(20) وَالإِيـمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. لَفْظَةُ الْقَدَرِ أُطْلِقَتْ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَيُرادُ بِهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا تَقْدِيرُ اللَّهِ وَالآخَرُ الْمَقْدُورُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ذُكِرَ الْقَدَرُ أَوَّلًا بِمَعْنَى تَقْدِيرِ اللَّهِ ثُمَّ أُعِيدَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى الْمَقْدُورِ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ حَسَنٌ لَيْسَ شَرًّا، وَالْمَقْدُورُ يَشْمَلُ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلاغَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، يَذْكُرُونَ اللَّفْظَ بِمَعْنًى وَيُعِيدُونَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى ءَاخَرَ وَذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الْوَافِر]
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ *** رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
وَقَوْلُهُ «إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ» أَيِ الْمَطَرُ، وَقَوْلُهُ «رَعَيْنَاهُ» أَيِ الْمَرْعَى الَّذِي هُوَ بِسَبَبِ الْمَطَرِ يَحْصُلُ. فَالْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِيـمَانِ السِّتَّةِ هُوَ الرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ أَيْ تَقْدِيرِهِ، وَأَمَّا الْمَقْدُورُ فَيَجِبُ الإِيـمَانُ بِأَنَّ كُلَّ الْمَقْدُورَاتِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَحْصُلُ مَا كَانَ خَيْرًا وَمَا كَانَ شَرًّا، فَمَا كَانَ مِنَ الْمَقْدُورِ خَيْرًا يَجِبُ الرِّضَا بِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ شَرًّا يَجِبُ كَرَاهِيَتُهُ كَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ لَفْظُ «وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ]،
وَفِي لَفْظٍ «وَالْقَدَرِ كُلِّهِ». وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ هُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ، فَالْخَيْرُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَالشَّرُّ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ الَلَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالإِيـمَانِ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكُفْرِ»، رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ وَتَقْدِيرَهُ لا يَتَغَيَّرَانِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ [ابْنِ مَاجَه فِي سُنَنِهِ] «لا يَرُدُّ الْقَدَرَ شَىْءٌ إِلَّا الدُّعَاءُ» فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْقَدَرِ الْمُعَلَّقِ لَيْسَ إِلَى الْقَدَرِ الْمُبْرَمِ.
وَيُنَاسِبُ هُنَا إِيرَادُ عِبَارَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي كِتَابِهِ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمُدَّ اللَّهُ فِي عُمُرِهِ وَيُوَسِّعَ لَهُ رِزْقَهُ وَيَدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةَ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فِي زَوَائِدِ «مُسْنَدِ أَحْمَدَ»].
قَالَ الشَّيْخُ (يَعْنِي الْبَيْهَقِيَّ): «وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ وَمَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي قَالا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ الْمُنَادِي حَدَّثَنَا شُجَاعُ بنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَمْرُو بنُ الْجُونِ الدَّالانِيُّ عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الْحَذَرَ لا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ، وَإِنَّ الدُّعَاءَ يَدْفَعُ الْقَدَرَ وَهُوَ إِذَا دَفَعَ الْقَدَرَ فَهُوَ مِنَ الْقَدَرِ» اهـ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ [وَهُوَ أَوَّلُ الْحِجَازِ وَءَاخِرُ الشَّامِ] لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ بِالشَّامِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِي اسْتِشَارَتِهِ إِيَّاهُمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ قَالَ: «فَنَادَى عُمَرُ بِالنَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ [أَيْ رَاجِعٌ إِلَى الْمَدِينَةِ] فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ [أَيِ انْوُوا أَنَّنَا صَبَاحًا نَعُودُ إِلَى الْمَدِينَةِ]، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ قَالَهَا غَيْرُكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ،
قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ [يَعْنِي الطَّاعُونَ] بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ» اهـ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «قَالَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ الْحَذَرَ وَأَثْبَتَ الْقَدَرَ مَعًا وَهُوَ طَرِيقُ السُّنَّةِ وَنَهْجُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَالَّذِي رَوَيْنَا: «لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» مَعْنَاهُ فِيمَا كُتِبَ مِنَ الْقَضَاءِ الْمَحْتُومِ كَمَا لا يَنْفَعُ الدُّعَاءُ وَالدَّوَاءُ فِي رَدِّ الْمَوْتِ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ الْمَكْتُوبُ الْمَحْتُومُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ».
