قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْعُ فِى هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ وَإِنْ كَانَ فِى إِسْنَادِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَقَالٌ.
وَحَدَّثَنِى عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْمَجْرُ أَنْ يُبَاعَ الْبَعِيرُ أَوْ غَيْرُهُ بِمَا فِى بَطْنِ النَّاقَةِ، يُقَالُ أَمْجَرْتُ فِى الْبَيْعِ إِمْجَارًا.
ذِكْرُ النَّهْىِ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاقِيحِ
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاقِيحِ بَاطِلٌ. وَمِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بنُ أَبِى الأَخْضَرِ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاقِيحِ [.....] [سَقَطَ فِى الأَصْلِ] مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ عَنْ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنِى عَلِىٌّ عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ الْمَلاقِيحُ مَا فِى الْبُطُونِ وَهِىَ الأَجِنَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا مَلْقُوحَةٌ وَالْمَضَامِينُ مَا فِى أَصْلابِ الْفُحُولِ كَانُوا يَبِيعُونَ الْجَنِينَ فِى بَطْنِ النَّاقَةِ وَمَا يَضْرِبُ الْفَحْلُ فِى عَامِهِ أَوْ أَعْوَامٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ فِى ذَلِكَ وَفِى بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ بَطَلَ كُلُّ مَا كَانَ فِى مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَيَبْطُلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كُلُّ مَا ابْتِيعَ فِى وِعَاءٍ أَوْ ظَرْفٍ يَجْهَلُهُ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيَبْطُلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا بَيْعُ الرَّطَابِ جَزَّاتٍ [وَالرَّطَابُ جَمْعُ رَطْبَةٍ وَهِىَ الْقَضْبَةُ وَهِىَ الْفُصَّةُ] وَبَيْعُ الْجَزَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْجَزَرِ وَالْخِيَارِ وَالتِّينِ وَكُلِّ مَا خَرَجَ مِنَ الْبَحْرِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لا يَكُونُ وَيَكُونُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا وَوَسَطًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِى مَعْنَى مَا نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْهُ.
ذِكْرُ النَّهْىِ عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ
حَدَّثَنَا عِلَّانُ بنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى الزّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ »نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ« [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ].
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ قَدْرُهُ حَتَّى تَقَعَ عَلَيْهِ الْمَقَاسِمُ وَكُلُّ بَيْعٍ مَجْهُولٍ فَفِى هَذَا الْمَعْنَى«. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ فِى الأَوْسَطِ.
وَقَالَ فِى الإِشْرَافِ »ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينِ [وَبَيْعُ السِّنِينِ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ ضَمَانِ الشَّجَرِ لِسِنِين أَمَّا إِنْ بَاعَهُ مَا عَلَى الشَّجَرَةِ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجُوزُ بِشُرُوطِهِ]، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ بَيْعَ ثَمَرِ النَّخْلِ السِّنِين لا يَجُوزُ، وَقَالَ وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ »مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا« [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِى مَعْنَاهُ فَقَالَ قَائِلٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِنَا، وَقَالَ ءَاخَرُ لَيْسَ مِنْ أَخْلاقِنَا، وَقَالَ ءَاخَرُ لَمْ يَتَّبِعْنَا عَلَى أَخْلاقِنَا. احْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ/36] الآيَةَ.
ثُمَّ قَالَ الأَوْسَط فِى بَابِ مَا نُهِىَ عَنْهُ مِنَ الْبُيوعِ مَا نَصُّهُ
بَابُ النَّهْىِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ] وَاخْتَلَفُوا فِى تَفْسِيرِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ بِكَذَا أَوْ بِكَذَا فَيَفْتَرِقَانِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ الشَّافِعِىُّ إِذَا بَاعَهُ ثَوْبًا بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّ الدِّينَارَ إِذَا حَلَّ أَخَذَ بِهِ دَرَاهِمَ إِلَى وَقْتٍ فَهَذَا حَرَامٌ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ وَشَرْطَيْنِ فِى شَرْطٍ.
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ »الصَّفْقَتَانِ فِى صَفْقَةٍ رِبًا«. قَالَ الثَّوْرِىُّ [أَىِ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ] وَتَفْسِيرُهُ أَنْ أَبِيعَكَ بِأَلْفٍ وَتُعْطِيَنِى الدِّينَارَ فِى عَشَرَةٍ وَأَبِيعَكَ بِعَشَرَةٍ بِنَقْدٍ وَبِعِشْرِينَ بِنَسِيئَةٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ صَفْقَتَانِ فِى صَفْقَةٍ مِثْلُ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ.
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ طَاوُسٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لا بَأْسَ بِأَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ بِالنَّقْدِ بِكَذَا وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا فَيَذْهَبَ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ أَنْ يَقُولَ جَارِيَتِى هَذِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِى عَبْدَكَ هَذَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَالْبَيْعُ فِى ذَلِكَ كُلِّهِ فَاسِدٌ اهـ.
وَقَالَ الْخَطَّابِىُّ فِى كِتَابِ مَعالِمِ السُّنَنِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا«.
قَالَ الشَّيْخُ [أَىِ الْخَطَّابِىُّ فِى مَعَالِمِ السُّنَنِ] رَحِمَهُ اللَّهُ لا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ صَحَّحَ الْبَيْعَ بِأَوْكَسِ الثَّمَنَيْنِ إِلَّا شَىْءٌ يُحْكَى عَنِ الأَوْزَاعِىِّ وَهُوَ مَذْهَبٌ فَاسِدٌ وَذَلِكَ لِمَا تَتَضَّمَنُهُ هَذِهِ الْعَقْدَةُ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ.
