وَمَعْنَى «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» أُنَزِّهُ رَبِّيَ الأَعْلَى أَيِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مِنْ كُلِّ عَلِيٍّ أَيْ عُلُوَّ قَدْرٍ لا عُلُوَّ حَيِّزٍ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي عُلُوِّ الْقَدْرِ لَيْسَ فِي عُلُوِّ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ وَالْحَافِّينَ حَوْلَهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ مَكَانُهُمْ أَرْفَعُ مَكَانٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسُوا هُمْ أَفْضَلَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي حَيِّزٍ وَمَكَانٍ دُونَ ذَلِكَ بِمَسَافَةٍ كَبِيرَةٍ، بَلِ الأَنْبِيَاءُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقَرُّهُمُ الأَرْضَ أَعْلَى قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ.

وَأَمَّا «التَّحِيَّاتُ» فَمَعْنَاهَا مَا يُحَيِّي بِهِ الْعِبَادُ، أَيْ أَنَّ كُلَّ التَّعْظِيمَاتِ الَّتِي يُعَظِّمُهَا الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «التَّحِيَّاتُ الْمُلْكُ» اهـ.

وَأَمَّا «الْمُبَارَكَاتُ» فَمَعْنَاهُ النَّامِيَاتُ.

وَأَمَّا «الصَّلَوَاتُ» فَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ.

وَأَمَّا «الطَّيِّبَاتُ» فَمَعْنَاهَا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ

«لِلَّهِ» أَيْ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَأَمَّا «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» فَمَعْنَاهُ السَّلامَةُ مِنَ الآفَاتِ، وَمَعْنَى «أَيُّهَا النَّبِيُّ» يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَيُقْرَأُ بِالْهَمْزِ فَيُقَالُ «أَيُّهَا النَّبِيءُ» وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

وَأَمَّا «وَبَرَكَاتُهُ» فَمَعْنَاهُ الزِّيَادَاتُ فِي الْخَيْرِ.

وَأَمَّا «الصَّالِحِينَ» فَهُوَ جَمْعُ صَالِحٍ، وَالصَّالِحُ مَنْ كَانَ قَائِمًا بِحُقُوقِ الْحَقِّ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ. وَحُقُوقُ الْحَقِّ مِنْ جُمْلَتِهَا تَعَلُّمُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَمِنْهَا أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فَلا يَكُونُ الْعَبْدُ صَالِحًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا السَّالِحُونَ بِالسِّينِ فَمَعْنَاهُ الْمُتَغَوِّطُونَ أَوْ أَصْحَابُ السِّلاحِ فَلْيُحْذَرْ قِرَاءَةُ الصَّالِحِينَ بِالسِّينِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى.

بَقِيَ مِنَ الْكَلامِ عَلَى كَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ مُرَاعَاةُ تَشْدِيدَاتِهَا فَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ مُرَاعَاةُ تَشْدِيدَاتِهَا، فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلاءِ فَلَوْ قَرَأَ (أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِفَكِّ الإِدْغَامِ الَّذِي فِي (أَنْ لا) لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَكَّ الإِدْغَامَ فِي (مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ إِدْغَامَ تَنْوِينِ الدَّالِ فِي رَاءِ رَسُولِ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ إِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعِدْهُ عَلَى الصَّوَابِ لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ لَوْ قَرَأَ (أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِلا إِدْغَامٍ أَوْ قَرَأَ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) بِلا إِدْغَام بِخِلافِ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ شَدَّةً فِيهَا لا تَصِحُّ صَلاتُهُ [وَكَذَلِكَ لا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الإِسْلامِ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلامِ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْخَامِسَ عَشَرَ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَلُّهَا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَعْيِينَ هَذَا اللَّفْظِ بِحُرُوفِهِ بِحَيْثُ لا يَجُوزُ إِبْدَالُ كَلِمَةٍ مِنْهُ بِغَيْرِهَا، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ الشَّافِعِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَبْدَلَ اللَّهُمَّ صَلِّ بِصَلَّى اللَّهُ، أَوْ أَبْدَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِعَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى رَسُولِهِ، أَوْ أَبْدَلَ لَفْظَ مُحَمَّدٍ بِالنَّبِيِّ أَجْزَأَ ذَلِكَ، بِخِلافِ مَا لَوْ أَبْدَلَ مُحَمَّدًا بِأَحْمَدَ فَإِنَّهُ لا يُجْزِئُ، أَوْ أَبْدَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِعَلَيْهِ بِالضَّمِيرِ فَإِنَّهُ لا يُجْزِئُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَلَ مُحَمَّدًا بِالرَّسُولِ فَإِنَّهُ لا يُجْزِئُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّادِسَ عَشَرَ السَّلامُ وَأَقَلُّهُ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ».