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا حَامِدُ بنُ مَحْمُودٍ حَدَثَّنَا إِسْحَاقُ بنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يَنْفَعُ الْحَذَرُ مِنَ الْقَدَرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ» انْتَهَى أَيِ الْمَقْدُورِ لِأَنَّ الْقَدَرَ بِمَعْنَى تَقْدِيرِ اللَّهِ لا يَدْخُلُهُ الْمَحْوُ لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سُورَةَ الرَّعْد/39] قَالَ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنْ أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ هُمَا كِتَابَانِ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا ﴿وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَيْ جُمْلَةُ الْكِتَابِ» اهـ،
مَعْنَاهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَمْحُوِ وَالْمُثْبَتِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِمَّا يَسْتَنْسِخُهُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ هَذَا فِيهِ ذِكْرُ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَيْ أَنَّهُمْ كَتَبُوا فِي صُحُفِهِمْ مَثَلًا فُلانٌ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ يَعِيشُ إِلَى الْمِائَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ يَعِيشُ إِلَى السِّتِّين أَمَّا أَيُّ الأَمْرَيْنِ سَيَقَعُ أَخِيرًا هُمْ لا يَعْرِفُونَ فِي الِابْتِدَاءِ، لَيْسَ مَوْكُولًا إِلَى الْمَلائِكَةِ عِلْمُ الْمُسْتَقْبَلِ إِنَّمَا هُمْ يَكْتُبُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يُطْلِعْهُ اللَّهُ مِنْهُمْ عَلَى الأَمْرَيْنِ. فَأَحَدُ الْكِتَابَيْنِ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَالآخَرُ هُوَ الَّذِي فِي أَيْدِي الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِنْسَاخِ مِنَ اللَّوْحِ.
قَالَ الشَّيْخُ - يَعْنِي الْبَيْهَقِيَّ - «وَالْمَعْنَى فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَتَبَ مَا يُصِيبُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ مِنَ الْبَلاءِ وَالْحِرْمَانِ وَالْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِنْ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطَاعَهُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ وَغَيْرِهَا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلاءُ وَرَزَقَهُ كَثِيرًا وَعَمَّرَهُ طَوِيلًا وَكَتَبَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الأَمْرَيْنِ، فَالْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ يَرْجِعُ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ كَامِلٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: وَهُوَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ الزَّمَانَ بِطَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلَى ضَلالَةٍ فَهُوَ الَّذِي يَمْحُو، وَالَّذِي يُثْبِتُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ [فِي الأَصْلِ «بِطَاعَةِ» وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتْنَاهُ كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ] وَقَدْ كَانَ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ [أَيِ اللَّهُ تَعَالَى] اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ «أَيِ الْبَيْهَقِيُّ»: وَقَدْ دَلَّ بَعْضُ مَا مَضَى مِنَ السُّنَنِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَعْمَلُ زَمَانًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ الآخَرُ زَمَانًا بِطَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ رَاجِعَيْنِ إِلَى عَمَلِهِمَا [أَيْ عَمَلِ الْعَبْدَيْنِ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ السُّكَّرِيُّ حَدَثَّنَا أَبُو قُرَيْشٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ نَصْرُ بنُ خَلَفٍ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْقَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا دَعَا عَبْدٌ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ إِلَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي مَعِيشَتِهِ:
يَا ذَا الْمَنِّ وَلا يُمَنُّ عَلَيْكَ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ [أَيِ الْفَضْلِ] لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظهر اللَّاجِئِينَ [أَيِ النَّاصِر وَالْمُعِين] وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ وَمَأْمَنَ الْخَائِفِينَ، إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أُمِّ الْكِتَابِ عِنْدَكَ شَقِيًّا فَامْحُ عَنِّي اسْمَ الشَّقَاءِ وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أُمِّ الْكِتَابِ مَحْرُومًا مُقَتَّرًا عَلَيَّ رِزْقِي فَامْحُ عَنِّي حِرْمَانِي وَتَقْتِيرَ رِزْقِي وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإِنَّكَ تَقُولُ فِي كِتَابِكَ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
قَالَ: فَهَذَا مَوْقُوفٌ [أَيْ عَلَى الصَّحَابِيِّ].
