلَكِنَّهُمَا سَتُوجَدَانِ فِيمَا بَعْدُ» فَلَمْ يُكَفِّرِ الْعُلَمَاءُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَسَّقُوهُمْ، وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يُكَفَّرُونَ يُكَفَّرُونَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِهِمْ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أُصُولَ الِاعْتِقَادِ عَلَى قِسْمَيْنِ:

• قِسْمٌ مِنْهَا يَكْفُرُ مَنْ شَكَّ فِيهِ وَهُوَ مَا كَانَ مَعْلُومًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَائِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ عِلْمًا ظَاهِرًا.

• وَقِسْمٌ مِنْهَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْحَوْضِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ.

فَالأَوَّلُ يَكْفُرُ الشَّاكُّ فِيهِ وَمُنْكِرُهُ وَالثَّانِي لا يَكْفُرُ الشَّاكُّ فِيهِ وَمُنْكِرُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِنَادً.

وَمِنَ الْكُفْرِ أَيْضًا اعْتِقَادُ قِدَمِ الْعَالَمِ وَأَزَلِيَّتِهِ بِجِنْسِهِ وَأَفْرَادِهِ كَمَا قَالَتِ الْفَلاسِفَةُ أَوْ بِجِنْسِهِ فَقَطْ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَةَ وَوَافَقَ فِيهِ الْفَلاسِفَةَ الْمُحْدَثِينَ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِ الْفَرِيقَيْنِ، نَقَلَ ذَلِكَ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الأُصُولِيُّ الشَّافِعِيُّ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا كَكَوْنِهِ عَالِمًا وَكَوْنِهِ حَيًّا وَكَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا وَكَوْنِهِ قَدِيرًا وَلا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهْلِ فِي ذَلِكَ.

أَمَّا مَا رَوَاهُ يُونُسُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ لا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَلا الرَّوِيَّةِ وَالْفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] فَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ قِسْمَانِ قِسْمٌ يُدْرَكُ ثُبُوتُهُ لِلَّهِ بِالْعَقْلِ كَالصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ «الْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلامِ وَالْحَيَاةِ وَالْوُجُودِ وَالْقِدَمِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلْحَوَادِثِ وَالْقِيَامِ بِنَفْسِهِ وَالْبَقَاءِ»،

وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا لا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَالرَّوِيَّةِ وَالْفِكْرِ. فَالْقِسْمُ الأَوَّلُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي لا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ الَّتِي عُلِمَ بِهَا لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «لا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَالرَّوِيَّةِ وَالْفِكْرِ».

وَلَيْسَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ «يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ» مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ فَإِنَّهُ يُدْرَكُ ثُبُوتُهُ لِلَّهِ بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ قُرْءَانِيٌّ أَوْ حَدِيثِيٌّ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَعَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ بِلا اسْتِثْنَاءٍ، فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْهَا فَنَفَى فَلا عُذْرَ لَهُ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِلأُلُوهِيَّةِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ «مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ» أَيْ بِلا خِلافٍ.

فَإِذَا عُرِفَ هَذَا عُلِمَ فَسَادُ قَوْلِ بَعْضِ الْمُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ إِنَّ الشَّافِعِيَّ نَفَى الْكُفْرَ عَمَّنْ جَهِلَ صِفَاتِ اللَّهِ عَلَى وَجْهٍ يَشْمَلُ الْجَهْلَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَالْعِلْمَ بِكُلِّ شَىْءٍ وَسَائِرَ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ فَإِنَّ هَذَا تَخْلِيطٌ وَجَهْلٌ فَظِيعٌ، فَلا يُهَوِّلَنَّكَ أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْحَقِّ تَمْوِيهُ الْجَاهِلِ الْمُحَرِّفِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ جَحَدَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَعِلْمَهُ بِكُلِّ شَىْءٍ لا يَكْفُرُ بَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا إِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَنَصُّ الشَّافِعِيِّ يَرُدُّ مَا زَعَمَهُ،

فَإِنَّ كَلامَ الشَّافِعِيِّ يُبَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ الَّتِي لا يُسْتَدَلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا لِلَّهِ بِالْعَقْلِ إِلَّا بِالنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَوْ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِذَلِكَ يُدْرِكُ ثُبُوتَ الْقُدْرَةِ الشَّامِلَةِ لِلَّهِ وَالْعِلْمِ الشَّامِلِ وَالإِرَادَةِ الشَّامِلَةِ وَوُجُوبَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ، أَمَّا الْوَجْهُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ وَنَحْوُهَا مِمَّا وَرَدَ فِي النُّصُوصِ إِطْلاقُهُ عَلَى اللَّهِ صِفَاتٍ لا جَوَارِحَ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَلْنَضْرِبْ لِذَلِكَ مِثَالًا شَخْصٌ سَمِعَ إِضَافَةَ الْعَيْنِ وَالْيَدِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَنْكَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بَلْ يُعَلَّمُ أَنَّ هَذَا مِمَّا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ،

فَإِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوُرُودِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ كَفَرَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي الْقُرْءَانِ تَسْمِيَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ فَلا يَكْفُرُ بَلْ يُقَالُ لَهُ هَذَا وَرَدَ شَرْعًا تَسْمِيَتُهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ الآيَةَ [سُورَةَ الْحَشْر/23]. فَإِذَا قِيلَ لِشَخْصٍ إِنَّ لِلَّهِ وَجْهًا وَيَدًا وَعَيْنًا فَأَنْكَرَ وَقَالَ لا يَجُوزُ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ إِضَافَةُ هَذَا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى اللَّهِ فَلا يُكَفَّرُ،

إِنَّمَا يُكَفَّرُ مَنْ نَفَى ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي النَّصِّ، أَمَّا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْقُرْءَانِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ هَذَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْءَانِ فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُصَدِّقَ بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ جَارِحَةً كَوَجْهِ الْخَلْقِ أَيْ لَيْسَ حَجْمًا، وَعَلَى أَنَّ عَيْنَ اللَّهِ لَيْسَتْ جَارِحَةً كَعَيْنِ الْخَلْقِ، وَعَلَى أَنَّ يَدَ اللَّهِ لَيْسَتْ جَارِحَةً كَيَدِ الْخَلْقِ، فَيُعَلَّمُ بِأَنَّ وَجْهَ اللَّهِ وَيَدَهُ وَعَيْنَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَوَارِحِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا أَوْ عَيْنًا أَوْ يَدًا بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ كَافِرٌ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الشَّعْرَاوِيَّ قَالَ لِلَّهِ جَوَارِحُ لا كَجَوَارِحِنَا هَذِهِ قَالَهَا لِيُرْضِيَ الْوَهَّابِيَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى الْحِجَازِ وَيُدَرِّسُ وَقَدْ نَالَ مِنْهُمْ مَالًا كَثِيرًا.

فَهَلْ يَعْتَقِدُ ذُو فَهْمٍ فِي الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لا يُكَفِّرُ مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الَّتِي يَدُلُّ الْعَقْلُ عَلَيْهَا، وَقَدْ كَفَّرَ حَفْصًا الْفَرْدَ لِأَنَّهُ لا يُثْبِتُ لِلَّهِ الْكَلامَ الذَّاتِيَّ الَّذِي هُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيِ الْقُرْءَانِ وَيُطْلِقُ الْقَوْلَ بِمَخْلُوقِيَّةِ الْقُرْءَانِ مَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِحَفْصٍ بَعْدَمَا نَاظَرَهُ «لَقَدْ كَفَرْتَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ»، فَكَيْفَ يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لا يُكَفِّرُ مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ سَمْعَهُ لِلْمَسْمُوعَاتِ أَوْ بَصَرَهُ لِلْمُبْصَرَاتِ أَوْ صِفَةَ الْوَحْدَانِيَّةِ أَوْ صِفَةَ الْقِدَمِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ،

وَأَنَّهُ يَقُولُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا يُعْذَرُ عَلَى وَجْهِ الإِطْلاقِ. وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ «وَقَدْ يَغْلَطُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلا يُكَفَّرُونَ بِذَلِكَ»، يَعْنِي بِذَلِكَ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] حَيْثُ ظَنَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ،

