الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْفَرْجِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِتْيَانَ الْبَهِيمَةِ وَلَوْ مِلْكَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُون] فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ تَحْرِيمُ ذَلِكَ وَفِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [فِى سُنَنِهِ]. وَفِى حُكْمِهِ تَحْرِيمُ سِحَاقِ النِّسَاءِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ.

وَمِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ أَيْضًا الِاسْتِمْنَاءُ وَهُوَ طَلَبُ خُرُوجِ الْمَنِىِّ بِنَحْوِ يَدِهِ وَهَذِهِ الآيَةُ كَافِيَةٌ لِتَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ الْمَذْكُورِ فَلا حَاجَةَ إِلَى مَا يُرْوَى فِى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ كَلامِهِ وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّ الْمُسْتَمْنِىَ بِيَدِهِ يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِىَ حُبْلَى [أَوْرَدَهُ الْبَغَوِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ وَلَمْ يُسْنِدْهُ]. وَنَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ لِمَنْ خَافَ الزِّنَى، وَأَمَّا مَنْ سِوَى الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ لَكِنْ قَالَ فِى رُوحِ الْبَيَانِ [لِلأَلُوسِىِّ الْحَنَفِىِّ] «نُقِلَ عَنْ أَبِى حَنِيفَةَ جَوَازُهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ»،

وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الِاسْتِمْنَاءَ يَجُوزُ أَيْضًا لِمَنْ خَافَ ضَرَرًا عَلَى جِسْمِهِ مِنِ احْتِبَاسِ الْمَنِىِّ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ فِى كُتُبِهِمْ لَكِنَّهُمْ لا يُخَالِفُونَ الْحَنَابِلَةَ فِى ذَلِكَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْوَطْءُ فِى الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ أَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا وَقَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ الْغُسْلِ بِلا نِيَّةٍ مِنَ الْمُغْتَسِلَةِ أَوْ مَعَ فَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْفَرْجِ الَّتِى مِنَ الْكَبَائِرِ الْوَطْءَ أَىِ الْجِمَاعَ فِى الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَائِلٍ أَوْ بِدُونِ حَائِلٍ [وَيُقَالُ لَهُ وِقَاعٌ أَيْضًا وَيُقَالُ بَاضَعَهَا وَمَعْنَاهُ جَامَعَهَا، يُقَالُ فِى اللُّغَةِ وَطِئَ زَيْدٌ امْرَأَتَهُ يَطَؤُهَا وَطْأً] وَكَذَلِكَ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ بَعْدَ الْغُسْلِ الَّذِى لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةٌ كَأَنْ لَمْ تَنْوِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا نَوَتِ التَّنَظُّفَ.

وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْغُسْلِ بِنِيَّةٍ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْغُسْلِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ التَّيَمُّمُ بِشَرْطِهِ. قَالَ الْفُقَهَاءُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ وَطْءِ الْمَرْأَةِ فِى حَالِ الْحَيْضِ أَىْ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ حُرْمَةِ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ أَوِ التَّيَمُّمِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ [وَذَلِكَ بِشَرْطِهِ] قَبْلَ ذَلِكَ أَىْ قَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَغَسْلِ فَرْجِهَا.

وَبَدَنُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ وَكَذَلِكَ عَرَقُهَا وَدَمْعُهَا وَرِيقُهَا فَلا تُكْرَهُ مُخَالَطَةُ الْحَائِضِ فَمَنْ قَالَ بِذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ الْيَهُودَ فِى عَقِيدَتِهِمْ لِأَنَّهُ صَحَّ فِى الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْءَانَ وَرَأْسُهُ فِى حِجْرِ عَائِشَةَ وَهِىَ حَائِضٌ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَصَحَّ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُسَرِّحُ لَهُ شَعَرَهُ وَهِىَ حَائِضٌ وَالرَّسُولُ مُعْتَكِفٌ فِى الْمَسْجِدِ يُدْنِى لَهَا رَأْسَهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] أَىْ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَارِقَ الْمَسْجِدَ وَهِىَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْتَ عَائِشَةَ مُلاصِقٌ الْمَسْجِدَ لا يَحْجُزُ بَيْنَهُمَا إِلَّا جِدَارٌ خَفِيفٌ.

أَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِغَيْرِ الْوَطْءِ فَهُوَ جَائِزٌ إِنْ كَانَ فِيمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَيَحْرُمُ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ إِنْ كَانَ بِلا حَائِلٍ، وَفِى الْمَذْهَبِ أَىِ الشَّافِعِىِّ قَوْلٌ بِجَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَائِضِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ أَىْ بِغَيْرِ إِدْخَالِ الْحَشَفَةِ فِى الْفَرْجِ مُطْلَقًا أَىْ إِنْ كَانَ بِحَائِلٍ أَوْ بِلا حَائِلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ «اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ».

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّكَشُّفُ عِنْدَ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إِلَيْهِ أَوْ فِى الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْفَرْجِ كَشْفَ الْعَوْرَةِ عِنْدَ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إِلَيْهَا وَكَذَا فِى الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ.

قَالَ الْفُقَهَاءُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُغَطِّىَ شَعَرَهَا أَمَامَ الْمُرَاهِقِ، أَمَّا الصَّبِىُّ غَيْرُ الْمُرَاهِقِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُغَطِىَ شَعَرَهَا وَيَدَيْهَا وَسَاقَيْهَا فِى حَضْرَتِهِ.

وَأَمَّا الصَّبِيَّةُ الْمُمَيِّزَةُ فَيَأْمُرُهَا وَلِيُّهَا بِسَتْرِ فَخِذِهَا مِنْ بَابِ التَّأْدِيبِ وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَوْ تَرَكَهَا كَاشِفَةَ الْفَخِذِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ لَكِنْ تُمْنَعُ مِنْ كَشْفِ فَرْجِهَا أَمَّا الْمُرَاهِقَةُ فَيَجِبُ أَمْرُهَا بِالسَّتْرِ.

وَعُلِمَ مِمَّا مَضَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّكَشُّفُ أَىْ كَشْفُ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِى الْخَلْوَةِ لِغَرَضٍ كَالتَّبَرُّدِ وَنَحْوِهِ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ كَشْفَ الْعَوْرَةِ فِى الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ.

وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى فَخِذِ الصَّبِيَّةِ الَّتِى بَلَغَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَقَدْ أَجَازَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ. وَلَيْسَ لِلأُمِّ أَنْ تَكْشِفَ فَخِذَهَا أَمَامَ وَلَدِهَا الْمُمَيِّزِ. أَمَّا ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ فَلا عَوْرَةَ لَهُ وَيَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ أَمَامَهُ. قَبْلَ التَّمْيِيزِ يَجُوزُ التَّكَشُّفُ أَمَامَ هَذَا الْوَلَدِ لِلأَبِ وَالأُمِّ قَبْلَ التَّمْيِيزِ حُضُورُهُ كَغَيْبَتِهِ.

تَنْبِيهٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَعْضِ مَا مَرَّ وَزِيَادَةٍ لا يَجُوزُ إِنْكَارُ كَشْفِ الرَّجُلِ مَا سِوَى السَّوْأَتَيْنِ إِنْ كَانَ لا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلَيْسَ مَا سِوَى السَّوْأَتَيْنِ كَالْفَخِذِ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّكَرِ بَلْ ذَلِكَ مَذْهَبُ الإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ التَّابِعِىِّ الْجَلِيلِ عَطَاءِ بنِ أَبِى رَبَاحٍ الَّذِى قَالَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَثَبَتَ أَنَّهُ أَحَدُ قَوْلَىْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.

فَائِدَةٌ [تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِى كِتَابِ الصَّلاةِ وَأُعِيدَ ذِكْرُهَا هُنَا لِمُنَاسَبَةِ الْفَائِدَةِ] ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ مَيَّارَةَ الْمَالِكِىُّ فِى الدُّرِّ الثَّمِينِ مَا نَصُّهُ «وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَيَجْلِسُ بِمَعْزَلٍ عَنِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْرِفُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ فِى الْحَمَّامِ مَنْ هُوَ كَاشِفٌ لِعَوْرَتِهِ، هَلْ يَجُوزُ حُضُورُهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ أَمْ لا فَأَجَابَ يَجُوزُ لَهُ حُضُورُ الْحَمَّامِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِنْكَارِ أَنْكَرَ وَيَكُونُ مَأْجُورًا عَلَى إِنْكَارِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِنْكَارِ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَيَكُونُ مَأْجُورًا عَلَى كَرَاهَتِهِ،

وَيَحْفَظُ بَصَرَهُ عَنِ الْعَوْرَاتِ مَا اسْتَطَاعَ، وَلا يَلْزَمُ الإِنْكَارُ إِلَّا فِى السَّوْأَتَيْنِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِى قَدْرِ الْعَوْرَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لا عَوْرَةَ [أَىْ لِلرَّجُلِ] إِلَّا السَّوْأَتَانِ. فَلا يَجُوزُ الإِنْكَارُ عَلَى مَنْ قَلَّدَ بَعْضَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ [أَىِ الْمُجْتَهِدِينَ] إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِهِ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يُقَلِّدُونَ الْعُلَمَاءَ فِى مَسَائِلِ الْخِلافِ وَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ» اهـ.