الشَّرْحُ مِنْ شُرُوطِ إِجْزَاءِ السَّلامِ الإِتْيَانُ بِأَلْ فَلا يَكْفِي سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وَكَذَلِكَ لا يَكْفِي إِبْدَالُ كَلِمَةِ عَلَيْكُمْ بِعَلَيْكَ بِدُونِ الْمِيمِ.

وَالْمُوَالاةُ بَيْنَ كَلِمَتَيْهِ.

وَأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ.

وَكَوْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِصَدْرِهِ إِلَى تَمَامِهِ وَذَلِكَ بِالإِتْيَانِ بِمِيمِ عَلَيْكُمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَلْ وَالتَّنْوِينِ أَجْزَأَ ذَلِكَ، أَوْ زَادَ وَاوًا فَقَالَ السَّلامُو عَلَيْكُمْ أَوْ أَتَى بِحَرْفِ الْعَطْفِ [أَيْ قَبْلَ السَّلامِ] فَقَالَ وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ أَجْزَأَ ذَلِكَ.

أَمَّا أَكْمَلُهُ فَيَحْصُلُ بِزِيَادَةِ «وَرَحْمَةُ اللَّهِ» [أَخْرَجَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ]، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ «وَبَرَكَاتُهُ» وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي التَّسْلِيمَةِ الأُولَى.

وَتُسَنُّ تَسْلِيمَةٌ ثَانِيَةٌ وَإِنْ تَرَكَهَا الإِمَامُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِضْ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا مُبْطِلٌ كَحَدَثٍ وَإِلَّا حَرُمَتِ الزِّيَادَةُ.

وَالْفَصْلُ بَيْنَ التَّسْلِيمَتَيْنِ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ.

وَالِابْتِدَاءُ بِهِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ.

وَالِالْتِفَاتُ فِي الأُولَى إِلَى الْجَانِبِ الأَيْمَنِ بِحَيْثُ يَرَى مَنْ عَلَى جَانِبِهِ.

وَالِالْتِفَاتُ فِي الثَّانِيَةِ إِلَى الْجَانِبِ الأَيْسَرِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّابِعَ عَشَرَ: التَّرْتِيبُ.

الشَّرْحُ أَيْ لِأَرْكَانِهَا كَمَا ذُكِرَ فِي تَعْدَادِهَا وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى قَرْنِ النِّيَّةِ فِي التَّكْبِيرِ بِالْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ لِلْمُسْتَطِيعِ، وَإِيقَاعِ الْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ، وَإِيقَاعِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِي الْقُعُودِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ كَأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطَلَتْ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّرْتِيبِ بِأَنْ قَدَّمَ رُكْنًا قَوْلِيًّا هُوَ السَّلامُ أَوْ رُكْنًا فِعْلِيًّا مُطْلَقًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَسْجُدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَتَبْطُلُ صَلاتُهُ إِجْمَاعًا لِتَلاعُبِهِ، بِخِلافِ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ غَيْرِ السَّلامِ عَلَى قَوْلِيٍّ أَوْ فِعْلِيٍّ فَلا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِهِ لَكِنْ لا يُحْسَبُ مَا تَقَدَّمَ عَلَى مَحَلِّهِ.

وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ التَّشَهُّدَ الأَخِيرَ فِي الْقِيَامِ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَيْنَ السُّجُودَيْنِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاتُهُ لَكِنْ لا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّشَهُّدِ فِي مَحَلِّهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِنْ سَهَا فَلْيَعُدْ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَتَتِمُّ بِهِ رَكْعَتُهُ وَلَغَا مَا سَهَا بهِ فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ تَرْكَهُ لِلرُّكُوعِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَكَعَ فِي الْقِيَامِ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْ فِي السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَهُ لَغَا مَا فَعَلَهُ بَيْنَ ذَلِكَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ الْمَتْرُوكَ فَمَا فَعَلَهُ بَعْدَهُ لَغْوٌ أَيْ لا يُحْسَبُ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ فَوْرًا مُحَافَظَةً عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهَذَا إِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ وَقَدْ صَارَ فِي مِثْلِهِ تَمَّتْ بِهَذَا رَكْعَتُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَذَكَّرَ وَهُوَ فِيمَا بَعْدَ مِثْلِ الْمَتْرُوكِ فَتَتِمُّ رَكْعَتُهُ بِمَا فَعَلَ وَيُلْغِي مَا بَيْنَهُمَا. وَهَذَا الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمَأْمُومِ أَمَّا الْمَأْمُومُ فَلا يَعُودُ لَهُ بَلْ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلامِ إِمَامِهِ.

وَقَوْلُهُ «وَلَغَا مَا سَهَا بِهِ» يَشْمَلُ مَا لَوْ تَرَكَ نَاسِيًا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ أَتَى بِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَذَكَّرَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ بِقَصْدِ أَنَّهُ جِلْسَةُ اسْتِرَاحَةٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَمَّا لَوْ أَتَى بِسَجْدَةِ التِّلاوَةِ بَعْدَ الْجُلُوسِ الْمَتْرُوكِ سَهْوًا ثُمَّ تَذَكَّرَ لَمْ يُجْزِئْهُ. هَذَا إِنْ عَرَفَ عَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَمَحَلَّهُ وَإِلَّا أَخَذَ بِالْيَقِينِ وَأَتَى بِالْبَاقِي [وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الشَّكِّ]، نَعَمْ إِنْ جَوَّزَ أَنَّ مَتْرُوكَهُ النِّيَّةُ أَوْ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ بَطَلَتْ صَلاتُهُ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الصَّلاةِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا. فَمَنْ شَكَّ بَعْدَ السَّلامِ هَلْ نَوَى الظُّهْرَ أَمْ غَيْرَهَا أَوْ شَكَّ هَلْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ أَمْ لا يُعِيدُ تِلْكَ الصَّلاةَ.

فَائِدَةٌ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ جُمْهُورِ الأَئِمَّةِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِالأَقَلِّ، وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ لازَمَهُ الشَّكُّ بِأَنْ يَأْتِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي صَلاةٍ أَوْ أَكْثَرَ لا يَجُوزُ لَهُ الأَخْذُ بِالأَقَلِّ بَلْ يَأْخُذُ بِخِلافِهِ وَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي الْوُضُوءِ وَفِي ذَلِكَ فُسْحَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْمُبْتَلِينَ بِشِدَّةِ الْوَسْوَسَةِ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ دَوَاءٌ شَافٍ لَهُمْ فَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ بِذَلِكَ فَلْيَتَعَلَّمْ ضَرُورِيَّاتِ الصَّلاةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عِنْدَهُمْ كَالدَّلْكِ وَالْمُوَالاةِ فِي الْغَسْلِ،

وَلا يَمْنَعُهُ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ بِوُجُوبِ الدَّلْكِ وَالْمُوَالاةِ عِنْدَهُمْ مِنَ الأَخْذِ بِذَلِكَ التَّخْفِيفِ لِأَنَّ الدَّلْكَ عِنْدَهُمْ فِيهِ قَوْلٌ بِسُنِّيَّتِهِ وَأَنَّ التَّعْمِيمَ يَكْفِي. فَالَّذِي يَسْتَصْعِبُ مَذْهَبَ مَالِكٍ لِأَجْلِ الدَّلْكِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ لِيَأُخَذْ بِالْقَوْلِ الآخَرِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الدَّلْكَ لَيْسَ فَرْضًا لِعَيْنِهِ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ اسْتِيعَابُ الْمَوْضِعِ بِوُصُولِ الْمَاءِ إِلَيْهِ.

بَعْضُ الْمُوَسْوِسِينَ يَلْقَوْنَ شِدَّةً مِنَ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ إِنَّ بَعْضَ الْمُوَسْوِسِينَ فِي مِصْرَ ذَهَبَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ فِي النِّيلِ ثُمَّ بَقِيَ فِيهِ إِلَى الْغُرُوبِ ثُمَّ قَالَ الْيَوْمَ مَا صَحَّ لِي غُسْلٌ غَدًا أَعُودُ أُصَحِّحُ الْغُسْلَ. هَؤُلاءِ يَلْقَوْنَ ضَرَرًا كَبِيرًا فَلْيَأْخُذْ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ.

مَسْئَلَةٌ مُهِمَّةٌ الشَّكُّ فِي هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ كَالتَّذَكُّرِ فَلَوْ رَكَعَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَمْ لا أَوْ شَكَّ وَهُوَ سَاجِدٌ هَلْ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ أَمْ لا قَامَ فَوْرًا وُجُوبًا وَلا يَكْفِيهِ لَوْ قَامَ رَاكِعًا، وَأَمَّا مَنْ شَكَّ وَهُوَ قَائِمٌ هَلْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَمْ لا فِي رَكْعَتِهِ هَذِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فَوْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ مَحَلِّهَا لَكِنْ لا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ إِنْ لَمْ يَزُلْ شَكُّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيَتَيَقَّنْ أَنَّهُ كَانَ قَرَأَهَا.

هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْضِ، وَأَمَّا نَوَافِلُ الصَّلاةِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ وَمِنْ أَفْضَلِهَا الْوِتْرُ وَيَحْصُلُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ أَقَلَّهُ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَهِيَ رَاتِبَةُ الصُّبْحِ، ثُمَّ سَائِرُ الرَّوَاتِبِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّرَاوِيحُ وَالضُّحَى وَصَلاةُ الْحَاجَةِ وَسُنَّةُ الْوُضُوءِ وَالتَّحِيَّةُ.

فَائِدَةٌ اسْمُ التَّرَاوِيحِ خَاصٌّ بِقِيَامِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً لا أَقَلَّ وَلا أَكْثَرَ أَمَّا قِيَامُ رَمَضَانَ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ فَمَنْ نَوَى التَّرَاوِيحَ يُكْمِلُ عِشْرِينَ رَكْعَةً أَمَّا مَنْ نَوَى قِيَامَ رَمَضَانَ فَيَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ وَبِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَبِسِتِّ رَكَعَاتٍ وَبِثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَبِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ. وَكَلِمَةُ التَّرَاوِيحِ هَذِهِ مُسْتَحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً أَيَّامَ الصَّحَابَةِ إِنَّمَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ قِيَامُ رَمَضَانَ.

بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَقُولُونَ لا تَصِحُّ التَّرَاوِيحُ إِلَّا بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا نَوَى سُنَّةَ التَّرَاوِيحِ لا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا بِهَذَا الْعَدَدِ أَمَّا مَنْ لَمْ يَنْوِ التَّرَاوِيحَ وَنَوَى قِيَامَ رَمَضَانَ فَيَكْفِي أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ وَأَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ. نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لا عَدَدَ لِرَكَعَاتِ قِيَامِ رَمَضَانَ فَمَا كَانَ أَقَلَّ عَدَدًا وَأَطْوَلَ قِيَامًا أَحَبُّ إِلَيَّ» اهـ.

فَعِنْدَهُ لَوْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَطَالَ الْقِيَامَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ عَشَرَ رَكَعَاتٍ أَوْ عِشْرِينَ رَكْعَةً مَعَ تَخْفِيفِ الْقِيَامِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ سِتًّا وَثَلاثِينَ رَكْعَةً تَعْوِيضًا لِمَا يَفُوتُهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ. أَهْلُ مَكَّةَ كَانُوا يَطُوفُونَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ.

فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَيْسَ لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ. ثُمَّ تَسْمِيَةُ التَّرَاوِيحِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَجْلِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَسْتَرِيْحُونَ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِالطَّوَافِ، الطَّوَافُ يَعْتَبِرُونَهُ رَاحَةً، لِأَنَّهُمْ يُطِيلُونَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلاةِ فَيَسْتَرِيْحُونَ بِالطَّوَافِ لِيَسْتَعِيدُوا النَّشَاطَ. وَأَمَّا صَلاةُ الْحَاجَةِ فَهِيَ الصَّلاةُ الَّتِي عَلَّمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الأَعْمَى الَّذِي جَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي قَالَ «إِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ» قَالَ إِنَّهُ شَقَّ عَلَيَّ ذَهَابُ بَصَرِي وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ فَقَالَ لَهُ «ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي - وَتُسَمِّي حَاجَتَكَ - لِتُقْضَى لِي» ذَكَرَ ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التِّرْمِذِيِّ،