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ [انْظُرِ الْفَتْحَ الْبَارِي] «جَحْدُهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ كُفْرٌ اتِّفَاقًا» وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ «لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ» أَيْ ضَيَّقَ فَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [سُورَةَ الطَّلاق/7] أَيْ ضُيِّقَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «لَعَلِّي أَضَلُّ اللَّهَ» [وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَالَ: «فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ»] فَمَعْنَاهُ لَعَلِّي أَفُوتُهُ - أَيْ يُعْفِينِي مِنْ عَذَابِهِ - وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ جَزَعِهِ وَخَوْفِهِ كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الآخَرُ - أَيْ سَبَقَ لِسَانُهُ - فَقَالَ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ،

أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ «لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ» بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْعَذَابَ لَيُعَذِّبَنِي. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا حَدِيثَهُ وَقَالَ إِنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا أَيْ يَنْبُشُ الْقُبُورَ لِيَأْخُذَ الْكَفَنَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ بِهِ وَيُتْرَكُ مَعَهُ مِنْ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ [فِي فَتْح الْبَارِي] عِنْدَ شَرْحِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ «وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ دَهْشَتِهِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ حَتَّى ذُهِبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ» اهـ، وَتِتِمَّةُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ «فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ» وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ] بِلَفْظِ «تُوُفِّيَ رَجَلٌ كَانَ نَبَّاشًا فَقَالَ لِوَلَدِهِ أَحْرِقُونِي» الْحَدِيثَ.

فَإِذَا عُرِفَ هَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْجَهْلِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَنَحْوِهَا مِنْ صِفَاتِهِ مَهْمَا بَلَغَ الْجَهْلُ بِصَاحِبِهِ كَمَا زَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَهُوَ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ. وَكُنْ عَلَى ذُكْرٍ وَاسْتِحْضَارٍ لِنَقْلِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الإِجْمَاعَ؛ وَالشَّافِعِيُّ يَجِلُّ مَقَامُهُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الإِجْمَاعِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ نِسْبَةُ مَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ إِجْمَاعًا كَالْجِسْمِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ الْجِسْمِيَّةَ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ جِسْمٌ أَوْ قَالَ ذَلِكَ كَفَرَ، وَالْجِسْمُ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ كَبُرَ كَالْعَرْشِ أَوْ صَغُرَ كَالْخَرْدَلَةِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ دُونَ الْخَرْدَلَةِ كَالْهَبَاءِ وَهُوَ مَا يُرَى فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ النَّافِذِ مِنَ الْكَوَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْجِدَارِ، وَمَا هُوَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ أَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ «إِنَّهُ جِسْمٌ» فَقَدِ ارْتَدَّ لِأَنَّ اللَّهَ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جِسْمًا صَغِيرًا كَالْهَبَاءِ لَكَانَ لَهُ مِثْلٌ،

وَلَوْ كَانَ جِسْمًا كَبِيرًا كَالْعَرْشِ لَكَانَ مِثْلًا لَهُ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلأُلُوهِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا بَيْنَهُمَا. وَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ بَعْضِ الْمُؤَلِّفِينَ إِنَّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لا يُكَفَّرُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِسْمِيَّةَ تُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ اللَّهُ جِسْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ وَالظَّلامِ وَالرِّيحِ أَوْ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالنَّجْمِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا لِهَذِهِ الأَجْسَامِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يَقْبَلُ أَنْ يَخْلُقَ الْجِسْمُ جِسْمًا، وَلَوْ كَانَ يَصِحُّ أَنْ يَخْلُقَ الْجِسْمُ جِسْمًا لَصَحَّ لِلشَّمْسِ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا لَكِنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ ذَلِكَ،

وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ قَالَ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾ [سُورَةَ الأَعْرَاف/185]، وَأَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى احْتِجَاجِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الأُلُوهِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ بِكَوْنِ الثَّلاثَةِ جِسْمًا يَتَحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالتَّحَوُّلُ مِنْ أَوْصَافِ الْجِسْمِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا وَلا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْجِسْمِ كَالتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ كَتَحَوُّلِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَيَّدَ هَذَا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنَ اسْتِدْلالِهِ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى نُمْرُودَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/258].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ تَحْلِيلُ مُحَرَّمٍ بِالإِجْمَاعِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِمَّا لا يَخْفَى عَلَيْهِ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ وَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ يَكْفُرُ مَنِ اعْتَقَدَ حِلَّ مُحَرَّمٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعْلُومٍ ظَاهِرٍ بَيْنَهُمْ بِالضَّرُورَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ وَاسْتِدْلالٍ فَمَنْ أَحَلَّهُ كَفَرَ، وَمِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الزِّنَى وَاللِّوَاطُ وَالْقَتْلُ وَالسَّرِقَةُ وَالْغَصْبُ، هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ مَعْذُورًا أَمَّا إِنْ كَانَ الشَّخْصُ مَعْذُورًا كَأَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ قَرِيبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُحَرِّمُونَ الزِّنَى [أَيْ كَأَنْ كَانَ لَمْ يُخَالِطِ الْمُسْلِمِينَ حَالَ كُفْرِهِ] وَقَالَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ إِنَّ الزِّنَى لَيْسَ حَرَامًا فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نُعَلِّمُهُ.

قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ وَالْمِنْهَاجِ وَالْحَاوِي: «قَوْلُ الْمِنْهَاجِ أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ وَعَكْسُهُ أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ عَكْسُهُ، وَالْحَاوِي وَجَحْدُ مُجْمَعٍ، كَذَا أَطْلَقَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَيَّدَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنْ يُعْلَمَ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ ضَرُورَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ فِي الأَصَحِّ بِخِلافِ مَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ وَلَوْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ وَتَحْرِيْمِ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بِجَحْدِهِ، وَنَازَعَهُ شَيْخُنَا الإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ فِي التَّمْثِيلِ بِنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ لِشُهْرَتِهِ» اهـ، الْبُلْقِينِيُّ رَجَّحَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ نِكَاحَ الْمُعْتَدَّةِ يَكْفُرُ وَأَلْحَقَهُ بِمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: «وَقَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي الْبُلْقِينِيَّ سِرَاجَ الدِّينِ - أَيْضًا: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ «بِلا تَأْوِيلٍ» لِيَخْرُجَ الْبُغَاةُ وَالْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالَهُمْ وَيَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَ دِمَائِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، وَالَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّأْوِيلِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ، قَالَ الْبَارِزِيُّ:

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالإِسْلامِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ لَفْظَ الْجَحْدِ فِي عِبَارَةِ الْحَاوِي تُخْرِجُهُ فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ إِنْكَارُ شَىْءٍ سَبَقَ الِاعْتِرَافُ بِهِ» اهـ.

وَالْخَوَارِجُ ظَاهِرُ النُّصُوصِ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّهِمْ وَالَّتِي مِنْهَا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي فِيهِ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ» وَحَدِيثُ «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» وَفِي لَفْظٍ «ثَمُودَ»، وَكُلٌّ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ أَيْ عَادٍ وَثَمُودَ إِنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ، هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ كُفَّارٌ.

الْخَوَارِجُ عَقِيدَتُهُمْ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ كَبِيرَةً كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ أَوْ صَغِيرَةً وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ كَفَّرُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَجْلِ التَّحْكِيمِ قَالُوا كَيْفَ يُحَكِّمُ مَخْلُوقًا فَهُوَ كَافِرٌ. وَلَمْ يَفْعَلْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّحْكِيمِ مَعْصِيَةً.

