قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ وَمِنْ مَعَاصِى الأُذُنِ الِاسْتِمَاعُ إِلَى كَلامِ قَوْمٍ أَخْفَوْهُ عَنْهُ.

الشَّرْحُ هَذَا الْفَصْلُ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ مَعَاصِى الأُذُنِ، فَمِنْهَا الِاسْتِمَاعُ إِلَى كَلامِ قَوْمٍ يَكْرَهُونَ اطِّلاعَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَذَلِكَ لِمَّا صَحَّ مِنْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِى أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَّجَسُّسِ الْمُحَرَّمِ، وَالآنُكُ بِمَدِّ الأَلِفِ وَضَمِّ النُّونِ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ.

وَمِثْلُ ذَلِكَ اسْتِخْبَارُ جِيرَانِهِ عَمَّا عِنْدَهُمْ لِيَعْلَمَ مَا يَجْرِى فِى دَارِ جَارِهِ مِمَّا يَتَأَذَّى مِنَ اطِّلاعِهِ عَلَيْهِ، نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِأَنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى مَعْصِيَةٍ كَانَ لَهُ الْهُجُومُ عَلَيْهِمْ بِلا اسْتِئْذَانٍ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِلَى الْمِزْمَارِ وَالطُّنْبُورِ وَهُوَ ءَالَةٌ تُشْبِهُ الْعُودَ، وَسَائِرِ الأَصْوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ. وَكَالِاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهِمَا بِخِلافِ مَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ السَّمَاعُ قَهْرًا وَكَرِهَهُ، وَلَزِمَهُ الإِنْكَارُ إِنْ قَدَرَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الأُذُنِ الِاسْتِمَاعَ إِلَى الْمِزْمَارِ وَالطُّنْبُورِ وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ ءَالَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُطْرِبَةِ بِمُفْرَدِهَا وَلَهَا أَوْتَارٌ وَمَا فِيهِ مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ ءَالاتِ الأَوْتَارِ، وَالإِطْرَابُ مَعْنَاهُ إِحْدَاثُ خِفَّةٍ فِى الرُّوحِ فَالآلاتُ الَّتِى تُحْدِثُ ذَلِكَ يَحْرُمُ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهَا. أَمَّا الصَّنْجُ وَهِىَ قِطْعَتَانِ مِنْ نُحَاسٍ تُضْرَبُ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى فَلَيْسَتْ مِنْ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُطْرِبَةِ بِمُفْرَدِهَا، وَقَدْ مَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى عَدَمِ حُرْمَتِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ قَطَعُوا بِحُرْمَتِهَا،

وَمِثْلُ الْمِزْمَارِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ سَائِرُ الآلاتِ الْمُطْرِبَةِ بِمُفْرَدِهَا وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «لَيَكُونَنَّ فِى أُمَّتِى أُنَاسٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَفِى هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ الِاسْتِمَاعِ إِلَى ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُطْرِبَةِ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالِاسْتِمَاعِ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الِاسْتِمَاعُ لا السَّمَاعُ بِلا قَصْدٍ، وَالْمَعْنَى فِى تَحْرِيمِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ أَنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ مِنْهَا تَدْعُو إِلَى فَسَادٍ وَكَوْنُهَا شِعَارَ أَهْلِ الْفِسْقِ أَىْ مِنْ عَادَاتِهِمْ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ عَنْهُمُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ.

وَيُشْتَرَطُ فِى ارْتِفَاعِ الإِثْمِ فِى السَّمَاعِ إِذَا كَانَ بِلا قَصْدٍ أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ.

وَيُشْتَرَطُ لِلسَّلامَةِ مِنَ الإِثْمِ الإِنْكَارُ لِمَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ إِنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِنْكَارُ بِقَلْبِهِ وَمُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ إِنْ كَانَ جَالِسًا فِيهِ.

مَعَاصِى الْيَدَيْنِ

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ وَمِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ التَّطْفِيفُ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ.

الشَّرْحُ هَذَا الْفَصْلُ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ فَمِنْهَا التَّطْفِيفُ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ] وَالْوَيْلُ هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَيْلَ وَادٍ فِى جَهَنَّمَ عُمْقُهُ مَسَافَةُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا وَهُوَ لِلْكُفَّارِ.

وَقَدْ فَسَّرَتِ الآيَةُ الْمُطَفِّفِينَ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ أَىْ مِنَ النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ حُقُوقَهُمْ مِنْهُمْ أَىْ يَأْخُذُونَهَا كَامِلَةً، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ أَىْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِلْغَيْرِ يُخْسِرُونَ أَىْ يُنْقِصُونَ. وَفِى حُكْمِ ذَلِكَ التَّطْفِيفُ فِى الذَّرْعِ بِأَنْ يَشُدَّ يَدَهُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَيُرْخِيَهَا وَقْتَ الشِّرَاءِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالسَّرِقَةُ وَيُحَدُّ إِنْ سَرَقَ مَا يُسَاوِى رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ حِرْزِهِ بِقَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ إِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى.

الشَّرْحُ أَنَّ السَّرِقَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا الْمَعْلُومَةِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَهِىَ فِى الأَصْلِ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً لَيْسَ اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ فِى الْعَلَنِ أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى الْهَرَبِ فِى الْعَلَنِ، فَإِنَّ الأَوَّلَ مِنْ هَذَيْنِ غَصْبٌ وَالثَّانِى اخْتِلاسٌ حَتَّى لَوْ سَرَقَ السَّارِقُ بَيْضَةً فَهُوَ مَلْعُونٌ لِحَدِيثِ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ.

وَلا يَدْخُلُ الآكِلُ مِنَ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا فِى حُكْمِ السَّرِقَةِ الْمُتَرْجَمَةِ لِأَنَّ السَّرِقَةَ الْمُتَرْجَمَةَ هِىَ الَّتِى تُوجِبُ الْحَدَّ وَهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ الْغَصْبُ وَالِاخْتِلاسُ وَالأَكْلُ مِنَ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا لا تُوجِبُ الْحَدَّ بَلْ فِيهَا التَّعْزِيرُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ. وَمِنْ حُكْمِ السَّرِقَةِ حَدُّ السَّارِقِ الْمُلْتَزِمِ لِلأَحْكَامِ إِنْ سَرَقَ مَا يُسَاوِى رُبْعَ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ الْمَحْضِ أَوْ مَا خَالِصُهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْ حِرْزِهِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَمْوَالِ وَالأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ،

وَأَمَّا مَا سُرِقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزِهِ فَلا تُقْطَعُ بِهِ يَدُ السَّارِقِ، فَحِرْزُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مَثَلًا غَيْرُ حِرْزِ أَثَاثِ الْبَيْتِ، وَحِرْزُ الْمَاشِيَةِ الْمُرَاحُ وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِى تَبِيتُ فِيهِ الْمَاشِيَةُ وَحِرْزُ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ الْجَرِينُ. وَوَجَدْنَا فِى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَنَّ الأَحْرَازَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَمْوَالِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِى الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ بِذَلِكَ.

فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ أَوْ الْجَوَاهِرِ أَوْ مِنْ مَتَاعِ الْبَزَّازِينَ أَىِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الثِّيَابَ وَالْقِمَاشَ الْحَرِيرِىَّ وَنَحْوَهُ، أَوِ الْعَطَّارِينَ أَىِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الْعُطُورَ وَالأَعْشَابَ الطِّبِّيَّةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لِلتَّدَاوِى وَنَحْوَهَا، أَوِ الصَّيَادِلَةِ أَىِ الَّذِينَ يُرَكِّبُونَ الأَدْوِيَةَ أَوْ يَبِيعُونَهَا، فَإِنْ تُرِكَ فِى الدُّكَّانِ فِى السُّوقِ وَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ وَأُقْفِلَ فَهُوَ مُحْرَزٌ بِالنَّهَارِ وَأَمَّا اللَّيْلُ فَإِنْ كَانَ الأَمْنُ ظَاهِرًا فَهُوَ مُحْرَزٌ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الأَمْنُ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَإِنْ كَانَ فِى الدُّكَّانِ أَوْ فِى السُّوقِ حَافِظٌ فَهُوَ مُحْرُوزٌ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَافِظٌ فَهُوَ غَيْرُ مَحْرُوزٍ، وَإِنْ لَمْ يُقْفَلْ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِى الدُّكَّانِ أَوْ فِى السُّوقِ حَافِظٌ مُتَيَقِّظٌ فَهُوَ مَحْرُوزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَافِظٌ أَوْ كَانَ فِيهِ حَافِظٌ نَائِمٌ فَهُوَ غَيْرُ مَحْرُوزٍ.

وَإِنْ تُرِكَ ذَلِكَ فِى بَيْتٍ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ فِى الْبِلادِ وَالْقُرَى الْمَسْكُونَةِ فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُغْلَقًا [أَىْ بِالْمِفْتَاحِ] فَهُوَ مَحْرُوزٌ سَوَاءٌ كَانَ فِى الْبَيْتِ حَافِظٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِحْرَازِ الْمَالِ فِيهَا هَكَذَا وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مُغْلَقٍ فَإِنْ كَانَ فِى الْبَيْتِ حَافِظٌ مُتَيَقِّظٌ فَهُوَ مَحْرُوزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى الدَّارِ حَافِظٌ أَوْ كَانَ فِيهِ حَافِظٌ نَائِمٌ فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِى الدَّارِ خِزَانَةٌ مُغْلَقَةٌ فَمَا فِيهَا مُحْرَزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى الدَّارِ حَافِظٌ.

رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا فِى رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». وَيُشْتَرَطُ فِى ذَلِكَ أَنْ لا تَكُونَ لِلسَّارِقِ فِى الْمَالِ الَّذِى سَرَقَهُ شُبْهَةٌ فِيهِ فَلا يُحَدُّ بِسَرَقَةِ حُصُرِ مَسْجِدٍ وَقَنَادِيلِهِ وَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَصَدَقَةٍ أَىْ زَكَاةٍ وَمَوْقُوفٍ وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَالِ بَعْضِهِ أَىْ فَرْعِهِ كَوَلَدِهِ أَوْ أَصْلِهِ كَأَبِيهِ أَوْ سَيِّدِهِ.

وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّ السَّرِقَةِ لِحْفِظِ الْمَالِ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ أَمْرٌ مُهِمٌّ. وَكَيْفِيَّةُ الْحَدِّ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ وَلَوْ سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ ثُمَّ إِنْ عَادَ بَعْدَ قَطْعِ الْيُمْنَى إِلَى السَّرِقَةِ ثَانِيًا فَبِقَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْكَعْبِ ثُمَّ إِنْ عَادَ ثَالِثًا فَبِقَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ إِنْ عَادَ رَابِعًا فَبِقَطْعِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى مِنَ الْكَعْبِ ثُمَّ إِنْ عَادَ خَامِسًا عُزِّرَ كَمَا لَوْ كَانَ سَاقِطَ الأَطْرَافِ أَوَّلًا وَلا يُقْتَلُ، وَمَا وَرَدَ فِى ذَلِكَ مِنَ الْقَتْلِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِقَتْلِهِ إِذَا اسْتَحَلَّهَا ثُمَّ يُغْمَسُ مَحَلُّ الْقَطْعِ فِى الزَّيْتِ الْمُغْلَى لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ.

فَائِدَةٌ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِى تَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ السَّارِقُ الْمُسْلِمُ لِيَسْرِقَ ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَأَرَادَ أَنْ يَهْرُبَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاحٌ يَخْشَى صَاحِبُ الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبَهُ بِهِ لا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ أَوْ قَتْلُهُ أَوْ جَرْحُهُ وَهُوَ هَارِبٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ مَعَهُ سِلاحٌ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِهِ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ. وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَذَهَبَ يَعْمَلُ شَيْئًا يُجْبِرُهُ بِهِ عَلَى تَرْكِ هَذَا الْمَالِ.

وَإِذَا كَانَ يَهْرُبُ بِالصُّرَاخِ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ ضَرْبُهُ. أَمَّا إِذَا بَادَرَهُ بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَذَنْبُهُ ذَنْبُ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَعَذَابُهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَذَابِ. فَإِنْ فُوجِئَ بِالسَّارِقِ دَاخِلَ الْبَيْتِ فَإِنْ كَانَ خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِالْقَتْلِ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ، أَمَّا إِنْ وَجَدَ السَّارِقَ وَلَيْسَ مَعَهُ سِلاحٌ وَلا يَخَافُ أَنْ يَضْرِبَهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُبَادِرَهُ بِالضَّرْبِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا النَّهْبُ وَالْغَصْبُ وَالْمَكْسُ وَالْغُلُولُ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ النَّهْبَ وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ جِهَارًا أَىْ فِى الْعَلَنِ وَلَيْسَ خُفْيَةً، وَالْغَصْبُ وَهُوَ الِاسْتِيلاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ ظُلْمًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ جِهَارًا وَهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «مَنْ ظَلَمَ قِيْدَ شِبْرٍ مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] أَىْ أَنَّ الأَرْضَ تُخْسَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْبُقْعَةُ فِى عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ.

مَعْنَاهُ يُعَلَّقُ فِى عُنُقِهِ قَدْرُ ذَلِكَ الْشِبْرِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ مُجَازَاةً لَهُ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ فَضِيحَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَالْحَدِيثُ يُفَسَّرُ عَلَى ظَاهِرِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَظْهَرُ أُمُورٌ غَرِيبَةٌ هَذَا مِنْ جُمْلَتِهَا، يُجْعَلُ لَهُ فِى عُنُقِهِ قَدْرُ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ كَالطَّوْقِ أَىْ تُطَوَّلُ عُنُقُهُ فَيُعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الشِّبْرُ مُتَّصِلًا إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ أَىْ بِطُولِ سَبْعِ أَرَضِينَ لَكِنْ لا يَبْقَى هَذَا بَلْ يَبْقَى وَقْتًا يَسِيرًا، اللَّهُ يُظْهِرُهُ بِهَذَا الْمَظْهَرِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَأَمَّا الْمَكْسُ فَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ التُّجَّارِ كَالْعُشْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطًا.

وَأَمَّا الْغُلُولُ فَهُوَ الأَخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، نَعَمْ يَجُوزُ التَّبَسُّطُ بِأَخْذِ بَعْضِ مَأْكُولٍ لَهُ أَوْ لِدَابَّتِهِ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِشُرُوطٍ مَعْرُوفَةٍ فِى كُتُبِ الْفِقْهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى رَجُلٍ كَانَ عَلَى ثَقَلِهِ [وَالثَّقَلُ الْمَتَاعُ] فِى غَزْوَةٍ مَاتَ وَقَدْ غَلَّ «إِنَّهُ فِى النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».

ثُمَّ إِنَّ الْغَنَائِمَ كَانَتْ مُحَرَّمةً عَلَى مَنْ قَبْلَنَا فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ النَّاسُ إِلَى الْغَنَائِمِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِتَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَّوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/68] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُحِلَّتْ لَنَا الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَنَا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، سُودِ الرُّءُوسِ أَىْ سُودِ شَعَرِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا الأَنْبِيَاءُ السَّابِقُونَ فَكَانُوا يَجْمَعُونَ الْغَنَائِمَ فِى مَوْضِعٍ فَتَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُهَا.

فَائِدَةٌ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَّوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ لَيْسَ فِى ذَمِّ أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُسِرُوا عِوَضًا عَنِ التَّمَادِى فِى الإِثْخَانِ أَىْ قَتْلِ الْكُفَّارِ بَلْ هِىَ امْتِنَانٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِإِحْلالِ مَا حَرَّمَهُ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ وَالرَّسُولُ مَا مَالَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَحْىِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ جِبْرِيلَ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَخْذِ الْفِدَاءِ وَبَيْنَ الإِثْخَانِ فِى الْمُشْرِكِينَ فَاخْتَارَ الرَّسُولُ أَخْذَ الْفِدَاءِ فَلا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ عُمَرَ جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فَوَجَدَهُمَا يَبْكِيَانِ فَسَأَلَ فَقَالَ الرَّسُولُ مِنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ وَكَانَ رَأْىُ عُمَرَ الإِثْخَانَ فِيهِمْ فَلَيْسَ فِى الآيَةِ تَخْطِئَةُ الرَّسُولِ فِى أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ.

وَالْخَطَأُ مِنَ الرَّسُولِ فِي أَمْرِ الدِّينِ مُسْتَحِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [سُورَةَ النَّجْم].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْقَتْلُ وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا وَهِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ فَإِنْ عَجَزَ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَفِى عَمْدِهِ الْقِصَاصُ إِلَّا أَنْ عَفَا عَنْهُ [الْوَارِثُ] عَلَى الدِّيَةِ أَوْ مَجَّانًا، وَفِى الْخَطَإِ وَشِبْهِهِ الدِّيَةُ وَهِىَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ فِى الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَنِصْفُهَا فِى الأُنْثَى الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَتَخْتَلِفُ صِفَاتُ الدِّيَةِ بِحَسَبِ الْقَتْلِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِىٍّ مَعْصُومٍ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ قَالَ ﷺ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ بَيَانُ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ «وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ]، وَالذِّمِىُّ مَا دَامَ فِى عَهْدِهِ يَحْرُمُ قَتْلُهُ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ وَمِثْلُ الذِّمِىِّ الْمُعَاهَدُ بِالْهُدْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُؤَمَّنُ. وَالْمُعَاهَدَةُ لا تَكُونُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ وَلا يَدْخُلُهَا إِلَّا الْخَلِيفَةُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَأَمَّا الأَمَانُ فَيَكُونُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ وَيَفْعَلُهُ الْخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ.

ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِ الْقَتْلِ فِى الدُّنْيَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِى قَتْلِ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ وَهِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ عَمَّا يُخِلُّ بِالْكَسْبِ وَالْعَمَلِ إِخْلالًا ظَاهِرًا كَالْعَرَجِ، وَلا يُشْتَرَطُ لَهَا سِنٌّ بَلْ يَكْفِيهِ إِعْتَاقُ مَمْلُوكٍ ابْنِ يَوْمٍ، فَإِنْ عَجَزَ بِأَنْ لَمْ يَمْلِكْهَا وَلا ثَمَنَهَا فَاضِلًا عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ بَاقِىَ الْعُمُرِ الْغَالِبِ وَهُوَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ كَمَا مَرَّ فِى الظِّهَارِ غَيْرَ أَنَّهُ لا إِطْعَامَ هُنَا.

وَفِى قَتْلِ الْعَمْدِ وَهُوَ مَا كَانَ بِقَصْدِ عَيْنِ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْجِنَايَةُ بِمَا يُتْلِفُ غَالِبًا جَارِحًا كَانَ كَالسَّيْفِ وَالْخِنْجَرِ أَوْ مُثَقَّلًا كَالصَّخْرَةِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ الْقَتِيلُ مَعْصُومًا فَخَرَجَ الْحَرْبِىُّ، وَكَانَ الْقَاتِلُ مُلْتَزِمًا بِالأَحْكَامِ [أَىِ الْمُسْلِم أَوِ الذِّمِىِّ] فَلا قَوَدَ عَلَى صَبِىٍّ وَمَجْنُونٍ وَحَرْبِىٍّ [أَىْ إِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِىُّ لا يُقْتَصُّ مِنْهُ] وَمُكَافِئًا لِلْقَتِيلِ حَالَ الْجِنَايَةِ بِأَنْ لَمْ يَفْضُلْهُ بِإِسْلامٍ أَوْ أَمَانٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ سِيَادَةٍ، فَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِىٍّ وَحُرٌّ بِغَيْرِهِ وَلَوْ مُبَعَّضًا إِلَّا إِذَا عُفِىَ عَنِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ أَوْ مَجَّانًا [الْحُرُّ إِنْ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا عَلَيْهِ دِيَةٌ وَكَفَّارَةٌ لَكِنْ لا يُقْتَصُّ مِنْهُ]،

فَإِذَا عَفَا وَرَثَةُ الْقَتِيلِ عَنِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ أَىِ الْقَتْلُ، أَوْ عَلَى مَالٍ غَيْرِهَا أَوْ مَجَّانًا سَقَطَ الْقَتْلُ أَيْضًا. فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ اسْتَوْفَاهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِإِذْنِ الآخَرِينَ أَوْ بِالْقُرْعَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ وَهُوَ أَنْ لا يَقْصِدَ عَيْنَهُ بِفِعْلٍ كَأَنْ زَلَقَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ فَمَاتَ وَكَأَنْ يَرْمِىَ السَّهْمَ إِلَى صَيْدٍ فَيُصِيبَ إِنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ وَشِبْهَهُ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَهُ بِمَا لا يُتْلِفُ فِى الْغَالِبِ كَغَرْزِهِ بِإِبْرَةٍ فِى غَيْرِ مَقْتَلٍ أَوْ بِمَا يُتْلِفُ لا غَالِبًا وَلا نَادِرًا كَضَرْبٍ غَيْرِ مُتَوَالٍ فِى غَيْرِ مَقْتَلٍ وَفِى غَيْرِ شِدَّةِ نَحْوِ حَرٍّ وَبَرْدٍ بِنَحْوِ عَصًا أَوْ سَوْطٍ لِمَنْ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ بِهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِمَا لا الْقِصَاصُ وَهِىَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ فِى الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمَعْصُومِ الْمُسْلِمِ، وَنِصْفُهَا فِى الأُنْثَى الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ الْمَعْصُومَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.