حَدَّثَنَا الأَصَمُّ قَالَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّافِعِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِىُّ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو. وَحَدَّثُونَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِىِّ حَدَّثَنَا الأَنْصَارِىُّ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو، فَأَمَّا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِى حُكُومَةٍ فِى شَىْءٍ بِعَيْنِهِ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ دِينَارًا فِى قَفِيزٍ إِلَى شَهْرٍ فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ وَطَالَبَهُ بِالْبُرِّ، قَالَ لَهُ بِعْنِى الْقَفِيزَ الَّذِى لَكَ عَلَىَّ بِقَفِيزَيْنِ إِلَى شَهْرٍ فَهَذَا بَيْعٌ ثَانٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى الْبَيْعِ الأَوَّلِ فَصَارَ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ فَيُرَدَّانِ إِلَى أَوْكَسِهِمَا وَهُوَ الأَصْلُ فَإِنْ تَبَايَعَا الْمَبِيعَ الثَّانِىَ قَبْلَ أَنْ يَتَنَاقَضَا الأَوَّلَ كَانَا مُرْبِيَيْنِ (أَىْ وَقَعَا فِى الرِّبَا).
وَتَفْسِيرُ مَا نُهِىَ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ وَنَسِيئَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذَا لا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لا يُدْرَى أَيُّهُمَا الثَّمَنُ الَّذِى يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا فَيَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ وَإِذَا جُهِلَ الثَّمَنُ بَطَلَ الْبَيْعُ. وَالْوَجْهُ الآخَرُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِى جَارِيَتَكَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ ثَمَنَ الْعَبْدِ عِشْرِينَ دِينَارًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ جَارِيَتَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ،
وَذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ سَقَطَ بَعْضُ الثَّمَنِ وَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ صَارَ الْبَاقِى مَجْهُولًا [هَذَا الَّذِى نُهِىَ عَنْهُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ. وَصَحَّ فِى الْحَدِيثِ نَهْىُ رَسُولِ اللَّهِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَنْوَاعِ الشُّرُوطِ لَيْسَ كُلَّ الشُّرُوطِ مِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ] اهـ.
قَالَ الْخَطَّابِىُّ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِى بِهِمَا دَرَاهِمَ صَرْفَ عِشْرِينَ أَوْ ثَلاثِينَ بِدِينَارٍ. فَأَمَّا إِذَا بَاعَهُ شَيْئَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ كَدَارٍ وَثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ وَثَوْبٍ فَهَذَا جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْبَيْعَتَيْنِ فِى الْبَيْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنَّمَا هِىَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ. وَعَقْدُ الْبَيْعَتَيْنِ فِى بَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فَاسِدٌ.
وَحُكِىَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ لا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ لَهُ هَذَا الثَّوْبُ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ وَإِلَى شَهْرٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَذْهَبَ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ لا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا.
وَقَالَ الأَوْزَاعِىُّ لا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَكِنْ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَبَاتَّهُ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ ذَهَبَ بِالسِّلْعَةِ عَلَى ذَيْنِكَ الشَّرْطَيْنِ فَقَالَ هِىَ بِأَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ إِلَى أَبْعَدِ الأَجَلَيْنِ.
قَالَ الْخَطَّابِىُّ هَذَا مَا لا يُشَكُّ فِى فَسَادِهِ فَأَمَّا إِذَا بَاتَّهُ عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ فِى مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَهُوَ صَحِيحٌ لا خُلْفَ فِيهِ وَذِكْرُ مَا سِوَاهُ لَغْوٌ لا اعْتِبَارَ بِهِ اهـ.
هَذَا كَلامُ الْخَطَّابِىِّ وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ بَاطِلٌ لا يَجُوزُ كَبَيْعِهِ زَرْعًا أَوْ ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ أَوْ يَخِيطَهُ فَهَذَا لا يَصِحُّ، وَلَكِنْ يَصِحُّ بَيْعٌ بِشَرْطِ خِيَارٍ كَأَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَكَ الْخِيَارُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً فَإِنْ لَمْ يُعْجِبْهُ يَرُدُّ ضِمْنَ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ وَمَعْنَاهُ لا تَرُدُّ عَلَىَّ إِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهُ بِعْتُكَ هَذِهِ الثِّمَارَ الَّتِى عَلَى الشَّجَرِ بِشَرْطِ أَنْ تَقْطَعَهَا أَىْ لا تُبْقِيَهَا.
وَكَذَلِكَ يَصِحُّ إِذَا قَالَ لَهُ بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إِلَى شَهْرٍ أَوْ قَالَ لَهُ بِعْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ بِكَذَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِى فَرَسَكَ أَوْ بَقَرَتَكَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْكَفِيلِ وَمَعْنَاهُ تُعْطِينِى كَفِيلًا يَضْمَنُ لِىَ الثَّمَنَ.
وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَ بِشَرْطِ الإِشْهَادِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الشُّهُودَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/282] فَإِنْ قَالَ لَهُ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِكَذَا فَقَالَ اشْتَرَيْتُ بِشَرْطِ أَنْ تُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ مَعَ التَّعْيِينِ أَوْ بِدُونِ تَعْيِينٍ جَازَ وَكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى مِنْهُ الْعَبْدَ وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ كَاتِبًا أَىْ يَعْرِفُ الْخَطَّ جَازَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَاتِبًا يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ شَرَطَ أَنْ يُقْبِضَهُ أَوْ شَرَطَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ إِنْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ. وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَهُ الْعَبْدَ بِشَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِىَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ
