الَّذِى لا يَتَعَلَّمُ عِلْمَ الدِّينِ مَهْمَا قَرَأَ الْقُرْءَانَ يَظَلُّ فِى الْعَمَاءِ الشَّيْطَانُ يَلْعَبُ بِهِ يُوَسْوِسُ لَهُ وَسَاوِسَ، هَؤُلاءِ الدَّجَّالُونَ يُوَسْوِسُونَ لَهُ فَيَتْبَعُهُمْ فَيَهْلِكُ.
وَأَمَّا الطَّلاسِمُ الَّتِى يَرْسُمُهَا بَعْضُ الدَّجَاجِلَةِ فَهِىَ مُنْكَرٌ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الطَّلاسِمُ الَّتِى لا هِىَ خَطٌّ عَرَبِىٌّ وَلا هِىَ خَطٌّ مِنَ الْخُطُوطِ الْمَعْرُوفَةِ إِنَّمَا هِىَ فِى الْحَقِيقَةِ رُمُوزٌ لِمُلُوكِ الْجِنِّ يَرْضَوْنَ بِهَا وَيَفْرَحُونَ وَأَحْيَانًا يُسَاعِدُونَ الشَّخْصَ الَّذِى يَرْسُمُهَا لِأَنَّهُ أَرْضَاهُمْ بِمَا عَمِلَهُ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ هَيَاكِلَ عَلَّمُوهَا بَعْضَ الْبَشَرِ، وَهُمْ يَفْرَحُونَ بِالْمَعَاصِى وَالشِّرْكِ إِذَا عَمِلَهُ ابْنُ ءَادَمَ حَتَّى إِنَّهُمْ أَحْيَانًا يُصِيبُونَ الشَّخْصَ بِالضَّرَرِ وَالأَذَى ثُمَّ إِذَا إِنْسَانٌ رَقَى هَذَا الإِنْسَانَ بِمَا فِيهِ تَعْظِيمٌ لِلشَّيَاطِينِ يَكُفُّونَ عَنْهُ وَيَرْفَعُونَ أَذَاهُمْ مُكَافَأَةً لِهَذَا الشَّخْصِ،
الْجِنِّىُّ أَحْيَانًا يَنْخَسُ عَيْنَ إِنْسَانٍ فَيَتَأَلَّمُ هَذَا الإِنْسَانُ ثُمَّ إِذَا رَقَاهُ إِنْسَانٌ بِآيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَزُولُ أَذَاهُمْ عَنْهُ بِبَرَكَةِ الآيَاتِ وَأَحْيَانًا يَرْقِيهِ شَخْصٌ بِهَذَا الْكَلامِ الْفَاسِدِ بِمَا هُوَ اسْتِنْجَادٌ بِمُلُوكِ الْجِنِّ بِعُظَمَائِهِمْ فَيَرْفَعُونَ أَذَاهُمْ عَنْهُ فَيَذْهَبُ عَنْهُ ذَلِكَ الأَلَمُ الَّذِى كَانَ يَجِدُهُ وَلَهُمْ تَصَرُّفَاتٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ رُوحَ الإِنْسَانِ إِنْ كَانَ تَقِيًّا وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَجْلِبَهُ وَيُحْضِرَهُ إِلَى حَيْثُ هُوَ يُرِيدُ.
وَأَرْوَاحُ الأَتْقِيَاءِ لا يُحِبُّونَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الدُّنْيَا وَلَوْ مَلَكُوا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَوْ أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهَا وَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ الشَّهَادَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ لَكِنْ بَعْضُ الصَّالِحِينَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّجَوُّلِ فِى الأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فِى بَعْضِ الأَوْقَاتِ.
وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ تَحْتَ مَلائِكَةِ الْعَذَابِ وَلا يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الدَّجَاجِلَةُ أَنْ يَسْحَبُوا رُوحَ الْكَافِرِ مِنْ مَلائِكَةِ الْعَذَابِ. إِنَّمَا الَّذِينَ يَحْضُرُونَ إِلَى مَجْلِسِ هَؤُلاءِ هُمُ الْجِنُّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ حَالَ هَذَا الشَّخْصِ وَعَاشُوا مَعَهُ إِمَّا قَرِينُهُ أَوْ جِنِّىٌّ ءَاخَرُ يَعْرِفُ أَحْوَالَهُ يَكْذِبُ فَيَقُولُ أَنَا رُوحُ فُلانٍ.
مَرَّةً جَاءَتْ إِلَىَّ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ جَمِيلَةٌ فِى بَيْرُوتَ مَاتَ زَوْجُهَا فَقَالَتْ لِى أَنَا ذَهَبْتُ إِلَى الَّذِينَ يَقُولُونَ نَعْمَلُ اسْتِحْضَارَ الأَرْوَاحِ فَأَحْضَرَ لِى رُوحَ زَوْجِى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ يَأْتِينِى بِصُورَتِهِ إِلَى الْبَيْتِ عِنْدَمَا أَكُونُ وَحْدِى فَمَا اطْمَأْنَنْتُ لَهُ فَقُلْتُ لَهَا احْذَرِيهِ هَذَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ الزِّنَى يُوهِمُهَا أَنَّهُ زَوْجُهَا وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ قَرِينٌ أَوْ شَيْطَانٌ ءَاخَرُ يَعْرِفُ شَكْلَ زَوْجِهَا وَهَيْئَةَ لِبَاسِهِ فَجَاءَهَا بِشَكْلِهِ وَلَيْسَ فِى الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرُهَا.
وَتُوجَدُ بَعْضُ النِّسَاءِ لَهَا مُعَامَلَةٌ مَعَ الْجِنِّ الْخُبَثَاءِ تُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤَاخِىَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَجِنِيَّةٍ أَوْ جِنِّىٍّ. فِى بَيْرُوتَ فِى الأَوْزَاعِىِّ كَانَتِ امْرَأَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلاءِ ثُمَّ ابْتُلِيَتْ بَعْدَ أَنْ جَمَعَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جِنِّىٍّ فَصَارَ لَهُ صُحْبَةٌ مَعَهَا صَارَ يَأْتِيهَا لَمَّا يَغِيبُ زَوْجُهَا وَيُرِيدُ الْحَرَامَ فَقُلْتُ لَهَا هَذَا شَيْطَانٌ هَذَا خَبِيثٌ لا تُصَدِّقِيهِ فِى قَوْلِهِ إِنَّهُ يَأْتِى لِلْخَيْرِ، تَعَذَّبَتْ زَمَانًا صَارَ يُزْعِجُهَا يَأْتِى مِنْ وَقْتٍ إِلَى ءَاخَرَ.
قَلَّ أَنْ يَحْصُلَ صُحْبَةٌ بَيْنَ إِنْسِىٍّ وَجِنِّىٍّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى يُحِبُّهُ اللَّهُ. مَرَّةً فِى بَلَدِنَا شَخْصٌ أَنَا لَمْ أُدْرِكْهُ كَانَ مَعَهُ جِنٌّ صَارَ لَهُ اعْتِقَادٌ كَبِيرٌ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى إِنَّهُمْ مِنْ شِدَّةِ اعْتِقَادِهِمْ فِيهِ قَالَ لَهُمْ هَذَا الْعَامُ الْكَعْبَةُ تَأْتِى إِلَى مَدِينَتِنَا تَطُوفُونَ هُنَا فَصَدَّقُوهُ خَرَجُوا إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ يَنْتَظِرُونَ أَنْ تَأْتِىَ الْكَعْبَةُ إِلَيْهِمْ لِيَطُوفُوا بِهَا لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ الْجِنُّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ قَتَلُوهُ، وَهُوَ فِى بَيْتِ الْخَلاءِ طَعَنُوهُ طَعْنَةً فَصَرَخَ.
الْجِنُّ نَادِرٌ فِيهِمُ التَّقِىُّ أَكْثَرُهُمْ خَدَّاعُونَ. وَكَانَ رَجُلٌ فِى بَيْرُوتَ فِى عَائِشَةَ بَكَّارٍ كَانَ يَخْتَلِى فِى مَكَانٍ تَابِعٍ لِمَسْجِدٍ فِى شَعْبَانَ وَرَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَيَصُومُ هَذِهِ الأَشْهُرَ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ ثُمَّ كَتَبَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ حَاكِمُ الرُّوحَانِيِّينَ يَعْنِى حَاكِمَ الْجِنِّ ثُمَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ إِلَيْهِ يَضَعُ لَهُ أَحَدُهُمْ خَمْسَ لِيرَاتٍ فِى تِلْكَ الأَيَّامِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ عَنْ حَاجَتِهِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ فَيَقُولُ لَهُ أُرِيدُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ لِيرَةً ثُمَّ يَقُولُ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَجْلِنَا هَذَا لِلأَوْلِيَاءِ ثُمَّ إِذَا إِنْسَانٌ دَخَلَ إِلَيْهِ يُوهِمُهُ بِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ الْجِنُّ فَالَّذِى دَخَلَ إِلَيْهِ يَعْلَقُ بِهِ فَكُنْتُ أَقُولُ لِشَخْصٍ لا تَخَفْ وَلا تُبَالِ اتْرُكْهُ وَهَذَا الشَّخْصُ مَكَثَ مَعَهُ فِيمَا أَظُنُّ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَهُوَ يَخْشَى أَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُ يُؤْذَى مِنَ الْجِنِّ،
هَؤُلاءِ النَّاسُ لَهُمْ طُرُقٌ فِى التَّمْوِيهِ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ شَيْخٌ فِى الْحَبَشَةِ طَرِيقَتُهُ تِجَّانِيَّةٌ وَهَؤُلاءِ طَرِيقَتُهُمْ مُنْحَرِفَةٌ ثُمَّ هَذَا الشَّيْخُ جَمَاعَتُهُ طَلَبُوهُ مِنْ بَلَدِهِ لِيَأْتِىَ إِلَيْهِمْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ ثُمَّ لَمَّا جَاءَ إِلَيْهِمْ صَارَ عَلَيْهِ إِقْبَالٌ كَبِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَصَارَ النَّاسُ يَقْصِدُونَهُ لِأَغْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ فَذَهَبَ إِلَيْهِ شَخْصٌ سُرِقَتْ لَهُ بَقَرَةٌ فَضَرَبَ بِالْمِنْدَلِ فَقَالَ لَهُ هَذِهِ الْبَقَرَةُ ذَهَبَتْ إِلَى جِهَةِ كَذَا فَصَدَّقُوهُ وَصَارُوا يَبْحَثُونَ عَنْهَا فِى تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَلَمْ يَجِدُوهَا ثُمَّ جَاءَهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَأَنَّهَا أُكِلَتْ، وَهَذَا يَدَّعِى أَنَّهُ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ وَيَدَّعِى الْوِلايَةَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنْ أَذَى الْجِنِّ قِرَاءَةُ الْمُعَوِذَّاتِ فَإِنَّ الشَّخْصَ إِذَا لازَمَهَا صَبَاحًا وَمَسَاءً يَحْفَظُهُ اللَّهُ مِنْ أَذَى الْجِنِّ لَكِنْ بِشَرْطِ تَصِحِيحِ الْحُرُوفِ وَإِلَّا فَلا يَحْصُلُ السِّرُّ. وَمِمَّا يَنْفَعُ أَيْضًا لِلْحِفْظِ مِنْ أَذَى الْجِنِّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى قِرَاءَةِ ءَايَةِ الْكُرْسِىِّ صَبَاحًا وَمَسَاءً فَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ صَحَابِيًّا ظَهَرَ لَهُ شَيْطَانٌ فَقَالَ لَهُ مَا الَّذِى يَحْفَظُنَا مِنْكُمْ فَقَالَ لَهُ ءَايَةُ الْكُرْسِىِّ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ «لَقَدْ صَدَقَكَ الْخَبِيثُ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى الَّذِينَ يَخْشَى أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ السِّحْرَ أَنْ يَقْرَأَ ءَايَةَ الْكُرْسِىِّ وَالْمُعَوِّذَاتِ ثُمَّ إِنَّهُ يَنْبَغِى لِحُصُولِ سِرِّ التَّحَصُّنِ أَنْ تُقْرَأَ أَوْرَادُ التَّحْصِينِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ أَوْ قَبْلَهَا مِنَ الْفَجْرِ إِلَى نَحْوِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ هَذَا كُلُّهُ صَبَاحٌ وَمِنَ الْغُرُوبِ إِلَى نَحْوِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ هَذَا وَقْتُ قِرَاءَةِ أَوْرَادِ التَّحَصُّنِ.
وَقِرَاءَةُ الْمُعَوِذَّتَيْنِ فِى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى ذَلِكَ وَفِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقْرَأَ بِهِمَا فِى صَلاتِكَ فَافْعَلْ» هَكَذَا قَالَ الرَّسُولُ لِلْصَحَابِىِّ. وَمِمَّا وَرَدَ مِمَّا يَنْفَعُ لِطَرْدِ شَيَاطِينِ الْجِنِّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الصَّافَّاتِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِّنْ طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [سُورَةَ الصَّافَّات/11].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْحُكْمَ بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ الْمُسْتَمَدِّ مِنَ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَمَا دَلَّا عَلَيْهِ وَهُوَ إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ الأَرْبَعَةِ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَمُخَالَفَةُ إِجْمَاعِهِمْ مِثْلُ مُخَالَفَةِ الْقُرْءَانِ وَنَصِّ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/50] الآيَةَ، فَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ أَنَّ الْيَهُودَ حَرَّفُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَهُ فِى التَّوْرَاةِ حَيْثُ حَكَمُوا عَلَى الزَّانِى الْمُحْصَنِ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ أَىِ الدَّهْنِ بِالْفَحْمِ.
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الرَّجْمَ فِى التَّوْرَاةِ وَأَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا فِى الْقُرْءَانِ الآيَاتِ الثَّلاثَ الَّتِى فِى الْمَائِدَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَالَّتِى فِيهَا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَالَّتِى فِيهَا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وَلَيْسَ فِى الآيَةِ الأُولَى تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ
الَّذِى يَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْحَدَ حُكْمَ الشَّرْعِ فِى قَلْبِهِ وَلا بِلِسَانِهِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِهَذِهِ الأَحْكَامِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِى تَعَارَفَهَا النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِكَوْنِهَا مُوَافِقَةً لِأَهْوَاءِ النَّاسِ مُتَدَاوَلَةً بَيْنَ الدُّوَلِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّتِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلا مُعْتَقِدٍ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يَقُولُهُ إِنَّهُ حَكَمَ بِالْقَانُونِ لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ
أَىِ اعْتِبَارُهُ خَارِجًا مِنَ الإِسْلامِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِى تَفْسِيرِ ءَايَةِ ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ «لَيْسَ الَّذِى تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ الَّذِى يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ بَلْ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ» ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أَىْ ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَهَذَا الأَثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ ثَابِتٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الذَّهَبِىُّ وَهَذَا تَفْسِيرُ الْحَبْرِ تَرْجُمَانِ الْقُرْءَانِ.