وَمِمَّا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى كُفْرِهِمْ حَدِيثُ «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» وَحَدِيثُ «إِنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» وَلا يُوصَفُ بِذَلِكَ إِلَّا الْكُفَّارُ. وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ تَكْفِيرُ غُلاتِهِمْ وَعَلَيْهِمْ تُحْمَلُ هَذِهِ النُّصُوصُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ تَحْرِيْمُ حَلالٍ ظَاهِرٍ كَذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ أَيْ جَعَلَ مُوجِبًا لِلْعَذَابِ فِي الآخِرَةِ شَيْئًا هُوَ حَلالٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَعْلُومٌ حِلُّهُ بَيْنَهُمْ عِلْمًا ظَاهِرًا يَعْرِفُ ذَلِكَ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَيِ الزِّوَاجِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ كَأَبِي الْعَلاءِ الْمَعَرِّي فَإِنَّهُ كَانَ يُحَرِّمُ النِّكَاحَ، وَسَوَاءٌ حَرَّمَ الشَّخْصُ ذَلِكَ ظَاهِرًا أَوْ حَقِيقَةً وَاعْتِقَادًا. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ شَىْءٍ مَعَ اعْتِقَادِ حِلِّهِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ «أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ» فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ عِنْدَئِذٍ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي يَفْهَمُهُ النَّاسُ أَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ حَرَامٌ عَلَيَّ أَكْلُ اللَّحْمِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْ أَمْنَعُ نَفْسِي مِنْهُ لِأَنَّ هَذَا مَنْ قَالَهُ لِزَوْجَتِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، أَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَنْعِ نَفْسِهِ عَنِ اللَّحْمِ وَنَحْوِهِ فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ نَفْيُ وُجُوبِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ سَجْدَةٍ مِنْهَا وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِمَّا يُخْرِجُ مِنَ الإِسْلامِ نَفْيَ وُجُوبِ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِهِ بِظُهُورٍ وَوُضُوحٍ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ كَمُنْكِرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَمُنْكِرِ سَجْدَةٍ مِنْهَا، وَمُنْكِرِ الزَّكَاةِ، وَمُنْكِرِ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَمُنْكِرِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، وَمُنْكِرِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَهَذَا رِدَّةٌ وَكُفْرٌ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُتَأَوِّلِ، وَأَمَّا الْمُتَأَوِّلُ فَلا يَكْفُرُ كَالَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُم﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/103] لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى «خُذْ» أَيْ يَا مُحَمَّدُ فَفَهِمُوا أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَفْعُهَا لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهَا مِنْهُمْ،

وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. وَقِتَالُ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ لَيْسَ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ بَلْ لِأَنَّهُمْ امْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِ حَقٍّ وَلَجَئُوا لِلْقِتَالِ وَكَانُوا ذَوِي شَوْكَةٍ أَيْ قُوَّةٍ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِمَامُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمُمْتَنِعِينَ قَهْرًا لا يُقَاتِلُهُمْ بَلْ يَأْخُذُهَا هُوَ أَوْ مَأْذُونُهُ مِنْهُمْ قَهْرًا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ إِيْجَابُ مَا لَمْ يَجِبْ إِجْمَاعًا كَذَلِكَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يَجِبْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فَهُوَ كَافِرٌ. وَالإِجْمَاعُ إِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِاتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ فَقَطْ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَامَّةُ وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الْمُجْتَهِدِينَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ نَفْيُ مَشْرُوعِيَّةِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ الْكُفْرِ الِاعْتِقَادِيِّ النَّفْيَ بِالْقَلْبِ مَشْرُوعِيَّةَ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِمَّا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ [أَيْ بِدُونِ تَأَمُّلٍ وَاسْتِدْلالٍ] أَيْ مَعْرِفَةً ظَاهِرَةً يَشْتَرِكُ فِيهَا الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ كَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ وَالْوِتْرِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ عَزَمَ فِي قَلْبِهِ عَلَى أَنْ يَكْفُرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ فِي الْحَالِ، كَذَلِكَ مَنْ تَرَدَّدَ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ فِي الْحَالِ، وَكَأَنْ يَقُولَ «إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلامِ» بِقَصْدِ التَّعْلِيقِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ فِي الْحَالِ، لا إِذَا قَصَدَ أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ ذَلِكَ الشَّىْءِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَلَكِنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَالَّذِي يَقُولُ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الشَّىْءَ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا خُطُورُهُ فِي الْبَالِ بِدُونِ إِرَادَةٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي بَالِهِ - أَيْ قَلْبِهِ - خُطُورًا بِلا إِرَادَةٍ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَلَوْ تَكَرَّرَ هَذَا الْخَاطِرُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ مَنْعَهُ وَاللَّهُ لا يُكَلِّفُ الْعَبْدَ إِلَّا مَا هُوَ فِي وُسْعِهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ شَىْءٍ، فَمَنْ خَطَرَ لَهُ خَاطِرٌ مِمَّا يُنَافِي إِثْبَاتَ وُجُودِ اللَّهِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ الْحَقَّ اعْتِقَادً جَازِمًا فَلا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْخُطُورِ فِي قَطْعِ إِيـمَانِهِ بَلْ يَزْدَادُ ثَوَابًا بِكَرَاهِيَتِهِ لِهَذَا الَّذِي يَخْطُرُ لَهُ، فَالْمُرَادُ بِالْخَاطِرِ غَيْرُ الشَّكِّ وَالِاعْتِقَادِ.