وَرُوِيَ [كُلُّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِأَنَّهُ رُوِيَ] عَنْ أَبِي حَكِيمَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي فِيهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الشَّقَاوَةَ وَالذَّنْبَ وَالْمَقْتَ فَامْحُنِي وَأَثْبِتْنِي فِي السَّعَادَةِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي حَكِيمَةَ وَبِمَعْنَاهُ [فِي الأَصْلِ «وَسَمِعْنَاهُ»] رَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ أَبِي حَكِيمَةَ مُخْتَصَرًا وَقَالَ «فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ». وَأَبُو حَكِيمَةَ اسْمُهُ عِصْمَةُ بَصْرِيٌّ تَفَرَّدَ بِهِ [أَيْ مَا رَوَى هَذَا إِلَّا أَبُو حَكِيمَةَ] فَإِنْ صَحَّ شَىْءٌ مِنْ هَذَا فَمَعْنَاهُ يَرْجِعُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَحْوِ الْعَمَلِ وَالْحَالِ [يَعْنِي لَيْسَ مَحْوَ صِفَةِ اللَّهِ لَيْسَ مَحْوَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ هَذَا يُؤَوَّلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ مَحْوِ الْعَمَلِ أَيْ عَمَلِ الْعَبْدِ وَالْحَالِ أَيْ حَالِ الْعَبْدِ،
وَمَعْنَى كَلامِهِ كُلُّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ كَمَا شَرَحْنَا]. وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي أَعْمَلُ عَمَلَ الأَشْقِيَاءِ وَحَالِي حَالَ الْفُقَرَاءِ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِي فَامْحُ ذَلِكَ عَنِّي بِإِثْبَاتِ عَمَلِ السُّعَدَاءِ وَحَالِ الأَغْنِيَاءِ، وَاجْعَلْ خَاتِمَةَ أَمْرِي سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإِنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ مِنْ عَمَلِ الأَشْقِيَاءِ ﴿ويُثبِتُ﴾ أَيْ مِنْ عَمَلِ السُّعَدَاءِ وَيُبَدِّلُ مَا يَشَاءُ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْ حَالِ الْغِنَى» انْتَهَى كَلامُ الْبَيْهَقِيِّ، مَعْنَاهُ غَيِّرْ حَالِي وَلَيْسَ الْمَعْنَى غَيِّرْ مَشِيئَتَكَ وَعِلْمَكَ فَالتَّغَيُّرُ رَاجِعٌ إِلَى الْعَمَلِ لَيْسَ إِلَى الصِّفَةِ الأَزَلِيَّةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «ثُمَّ الْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ جَمِيعًا مَسْطُورَانِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بنُ قَتَادَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ نَجْدَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ اسْمِي فِي السُّعَدَاءِ فَأَثْبِتْهُ فِيهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي الأَشْقِيَاءِ فَامْحُهُ مِنْهُمْ وَاجْعَلْهُ فِي السُّعَدَاءِ، فَقَالَ:
حَسَنٌ. ثُمَّ مَكَثْتُ حَوْلًا [أَيْ عَامًا] فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سُورَةَ الدُّخَان] قَالَ: يُفْرَقُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ فَأَمَّا كِتَابُ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لا يُغَيَّرُ»، انْتَهَى كَلامُ الْبَيْهَقِيِّ، يَعْنِي رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي وَخَصَّ التَّغَيُّرَ بِالرِّزْقِ وَالْمُصِيبَةِ أَيْ بِالنِّعَمِ وَالْمَصَائِبِ. أَمَّا الشَّقَاءُ وَالسَّعَادَةُ فَلا يَدْخُلانِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أَيْ كُلُّ أَمْرٍ مُبْرَمٍ أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ تَقْسِيمُ الْقَضَايَا الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى مِثْلِهَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِمَّا يَحْدُثُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ مَوْتٍ وَصِحَّةٍ وَمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَغِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطْرَأُ مِنَ الأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى مِثْلِهَا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ.
ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بنُ بَشْرَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَعْنِي النَّرْسِيَّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سُورَةَ الرَّعْد/39] قَالَ: «يُرِيدُ أَمْرَ السَّمَاءِ، يَعْنِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ غَيْرَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ».
وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يَقُولُ «يُبَدِّلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَيَنْسَخُهُ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يَقُولُ يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ لا يُبَدِّلُهُ ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يَقُولُ: جُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَمَا يُبَدَّلُ وَمَا يُثْبَتُ كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ»، هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وَأَجْرَاهُ عَلَى الأُصُولِ [يَعْنِي بِالأُصُولِ قَوَاعِدَ الْعَقِيدَةِ هَذَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ الْعَقِيدَةِ أَيْ نَسْخُ بَعْضِ الْقُرْءَانِ وَإِثْبَاتُ بَعْضٍ]،
وَعَلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَمَلَهَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ نَفْيُ الآفَاتِ عَنْهُ وَالزِّيَادَةُ فِي عَقْلِهِ وَفَهْمِهِ وَبَصِيرَتِهِ» انْتَهَى كَلامُ الْبَيْهَقِيِّ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الطَّالِبُ الْوُقُوفَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَأَمَّلْ أَنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي اعْتَادَ النَّاسُ قِرَاءَتَهَا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ مَا يَقْرَءُونَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ لَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ أَتَى بِصِيغَةِ التَّرَدُّدِ فِيمَا رَوَى عَنْ عُمَرَ لِلدِّلالَةِ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ، وَتَرْجِيحُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِالآيَةِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ.
وَأَنْتَ قَدْ رَأَيْتَ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي اعْتَادُوهَا وَهِيَ «اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِالتَّجَلِّي الأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ» بِالْمَرَّةِ بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [سُورَةَ الدُّخَان/3] مَعَ قَوْلِهِ ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سُورَةَ الْقَدْر/1] وَإِنَّمَا الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَلا تَكُنْ أَسِيرَ التَّقْلِيدِ فِي غَيْرِ مَعْنًى،
وَالْمُشَاحِنُ مَعْنَاهُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ ءَاخَرَ عَدَاوَةٌ وَحِقْدٌ وَبَغْضَاءُ لِأَمْرِ الدُّنْيَا، أَمَّا مَنْ سِوَى هَذَيْنِ فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ يُغْفَرُ لِبَعْضٍ جَمِيعُ ذُنُوبِهِمْ وَلِبَعْضٍ بَعْضُ ذُنُوبِهِمْ..
وَيَتَضَمَّنُ الإِيـمَانُ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ الإِيـمَانَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ].
وَقَوْلُهُ بِأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ وَلَدِ ءَادَمَ أَجْمَعِينَ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ ءَادَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ» [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ] أَيْ لا أَقُولُ ذَلِكَ افْتِخَارًا إِنَّمَا أَقُولُ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ وَصْفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ، وَيُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ قَوْلِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ» وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ إِلَّا قُولُوا «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»،
لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةُ لَفْظٍ يُنَاسِبُ الأَصْلَ فَهُوَ جَائِزٌ، فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِي التَّشَهُّدِ «وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ» وَيَقُولُ «وَأَنَا زِدْتُهَا»، أَيْ أَنَا زِدْتُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِي سُنَنِهِ]، أَيْ مَا سَمِعَهَا مِنَ الرَّسُولِ وَلا بَلَغَتْهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَثْبَتَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ خَالِيَةٌ عَنْ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْفَطَانَةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَالرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالْبَلادَةُ وَالْجُبْنُ وَكُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ.
الشَّرْحُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ يَجِبُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الأَخْلاقِ وَهِيَ.
*الصِّدْقُ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ يُنَافِي مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زَوْجَتِهِ سَارَةَ «إِنَّهَا أُخْتِي» وَهِيَ لَيْسَتْ أُخْتَهُ فِي النَّسَبِ فَكَانَ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الدِّينِ بِغَرَضِ صِيَانَتِهَا مِنْ أَذَى الْجَبَّارِ فَهُوَ لَيْسَ كَذِبًا مِنْ حَيْثُ الْبَاطِنُ وَالْحَقِيقَةُ إِنَّمَا هُوَ صِدْقٌ.
وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيْمِ أَنَّهُ قَالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/63] فَلَيْسَ هَذَا كَذِبًا حَقِيقِيًّا بَلْ هَذَا صِدْقٌ مِنْ حَيْثُ الْبَاطِنُ وَالْحَقِيقَةُ لِأَنَّ كَبِيرَ الأَصْنَامِ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الْفَتْكِ بِهِمْ أَيِ الأَصْنَامِ الأُخْرَى مِنْ شِدَّةِ اغْتِيَاظِهِ مِنْهُ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِي تَعْظِيمِهِ بِتَجْمِيلِ هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُكَسِّرَ الصِّغَارَ وَيُهِينَ الْكَبِيرَ، فَيَكُونُ إِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى الْكَبِيرِ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا،
فَلا كَذِبَ فِي ذَلِكَ أَيْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذِبًا إِنَّمَا صُورَتُهُ صُورَةُ كَذِبٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «كَذَبَ إِبْرَاهِيمُ ثَلاثَ كَذَبَاتٍ» فَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ [كَالرَّازِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ] وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
*وَالأَمَانَةُ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْخِيَانَةُ فَلا يَكْذِبُونَ عَلَى النَّاسِ إِنْ طَلَبُوا مِنْهُمُ النَّصِيحَةَ وَلا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
*وَالْفَطَانَةُ فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ أَذْكِيَاءُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْغَبَاوَةُ أَيْ أَنْ يَكُونُوا ضُعَفَاءَ الأَفْهَامِ، لِأَنَّ الْغَبَاوَةَ تُنَافِي مَنْصِبَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَغْبِيَاءَ لَنَفَرَ مِنْهُمُ النَّاسُ لِغَبَاوَتِهِمْ وَاللَّهُ حَكِيمٌ لا يَجْعَلُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فِي الأَغْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُبَلِّغُوا النَّاسَ مَصَالِحَ ءَاخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالْبَلادَةُ تُنَافِي هَذَا الْمَطْلُوبَ مِنْهُمْ.
وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالْبَلادَةُ فَلَيْسَ فِي الأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَاتِ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَسْرِقُ وَلَوْ حَبَّةَ عِنَبٍ، وَلَيْسَ فِي الأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَقُولُ أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ، وَلَيْسَ فِي الأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ بَلِيدُ الذِّهْنِ عَاجِزٌ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ يُعَارِضُهُ بِالْبَيَانِ وَلا ضَعِيفُ الْفَهْمِ لا يَفْهَمُ الْكَلامَ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُكَرَّرَ عَلَيْهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ.
وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ سَبْقُ اللِّسَانِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ عَلَيْهِمْ لَارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ فِي صِحَّةِ مَا يَقُولُونَهُ، وَلَقَالَ قَائِلٌ عِنْدَمَا يَبْلُغُهُ كَلامٌ عَنِ النَّبِيِّ مَا يُدْرِينَا أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ سَبْقِ اللِّسَانِ، لِذَلِكَ لا يَصْدُرُ مِنْ نَبِيٍّ كَلامٌ غَيْرُ الَّذِي يُرِيدُ قَوْلَهُ وَلا يَصْدُرُ مِنْهُ كَلامٌ وَهُوَ لا يُرِيدُ الْكَلامَ بِالْمَرَّةِ كَمَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ وَهُوَ نَائِمٌ. وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الأَمْرَاضُ الْمُنَفِّرَةُ كَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ.
وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الْجُبْنُ، أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ بَلِ الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ مَوْجُودٌ فِيهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ النُّفُورِ مِنَ الْحَيَّةِ فَإِنَّ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ تَقْتَضِي الْهَرَبَ مِنَ الْحَيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ التَّخَوُّفِ مِنْ تَكَالُبِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهُمْ. وَلا يُقَالُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَرَبَ بِحَيْثُ يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ أَمَّا فَرَّ مِنَ الأَذَى مَثَلًا فَلا يُشْعِرُ بِالْجُبْنِ يُقَالُ هَاجَرَ فِرَارًا مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ هَذَا جَائِزٌ مَا فِيهِ نَقْصٌ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ مُوسَى ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [سُورَةَ الشُّعَرَاء/21].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ أَيْ مَحْفُوظُونَ مِنَ الْكُفْرِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا قَوْلُ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْكَوْكَبِ حِينَ رَءَاهُ ﴿هَذَا رَبِّى﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/76] فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ الإِنْكَارِيِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَهَذَا رَبِّي كَمَا تَزْعُمُونَ، ثُمَّ لَمَّا غَابَ قَالَ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/76] أَيْ لا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَذَا رَبًّا فَكَيْفَ تَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، وَلَمَّا لَمْ يَفْهَمُوا مَقْصُودَهُ بَلْ بَقُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَالَ حِينَمَا رَأَى الْقَمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ،
فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْهُمْ بُغْيَتَهُ أَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ عِبَادَتِهِ وَأَنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَتِ الشَّمْسُ قَالَ لَهُمْ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ أَيْ عَلَى زَعْمِكُمْ فَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ بُغْيَتَهُ فَأَيِسَ مِنْهُمْ مِنْ عَدَمِ انْتِبَاهِهِمْ وَفَهْمِهِمْ لِلْمُرَادِ أَيْ أَنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ لا يَصْلُحُونَ لِلأُلُوهِيَّةِ فَتَبَرَّأَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِمْ بَلْ ذَهَبَ إِلَى فِلَسْطِينَ فَأَقَامَ هُنَاكَ وَتُوُفِّيَ فِيهَا، وَفِي خِلالِ ذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ بِسُرِّيَّتِهِ هَاجَرَ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ.
وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كَانَ يَعْلَمُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ لا تَكُونُ إِلَّا للَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [سُورَةَ الأَنْبِيَاء/51].
وَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ، وَكَذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ التَّلَبُّسِ بِالذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ فَإِنَّ هَذِهِ صَغِيرَةٌ لَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفْسٍ.
فَائِدَةٌ قَالَ الأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَ مَكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ وَلا ثَمَرُ الثَّمَرَاتِ فَأَمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ أَنْ يَنْقُلَ جَبَلًا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ فَنَقَلَهُ جِبْرِيلُ اهـ وَالطَّائِفُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفَاكِهَةِ فِيهَا الرُّمَّانُ وَفِيهَا الْعِنَبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/126].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي لَكِنْ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ.
الشَّرْحُ أَنَّ الصَّغَائِرَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ تَجُوزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ الْمُوَافِقُ لِكَلامِ الإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَكِنَّهُ قَيَّدَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِمَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ. أَمَّا الأَكْثَرُونَ فَعَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ ءَايَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سُورَةَ طَه/121]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سُورَةَ الشُّعَرَاء/82]،
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [سُورَةَ ص/24] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سُورَةَ مُحَمَّد/19] فَهَذَا فِيهِ إِثْبَاتُ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَقِّ أُمَّتِهِ فَنَحْنُ نَقُولُ اقْتِدَاءً بِالْجُمْهُورِ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ هِيَ مَعْصِيَةٌ حَقِيقِيَّةٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ فَأُمِرَ الرَّسُولُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْهَا فَاسْتَغْفَرَ.
وَلَكِنَّ الأَنْبِيَاءَ إِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ شَىْءٌ مِنَ الْمَعَاصِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ فَيَتُوبُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي تِلْكَ الصَّغِيرَةِ غَيْرُهُمْ فَيَفْعَلَ مِثْلَمَا فَعَلُوا لِأَنَّهُمْ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سُورَةَ الْفَتْح/2] فَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لِيَحْفَظَكَ اللَّهُ مِنْ ذَنْبِكَ فِيمَا مَضَى وَمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ. وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ هَذَا.
بَعْضُ الأَشَاعِرَةِ قَالُوا لا يَجُوزُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَعْصِيَةٌ وَلا مَكْرُوهٌ لِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فَلَوْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ لَكَانَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ لِلنَّاسِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْمَكْرُوهِ وَهَذَا بَاطِلٌ فَوَجَبَ تَنْزِيهُهُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمَكْرُوهِ بِالْمَرَّةِ. وَيُدْفَعُ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّهُمْ يُنَبَّهُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ أَحَدٌ فَيَتُوبُونَ [أَيْ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ يَتُوبُونَ] فَلا يَحْصُلُ اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الأَتْبَاعُ مَأْمُورِينَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْمَكْرُوهِ وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ الْمَحْذُورُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ النُّبُوَّةَ لا تَصِحُّ لِإِخْوَةِ يُوسُفَ الَّذِينَ فَعَلُوا تِلْكَ الأَفَاعِيلَ الْخَسِيسَةَ وَهُمْ مَنْ سِوَى بِنْيَامِينَ.
الشَّرْحُ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لا تَصِحُّ النُّبُوَّةُ لِإِخْوَةِ يُوسُفَ وَهُمُ الْعَشَرَةُ الَّذِينَ فَعَلُوا تِلْكَ الأَفَاعِيلَ الْخَسِيسَةَ مِنْ ضَرْبِهِمْ يُوسُفَ وَرَمْيِهِمْ لَهُ فِي الْبِئْرِ وَتَسْفِيهِهِمْ أَبَاهُمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿إِنَّكَ لَفِى ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [سُورَةَ يُوسُف/95] وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُمْ مَنْ عَدَا بِنْيَامِينَ أَيْ لَيْسَ بِنْيَامِينُ مِنْهُمْ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالأَسْبَاطُ الَّذِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ هُمْ مَنْ نُبِّئَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ.
الشَّرْحُ أَنَّ الأَسْبَاطَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْءَانِ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ هُمْ غَيْرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ءَاذَوْا يُوسُفَ بَلْ هُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ لِأَنَّ ذُرِّيَّتَهُمْ مِنْهُمْ مَنْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ. وَالسِّبْطُ لُغَةً يُطْلَقُ عَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ. قَالَ تَعَالَى ﴿قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/136].