وَالْحَدِيثُ إِلَى ءَاخِرِهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ [فِي دَلائِلِ النُّبُوَّةِ] وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي رِوَايَتِهِ زِيَادَةٌ ثَابِتَةٌ وَهِيَ: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ لَقِيَ عُثْمَانَ بنَ حُنَيْفٍ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ حَاضِرًا عِنْدَمَا جَاءَ الأَعْمَى رَسُولَ اللَّهِ فَشَكَى إِلَيْهِ الْعَمَى، فَشَكَى الرَّجُلُ

إِلَى عُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ أَنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بنُ حُنَيْفٍ ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِلَى ءَاخِرِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ وَرُحْ إِلَيْهِ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ عُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ فَأَدْخَلَهُ الْبَوَّابُ فَأَجْلَسَهُ عَلَى طِنْفِسَةِ عُثْمَانَ فَقَضَى لَهُ عُثْمَانُ حَاجَتَهُ وَقَالَ لَهُ مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ فَمَا كَانَ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأْتِنَا.

ثُمَّ لَقِيَ الرَّجُلُ عُثْمَانَ بنَ حُنَيْفٍ فَقَالَ لَهُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ فَقَالَ مَا كَلَّمْتُهُ فِيكَ وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ جَاءَهُ أَعْمَى فَشَكَا لَهُ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ «ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ» إِلَى ءَاخِرِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ اهـ يَعْنِي الْمَجْمُوعَ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ.

فَلا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَطَفِّلِينَ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ إِنَّ الْمَوْقُوفَ غَيْرُ صَحِيحٍ [الْمُرَادُ بِهَذَا نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ فِي مَرَاتِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لا هُوَ مُسْنِدٌ وَلا هُوَ مُحَدِّثٌ. مَنْ كَانَ مِثْلَهُ يُسَمَّى صُحُفِيًّا. الأَلْبَانِيُّ يَقُولُ الَّذِي حَصَلَ لِلأَعْمَى صَحِيحٌ أَمَّا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنْكَرٌ. هَذَا الرَّجُلُ خَبِيثٌ يُضَعِّفُ مَا صَحَّحَهُ الْحُفَّاظُ عَلَى حَسَبِ هَوَاهُ]، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يُطْلَقُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَرْفُوعِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ وَالْمَوْقُوفِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالسُّيُوطِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَأَمَّا مَا عُرِفَ بِصَلاةِ الْحَاجَةِ غَيْرُ هَذِهِ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ زَيْنُ الدِّينِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ قَالَ إِنَّ صَلاةَ الْحَاجَةِ الصَّحِيحَةَ هِيَ هَذِهِ.

تَنْبِيهٌ سُنَنُ الصَّلاةِ قِسْمَانِ سُنَنٌ تَتَقَدَّمُهَا وَسُنَنٌ تَكُونُ فِي ضِمْنِهَا، فَمِنَ السُّنَنِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلْفَرِيضَةِ فَقَطْ، قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ صَلَّى بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ مَنْ نَسِيَ الأَذَانَ يُعِيدُ الصَّلاةَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ اهـ، وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا صَلَّى بِغَيْرِ إِقَامَةٍ وَإِنْ تَعَمَّدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلا شَىْءَ عَلَيْهِ اهـ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ [فِي الأَوْسَطِ] الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ وَاجِبَانِ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ أَمْرُهُ بِالأَذَانِ وَأَمْرُهُ عَلَى الْفَرْضِ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَكَّةَ وَأَمَرَ بِلالًا بِالأَذَانِ، وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الأَذَانِ اهـ.

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقِيمُ لِنَفْسِهَا وَلِلنِّسَاءِ وَلا يُنْدَبُ لَهَا الأَذَانُ لِنَفْسِهَا وَلا لِلنِّسَاءِ فَإِنْ أَذَّنَتْ سِرًّا لَمْ يُكْرَهْ وَمَعْنَى السِّرِّ بِحَيْثُ لا تُسْمِعُ مَنْ حَوْلَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ [فِي الأَوْسَطِ] «لَيْسَ عَلَى مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَهُوَ جُنُبٌ إِعَادَةٌ لِأَنَّ الْجُنُبَ لَيْسَ بِنَجِسٍ، لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَهْوَى إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي جُنُبٌ فَقَالَ «إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِنَجِسٍ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] انْتَهَى أَيْ كَلامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ.