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ السَّلَفِ تَفْسِيرٌ لِلآيَةِ غَيْرُ هَذَا وَتَفْسِيرٌ ءَاخَرُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الصَّحَابِىِّ الْكَبِيرِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى هَذِهِ الآيَةِ وَالآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا كُلُّهَا نَزَلَتْ فِى الْكُفَّارِ. وَهَذِهِ الآيَاتُ عَلَى حَسَبِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَكُونُ مِثْلَ الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِ إِنَّهُ كُفْرٌ أَىْ شَبِيهٌ بِالْكُفْرِ لا يَعْنِى أَنَّهُ كُفْرٌ يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ أَىْ كُفْرٌ أَصْغَرُ كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ الْكُفْرُ دَرَجَاتٌ أَىْ بَعْضُهُ يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَبَعْضُهُ لا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَهُوَ الْكَبَائِرُ الْمُوبِقَاتُ كَمَا أَنَّ الشِّرْكَ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْحَاكِمِ «كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرِّيَاءَ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَمِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لا يُكَفَّرُ مُسْلِمٌ بِذَنْبٍ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ الَّذِى يَسْتَحِلُّهُ أَىْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ يَدْخُلُهَا تَفْصِيلٌ فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَحَلَّ مَعْصِيَةً مَعْلُومًا حُكْمُهَا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالرِّشْوَةِ فَهُوَ كُفْرٌ أَىْ خُرُوجٌ مِنَ الإِسْلامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ كَذَلِكَ أَىْ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَمْ يَكْفُرْ مُسْتَحِلُّهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ رَدِّ النَّصِّ الشَّرْعِىِّ بِأَنْ عَلِمَ بِوُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِهَا فَعَانَدَ فَاسْتَحَلَّهَا لِأَنَّ رَدَّ النُّصُوصِ كُفْرٌ كَمَا قَالَهُ النَّسَفِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَالْقَاضِى عِيَاضٌ [فِى الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى] وَالنَّوَوِىُّ [فِى رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ] وَغَيْرُهُمْ.
فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَا يُوجَدُ فِى مُؤَلَّفَاتِ سَيِّد قُطُب مِنْ تَكْفِيرِ مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا بِلا تَفْصِيلٍ لا يُوَافِقُ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ الإِسْلامِيَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رَأْىِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَاعِدَتُهُمْ تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ أَنَّ صِنْفًا مِنَ الطَّائِفَةِ الَّتِى يُقَالُ لَهَا الْبَيْهَسِيَّةُ مِنَ الْخَوَارِجِ تُكَفِّرُ السُّلْطَانَ إِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ وَتُكَفِّرُ الرَّعَايَا مَنْ تَابَعَهُ وَمَنْ لَمْ يُتَابِعْهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ سَيِّد قُطُب لَيْسَ لَهُ سَلَفٌ فِى ذَلِكَ إِلَّا الْخَوَارِجُ.
فَائِدَةٌ مَنِ اسْتَحَلَّ مَعْصِيَةً عَمِلَ بِهَا لِجَهْلِهِ بِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً فِى شَرْعِ اللَّهِ لا يُكَفَّرُ بَلْ يُعَلَّمُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي شَرْعِ اللَّهِ ثُمَّ إِنْ عَادَ فَاسْتَحَلَّهَا فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِ الَّتِى قَرَّرَهَا الشَّرْعُ لا يَرِثُ وَلا يُورَثُ وَتَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالنَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ النَّدْبَ وَالنِّيَاحَةَ فَالنَّدْبُ هُوَ ذِكْرُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ كَوَاجَبَلاهُ وَوَاكَهْفَاهُ [وَاجَبَلاهُ مَعْنَاهُ أَنْتَ كُنْتَ جَبَلِى الَّذِى يَحْفَظُنِى، وَوَاكَهْفَاهُ مَعْنَاهُ أَنْتَ كُنْتَ كَهْفِى الَّذِى ءَاوِى إِلَيْهِ] وَأَمَّا النِّيَاحَةُ فَهِىَ الصِّيَاحُ عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ لِمُصِيبَةِ الْمَوْتِ فَتَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ عَنِ اخْتِيَارٍ لا عَنْ غَلَبَةٍ وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ [فِى مُسْنَدِهِ] وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» أَىِ النِّيَاحَةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِمَا نِيْحَ عَلَيْهِ» فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَوْصَى بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ أَوْ سَكَتَ عَنِ النَّهْىِ عَنْهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ أَهْلَهُ يَنُوحُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ رَجَائِهِ امْتِثَالَ نَهْيِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلُّ قَوْلٍ يَحُثُّ عَلَى مُحَرَّمٍ أَوْ يُفَتِّرُ عَنْ وَاجِبٍ وَكُلُّ كَلامٍ يَقْدَحُ فِى الدِّينِ أَوْ فِى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَوْ فِى الْعُلَمَاءِ أَوِ الْقُرْءَانِ أَوْ فِى شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.
الشَّرْحُ هَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةُ النَّفْعِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَهَا أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مُهْلِكَةٌ فَيَا فَوْزَ مَنْ عَمِلَ بِهَا بِتَجَنُّبِ مَا ذَكَرَهُ مُحَذِّرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ. فَكُلُّ كَلامٍ يُشَجِّعُ النَّاسَ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ يُثَبِّطُ هِمَمَهُمْ عَنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ كَأَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ اقْعُدْ مَعَنَا الآنَ وَلا تُصَلِّ تَقْضِيهَا فِيمَا بَعْدُ أَىْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَكُلُّ كَلامٍ يَقْدَحُ فِى الدِّينِ أَىْ يُنَقِّصُ الدِّينَ أَوْ فِى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَوْ فِى الْعُلَمَاءِ أَوِ الْقُرْءَانِ أَوْ شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالأَذَانِ وَالْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ كُفْرٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا التَّزْمِيرُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ التَّزْمِيرَ وَهُوَ النَّفْخُ بِالْمِزْمَارِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ
مِنْهَا قَصَبَةٌ ضَيِّقَةُ الرَّأْسِ مُتَّسِعَةُ الآخِرِ يُزَمَّرُ بِهَا فِى الْمَوَاكِبِ وَالْحُرُوبِ عَلَى وَجْهٍ مُطْرِبٍ.
وَمِنْهَا مَا هِىَ قَصَبَةٌ مِثْلُ الأُولَى يُجْعَلُ فِى أَسْفَلِهَا قِطْعَةُ نُحَاسٍ مُعْوَجَّةٌ يُزَمَّرُ بِهَا فِى أَعْرَاسِ الْبَوَادِى.
قَالَ الْقُرْطُبِىُّ لَمْ أَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ أَنَّهُ يُبِيحُ الْمِزْمَارَ اهـ. وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ كَسَائِرِ ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُطْرِبَةِ بِمُفْرَدِهَا كَالرَّبَابِ وَالْكَمَنْجَةِ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَلا يُلْتَفَتُ إِلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ الَّذِى قَالَ بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ السَّلَفِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الِاسْتِمَاعَ إِلَى ءَالاتِ اللَّهْوِ الْمُطْرِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الرَّسُولَ حَرَّمَهَا لَكِنْ لا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرَّسُولَ حَرَّمَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ عَنْهُ إِنَّهُ حَلالٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالسُّكُوتُ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ السُّكُوتَ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِلا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ بِأَنْ كَانَ قَادِرًا ءَامِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَنَحْوِ مَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة].
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِجَوَازِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ أَىِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى فَاعِلِهَا كَوْنَ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ فَلا يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَهُمْ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَى حُرْمَتَهُ وَكَوْنَهُ لا يُؤَدِّى إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ فَإِنْ أَدَّى الإِنْكَارُ إِلَى ذَلِكَ حَرُمَ. فَمَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ اشْتَرَكَ فِى الأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْىِ عَنْهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، أَمَّا مَا كَانَ خَفِيًّا فَلا يَتَكَلَّمُ فِيهِ إِلَّا الْعَالِمُ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَالِمِ قَدْ يُنْكِرُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى مَنْ يَرَى خِلافَ مَذْهَبِهِ أَىْ عَلَى مَنْ مَذْهَبُهُ خِلافُ مَذْهَبِ الْمُنْكِرِ فَيَكُونُ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ «لا يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَإِنَّمَا يُنْكَرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ» وَهِىَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا،
لَكِنْ لا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُرْشِدَ الشَّخْصَ إِذَا أَخَذَ بِرُخْصَةٍ فِى مَذْهَبٍ يُرَخِّصُ فِى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِى مَذْهَبِهِ مِنْ دُونِ إِنْكَارٍ إِلَى الأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فَيَقُولَ لَهُ لَوْ فَعَلْتَ كَذَا كَانَ أَحْسَنَ، كَمَا إِذَا رَأَى إِنْسَانًا يَقْتَصِرُ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَيَكْشِفُ فَخِذَهُ وَهُوَ لا يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا فَيَجُوزُ لِلَّذِى يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا فِى مَذْهَبِهِ أَنْ يَقُولَ لِهَذَا لَوْ جَعَلْتَ سُتْرَتَكَ شَامِلَةً لِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَوْ أَزْيَدَ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ تَرْكَ الإِنْكَارِ فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّىُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِزُّ الدِّينِ الْمَالِكِىُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتَاوِيهِ فِى رَجُلٍ يَعْمَلُ وَهُوَ كَاشِفٌ فَخِذَهُ. وَعِزُّ الدِّينِ الْمَالِكِىُّ ذَكَرَهُ فِى رَجُلٍ يَكُونُ فِى الْحَمَّامِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ كَاشِفًا فَخِذَهُ، وَكَشْفُ الْفَخِذِ لِلرَّجُلِ جَائِزٌ عِنْدَ خَمْسَةٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فِى أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ. وَيُحْتَجُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثٍ حَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ عَوْرَةُ الرَّجُلِ الْفَرْجَانِ.
وَلا يَجِبُ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لا يُفِيدُ فِى الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِىِّ فَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الزُّبَدِ
كَأَمْرِ مَعْرُوفٍ وَنَهْىِ الْمُنْكَرِ *** وَإِنْ يَظُنَّ النَّهْىَ لَمْ يُؤَثِّرِ
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِى نُكَتِهِ مَا نَصُّهُ «وَلا يَسْقُطُ (أَىْ وُجُوبُ إِنْكَارِ مُنْكَرٍ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) بِعِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ أَنَّهُ لا يُفِيدُ (فِى الْمَنْهِىِّ وَالْمَأْمُورِ)، قَالَ فِى الْمُهِمَّاتِ إِنَّهُ لا نَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ بِهِ بَلْ نَقَلَ الإِمَامُ فِى الشَّامِلِ فِى أُصُولِ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِى أَبِى بَكْرٍ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ» اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَتْمُ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ مَعَ وُجُودِ الطَّالِبِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَتْمَ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ مَعَ وُجُودِ الطَّالِبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/159].
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ] وَالْحَاكِمُ [فِى الْمُسْتَدْرَكِ] وَابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» وَاللِّجَامُ هُوَ مِثْلُ الَّذِى يُوضَعُ فِى فَمِ الْفَرَسِ لَكِنَّهُ مِنْ نَارٍ، فَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ يَكُونُ فِى حَالٍ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَفِى حَالٍ فَرْضَ عَيْنٍ، وَالأَوَّلُ مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ يُوجَدُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مِمَّنْ تَأَهَّلَ لِذَلِكَ وَتَحْصُلُ بِهِمُ الْكِفَايَةُ، وَالثَّانِى إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُ شَخْصٍ فَلا يَجُوزُ فِى هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُحِيلَ الْمُفْتِى الأَهْلُ أَوِ الْعَالِمُ الَّذِى هُوَ أَهْلٌ سَائِلَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَمَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ الضَّرُورِىَّ ثُمَّ نَسِىَ بَعْضَهُ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ مَعَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ فِيهِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِىِّ لا يَعْرِفُ حُكْمَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعَادَةُ تَعَلُّمِ مَا نُسِىَ. فَيَنْبَغِى لِطَالِبِ الْعِلْمِ الَّذِى أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَنْشُرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/187] وَلِحَدِيثِ أَبِى بَكْرَةَ فِى الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ فِى خُطْبَتِهِ بِمِنًى «أَلَا لَيُبَلِّغَنَّ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ» وَقَوْلِهِ ﷺ «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ ءَايَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ [فِى شُعَبِ الإِيمَانِ] عَنِ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِىِّ أَنَّهُ قَالَ «الْعِلْمُ يُورِثُ الْخَشْيَةَ وَالزُّهْدُ يُورِثُ الرَّاحَةَ وَالْمَعْرِفَةُ تُورِثُ الإِنَابَةَ».
وَرَوَى عَنْ مَالِكِ بنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ «إِذَا طَلَبَ الْعَبْدُ الْعِلْمَ لِيَعْمَلَ بِهِ كَسَرَهُ عِلْمُهُ [أَىْ لَيَّنَهُ وَهَذَّبَهُ وَزَادَهُ تَوَاضُعًا] وَإِذَا طَلَبَهُ لِغَيْرِ الْعَمَلِ زَادَهُ كِبْرًا».
وَرَوَى عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِىِّ أَنَّهُ قَالَ «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْعَمَلِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَ الْجَدَلِ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَ الْعَمَلِ وَفَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْجَدَلِ». وَالْمُرَادُ بِالْجَدَلِ هُنَا الْجَدَلُ الْمَذْمُومُ كَالَّذِى يُجَادِلُ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُحِقَّ الْبَاطِلَ أَوْ لِيُبْطِلَ الْحَقَّ أَوْ يُجَادِلُ لِيُعَظِّمَهُ النَّاسُ.
وَرَوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبِصْرِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقِيلَ هَذَا فَقِيهٌ فَقَالَ «أَوَ تَدْرُونَ مَنِ الْفَقِيهُ إِنَّمَا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ فِى دِينِهِ الزَّاهِدُ فِى دُنْيَاهُ الْقَائِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ».
وَرَوَى عَنْ مَالِكِ بنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ «قَرَأْتُ فِى التَّوْرَاةِ إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ مِنَ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْقَطْرُ عَنِ الصَّفَا» أَىِ الْحَجَرِ الأَمْلَسِ.
قَالَ الْفُقَهَاءُ يَجِبُ وُجُودُ عَالِمٍ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى فِى كُلِّ مَسَافَةِ قَصْرٍ وَقَاضٍ فِى كُلِّ مَسَافَةِ عَدْوَى أَىْ نِصْفِ مَرْحَلَةٍ. وَالْمَرْحَلَةُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ مَعَ حِسَابِ الِاسْتِرَاحَةِ لِلصَّلاةِ وَالأَكْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ سَيْرِ الإِبِلِ الْمُحَمَّلَةِ أَوْ سَيْرِ الأَقْدَامِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِىُّ [فِى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ] أَنَّهُ يَجِبُ وُجُودُ عَالِمٍ يَقُومُ بِالرَّدِّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ وَالْمُشَكِّكِينَ فِى الْعَقِيدَةِ بِإِيرَادِ الشُّبَهِ فِى كُلِّ بَلَدٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَالِمُ عَارِفًا بِالْحُجَجِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ،
وَذَلِكَ هُوَ عِلْمُ الْكَلامِ الَّذِى عُرِفَ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ لَيْسَ عِلْمَ الْكَلامِ الَّذِى عِنْدَ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُشَبِّهَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الِاعْتِقَادِيَّةِ كَالْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُمْ أَلَّفُوا كُتُبًا عَدِيدَةً أَوْرَدُوا فِيهَا شُبُهًا عَقْلِيَّةً وَتَمْوِيهَاتٍ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ لِيَغُرُّوا بِهَا الْقَاصِرِينَ فِى الْفَهْمِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالضَّحِكُ لِخُرُوجِ الرِّيحِ أَوْ عَلَى مُسْلِمٍ اسْتِحْقَارًا لَهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ اللِّسَانِ الضَّحِكَ لِخُرُوجِ رِيحٍ مِنْ شَخْصٍ أَىْ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا، وَكَذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ اسْتِحْقَارًا لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ، وَمِثْلُ الْمُسْلِمِ فِى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الذِّمِّىُّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَتْمُ الشَّهَادَةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَتْمَ الشَّهَادَةِ بِلا عُذْرٍ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ هُوَ الَّذِى يَأْتِى بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». قَالَ الْجَلالُ الْبُلْقِينِىُّ إِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا دُعِىَ إِلَى الشَّهَادَةِ، وَمُرَادُهُ فِى غَيْرِ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فَإِنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ لا تَتَقَيَّدُ بِالطَّلَبِ، فَإِذَا عَلِمَ اثْنَانِ ثِقَتَانِ بِأَنَّ فُلانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلاقًا يَمْنَعُ مُعَاشَرَتَهَا بِأَنْ يَكُونَ طَلاقًا بَائِنًا بِالثَّلاثِ أَوْ بِانْتِهَاءِ الْعِدَّةِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ وَيُرِيدُ أَنْ يَعُودَ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِىٍّ وَجَبَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَرْكُ رَدِّ السَّلامِ الْوَاجِبِ عَلَيْكَ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ تَرْكَ رَدِّ السَّلامِ الْوَاجِبِ عَلَيْكَ رَدُّهُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا بِأَنْ صَدَرَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ وُجُوبًا كِفَائِيًّا بِأَنْ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُكَلَّفِينَ، هَذَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/86]، أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ بِأَنْ سَلَّمَتْ شَابَةٌ عَلَى أَجْنَبِىٍّ لَمْ يَجِبِ الرَّدُّ فَيَبْقَى الْجَوَازُ إِنْ لَمْ تُخْشَ فِتْنَةٌ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ بِتَحْرِيمِ بَدْءِ الشَّابَّةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِالسَّلامِ عَلَى الأَجْنَبِىِّ بَلْ كَلامُ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِىِّ وَهُوَ شَافِعِىٌّ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَأَبِى سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّى يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَخَرَجَ بِالْوَاجِبِ أَيْضًا الْمَكْرُوهُ كَالسَّلامِ عَلَى قَاضِى الْحَاجَةِ فِى حَالِ الْخُرُوجِ أَوِ الآكِلِ الَّذِى فِى فَمِهِ اللُّقْمَةُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَجِبُ الرَّدُّ وَكَذَلِكَ الْبِدْعِىُّ الْمُخَالِفُ فِى الِاعْتِقَادِ مِمَّنْ لا تَبْلُغُ بِدْعَتُهُ إِلَى الْكُفْرِ. وَكَذَلِكَ لا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَاسِقِ وَعَلَى مَنْ سَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِى الْمَسْجِدِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِى نُكَتِهِ إِنَّ فِى جَوَابِ السَّلامِ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ فِى وُجُوبِهِ وَجْهَانِ بِلا تَرْجِيحٍ فِى أَصْلِ الرَّوْضَةِ قَالَ الْعِرَاقِىُّ (أَىْ وَلِىُّ الدِّينِ) «وَرَجَّحَ شَيْخُنَا فِى تَصْحِيحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّهُ لا يَجِبُ إِلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْ تَرْكِهِ شَرٌّ فَيَجِبُ دَفْعًا لِلشَّرِّ. وَصَحَّحَ فِى شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِى الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا وَلا يُسْتَحَبُّ وَكَذَا لا يَجُوزُ الرَّدُّ عَلَى الْفَاسِقِ إِذَا كَانَ فِى تَرْكِهِ زَجْرٌ» اهـ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ الَّذِى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «إِذَا لَقِيتُمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَلا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلامِ» تَحْرِيمُ ابْتِدَائِهِمْ بِالسَّلامِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ قَالَ الْحَافِظُ فِى الْفَتْحِ «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلامِ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِىُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْكَافِرِ بِالسَّلامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾ [سُورَةَ الْمُمْتَحِنَة/8] وَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ سَلامٌ عَلَيْكَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَوْنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالسَّلامِ فَقَالَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَلا نَبْدَؤُهُمْ،
قَالَ عَوْنٌ فَقُلْتُ لَهُ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ قَالَ مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ نَبْدَأَهُمْ قُلْتُ لِمَ قَالَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [سُورَةَ الزُّخْرُف/89]، قَالَ الْبَيْهَقِىُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ أَبِى أُمَامَةَ إِنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ السَّلامَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنَا وَأَمَانًا لِأَهْلِ ذِمَّتِنَا، هَذَا رَأْىُ أَبِى أُمَامَةَ. وَحَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ فِى النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَائِهِمْ أَوْلَى» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ فِى الْفَتْحِ «وَعَكَسَ ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِىُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لا يَمُرُّ بِمُسْلِمٍ وَلا نَصْرَانِىٍّ وَلا صَغِيرٍ وَلا كَبِيرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ إِنَّا أُمِرْنَا بِإِفْشَاءِ السَّلامِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَاسْتَثْنَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمُ لِضَرُورَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ كَقَضَاءِ حَقِّ الْمُرَافَقَةِ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِىُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ كُنْتُ رِدْفًا لِابْنِ مَسْعُودٍ فَصَحِبَنَا دَهْقَانٌ فَلَمَّا انْشَعَبَتْ لَهُ الطَّرِيقُ أَخَذَ فِيهَا فَأَتْبَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَصَرَهُ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَقُلْتُ أَلَسْتَ تَكْرَهُ أَنْ يُبْدَءُوا بِالسَّلامِ قَالَ نَعَمْ،
وَلَكِنْ حَقُّ الصُّحْبَةِ أَىِ الْمُرَافَقَةِ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِىُّ وَحُمِلَ عَلَيْهِ سَلامُ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى أَهْلِ مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ» اهـ. وَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ بَدْءُ الْكَافِرِ بِالسَّلامِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَىْ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَلا كَرَاهَةَ.
تَنْبِيهٌ وَقَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا [فِى فَتْحِ الْبَارِى] قَالَ الْحَلِيمِىُّ فِى مَسْئَلَةِ السَّلامِ عَلَى الأَجْنَبِيَّةِ «كَانَ النَّبِىُّ ﷺ لِلْعِصْمَةِ مَأْمُونًا مِنَ الْفِتْنَةِ فَمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالسَّلامَةِ فَلْيُسَلِّمْ وَإِلَّا فَالصَّمْتُ أَسْلَمُ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا «يُسَلِّمُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَلا يُسَلِّمُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ» وَسَنَدُهُ وَاهٍ [ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ]، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ [ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ]،
وَثَبَتَ فِى مُسْلِمٍ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ «أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ» اهـ. ثُمَّ قَالَ «وَقَالَ الْمُتَوَلِّى (وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ) إِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ أَمَةٌ فَكَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً نُظِرَ إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِهَا لَمْ يُشْرَعِ السَّلامُ لا ابْتِدَاءً وَلا جَوَابًا، فَلَوِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا كُرِهَ لِلآخَرِ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لا يُفْتَتَنُ بِهَا جَازَ. انْتَهَى.
فَقَدْ تَبَيَّنَ حُكْمُ جَوَازِ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْعَكْسُ وَهُوَ خِلافُ مَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّنْ لَيْسُوا مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ بَلْ مَبْلَغُهُمْ فِى الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ مِنَ النَّقَلَةِ فَقَطْ كَابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِىِّ، وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ لا يَثْبُتُ الْمَذْهَبُ بِكَلامِهَا إِنَّمَا يَثْبُتُ الْمَذْهَبُ بِنَصِّ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ بِالْوُجُوهِ الَّتِى يَسْتَخْرِجُهَا أَصْحَابُ الْوُجُوهِ كَالْحَلِيمِىِّ وَالْمُتَوَلِّى وَقَدْ سُقْنَا عِبَارَتَيْهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ «لا تُسَلِّمُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ» فَلَيْسَ فِيهِ التَّحْرِيمُ الَّذِى قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ.
وَالأَوْلَى فِى بَدْءِ السَّلامِ أَنْ يُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِى، وَمَنْ بَلَغَهُ أَنَّ فُلانًا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَقُولُ وَعَلَيْهِ السَّلامُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ شَخْصٌ رِسَالَةً سَلَّمَ عَلَيْهِ فِيهَا يَقُولُ وَعَلَيْهِ السَّلامُ. وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ سَلِّمْ لِى عَلَى فُلانٍ فَيَقُولُ الْمُوَكَّلُ وَعَلَيْكَ السَّلامُ فَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ [فَائِدَةٌ لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ جَمِيعًا أَوِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَرْدًا فَرْدًا يَكْفِى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَحْرُمُ الْقُبْلَةُ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ بِشَهْوَةٍ وَلِصَائِمٍ فَرْضًا إِنْ خَشِىَ الإِنْزَالَ وَقِيلَ يُكْرَهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْقُبْلَةَ بِشَهْوَةٍ إِذَا كَانَتْ مِنَ الْمُحْرِمِ بِالنُّسُكِ، وَكَذَلِكَ الصَّائِمُ صَوْمَ فَرْضٍ إِنْ خَشِىَ الإِنْزَالَ بِأَنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرًا أَوْ كَفَّارَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقِيلَ يُكْرَهُ بِخِلافِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهُ، وَلا يَبْطُلُ صَوْمُ الْفَرْضِ بِهَا إِنْ لَمْ يُنْزِلْ.
وَمِنْ مَعَاصِيهِ أَيْضًا قُبْلَةُ مَنْ لا تَحِلُّ قُبْلَتُهُ كَالأَجْنَبِيَّةِ وَهِىَ فِى عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَنْ سِوَى مَحَارِمِهِ وَزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ.
وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الْقُبْلَةُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ مُحَرَّمَاتِ اللِّسَانِ لِأَنَّ اللِّسَانَ أَحْيَانًا يُشَارِكُ.