أَمَّا الْكَافِرُ فَدِيَتُهُ إِنْ كَانَ كِتَابِيًا مَعْصُومًا ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فَالذَّكَرُ ثُلُثُ دِيَةِ الذَّكَرِ وَغَيْرُهُ ثُلُثُ دِيَةِ الأُنْثَى، فَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا أَوْ نَحْوَ وَثَنِىٍّ فَثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ كَذَلِكَ.

ثُمَّ إِنَّ صِفَاتِهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ كَيْفِيَّةِ الْقَتْلِ فَدِيَةُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ أَوِ الْقَتْلِ الْخَطَإِ إِذَا كَانَ فِى الأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَوْ لِذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ مُثَلَّثَةٌ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَهِىَ الأُنْثَى الَّتِى لَهَا ثَلاثُ سِنِينَ وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَهِىَ مَا لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ وَأَرْبَعُونَ حَوَامِلَ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ، وَدِيَةُ الْخَطَإِ الَّذِى لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُخَمَّسَةٌ عِشْرُونَ مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ وَعِشْرُونَ مِنْ بَنَاتِ الْمَخَاضِ وَعِشْرُونَ مِنَ الْحِقَاقِ وَعِشْرُونَ مِنَ الْجِذَاعِ وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ.

وَتَكُونُ هَذِهِ الدِّيَةُ فِى الْعَمْدِ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ وَفِى غَيْرِ الْعَمْدِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهِىَ الْعَصَبَةُ غَيْرُ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُؤَجَّلَةً ثَلاثَ سِنِينَ فِى كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا وَالْعَصَبَةُ هُمُ الأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ كَالْعَمِّ وَابْنِهِ وَالإِخْوَةِ وَأَبْنَائِهِمْ.

وَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ أَيْضًا فِى الأَطْرَافِ وَالْجِرَاحَاتِ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَالْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شَيْئَانِ جُرْحٌ يُسْتَوْفَى وَطَرَفٌ يُقْطَعُ» وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِى الأَطْرَافِ بَعْدَ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِى قِصَاصِ النَّفْسِ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا الِاشْتِرَاكُ فِى الِاسْمِ الْخَاصِّ لِلطَّرَفِ الْمَقْطُوعِ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى وَحِينَئِذٍ فَلا تُقْطَعُ يُمْنَى بِيُسْرَى وَلا عَكْسُهُ. وَالثَّانِى أَلَّا يَكُونَ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ شَلَلٌ فَلا تُقْطَعُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ وَهِىَ الَّتِى لا عَمَلَ لَهَا، أَمَّا الشَّلَّاءُ فَتُقْطَعُ بِالصَّحِيحَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ عَدْلانِ مِنْ أَهْلِ الْخُبْرَةِ إِنَّ الشَّلَّاءَ إِذَا قُطِعَتْ لا يَنْقَطِعُ الدَّمُ بَلْ تَنْفَتِحُ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ وَلا تَنْسَدُّ بِالْحَسْمِ.

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْجُرُوحِ وَالأَعْضَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/45].

وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ فِى النَّفْسِ إِنَّمَا جُعِلَ لِحِفْظِ النَّفْسِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ شَخْصَيْنِ جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِى النَّفْسِ جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَتُقْطَعُ يَدُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ بِيَدِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَيَدُ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الْمَرْأَةِ وَهَذَا إِجْمَاعٌ. وَتُقْطَعُ يَدُ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ، وَيَدُ الرَّجُلِ بِيَدِ الْمَرْأَةِ وَيَدُ الْعَبْدِ بِيَدِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِى إِبَانَةِ عُضْوٍ أَوْ جِرَاحَةٍ يَثْبُتُ بِهَا الْقِصَاصُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْلُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ مِثْلُ أَنْ أَجْرَى جَمَاعَةٌ سَيْفًا فِى أَيْدِيهِمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ أَوْ رِجْلِهِ فَقَطَعُوهَا أَوْ عَلَى رَأْسِهِ فَأَوْضَحُوهُ أَىْ جَعَلُّوا فِيهِ شَجَّةً يَبْدُو مِنْهَا بَيَاضُ الْعَظْمِ، قُطِعَتْ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَأُوضِحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ.

وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فِى شَيْئَيْنِ الْجُرُوحِ وَالأَعْضَاءِ وَالْجُرُوحُ ضَرْبَانِ جُرُوحٌ فِى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَجُرُوحٌ فِيمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْبَدَنِ، فَأَمَّا الْجُرُوحُ فِى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَتُسَمَّى الشِّجَاجَ قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «هِىَ عَشْرٌ أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ» وَهِىَ الَّتِى تَكْشِطُ الْجِلْدَ كَشْطًا لا يُدْمِى وَمِنْهُ يُقَالُ حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إِذَا كَشَطَ دَرَنَهُ وَوَسَخَهُ، «وَبَعْدَهَا الدَّامِيَةُ» وَهِىَ الَّتِى كَشَطَتِ الْجِلْدَ وَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ.

«وَبَعْدَهَا الْبَاضِعَةُ» وَهِىَ الَّتِى تَبْضَعُ اللَّحْمَ أَىْ تَشُقُّهُ بَعْدَ الْجِلْدِ. «وَبَعْدَهَا الْمُتَلاحِمَةُ» وَهِىَ الَّتِى تَنْزِلُ فِى اللَّحْمِ، «وَبَعْدَهَا السِّمْحَاقُ» وَهِىَ الَّتِى وَصَلَتْ إِلَى جِلْدَةٍ رَقِيقَةٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَتُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ السِّمْحَاقَ، وَبَعْدَهَا الْمُوضِحَةُ وَهِىَ الَّتِى أَوْضَحَتِ الْعَظْمَ وَكَشَفَتْ عَنْهُ وَبَعْدَهَا الْهَاشِمَةُ وَهِىَ الَّتِى هَشَمَتِ الْعَظْمَ، وَبَعْدَهَا الْمُنَقِّلَةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَهَا تَأْوِيلانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَنْقُلَ الْعَظْمَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَالثَّانِى أَنَّهُ فِى تَدَاوِيهِ لا بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ شَىْءٍ مِنَ الْعَظْمِ مِنْهُ،

وَبَعْدَهَا الْمَأْمُومَةُ وَتُسَمَّى الآمَّةَ وَهِىَ الَّتِى قَطَعَتِ الْعَظْمَ وَبَلَغَتْ إِلَى قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الدِّمَاغِ، وَبَعْدَهَا الدَّامِغَةُ وَهِىَ الَّتِى بَلَغَتْ إِلَى الدِّمَاغِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الشَّافِعِىَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ فِى الأُمِّ «لا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنَ الشِّجَاجِ» اهـ. لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا مُمْكِنَةٌ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ أَىْ جَوْرٍ وَظُلْمٍ، فَتُقَدَّرُ الْمُوضِحَةُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ وَيُعَلَّمُ عَلَيْهِ بِخَيْطٍ أَوْ سَوَادٍ وَلا يُعْتَبَرُ الْعُمْقُ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ إِلَى الْعَظْمِ.

وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْمَأْمُومَةُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِى الْمُوضِحَةِ مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا لِأَنَّ كَسْرَ الْعَظْمِ لا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ يُخَافُ فِيهِ الْحَيْفُ وَإِتْلافُ النَّفْسِ.

وَأَمَّا الْجِرَاحَةُ فِى غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَيُنْظَرُ فِيهَا فَإِنْ وَصَلَتْ إِلَى عَظْمٍ وَجَبَ فِيهَا الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ فَهِىَ كَالْمُوضِحَةِ فِى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ جَائِفَةً أَوْ كَسَرَتْ عَظْمًا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ فِيهَا لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهَا وَيُخَافُ فِيهَا الْحَيْفُ.

وَأَمَّا الأَطْرَافُ فَيَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ فِى كُلِّ مَا يَنْتَهِى مِنْهَا إِلَى مَفْصِلٍ فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِى إِلَى مَفْصِلٍ، فَكُلُّ عُضْوٍ أُخِذَ أَىْ قُطِعَ مِنْ مَفْصِلٍ كِمِرْفَقٍ وَكُوعٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَمَا لا مَفْصِلَ لَهُ لا قِصَاصَ فِيهِ.

إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ الصَّحِيحَةُ بِالصَّحِيحَةِ وَالْقَائِمَةُ بِالْقَائِمَةِ وَهِىَ الَّتى ذَهَبَ ضَوْؤُهَا وَبَقِيَتْ حَدَقَتُهَا وَلا تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْقَائِمَةِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَائِمَةُ بِالصَّحِيحَةِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ بِاخْتِيَارِهِ. وَيُؤْخَذُ الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ وَالْمَنْخِرُ بِالْمَنْخِرِ وَهُوَ ثُقْبُ الأَنْفِ، وَالْحَاجِزُ بَيْنَهُمَا بِالْحَاجِزِ وَالأُذُنُ بِالأُذُنِ. وَيَجِبُ فى الشَّفَتَيْنِ الْقَوَدُ.

وَإِنْ جَنَى عَلَى رَأْسِهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَمُّهُ أَوْ سَمْعُهُ أَوْ ذَوْقُهُ أَوْ نِكَاحُهُ أَوْ إِنْزَالُهُ لَمْ يَجِبْ فِيهَا الْقِصَاصُ لِأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَيْسَتْ فِى مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ فَيُمْكِنَ الْقِصَاصُ فِيهَا.

وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ قَدْ أَثْغَرَ أَىْ نَبَتَتْ أَسْنَانُهُ بَعْدَ السُّقُوطِ قُلِعَ سِنُّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْلُوعُ سِنُّهُ لَمْ يُثْغِرْ وُقِفَ حَتَّى يُثْغِرَ فَيَنْظُرَ هَلْ تَنْبُتُ سنةٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لا. وَتُؤْخَذُ السِّنُّ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرَةُ بِالْكَبِيرَةِ وَلا يُؤْخَذُ سِنٌّ صَحِيحٌ بِمَكْسُورٍ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَيُؤْخَذُ الْمَكْسُورُ بِالصَّحِيحِ لِأَنَّهُ أَنْقَصُ مِنْ حَقِّهِ.

وَتُقْطَعُ الْكَفُّ بِالْكَفِّ وَالإِصْبَعُ بِالإِصْبَعِ وَالأَنْمُلَةُ بِالأَنْمُلَةِ، وَتُؤْخَذُ الأَلْيَتَانِ بِالأَلْيَتَيْنِ وَهُمَا النَّاتِئَتَانِ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْفَخِذِ. وَيُقْطَعُ الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يَنْتَهِى إِلَى مَفْصِلٍ فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ.

إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَيُقْطَعُ ذَكَرُ الرَّجُلِ بِذَكَرِ الصَّبِىِّ وَيُقْطَعُ ذَكَرُ الشَّابِّ بِذَكَرِ الشَّيْخِ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَيُقَادُ ذَكَرُ الأَغْلَفِ (أَىِ الَّذِى لَمْ يُخْتَنْ) بِذَكَرِ الْمَخْتُونِ، كَمَا تُقْطَعُ الْيَدُ السَّمِينَةُ بِالْيَدِ الْمَهْزُولَةِ وَلِأَنَّ تِلْكَ الْجِلْدَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْقَطْعِ، فَلا تَمْنَعُ مِنَ الْقِصَاصِ»، وَإِنْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ اقْتُصَّ مِنْهُ.

وَكُلُّ عُضْوٍ وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُضْوَانِ فِى الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالسَّمَنِ وَالْهُزَالِ لِأَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَشَقَّ وَضَاقَ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِى النَّفْسِ.

وَلا يُؤْخَذُ الْجَفْنُ الأَعْلَى بِالْجَفْنِ الأَسْفَلِ وَلا الأَسْفَلُ بِالأَعْلَى وَكَذَلِكَ الشَّفَتَانِ مِثْلُهُ.

وَلا تُؤْخَذُ سِنٌّ بِسِنٍّ غَيْرِهَا وَلا إِصْبَعٌ بِإِصْبَعٍ غَيْرِهَا وَلا أَنْمُلَةٌ بِأَنْمُلَةٍ غَيْرِهَا كَمَا لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِجِنَايَةِ نَفْسٍ غَيْرِهَا، وَلا يُؤْخَذُ ذَلِكَ وَإِنْ رَضِىَ الْجَانِى وَالْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا رَضِىَ الْجَانِى بِأَنْ يُؤْخَذَ الْعُضْوُ الْكَامِلُ بِالنَّاقِصِ وَالصَّحِيحُ بِالأَشَلِّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الدِّمَاءَ لا تُسْتَبَاحُ بِالإِبَاحَةِ.

وَمَنْ قَطَعَ عُضْوَ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَتَلَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ قَطْعُ عُضْوِهِ ثُمَّ قَتْلُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. دَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/194].

وَيَسْتَوْفِى الْقِصَاصَ أَحَدُ أَصْحَابِ الْحَقِّ فَإِنِ اخْتَلَفُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ بِغَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ حُضُورِهِ. وَلا يَجُوزُ الِاقْتِصَاصُ مِنَ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ.

وَمَنْ قَتَلَ بِالسَّيْفِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ إِلَّا بِالسَّيْفِ وَإِنْ حَرَقَهُ أَوْ غَرَّقَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ أَوْ ضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ أَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ فَلِلْوَلِىِّ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ غَرَّقَ أَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ».

وَإِذَا اقْتُصَّ مِنَ الْجَانِى فَمَاتَ هُدِرَ دَمُهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِى مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالا «مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَلا دِيَةَ لَهُ، الْحَقُّ قَتْلُهُ».

وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَجَبَتْ دِيَةُ الْمَقْتُولِ فِى مَالِ الْقَاتِلِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وَإِذَا قَتَلَ غَيْرَهُ عَمْدًا وَهُمَا مُتَكَافِئَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَحْدَهُ وَأَمَّا الدِّيَةُ فَتَجِبُ بِالْعَفْوِ بَدَلًا عَنْهُ. وَإِنْ قَالَ الْوَلِىُّ عَفَوْتُ عَنِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ سَقَطَا جَمِيعًا.

وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ لِجَمَاعَةٍ فَعَفَا بَعْضُهُمْ عَنِ الْقَوَدِ سَقَطَ الْقَوَدُ عَنِ الْقَاتِلِ.

وَإِذَا دَفَعَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ إِلَى سَابِحٍ لِيُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ فَغَرِقَ الصَّبِىُّ فَعَلَى عَاقِلَةِ السَّابِحِ دِيَتُهُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِى مَالِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهُ لِلتَّعْلِيمِ فَإِذَا تَلِفَ فِى طَرِيقِ التَّعْلِيمِ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَالْمُعَلِّمِ إِذَا ضَرَبَ صَبِيًّا فَمَاتَ، وَلِأَنَّ هَذَا فِى الْغَالِبِ لَمْ يَغْرَقْ إِلَّا بِتَفْرِيطٍ مِنَ السَّابِحِ فَيَكُونُ عَمْدَ خَطَإٍ.

وَإِنْ أَسْلَمَ الْبَالِغُ نَفْسَهُ إِلَى السَّابِحِ لِيُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ فَغَرِقَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ فِى يَدِ نَفْسِهِ وَلا يُنْسَبُ التَّفْرِيطُ فِى هَلاكِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَلا يَجِبُ ضَمَانُهُ.

وَإِذَا وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا فِى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَعَثَرَ بِهَا إِنْسَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَمَاتَ مِنْهَا وَجَبَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ وَاضِعِ الْحَجَرِ وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِى مَالِهِ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ تَعَدَّى فِيهِ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، وَهَكَذَا إِنْ نَصَبَ هُنَاكَ سِكِّينًا فَعَثَرَ رَجُلٌ وَوَقَعَ عَلَيْهَا فَمَاتَ مِنْهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِى الْحَجَرِ.

وَإِنْ وَضَعَ رَجُلٌ فِى مِلْكِ نَفْسِهِ حَجَرًا أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فَتَعَثَّرَ بِهِ إِنْسَانٌ وَمَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ أَوِ السِّكِّينِ وَلا عَلَى عَاقِلَتِهِ ضَمَانٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِوَضْعِ الْحَجَرِ أَوِ السِّكِّينِ، وَإِنْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ وَمَاتَ فَإِنْ حَفَرَهَا فِى مِلْكِهِ فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَدَخَلَ رَجُلٌ مِلْكَهُ فَوَقَعَ فِيهَا فَمَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَافِرِ ضَمَانُهُ سَوَاءٌ دَخَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ بِأَنْ غَطَّى رَأْسَهَا فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ فَمَاتَ فَإِنْ دَخَلَ إِلَى مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالدُّخُولِ،

وَهَكَذَا لَوْ كَانَ فِى دَارِهِ كَلْبٌ عَقُورٌ فَدَخَلَ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَعَقَرَهُ الْكَلْبُ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنِ اسْتَدْعَاهُ لِلدُّخُولِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِالْبِئْرِ وَالْكَلْبِ فَوَقَعَ فِيهَا أَوْ عَقَرَهُ الْكَلْبُ فَمَاتَ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَدَّمَ إِلَى غَيْرِهِ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَلَهُ.

وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَسَقَطَ سَقْفُهُ فَأَعَادَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِآلَتِهِ أَوْ بِغَيْرِ ءَالَتِهِ وَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَإِنْ طَرَحَ عَلَى بَابِ دَارِهِ قُشُورَ الْبِطِّيخِ أَوِ الْبَاقِلَّاءِ الرَّطْبِ أَوِ الْمَوْزِ أَوْ رَشَّهُ بِالْمَاءِ فَزَلَقَ بِهِ إِنْسَانٌ فَمَاتَ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِى مَالِهِ.

وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً فَبَالَتْ فِى الطَّرِيقِ أَوْ رَاثَتْ فَزَلَقَ بِهِ إِنْسَانٌ فَمَاتَ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَتْ إِنْسَانًا بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ نَابِهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا فَإِذَا تَلِفَ شَىْءٌ بِفِعْلِهَا أَوْ بِسَبَبِ فِعْلِهَا كَانَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِسَبَبِ فِعْلِهِ.

وَإِنْ تَرَكَ عَلَى حَائِطِهِ جَرَّةً فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ فَمَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِوَضْعِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَوَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ.

وَإِذَا صَدَمَ شَخْصٌ ءَاخَرَ وَهُوَ وَاقِفٌ قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا فَصَدَمَهُ الآخَرُ فَمَاتَا فَدِيَةُ الصَّادِمِ هَدَرٌ وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّادِمِ»، وَإِنْ خَرَقَ رَجُلٌ السَّفِينَةَ فَغَرِقَ مَا فِيهَا فَإِنْ كَانَ مَالًا لَزِمَهُ ضَمَانُهُ سَوَاءٌ خَرَقَهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً لِأَنَّ الْمَالَ يُضْمَنُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَإِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحْرَارٌ فَغَرِقُوا وَمَاتُوا فَإِنْ كَانَ عَامِدًا مِثْلَ أَنْ يَقْلَعَ مِنْهَا لَوْحًا يَغْرَقُ مِثْلُهَا مِنْ قَلْعِهِ فِى الْغَالِبِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ بِهِمْ فَيُقْتَلُ بِأَحَدِهِمْ وَتَجِبُ لِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ فِى مَالِهِ. وَإِنْ قَتَلَ الصَّبِىّ أَوِ الْمَجْنُون عَمْدًا فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ عَمْدَهُمَا عَمْدٌ وَجَبَ بِقَتْلِهِمَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ [أَىْ فِي مَالِهِمَا] وَإِنْ قُلْنَا عَمْدُهُمَا خَطَأٌ وَجَبَ بِقَتْلِهِمَا دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَلا أُكَلِّفُ أَحَدًا مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرَ إِبِلِهِ وَلا نَقْبَلُ مِنْهُ دُونَهَا» اهـ. لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الدِّيَةَ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ فَكَانَ الْوَاجِبُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِى يَمْلِكُونَهُ.

فَإِنْ أَرَادَتِ الْعَاقِلَةُ أَنْ تَدْفَعَ عِوَضًا عَنِ الإِبِلِ مَعَ وُجُودِهَا لَمْ يُجْبَرِ الْوَلِىُّ عَلَى قَبُولِهَا.

وَإِنْ أُعْوَزَتِ الإِبِلُ فَلَمْ تُوجَدْ فِى تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَوْ وُجِدَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَفِيهِ قَوْلانِ أَحَدُهُمَا قَالَ فِى الْقَدِيمِ «يَعْدِلُ إِلَى بَدَلٍ مُقَدَّرٍ فَتَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقَالٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ» وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِى قَوْلُهُ فِى الْجَدِيدِ «تَجِبُ قِيمَةُ الإِبِلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ».

وَإِذَا ضَرَبَ ضَارِبٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا حُرًّا فَفِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ.

وَالْجَنِينُ الَّذِى تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ هُوَ أَنْ تُسْقِطَ جَنِينًا بَانَ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ صُورَةِ الآدَمِىِّ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَلِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْغُرَّةُ أَنْ لا يَقْبَلَهَا دُونَ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ لِأَنَّهَا لا تَسْتَغْنِى بِنَفْسِهَا» اهـ.

قَالَ الْقَاضِى أَبُو الطَّيِّبِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا غُرَّةً هَرِمَةً وَلا ضَعِيفَةً عَنْ هَذَا الْعَمَلِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُرَادُ لَهُ الرَّقِيقُ لِلْعَمَلِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهَا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْغُرَّةُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا إِذَا كَانَتْ مَعِيبَةً قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَقِيمَتُهَا إِذَا كَانَ الْجَنِينُ حُرًّا نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَيَغْرَمُهَا مَنْ يَغْرَمُ دِيَةَ الْخَطَإِ» اهـ.

وَيَجِبُ فِى الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً فَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَةً أَوْ مُوضِحَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَجَبَتْ لِكُلِّ مُوضحَةٍ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَيَجِبُ فِى الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَيَجِبُ فِى الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ. وَيَجِبُ فِى الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.

وَأَمَّا الْجِرَاحَاتُ فِى غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَضَرْبَانِ جَائِفَةٌ وَغَيْرُ جَائِفَةٍ فَأَمَّا غَيْرُ الْجَائِفَةِ وَهِىَ الْمُوضِحَةُ وَالْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنَ الْجِرَاحَاتِ فَلا يَجِبُ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ [أَىْ يُقَدَّرُ فِيمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا كَمْ تَكُونُ قِيمَتُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَكَمْ تَصِيرُ بَعْدَهَا فَيُعْطَى مَا يُقَابِلُ مِقْدَارَ النُّقْصَانِ مِنَ الدِّيَةِ].

وَأَمَّا الْجَائِفَةُ فَهِىَ الْجِرَاحَةُ الَّتِى تَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ مِنَ الْبَطْنِ أَوِ الصَّدْرِ أَوْ ثُغْرَةِ النَّحْرِ أَوِ الْوَرِكِ فَيَجِبُ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.

وَأَمَّا الأَعْضَاءُ فَيَجِبُ فِى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ لِمَا رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «وَفِى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» [أَخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ].

وَيَجِبُ فِى إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ أَوْ رَأْسِهِ فَذَهَبَ ضَوْءُ بَصَرِهِ وَالْحَدَقَةُ بَاقِيَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ. وَإِنْ أَذْهَبَ الْبَصَرَ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ أَشَلَّ إِحْدَى يَدَيْهِ.

وَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَنَقَصَ ضَوْؤُهُمَا نَظَرْتَ فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ نَقَصَ نِصْفُ ضَوْئِهِمَا بِأَنْ كَانَ يَرَى الشَّخْصَ مِنْ مَسَافَةٍ فَصَارَ لا يَرَاهُ إِلَّا مِنْ نِصْفِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ قَدْرُ النُّقْصَانِ وَإِنَّمَا سَاءَ إِدْرَاكُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ نَقَصَ بَصَرُهُ فِى إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ تِلْكَ الْعَيْنِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ ضَوْئِهَا.

وَإِنْ قَطَعَ أَجْفَانَ عَيْنَىْ رَجُلٍ الأَرْبَعَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهَا وَجَبَ فِيهَا مِنَ الدِّيَةِ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ قَطَعَ أَهْدَابَ الْعَيْنَيْنِ [الْهُدْبُ الشَّعَرُ الَّذِى فِى طَرَفِ الْجَفْنِ] وَلَمْ تَعُدْ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ.

وَتَجِبُ فِى الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِى إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الأُذُنِ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْهَا. وَإِنْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ فَاسْتَحْشَفَتْ أَىْ يَبِسَتْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ.

وَيَجِبُ فِى السَّمْعِ الدِّيَةُ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «وَفِى السَّمْعِ دِيَةٌ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ [فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى]. فَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ مِنْ إِحْدَى الأُذُنَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَتَجِبُ فِى الأَنْفِ الدِّيَةُ لِمَا رَوَى عَمْرُ بنُ حَزْمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «وَفِى الأَنْفِ إِذَا أُوعِىَ مَارِنُهُ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ» وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ أُوعِىَ أَىِ اسْتُوعِبَ وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ وَالْجَمَالَ فِيهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ.

وَيَجِبُ فِى الشَّمِّ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ فَأَشْبَهَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ. وَإِنْ أَذْهَبَ الشَّمَّ مِنْ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَإِنْ قَطَعَ أَنْفًا أَخْشَمَ أَىْ ذَهَبَتْ مِنْهُ حَاسَّةُ الشَّمِّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ.

وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، فَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ عَقْلِهِ وَعُرِفَ قَدْرُ الذَّاهِبِ بِأَنْ صَارَ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا وَجَبَ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَتَجِبُ فِى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ لِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً أَمَّا الْجَمَالُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ فَلِأَنَّهُمَا يُقَوِّمَانِ الْكَلامَ وَيُمْسِكَانِ الطَّعَامَ وَالرِّيقَ. قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَحَدُّ الشَّفَةِ مَا زَادَ عَنْ جِلْدِ الذَّقَنِ وَالْخَدَّيْنِ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ» وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَا غَلِيظَتَيْنِ أَوْ دَقِيقَتَيْنِ أَوْ نَاتِئَتَيْنِ أَوْ صَغِيرَتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَفِى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ» وَلَمْ يُفَرِّقْ فَإِنْ قَطَعَ إِحْدَاهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الشَّفَةِ وَجَبَ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَشَلَّتَا بِأَنْ صَارَتَا مُسْتَرْخِيَتَيْنِ لا تَنْقَبِضَانِ أَوْ تَقَلَّصَتَا بِحَيْثُ لا تَنْبَسِطَانِ وَلا تَنْطَبِقُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِيهِمَا كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى يَدَيْهِ فَشَلَّتَا.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَإِنْ جَنَى عَلَى شَفَتِهِ حَتَّى صَارَتْ بِحَيْثُ إِذَا مَدَّهَا امْتَدَّتْ وَإِذَا تَرَكَهَا تَقَلَّصَتْ فَفِيهَا حُكُومَةٌ لِأَنَّهَا إِذَا انْبَسَطَتْ وَامْتَدَّتْ إِذَا مُدَّتْ فَلا شَلَلَ فِيهَا بَلْ فِيهَا رُوحٌ فَلَمْ تَصِرْ شَلَّاءَ وَإِنَّمَا فِيهَا نَقْصٌ فَوَجَبَتْ فِيهَا الْحُكُومَةُ» اهـ.

وَتَجِبُ فِى اللِّسَانِ الدِّيَةُ فَإِنْ لَمْ يَقْطَعِ اللِّسَانَ وَلَكِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَخَرِسَ وَذَهَبَ كَلامُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنْفَعَةَ اللِّسَانِ. فَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَلامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ كَلامِهِ.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَفِى لِسَانِ الأَخْرَسِ حُكُومَةٌ» اهـ لِأَنَّ لِسَانَ الأَخْرَسِ قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ.

وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَوَاسِّ الَّتِى تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ فَهُوَ كَحَاسَّةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ.

وَيَجِبُ فِى السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ وَلا فَرْقَ بَيْنَ الثَّنَايَا وَالأَضْرَاسِ وَالرَّبَاعِيَّاتِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «فِى كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَالسِّنُّ الَّذِى يَجِبُ فِيهِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ هُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّثَةِ وَهُوَ اللَّحْمُ الَّذِى يَنْبُتُ فِيهِ السِّنُّ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ وَالْجَمَالَ فِى ذَلِكَ.

وَإِنْ كَسَرَ بَعْضَ سِنِّهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا كَسَرَ مِنْهَا.

وَإِنْ قَلَعَ رَجُلٌ جَمِيعَ أَسْنَانِ رَجُلٍ فَإِنْ قَلَعَهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ بَعِيرًا لِأَنَّ الأَسْنَانَ اثْنَانِ وَثَلاثُونَ سِنًّا.

وَيَجِبُ فِى اللَّحْيَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الأَسْنَانُ الدِّيَةُ لِأَنَّ فِيهِمَا مَنْفَعَةً وَجَمَالًا وَفِى أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَفِى الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِى إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَالْيَدُ الَّتِى تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ هِىَ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ فَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ بَعْضِ السَّاعِدِ أَوْ مِنَ الْمِرْفَقِ أَوْ مِنَ الْمَنْكِبِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِى الْكَفِّ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ.

وَإِنْ جَنَى عَلَى الْكَفِّ فَشَلَّتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا لِأَنَّهُ قَدْ أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ قَطَعَهَا.

وَيَجِبُ فِى كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ وَلا يُفَضَّلُ إِصْبَعٌ عَلَى إِصْبَعٍ.

وَيَجِبُ فِى كُلِّ أَنْمُلَةٍ مِنَ الأَصَابِعِ ثُلُثُ دِيَةِ الإِصْبَعِ إِلَّا الإِبْهَامَ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِى كُلِّ أَنْمُلَةٍ مِنْهَا نِصْفُ دِيَةِ الإِصْبَعِ وَإِنْ جَنَى عَلَى إِصْبَعٍ فَشَلَّتْ أَوْ عَلَى أَنْمُلَةٍ فَشَلَّتْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِيَتُهَا لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا كَمَا لَوْ قَطَعَهَا.

وَتَجِبُ فِى الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِى إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَالرِّجْلُ الَّتِى تَجِبُ بِقَطْعِهَا الدِّيَةُ هِىَ الْقَدَمُ فَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ نِصْفِ السَّاقِ أَوْ مِنَ الرُّكْبَةِ أَوْ مِنَ الْوَرِكِ وَجَبَ الدِّيَةُ فِى الْقَدَمِ وَالْحُكُومَةُ فِيمَا زَادَ. وَيَجِبُ فِى كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْهَا وَفِى كُلِّ أَنْمُلَةٍ مِنْهَا مَا يَجِبُ فِى أَصَابِعِ الْيَدِ وَأَنَامِلِهَا.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَفِى يَدِ الأَعْسَمِ وَرِجْلِ الأَعْرَجِ إِذَا كَانَتَا سَالِمَتَيْنِ الدِّيَةُ» وَالْعَسَمُ هُوَ يُبْسُ مَفْصِلِ الرُّسْغِ حَتَّى تَعْوَجَّ الْكَفُّ وَالْقَدَمُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الأَعْسَمُ هُوَ الَّذِى يَكُونُ بَطْشُهُ بِيَسَارِهِ أَكْثَرَ. وَلا تُفَضَّلُ يَمِينٌ عَلَى يَسَارٍ فِى الدِّيَةِ.

فَإِنْ كَسَرَ يَدَهُ فَجُبِرَتْ فَانْجَبَرَتْ فَإِنْ عَادَتْ مُسْتَقِيمَةً مِنْ غَيْرِ شَيْنٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَىْءٌ وَإِنْ عَادَتْ مُسْتَقِيمَةً مَعَ شَيْنٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِلشَّيْنِ وَإِنْ عَادَتْ غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ عَادَتْ مُسْتَقِيمَةً لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بِهَا نَقْصًا.

وَتَجِبُ فِى الأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ لِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً وَيَجِبُ فِى إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ إِحْدَاهُمَا وَعُرِفَ قَدْرُ الْمَقْطُوعِ وَجَبَ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَوْ جَرَحَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ لِأَنَّ الْجُرْحَ إِذَا انْدَمَلَ وَجَبَتْ فِيهِ الْحُكُومَةُ دُونَ الدِّيَةِ.

وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَأَذْهَبَ مَشْيَهُ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ.

وَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الْمَشْىُ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ فِى مَشْيِهِ إِلَى عُكَّازٍ وَجَبَ فِيهِ حُكُومَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى عُكَّازٍ وَلَكِنَّهُ يَمْشِى مَشْيًا ضَعِيفًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ أَقَلُّ مِنَ الْحُكُومَةِ الأُولَى وَإِنْ عَادَ مَشْيُهُ كَمَا كَانَ إِلَّا أَنَّ ظَهْرَهُ احْدَبَّ لَزِمَتْهُ حُكُومَةٌ لِلشَّيْنِ الْحَاصِلِ بِذَلِكَ.

وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ جِمَاعُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَاؤُهُ وَبَعُدَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ جَنَى عَلَى عُنُقِهِ فَأَصَابَهُ صَعَرٌ وَهُوَ الْتِوَاءٌ لا يُمَكِّنُهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ لَزِمَتْهُ الْحُكُومَةُ.

وَفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ وَسَوَاءٌ قَطَعَ ذَكَرَ صَبِىٍّ أَوْ شَيْخٍ أَوْ شَابٍّ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَصَارَ أَشَلَّ إِمَّا مُنْبَسِطًا لا يَنْقَبِضُ أَوْ مُنْقَبِضًا لا يَنْبَسِطُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ. وَالذَّكَرُ الَّذِى تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ هُوَ الْحَشَفَةُ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الذَّكَرِ تَذْهَبُ بِذَهَابِهَا.

وَيَجِبُ فِى الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَيَجِبُ فِى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَيَيْنِ مَعًا أَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ ثُمَّ الأُنْثَيَيْنِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتَانِ بِلا خِلافٍ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ دِيَةَ نَفْسِ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ وَأَمَّا مَا دُونَ النَّفْسِ فَذَهَبَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّ أَرْشَهَا نِصْفُ أَرْشِ الرَّجُلِ فِى جَمِيعِ الْجِرَاحَاتِ وَالأَعْضَاءِ وَبِهِ قَالَ عَلِىُّ بنُ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.

وَتَجِبُ فِى ثَدْيَىِ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ لِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً، وَيَجِبُ فِى أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَالثَّدْيَانِ اللَّذَانِ تَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ هُمَا الْحَلَمَتَانِ وَهُمَا رَأْسُ الثَّدْىِ اللَّتَانِ يَلْتَقِطُهُمَا الصَّبِىُّ لِأَنَّ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ تُوجَدُ فِيهِمَا.

قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «وَإِنْ قَطَعَ ثَدْيَهَا فَأَجَافَهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلثَّدْىِ وَثُلُثُ دِيَةٍ لِلْجَائِفَةِ، وَإِنْ قَطَعَ ثَدْيَيْهَا وَأَجَافَهُمَا فَعَلَيْهِ فِى الثَّدْيَيْنِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِى الْجَائِفَتَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ إِذَا انْفَرَدَ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَتُهُ كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَذَهَبَ سَمْعُهُ» اهـ.

وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَشَلَّا وَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ وَإِنْ لَمْ يُشَلَّا وَلَكِنِ اسْتَرْخَيَا وَكَانَا نَاهِدَيْنِ أَىْ مُرْتَفِعَيْنِ وَجَبَتْ فِيهِمَا الْحُكُومَةُ لِأَنَّهُ نَقَصَ جَمَالُهُمَا. وَإِنْ كَانَ لَهُمَا لَبَنٌ فَجَنَى عَلَيْهِمَا فَانْقَطَعَ لَبَنُهُمَا أَوْ نَقَصَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ لِأَنَّهُ نَقَّصَ مَنْفَعَتَهُمَا.

وَإِنْ قَطَعَ حَلَمَتَىِ الرَّجُلِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى مَوْضِعٍ «فِيهِمَا الْحُكُومَةُ».