فَمَنْ رَأَى رَجُلًا كَاشِفًا فَخِذَهُ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِ إِنْكَارَ تَعْنِيفٍ وَإِزْعَاجٍ أَىْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِىُّ فِى عَامِلٍ يَكْشِفُ فَخِذَهُ فِى حَالِ عَمَلِهِ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ قَالَ «لِأَنَّ الْفَخِذَ يَجُوزُ كَشْفُهُ فِى أَحَدِ قَوْلَىْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ» اهـ، وَإِنَّمَا الْجَائِزُ فِيمَنْ يُرَى وَهُوَ كَاشِفٌ فَخِذَهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ لَوْ سَتَرْتَ مَا بَيْنَ سُرَّتِكَ وَرُكْبَتِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَمَّا تَهْدِيدُهُ وَتَعْيِيرُهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارُهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَالْحَائِلُ مَا يَكُونُ أَمَامَهُ مِنْ شَىْءٍ مُرْتَفِعٍ قَدْرَ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ، أَوْ كَانَ وُجِدَ الْحَائِلُ وَلَكِنْ بَعُدَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ إِلَّا فِى الْمُعَدِّ لِذَلِكَ أَىْ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَكَانُ مُهَيَّأً لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَالْمِرْحَاضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا فِيهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارَهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَيَحْرُمُ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِلْقِبْلَةِ فِى كُلٍّ مِنْ حَالَىِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَمَامَهُ شَىْءٌ مُرْتَفِعٌ قَدْرَ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا الْحَائِلُ رِدَاءً أَرْخَاهُ وَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَفِعِ قَدْرُ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ، وَيَكْفِى أَنْ يَكُونَ عَرْضُهُ نَحْوَ نِصْفِ ذِرَاعٍ وَلا يَكْفِى نَصْبُ نَحْوِ عَصًا، هَذَا فِى الْفَلاةِ وَنَحْوِهَا أَمَّا فِى الأَمَاكِنِ الْمُعَدَّةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ الْبَوْلِ أَوِ الْغَائِطِ لَيْسَ حَرَامًا.

وَالأَصْلُ فِى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».

فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا لِهَؤُلاءِ الْجَاهِلِينَ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ مَدَّ الرِّجْلِ إِلَى الْقِبْلَةِ فِى حَالِ الْجُلُوسِ وَنَحْوِهِ.

فَائِدَةٌ مِنْ مَزِيَّةِ الرِّدَاءِ أَنَّهُ يَكُونُ سَاتِرًا فِى هَذِهِ الْحَالِ أَمَّا مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ وَلا قَمِيصٌ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ إِزَارٌ طَوِيلٌ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ الْقَدِيمَةَ مِنْ لُبْسِ الإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالْقَمِيصِ أَفْضَلُ مِنْ زِىِّ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ فَإِنَّ هَذَا الْبَنْطَلُونَ وَالْجَاكِيت لا يُفِيدُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ الزِّىُّ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّغَوُّطُ عَلَى الْقَبْرِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِى التَّغَوُّطَ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ وَتَخْلُصَ إِلَى جَلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] وَالْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ الْمَنْهِىِّ عَنْهُ الْجُلُوسُ لِلْبَوْلِ أَوِ الْغَائِطِ فَلا يَحْرُمُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ لِغَيْرِ ذَلِكَ [إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَلامٌ مُعَظَّمٌ] وَإِنْ حَرَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.

فَائِدَةٌ لا كَرَاهَةَ فِى الْمَشْىِ بِالنَّعْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فِى الْمَقَابِرِ وَالأَمْرُ الْوَارِدُ مِنَ الرَّسُولُ ﷺ لِمَنْ رَءَاهُ يَمْشِى فِى الْمَقْبَرَةِ بِسِبْتِيَّتَيْهِ [نَوْعٌ مِنَ النَّعْلِ] فَهُوَ مُؤَوَّلٌ وَلَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْبَوْلُ فِى الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِى إِنَاءٍ وَعَلَى الْمُعَظَّمِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ الْبَوْلَ فِى الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ فِى إِنَاءٍ، وَكَذَلِكَ الْبَوْلُ عَلَى مُعَظَّمٍ أَىْ مَا يُعَظَّمُ شَرْعًا، بِخِلافِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ فِى الْمَسْجِدِ فِى الإِنَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَوْلَ أَفْحَشُ لِأَنَّهُ لا يُعْفَى عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ.

فَائِدَةٌ تَرْكُ الِاسْتِبْرَاءِ [أَىِ التَّحَفُّظِ] مِنَ الْبَوْلِ مِمَّا ابْتُلِىَ بِهِ النَّاسُ فِى هَذَا الْعَصْرِ وَلا سِيَّمَا فِى الشَّبَابِ فِى بَعْضِ الْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا يَكْفِى لِعَذَابِ الْقَبْرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذَنْبٌ غَيْرُهُ. اللَّهُ تَعَالَى يَسْتُرُ الأَكْثَرَ مِنْ عَذَابِ أَهْلِ الْقَبْرِ وَقَدْ يُطْلِعُ عَلَيْهِ بَعْضَ النَّاسِ.

وَيَحْرُمُ إِدْخَالُ الْمَسْجِدِ نَجَاسَةً لا يُؤْمَنُ مِنْ تَنْجِيسِهَا لِلْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْ بِبَدَنِهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى أَوْ بِهِ جُرْحٌ يَخَافُ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ بِهِ وَإِلَّا فَلا.

وَلا يُكْرَهُ الْمَشْىُ فِى الْمَسْجِدِ بِالنَّعَالِ الطَّاهِرَةِ لِمَا جَاءَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِيهِمَا أَىْ بِالنَّعْلَيْنِ وَالرَّسُولُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ]. قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ لا يَكْرَهُ الطَّوَافَ فِيهَا إِلَّا جَاهِلٌ اهـ، وَيَجُوزُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالنَّعْلِ الَّتِى فِى أَسْفَلِهَا نَجَاسَةٌ جَافَّةٌ لا يَتَنَاثَرُ مِنْهَا شَىْءٌ فِى الْمَسْجِدِ بِشَرْطِ أَنْ لا يَدُوسَ بِهَا مَوْضِعًا فِيهِ بَلَلٌ وَبِشَرْطِ أَنْ لا يَحْصُلَ بِذَلِكَ تَقْذِيرٌ لِلسَّجَاجِيدِ وَالْحُصُرِ وَنَحْوِهِمَا وَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ طَوَافِهِ ﷺ بِالْكَعْبَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ بَعِيرًا [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَحَدِيثِ رُخْصَتِهِ لِبَعْضِ أَزْوَاجِهِ فِى الطَّوَافِ عَلَى الْبَعِيرِ [انْظُرِ الْمَصْدَرَ السَّابِقَ] وَكِلا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَرْكُ الْخِتَانِ لِلْبَالِغِ وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْفَرْجِ تَرْكَ الْخِتَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْخِتَانُ إِنْ أَطَاقَ ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَطْعِ قُلْفَةِ الذَّكَرِ، وَيَجِبُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ بِقَطْعِ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِهِ اسْمُ الْقَطْعِ مِنَ الْقِطْعَةِ الْمُرْتَفِعَةِ كَعُرْفِ الدِّيكِ مِنَ الأُنْثَى، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ، وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِى التَّلَطُّفُ بِمَنْ يَدْخُلُ فِى الإِسْلامِ وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَتِنٍ فَلا يَنْبَغِى أَنْ يُكَلَّمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ يُخْشَى مِنْهُ النُّفُورُ مِنَ الإِسْلامِ.

وَالْخِتَانُ يُسَاعِدُ عَلَى رَفْعِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ الْجِلْدَ إِذَا كَانَ مُغَطِيًّا لِرَأْسِ الذَّكَرِ لا يَصِلُ الْمَاءُ بِسُهُولَةٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْدَةَ مُلْتَصِقَةٌ بِالْحَشَفَةِ مُغَطِيَّةٌ لَهَا. وَأَحْيَانًا يَتَلَوَّثُ هَذَا الْمَوْضِعُ بِالْبَوْلِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ مُخْتَتِنًا.