وَأَمَّا السُّنَنُ الَّتِي ضِمْنَ الصَّلاةِ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ فِي اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَفِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَحْصُلُ بِكُلِّ دُعَاءٍ بِخَيْرٍ، وَتُسَنُّ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى ءَالِهِ بَعْدَهُ.

فَائِدَةٌ ذَكَرَ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ وَالْحَاوِي وَالتَّنْبِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ ءَايَةً نَاوِيًا بِهَا الْقُنُوتَ وَهِيَ دُعَاءٌ أَوْ تُشْبِهُ الدُّعَاءَ كَآخِرِ الْبَقَرَةِ أَجْزَأَتْ مِنَ الْقُنُوتِ وَإِنْ لَمْ تُشْبِهِ الدُّعَاءَ كَسُورَةِ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سُورَةَ الْمَسَد/1] فَوَجْهَانِ.

وَبَقِيَتْ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ.

فَائِدَةٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ نُورِدُ هُنَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِهِ الأَوْسَطِ قَالَ مَا نَصُّهُ:

«ذِكْرُ أَذَانِ النِّسَاءِ وَإِقَامَتِهِنَّ

وَاخْتَلَفُوا فِي أَذَانِ النِّسَاءِ وَإِقَامَتِهِنَّ فَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ.

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنْ وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ فَغَضِبَ وَقَالَ أَنَا أَنْهَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

وَقَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ كُلَّمَا صَلَّيْنَ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلا إِقَامَةٌ وَلَأَنْ تُقِيمَ أَحَبُّ إِلَيْنَا.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ عَلَيْهِنَّ إِقَامَةٌ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ أَذَانٌ.

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ أَتُقِيمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ نَعَمْ. حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ أَتُقِيمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ نَعَمْ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلا إِقَامَةٌ كَذَلِكَ قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ أَنَسٌ إِنْ فَعَلْنَ فَهُوَ ذِكْرٌ.

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْتَمرُ بنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ؟ قَالَ لا وَإِنْ فَعَلْنَ فَهُوَ ذِكْرٌ.

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قَالا لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلا إِقَامَةٌ.

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الْعمرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.

وَمِمَّنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلا إِقَامَةٌ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبِصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالنُّعْمَانُ وَيَعْقُوبُ [يَعْقُوبُ هَذَا الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ يُعَدُّ مُجْتَهِدًا] وَمُحَمَّدٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَإِنْ أَقَامَتْ فَحَسَنٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ جَمَعْنَ وَأَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَلا بَأْسَ [مَعْنَاهُ إِنْ كُنَّ جَمَاعَةً لا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَّ وَيُقِمْنَ وَلا يَحْرُمُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ تَحْرِيمِ الأَذَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ فَهُوَ إِذَا كَانَ كَمَا يُؤَذِّنُ الرِّجَالُ].

قَالَ أَبُو بَكْرٍ - أَيِ ابْنُ الْمُنْذِرِ - الأَذَانُ ذِكْرٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَلا بَأْسَ أَنْ تُؤَذِّنَ الْمَرْأَةُ وَتُقِيمَ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فِي هَذَا الْبَابِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بنُ جُمَيْعٍ قَالَ حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا وَيُسَمِّيهَا الشَّهِيدَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي دَارِهَا وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ]» انْتَهَى كَلامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ [فِي حَضْرَمَوْتَ النِّسَاءُ يُؤَذِّنُ لَهُنَّ رَجُلٌ ثُمَّ يَذْهَبُ ثُمَّ يُصَلِّينَ].

فَفِي مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلُ إِبَاحَةِ الأَذَانِ لِلْمَرْأَةِ وَظَاهِرُ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إِنْ جَهَرَتِ الْمَرْأَةُ بِالأَذَانِ فَوْقَ مَا تُسْمِعُ صَوَاحِبَهَا مَعَ وُجُودِ أَجْنَبِيٍّ هُنَاكَ يَسْمَعُهَا حَرُمَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لإِطْلاقِ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ.