قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَشُرِطَ مَعَ مَا مَرَّ لِقَبُولِهَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَقْصِدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ يَكُونَ مَأْكَلُهُ وَمَلْبُوسُهُ وَمُصَلَّاهُ حَلالًا، وَأَنْ يَخْشَعَ لِلَّهِ قَلْبُهُ فِيهَا وَلَوْ لَحْظَةً فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ صَحَّتْ صَلاتُهُ بِلا ثَوَابٍ.
الشَّرْحُ هَذَا بَيَانٌ لِشُرُوطِ الْقَبُولِ وَهِيَ غَيْرُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا قَبْلُ لِأَنَّ تِلْكَ لا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِهَا، وَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَهِيَ شَرَائِطُ لِنَيْلِ الثَّوَابِ فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ صَحَّتْ صَلاتُهُ لَكِنْ بِلا ثَوَابٍ وَهِيَ:
الإِخْلاصُ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ أَنْ يَقْصِدَ بِصَلاتِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ لا أَنْ يَمْدَحَهُ النَّاسُ وَيُثْنُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِنْ قَصَدَ مَدْحَ النَّاسِ لَهُ أَوْ قَصَدَ مَعَ طَلَبِ الأَجْرِ مَدْحَ النَّاسِ لَهُ فَلا ثَوَابَ لَهُ وَعَلَيْهِ إِثْمٌ.
وَأَنْ يَكُونَ مَأْكَلُهُ وَمَلْبُوسُهُ وَمَكَانُ صَلاتِهِ حَلالًا فَمَنْ كَانَ مَأْكَلُهُ أَوْ مَلْبُوسُهُ أَوْ مَكَانُ صَلاتِهِ حَرَامًا فَإِنَّهُ لا ثَوَابَ لَهُ مَعَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً أَيْ مُجْزِئَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُسْتَعْصِي فِي الْمَسْكَنِ بِدُونِ رِضَا الْمَالِكِ وَقَدْ كَانَ انْتَهَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي أُجْرِيَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا ثُمَّ مَكَثَ فِي الْمَكَانِ وَالْمَالِكُ لا يَرْضَى بِمُكْثِهِ إِلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي الأُجْرَةِ أَوْ لا يَرْضَى إِلَّا بِخُرُوجِهِ فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَعْصَى وَمَكَثَ فِي الْمَكَانِ فَإِنَّ صَلاتَهُ فِيهِ لا ثَوَابَ فِيهَا لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الصَّلاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، أَمَّا مَا لَمْ تَمْضِ الْمُدَّةُ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ مَعَ الْمُؤْجِرِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ فَإِذَا تَغَيَّرَتْ نِيَّةُ الْمُؤْجِرِ بِأَنْ نَدِمَ لِأَنَّهُ ءَاجَرَهُ بِأُجْرَةٍ خَفِيفَةٍ فَلا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَسْتَحِقُّ إِتْمَامَ الْمُدَّةِ الَّتِي جَرَى الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا بِالإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ شَرْعًا.
فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْبُيُوتَ بِغَيْرِ رِضَا الْمُلَّاكِ الْمُؤْجِرِينَ إِمَّا لِعَدَمِ دَفْعِهِمُ الأُجْرَةَ الَّتِي تُرْضِيهِمْ أَوْ لِكَوْنِهِمْ أَيِ الْمُلَّاكِ يُرِيدُونَ خُرُوجَ الْمُسْتَأْجِرِينَ فَيَسْتَعْصُونَ اعْتِمَادًا عَلَى حُكْمِ الْقَانُونِ الْمُخَالِفِ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ [فِي سُنَنِهِ] مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.
وَإِحْضَارُ الْقَلْبِ أَيْ أَنْ يَخْشَعَ لِلَّهِ وَلَوْ لَحْظَةً، فَمَنْ لَمْ يَخْشَعْ لِلَّهِ لَحْظَةً فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِلا ثَوَابٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سُورَةَ الْمُؤْمِنُون].
وَالْخُشُوعُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالأَسْبَابِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ. وَمِنْ هَذِهِ الأَسْبَابِ الإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَلا سِيَّمَا عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلاةِ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ «لَعَلَّ هَذِهِ الصَّلاةَ ءَاخِرُ صَلاتِي» أَيْ لَعَلِّي لا أَعِيشُ بَعْدَهَا فَيَصِيرُ فِي قَلْبِهِ خَوْفٌ مِنَ اللَّهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ» أَيْ قَاطِعِ اللَّذَّاتِ.
وَمَعْنَى الْخُشُوعِ هُوَ اسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [وَالْمَقْصُودُ خَوْفُ الإِجْلالِ وَالتَّعْظِيمِ، أَمَّا مُجَرَّدُ اسْتِحْضَارِ الْخَوْفِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلا يُسَمَّى خُشُوعًا لِأَنَّ الْخُشُوعَ لِلَّهِ لَيْسَ الْخَوْفَ مِنَ النَّارِ] أَوِ اسْتِشْعَارُ مَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ.
أَرْكَانُ الصَّلاةِ
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ: أَرْكَانُ الصَّلاةِ سَبْعَةَ عَشَرَ.
الشَّرْحُ هَذَا بِعَدِّ الطُّمَأْنِينَةِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ مَحَالِّهَا الأَرْبَعَةِ رُكْنًا، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الطُّمَأْنِينَةَ تَابِعَةً لِلرُّكْنِ فَيَعُدُّ الأَرْكَانَ ثَلاثةَ عَشَرَ، وَبَعْضُهُمْ يَعُدُّهَا فِي مَحَالِهَا الأَرْبَعَةِ رُكْنًا وَاحِدًا فَيَعُدُّ الأَرْكَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأَوَّلُ النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ لِلْفِعْلِ وَيُعَيِّنُ ذَاتَ السَّبَبِ أَوِ الْوَقْتِ وَيَنْوِي الْفَرْضِيَّةَ فِي الْفَرْضِ.
الشَّرْحُ أَنَّ النِّيَّةَ هِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَهِيَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ فَالنُّطْقُ بِهَا بِاللِّسَانِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، فَلَوْ تَرَكَ قَوْلَ نَوَيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ مَثَلًا وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ وَنَوَى فِي التَّكْبِيرِ هَذِهِ النِّيَّةَ صَحَّتْ صَلاتُهُ، وَأَمَّا إِذَا نَوَى بِالْقَلْبِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فِي التَّكْبِيرِ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ لا تَصِحُّ إِنْ تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ بِاللِّسَانِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَغَفَلَ عَنْهَا فِي قَلْبِهِ مَعَهُ.
فَالأَمْرُ الضَّرُورِيُّ فِي النِّيَّةِ هُوَ أَنْ يَقْصِدَ فِعْلَ الصَّلاةِ فِي التَّكْبِيرِ، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعَيِّنَ الصَّلاةَ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ كَالْخُسُوفِ وَالصَّلاةَ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ كَالضُّحَى وَالْعِيدِ، وَأَنْ يَنْوِيَ إِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ مَفْرُوضَةً أَنَّهَا فَرْضٌ، كُلُّ ذَلِكَ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ مَعَ التَّكْبِيرِ أَيْ ضِمْنَهُ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، يَقُولُ بِقَلْبِهِ مَثَلًا أُصَلِّي فَرْضَ الظُّهْرِ أَوْ أُصَلِّي فَرْضَ الْعَصْرِ أَوْ أُصَلِّي الضُّحَى أَوْ أُصَلِّي الْوِتْرَ وَيَكُونُ هَذَا مَعَ التَّكْبِيرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ غَيْرُ لازِمَةٍ فَتَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ أَوِ الْمَغْرِبَ أَوْ صَلاةَ كَذَا مِنَ الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ دُونِ أَيْ يَنْوِيَ الْفَرْضِيَةَ بِقَلْبِهِ.
وَلا يَجِبُ عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقْتَرِنَةً بِالتَّكْبِيرِ فَلَوْ نَوَى الصَّلاةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ بِقَلِيلٍ صَحَّتِ الصَّلاةُ عِنْدَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ هُوَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَالزَّكَاةَ لا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ لَكِنْ عِنْدَ بَعْضِ الأَئِمَّةِ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا النِّيَّةُ فَلَوْ قَفَزَ الْجُنُبُ فَي بَحْرٍ مِنْ دُونِ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ صَحَّ الْغُسْلُ عِنْدَهُمْ وَهَؤُلاءِ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ إِنَّمَا تَكُونُ الأَعْمَالُ كَامِلَةً بِالنِّيَّةِ.
وَكُلُّ الأَئِمَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ كَمَا زَعَمَ سَيِّدُ سَابِق الْمِصْرِيُّ الَّذِي عَمِلَ كِتَابَ فِقْهِ السُّنَّةِ أَنَّ الْكُفْرَ بِدُونِ نِيَّةٍ لا يَثْبُتُ. هَذَا الرَّجُلُ فَتَحَ بَابَ الْكُفْرِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لِلنَّاسِ يَقُولُ: كُلُّ كَلِمَاتِ الْكُفْرِ بِدُونِ نِيَّةٍ لا يَكُونُ قَائِلُهَا كَافِرًا إِنْ لَمْ يَنْوِ. وَهُوَ كَانَ يُدَرِّسُ فِي إِحْدَى الْجَامِعَاتِ فِي الْحِجَازِ، الْوَهَّابِيَّةُ جَعَلَتْهُ أُسْتَاذًا فِي جَامِعَتِهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَقُولُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ كَكُلِّ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ اللَّهُ أَكْبَرُ وَهُوَ ثَانِي أَرْكَانِهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ مِمَّا هُوَ لازِمٌ لا يَصِحُّ التَّكْبِيرُ بِدُونِهِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ جَمِيعَ حُرُوفِهِ، وَأَنَّ كُلَّ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ فِي الْجُلُوسِ الأَخِيرِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِيهِ وَالسَّلامِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ.
وَالتَّكْبِيرُ هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لا يَمُدَّ الْبَاءَ بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ أَكْبَار فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلاةَ أَيْ لا تَنْعَقِدُ الصَّلاةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الأَكْبَارَ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ «كَبَرٍ» وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ وَكَانَ جَاهِلًا بِالْمَعْنَى لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَعْنَى وَقَالَ ذَلِكَ عَمْدًا كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى وَالتَّعَمُّدِ لِلنُّطْقِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلْيُحْذَرْ ذَلِكَ فِي الأَذَانِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يَمُدَّ الأَلِفَ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَلَوْ قَالَ «ءَاللَّهُ أَكْبَرُ» لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاتُهُ وَيَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ، وَإِنْ فَهِمَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الِاسْتِفْهَامُ وَنَطَقَ بِهِ عَمْدًا فَقَدْ كَفَرَ [أَمَّا إِنْ كَانَ مُوَحِّدًا وَلا يَفْهَمُ مِنْهُ الشَّكَ هَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَمْ لا فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ قَبِيحٌ] لِأَنَّهُ يَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ هَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ قَدْرًا وَعِلْمًا أَمْ لَيْسَ أَكْبَرُ؟.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لا يَزِيدَ وَاوًا قَبْلَ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَلَوْ قَالَ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، كَذَلِكَ لَوْ زَادَ وَاوًا بَيْنَ لَفْظِ الْجَلالَةِ وَ(أَكْبَرُ)، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَلَ هَمْزَةَ أَكْبَرُ بِالْوَاوِ فَقَالَ اللَّهُ وَكْبَر.
قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُشْتَرَطُ أَيْضًا لِصِحَّةِ التَّكْبِيرِ أَنْ لا يَمُدَّ لَفْظَ الْجَلالَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَرَكَةً وَلَمْ نَرَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَالْمُتَوَلِّي لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا هَذَا شَىْءٌ يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوهِ.
فَائِدَةٌ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى شَرْحِ رَوْضِ الطَّالِبِ مَا نَصُّهُ: «قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: لَوْ تَوَسْوَسَ الْمَأْمُومُ فِي تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ عَلَى وَجْهٍ يُشَوِّشُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَأْمُومِينَ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَنْ قَعَدَ يَتَكَلَّمُ بِجِوَارِ الْمُصَلِّي، وَكَذَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ - أَيْ لِلْقُرْءَانِ - جَهْرًا عَلَى وَجْهٍ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّي بِجِوَارِهِ» اهـ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ بِالدُّفِ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ لَكِنْ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مُصَلٍّ أَوْ قَارئٌ لِلْقُرْءَانِ يَتَشَوَّشُ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ أَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَجَائِزٌ. الْمَسْجِدُ يَجُوزُ فِيهِ اللَّعِبُ الْمُبَاحُ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ كَاللَّعِبِ بِالْحِرَابِ. الْحَبَشَةُ كَانُوا يَرْقُصُونَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ وَيَمْدَحُونَهُ فَرَءَاهُمْ [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ] وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ وَلا قَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَرْقُصُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الثَّالِثُ الْقِيَامُ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِهَا الْقِيَامَ فِي الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَلَوْ نَذْرًا أَوْ صَلاةَ جِنَازَةٍ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مِنَ الصَّبِيِّ الْقِيَامُ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْكَبِيرِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّلاةِ الْمُعَادَةِ وَهِيَ الَّتِي تُعَادُ بَعْدَ أَنْ أُدِّيَتْ صَحِيحَةً مِنْ أَجْلِ جَمَاعَةٍ ثَانِيَةٍ، فَلَوْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَيْ لا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ النُّهُوضِ إِلَّا بِمُعِينٍ يُعِينُهُ بِأُجْرَةٍ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ إِلَّا بِالْقِيَامِ [وَأَمَّا النُّهُوضُ بِمُعِينٍ وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ فَيَلْزَمُهُ كَمَا فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ،
وَالْمُرَادُ بِمَنْ لا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ إِلَّا بِمُعِينٍ أَيْ لا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ النُّهُوضِ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ حَاشِيَةِ الشَّبْرَامَلِّسِيِّ عَلَى شَرْحِ الرَّمْلِيِّ بَعْد نَقْلِ كَلامِ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ «إِنَّ مَنْ قَدَرَ بَعْدَ النُّهُوضِ عَلَى الْقِيَامِ مُعْتَمِدًا عَلَى نَحْوِ جِدَارٍ وَعَصًا لَزِمَهُ أَوْ بِمُعِينٍ لَمْ يَلْزَمْهُ»] وَبَعْضُهُمْ قَالَ هَذَا لَيْسَ وَاجِبًا وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ إِلَّا بعُكَّازٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِعَانَةُ بِهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَنْ كَانَتْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عَادَةً صَحَّتْ صَلاتُهُ قَاعِدًا،
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى جَنْبٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُسْتَلْقِيًا وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وُجُوبًا وَلَوْ قَلِيلًا لِيَتَوَجَّهَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتَقْبَلَ السَّمَاءَ فَلا تَصِحُّ صَلاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَفْعَ رَأْسِهِ اقْتَصَرَ عَلَى تَوْجِيهِ أَخْمَصَيْهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَأَنْ يَكُونَ لا يَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَنْبَطِحَ عَلَى وَجْهِهِ صَلَّى وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا صَلَّى بِطَرْفِهِ أَيْ بِجَفْنِهِ أَيْ يُحَرِّكُ جَفْنَهُ بِنِيَّةِ الرُّكُوعِ ثُمَّ بِنِيَّةِ السُّجُودِ وَيَخْفِضُ لِلسُّجُودِ أَشَدَّ وَلا يَصِحُّ الإِغْمَاضُ إِشَارَةً لِلرُّكُوعِ وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ إِشَارَةً لِلسُّجُودِ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْرَى الأَرْكَانَ الْفِعْلِيَّةَ عَلَى قَلْبِهِ، وَأَمَّا الأَرْكَانُ الْقَوْلِيَّةُ فَيَقْرَؤُهَا بِلِسَانِهِ فَإِنِ ارْتَبَطَ لِسَانُهُ أَجْرَاهَا أَيْضًا عَلَى قَلْبِهِ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَقُولُ إِذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ تَحْرِيكِ رَأْسِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ.
ثُمَّ شَرْطُ الْقِيَامِ الِاعْتِمَادُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَنَصْبُ فَقَارِ ظَهْرِهِ وَلا يَجِبُ نَصْبُ الرَّقَبَةِ بَلْ يُسَنُّ خَفْضُ رَأْسِهِ إِلَى الأَمَامِ قَلِيلًا.
وَيَكُونُ رُكُوعُ الْقَاعِدِ بِأَنْ يُحَاذِيَ رَأْسُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ. وَيُسَنُّ وَضْعُ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّحَرُّمِ تَحْتَ صَدْرِهِ وَفَوْقَ سُرَّتِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْوَضْعُ عَلَى الصَّدْرِ [أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ] وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ ءَاخَرَ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ أَمَّا وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى جَنْبٍ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدَاتِ وَيُشْتَرَطُ مُوَالاتُهَا وَتَرْتِيبُهَا وَإِخْرَاجُ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا.
الشَّرْحُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا بَيَانُ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ الَّتِي هِيَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ لِلصَّلاةِ، فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. أَخَذَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَقَالَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَعْنِي الْمُنْفَرِدَ وَالإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ، فَلا يُسْتَثْنَى الْمَأْمُومُ عِنْدَهُ كَمَا يُسْتَثْنَى فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاثَةِ الأُخْرَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَذْهَبِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ قِرَاءَةٌ لِلْمَأْمُومِ عِنْدَهُمْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا قَرَأَ [أَيِ الإِمَامُ] فَأَنْصِتُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ]، وَمَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَخَذَ بِالأَحْوَطِ فِي أَمْرِ دِينِهِ.
فَوَائِدُ اسْتِطْرَادِيَّةٌ [الِاسْتِطْرَادُ مَعْنَاهُ ذِكْرُ الشَّىْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لِمُنَاسَبَةٍ]
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ »قَوْلُهُ - يَعْنِي النَّوَوِيَّ- وَيَسْتَوِ فِي تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ الإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَلَنَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّهَا لا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي الْجَهْرِيَّةِ [وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَذَا الْقَوْلِ]» اهـ.
فَائِدَةٌ إِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَصَلَّى صَلاةَ الْجَهْرِ خَلْفَ جُنُبٍ جَهِلَ حَالَهُ وَلَمْ يَقْرَأِ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ هَلْ تَصِحُّ صَلاةُ الْمَأْمُومِ؟ قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي فُرُوعٍ مُتَفَرِّقَةٍ بَعْدَ بَابِ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ فِيهِ وَجْهَانِ الأَصَحُّ أَنَّهَا لا تَصِحُّ. ثُمَّ قَالَ وَأَصْلُهُمَا الْجُنُبُ إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَأْمُومُ رَاكِعًا هَلْ يُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ فِيهِ وَجْهَانِ» انْتَهَى كَلامُ الْبُلْقِينِيِّ.
ثُمَّ إِنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ ءَايَاتٍ وَالْبَسْمَلَةُ ءَايَةٌ مِنْهَا فَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ كَمَا أَنَّهَا ءَايَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَةَ فَلا يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا لِأَنَّ بَرَاءَةَ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ أَيْ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ لِلتَّحْرِيضِ الشَّدِيدِ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا فِي غَيْرِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُسَمِّيهَا الْفَاضِحَةَ لِأَنَّهَا تَفْضَحُ الْمُنَافِقِينَ.
وَكَذَلِكَ تَجِبُ التَّشْدِيدَاتُ الأَرْبَعَ عَشْرَةَ فِيهَا فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ لِلْفَاتِحَةِ فَلا تَصِحُّ صَلاتُهُ، فَلَوْ خَفَّفَ مُشَدَّدًا لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ إِنْ لَمْ يُعِدْ تِلْكَ الْكَلِمَةَ عَلَى الصَّوَابِ بِخِلافِ تَشْدِيدِ الْمُخَفَّفِ فَإِنَّهُ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ لَكِنْ تَعَمُّدُهُ مَعْصِيَةٌ. قَالَ الْبُجيرميُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الإِقْنَاعِ: «قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَدَّدَ الْمُخَفَّفَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي لا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَلَيْسَ فِيهِ إِبْدَالُ حَرْفٍ بِآخَرَ لا يَضُرُّ» اهـ. أَيْ لا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ تَعَمُّدُهُ. وَقَالَ فِي نَفْسِ الْحَاشِيَةِ: «إِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ اللَّحْنَ الَّذِي لا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ مُطْلَقًا».
فائدةٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التِّتِمَّةِ:
«وَإِنْ تَرَكَ التَّشْدِيدَ عَلَى لَفْظِ إِيَّاكَ وَخَفَّفَهَا فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَهُوَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ صَارَ كَافِرًا لِأَنَّ الإِيَا ضَوْءُ الشَّمْسِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ نَعْبُدُ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ» اهـ.
وَلا بُدَّ أَنْ يُعِيدَ الْكَلِمَةَ عَلَى الصَّوَابِ. قَالَ الْبُجيرميُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الإِقْنَاعِ: «وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الصَّوَابِ فَإِنْ رَكَعَ عَامِدًا عَالِمًا قَبْلَ إِعَادَتِهَا بَطَلَتْ صَلاتُهُ» اهـ.
فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْمَعْنَى أَوْ نَاسِيًا لَهُ فَعُلِّمَ الصَّوَابَ يُعِيدُهَا عَلَى الصَّوَابِ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَبْلَ سَلامِهِ.
وَتَجِبُ مُرَاعَاةُ مُوَالاتِهَا بِأَنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَ شَىْءٍ مِنْهَا وَمَا بَعْدَهُ.
وَتَنْقَطِعُ الْمُوَالاةُ
بِالْفَصْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ فَيَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ غَلَبَهُ السُّعَالُ مَثَلًا. وَسَكْتَةُ التَّنَفُّسِ هِيَ مِقْدَارُ مَا يَسْكُتُ النَّاسُ عَادَةً أَثْنَاءَ كَلامِهِمْ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَتَنَفَّسُوا، لَيْسَ مُقَدَّرًا بِمِقْدَارِ قَوْلِ «سُبْحَانَ اللَّهِ» بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَبِالذِّكْرِ وَإِنْ قَلَّ «كَالْحَمْدُ لِلَّهِ» لِلْعَاطِسِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الذِّكْرُ مَسْنُونًا كَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ فِي غَيْرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ [إِذَا أَجَابَ الْمُؤَذِّنَ فِي غَيْرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ تَنْقَطِعُ الْقِرَاءَةُ وَلا تَفْسُدُ الصَّلاةُ أَمَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ لَوْ أَجَابَهُ بِالْمِثْلِ لَفَسَدَتِ الصَّلاةُ]، نَعَمْ إِنْ سُنَّ فِيهَا لِمَصْلَحَتِهَا كَالتَّأْمِينِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَنَحْوِ قَوْلِ «بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» ءَاخِرَ قِرَاءَةِ «وَالتِّينِ» مِنَ الإِمَامِ [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ] فَلا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ مُوَالاةُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الْمَأْمُومِ.
بَيَانٌ لَوْ أَخَلَّ بِالْمُوَالاةِ كَأَنْ سَكَتَ أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ سُكُوتًا طَوِيلًا وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ بِلا عُذْرٍ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ أَيِ الْعَوْدُ إِلَى أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَكَذَا لَوْ سَكَتَ سُكُوتًا قَصِيرًا قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، بِخِلافِ مَا إِذَا سَكَتَ طَوِيلًا بِعُذْرٍ مِنْ جَهْلٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ إِعْيَاءٍ أَوْ غَلَبَةِ عُطَاسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ أَوْ تَذَكُّرِ ءَايَةٍ نَسِيَهَا فَإِنَّهُ لا يَضُرُّ، وَلَوْ كَرَّرَ ءَايَةً مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى إِنْ أَكْثَرَ تَكْرَارَهَا بِحَيْثُ طَالَ الْفَصْلُ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ اهـ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ:
«إِنْ كَانَتْ أَوَّلَ ءَايَةٍ مِنْهَا أَوْ ءَاخِرَ ءَايَةٍ مِنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَسَطِهَا فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ فِي خِلالِهَا غَيْرَهَا فَإِنْ كَانَ عَامِدًا بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا بَنَى عَلَيْهَا» اهـ.
قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: «وَلَوْ كَرَّرَ ءَايَةً أَوْ كَلِمَةً مِنْهَا فَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ صِحَّتِهَا [أَيْ تَصْحِيحِهَا] لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا قَالَ الْمُتَوَلِّي إِنْ كَرَّرَ مَا هُوَ فِيهِ أَوْ مَا قَبْلَهُ وَاسْتَصْحَبَ بَنَى وَإِلَّا فَلا - أَيْ بَلْ يَسْتَأْنِفُ -، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الإِمَامُ [الإِمَامُ هُنَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَبْدُ الْمَلِكِ] وَالْبَغَوِيُّ يَبْنِي مُطْلُقًا» اهـ، وَاعْتَمَدَ الأَوَّلَ بَعْضُهُمْ.
وَلَوْ قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ بَسْمَلَ أَمْ لا فَأَتَمَّهَا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا كُلَّهَا لِتَقْصِيرِهِ بِمَا قَرَأَهُ مَعَ الشَّكِّ، وَلَوْ أَتَى بِذِكْرٍ أَثْنَاءَهَا عَمْدًا انْقَطَعَتِ الْمُوَالاةُ وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ بِخِلافِ مَا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ سَهْوًا فَإِنَّهُ لا يَضُرُّ، هَذَا إِذَا كَانَ الذِّكْرُ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلاةِ أَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِهَا فَلا يَقْطَعُ الْمُوَالاةَ فِي الأَصَحِّ كَالتَّأْمِينِ لِقِرَاءَةِ الإِمَامِ وَسُؤَالِ الرَّحْمَةِ إِذَا سَمِعَ مِنْهُ ءَايَةً فِيهَا ذَلِكَ مِثْلُ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَةَ الأَنْفَال/70] وَالتَّعَوُّذِ مِنَ الْعَذَابِ إِذَا سَمِعَ مِنْهُ ءَايَةً فِيهَا ذَلِكَ مِثْلُ ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سُورَةَ الزُّمَر/71]،
وَقَوْلِ «بَلَى» إِذَا سَمِعَ مِنْهُ قَوْلَ اللَّهِ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [سُورَةَ التِّين/8]، وَقَوْلِ «ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ] إِذَا سَمِعَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف/185]، وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ إِذَا سَمِعَ مِنْهُ ءَايَةً فِيهَا اسْمُهُ فَإِنَّهُ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ بِالضَّمِيرِ فَلا تَقْطَعُ الْمُوَالاةَ كَأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ بِالظَّاهِرِ كَأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ انْقَطَعَتِ الْمُوَالاةُ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَأَنَّهُ اسْتَأْنَفَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَلا يَقْطَعُ التِلاوَةَ سُجُودُ التِّلاوَةِ مَعَ الإِمَامِ وَكَذَلِكَ الرَّدُّ عَلَيْهِ إِذَا تَوَقَّفَ وَسَكَتَ عَنِ الْقِرَاءَةِ، فَأَمَّا إِنْ رَدَّ قَبْلَ السُّكُوتِ بِأَنْ كَانَ يُرَدِّدُ الآيَةَ انْقَطَعَتِ الْمُوَالاةُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ لِأَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ حِينَئِذٍ» اهـ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ عَلَى الإِمَامِ [أَيْ تَذْكِيرُهُ] بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُ إِنْ قَصَدَ التَّذْكِيرَ وَحْدَهُ فَسَدَتْ صَلاتُهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لا تَفْسُدُ.
فَائِدَةٌ لَوْ أَسْقَطَ حَرْفًا مِنَ الْفَاتِحَةِ كَأَنْ قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ، أَوْ قَالَ الَّذِينَ نَعَمْتَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ، أَوْ أَسْقَطَ شَدَّةً فِي إِيَّاكَ بِأَنْ خَفَّفَ الْيَاءَ، أَوْ أَبْدَلَ حَرْفًا بِآخَرَ كَأَنْ قَالَ صِرَاطَ الزِّينَ بِالزَّايِ أَوْ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَوْ قَالَ الْهَمْدُ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْحَاءِ، أَوْ قَالَ الظَّالِّينَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ بَدَلَ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَوْ قَالَ الْمُسْتَئِيمَ بِالْهَمْزَةِ بَدَلَ الْقَافِ [أَهْلُ حَلَبَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا]،
أَوِ الْمُسْتَقِينَ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيمِ، أَوْ قَالَ نَثْتَعِينُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِنْ تَعَمَّدَ وَعَلِمَ وَإِلَّا فِقِرَاءَتُهُ لِتِلْكَ الْكَلَمَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الرُكُوعِ إِعَادَتُهَا عَلَى الصَّوَابِ وَيُكَمَّلُ عَلَيْهَا إِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَهَا [أَيْ أَعَادَ الْفَاتِحَةَ مِنْ أَوَّلِهَا]، وَإِنْ رَكَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ.
وَلَوْ أَبْدَلَ حَرَكَةً بِأُخْرَى فَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى كَكَسْرِ كَافِ إِيَّاكَ، أَوْ ضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ أَوْ كَسْرِهَا بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِنْ تَعَمَّدَ وَعَلِمَ وَإِلَّا فَقِرَاءَتُهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا عَلَى الصَّوَابِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَطُولِ الْفَصْلِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَ لا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَضَمِّ هَاءِ لِلَّهِ، أَوْ صَادِ صِرَاطَ، أَوْ كَسْرِ بَاءِ نَعْبُدُ، أَوْ كَسْرِ نُونِهَا أَوْ نُونِ نَسْتَعِينُ فَلا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلاةُ مُطْلَقًا لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ وَالتَّعَمُّدِ [لَكِنْ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ قُرْءَانٌ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ قُرْءَانًا يَكْفُرُ]،
هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوَابِ وَلَوْ بِالتَّعَلُّمِ، أَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوَابِ وَعَنْ تَعَلُّمِهِ فَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ [أَيْ بِدُونِ قِرَاءَةِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ التَّحْرِيفِ].
قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ لا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ إِبْدَالُ الضَّادِ ظَاءً لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ [وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِبْدَالَ الْحَرْفِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصَّوَابِ]، وَقَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ لا يَضُرُّ إِبْدَالُ الذَّالِ دَالًا. وَلَوْ قَرَأَ «أَلْ رَحْمٰنِ» بِفَكِّ الإِدْغَامِ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَإِلَّا فَقِرَاءَتُهُ لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَحْرُمُ وَقْفَةٌ لَطِيفَةٌ بَيْنَ السِّينِ وَالتَّاءِ فِي نَسْتَعِين، وَلَوْ قَالَ مُوَسْوِسٌ بِسْ بِسْ إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ تَفْسُدْ [ظَنَّ أَنَّ الأُولَى مَا خَرَجَتْ صَحِيحَةً فَكَرَّرَ أَمَّا الَّذِي يُكَرِّرُ عَمْدًا مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ الأُولَى خَرَجَتْ صَحِيحَةً فَتَفْسُدُ صَلاتُهُ].
وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَمَامِهَا اسْتَأْنَفَهَا وُجُوبًا إِنْ طَالَ زَمَنُ الشَّكِ أَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ مُبْهَمٍ، فَإِنْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُهُ أَعَادَهُ فَقَطْ. انْتَهَتْ أَيْ تِلْكَ الْفَوَائِدُ.
وَيَجِبُ تَرْتِيبُ الْفَاتِحَةِ أَيْضًا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى نَظْمِهَا الْمَعْرُوفِ، فَلَوْ قَدَّمَ كَلِمَةً فَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى أَوْ أَبْطَلَهُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَإِلَّا فَالْقِرَاءَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَيَتَعَمَّدْ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا قَدَّمَهُ وَكَذَا بِمَا أَخَّرَهُ إِنْ قَصَدَ التَّكْمِيلَ [وَلإِيضَاحِ هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ عِبَارَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُقَالَ لَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ بِأَنْ قَدَّمَ كَلِمَةً أَوْ ءَايَةً نُظِرَ فَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى أَوْ أَبْطَلَهُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَإِلَّا فِقِرَاءَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ وَلَمْ يُبْطِلْهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا قَدَّمَهُ مُطْلَقًا وَكَذَا مَا أَخَّرَهُ إِنْ قَصَدَ بِهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ التَّكْمِيلَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ وَإِلَّا بِأَنْ قَصَدَ الِاسْتِئْنَافَ أَوْ أَطْلَقَ كَمَّلَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ].
فَائِدَةٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التِّتِمَّةِ:
«فَأَمَّا إِنْ رَدَّدَ ءَايَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ فَإنْ رَدَّدَ الآيَةَ الَّتِي هُوَ فِي تِلاوَتِهَا ثُمَّ تَلا الْبَاقِي فَالْقِرَاءَةُ صَحِيحَةٌ وَإِنْ أَعَادَ بَعْضَ الآيَاتِ الَّتِي فَرَغَ مِنْ تِلاوَتِهَا مِثْلُ أَنْ وَصَلَ إِلَى قَوْلِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ فَعَادَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إِنْ أَعَادَ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَادَ إِلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مَحْسُوبَةً، وَإِنْ أَعَادَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ قَدِ انْتَهَى إِلَيْهِ لَمْ تُحْسَبْ لَهُ الْقِرَاءَةُ وَعَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي التِّلاوَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ عَامِدًا وَأَمَّا إِذَا كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلا يَنْقَطِعُ نَظْمُ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ فِي الصَّلاةِ فِعْلًا يُخَالِفُ الصَّلاةَ وَهُوَ جَاهِلٌ أَوْ نَاسٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي خِلالِ الْقِرَاءَةِ لا تَبْطُلُ قِرَاءَتُهُ» اهـ.
وَيَجِبُ أَيْضًا إِخْرَاجُ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا فَلا يَصِحُّ إِبْدَالُ قَادِرٍ عَلَى الصَّوَابِ أَوْ مُقَصِّرٍ فِي التَّعَلُّمِ الضَّادَ بِالظَّاءِ، وَمِنْهُ إِخْرَاجُ الْقَافِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَافِ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عِنْدَ قِرَاءَةِ ﴿الْمُسْتَقِيم﴾ فَإِنَّهُمْ يَقْرَءُونَهَا الْمُسْتَغِيم بِالْقَافِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَافِ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الصَّعِيدِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ سَهَّلَ فِي ذَلِكَ.
وَأَوْلَى الْحُرُوفِ عِنَايَةً بِذَلِكَ الصَّادُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُخْرِجُونَهَا غَيْرَ صَافِيَةٍ، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ [فِي التَّبْصِرَةِ] بِعَدَمِ صِحَّةِ قِرَاءَةِ مَنْ يَقْرَأُ كَذَلِكَ أَيْ يَأْتِي بِالصَّادِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السِّينِ لا هِيَ صَادٌ مَحْضَةٌ وَلا هِيَ سِينٌ مَحْضَةٌ وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ أَيِ الصَّادُ الَّتِي تُشْبِهُ السِّينَ الْمُتَرَدِّدَةُ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُسْتَهْجَنَةِ أَيِ الْمُسْتَقْبَحَةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ.
فَهَاكَ عِبَارَةَ ابْنِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ إِمَامٌ فِي اللُّغَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالنَّحْوِ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ «لِهَذِهِ الْحُرُوفِ فُرُوعٌ تُسْتَحْسَنُ وَهِيَ الْهَمْزَةُ الْمُسَهَّلَةُ، وَالْغُنَّةُ وَمَخْرَجُهَا الْخَيْشُومُ، وَأَلِفَا الإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ، وَالشِّينُ كَالْجِيمِ، وَالصَّادُ كَالزَّايِ، وَفُرُوعٌ تُسْتَقْبَحُ وَهِيَ كَافٌ كَجِيمٍ وَبِالْعَكْسِ، وَجِيمٌ كَشِينٍ، وَصَادٌ كَسِينٍ، وَطَاءٌ كَتَاءٍ، وَظَاءٌ كَثَاءٍ، وَبَاءٌ كَفَاءٍ، وَضَادٌ ضَعِيفَةٌ» اهـ وَذَلِكَ فِي كِتَابِهِ «تَسْهِيلُ الْفَوَائِدِ وَتَكْمِيلُ الْمَقَاصِدِ» فِي أَوَاخِرِهِ وَهُوَ بَابُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَذَلِكَ فِي صَحِيفَةِ ثَلاثِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَمِثْلَ ذَلِكَ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ.
قَالَ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الْجَزَرِيَّةِ «حُرُوفُ الصَّفِيرِ (صَادٌ) مُهْمَلَةٌ وَ(زَايٌ) وَ(سِينٌ) مُهْمَلَةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِصَوْتٍ يَخْرُجُ مَعَهَا بِصَفِيرٍ يُشْبِهُ صَفِيرَ الطَّائِرِ، وَفِيهَا لِأَجْلِ صَفِيرِهَا قُوَّةٌ، وَأَقْوَاهَا فِي ذَلِكَ الصَّادُ لِلإِطْبَاقِ [الإِطْبَاقُ لُغَةً: الِالْتِصَاقُ، وَسُمِّيَتْ حُرُوفُهُ مُطْبَقَةً لِانْطِبَاقِ طَائِفَةٍ مِنَ اللِّسَانِ عَلَى الْحَنَكِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا] وَالِاسْتِعْلاءِ [الِاسْتِعْلاءُ لُغَةً: الِارْتِفَاعُ، وَسُمِّيَتْ حُرُوفُهُ مُسْتَعْلِيَةً لِأَنَّ اللِّسَانَ يَعْلُو عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا إِلَى الْحَنَكِ] اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَدَمُ اللَّحْنٍ الْمُخِلِّ بِالْمَعْنَى كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ، وَيَحْرُمُ اللَّحْنُ الَّذِي لَمْ يُخِلَّ، وَلا يُبْطِلُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْفَاتِحَةِ أَنْ لا يَأْتِيَّ بِلَحْنٍ يُخِلُّ بِالْمَعْنَى أَيْ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى أَوْ يُبْطِلُهُ، فَمَنْ أَتَى بِلَحْنٍ فِيهَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَأَنْ يَقُولَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ التَّاءِ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ بَلْ تَبْطُلُ صَلاتُهُ بِذَلِكَ إِنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَإِلَّا فِقِرَاءَتُهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا عَلَى الصَّوَابِ وَإِلَّا فَسَدَتْ صَلاتُهُ، أَمَّا إِنْ كَانَ يَفْهَمُ فَسَادَ الْمَعْنَى [أَيْ يَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْهِدَايَةَ] وَتَعَمَّدَ كَفَرَ.
وَأَمَّا اللَّحْنُ الْمُبْطِلُ لِلْمَعْنَى فَهُوَ كَقِرَاءَةِ الَّذِينَ بِالزَّايِ فَإِنَّهُ لا مَعْنَى لَهُ أَلْبَتَّةَ فَهُوَ كَالْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى.
وَأَمَّا اللَّحْنُ الَّذِي لا يُبْطِلُ الْمَعْنَى فَتَصِحُّ مَعَهُ صَلاتُهُ كَقِرَاءَةِ نِعْبُدُ بِكَسْرِ النُّونِ فَإِنَّهَا لا تُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَمِنَ الْمُبْطِلِ قِرَاءَةُ نَعْبَدُ بِفَتْحِ الْبَاءِ فَهُوَ مِنَ اللَّحْنِ الْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى فَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ إِنْ لَمْ يُعِدِ الْكَلِمَةَ عَلَى الصَّوَابِ، وَأَمَّا تَعَمُّدُهَا مَعَ مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّ مَعْنَى نَعْبَدُ نَأْنَفُ وَنَغْضَبُ، يُقَالُ عَبِدَ يَعْبَدُ كَغَضِبَ يَغْضَبُ وَزْنًا وَمَعْنًى فَلْيُحْذَرْ مَا فِي كِتَابِ فَتْحِ الْعَلَّامِ مِنْ أَنَّهُ لا يُبْطِلُ.
وَأَمَّا كَسْرُ نُونِ نَسْتَعِينُ الأُولَى فَإِنَّ هَذَا الْكَسْرَ جَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ لُغَةُ رَبِيعَةَ، وَقَرَأَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ كَعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهِيَ قِرَاءَةُ شَاذَّةٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْخَامِسُ الرُّكُوعُ بِأَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الرُّكْنَ الْخَامِسَ هُوَ الرُّكُوعُ وَيَحْصُلُ بِالِانْحِنَاءِ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي تَنَالُ أَيْ تَبْلُغُ الرَّاحَتَانِ رُكْبَتَيْهِ لَوْ وَضَعَهُمَا عَلَيْهِمَا مَعَ اعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ، وَالرَّاحَتَانِ هُمَا مَا عَدَا الأَصَابِعَ مِنَ الْكَفَّيْنِ وَالرَّاحَةُ مُقَعَّرُ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَالسَّاعِدِ.
ويُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِانْحِنَاءُ بِلا انْخِنَاسٍ أَيْ ثَنْيِ الرُّكْبَتَيْنِ كَثِيرًا، وَلا يَكْفِي بُلُوغُ الأَصَابِعِ دُونَ الرَّاحَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِاعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ طَوِيلَ الرَّاحَتَيْنِ فَانْحَنَى بِقَدْرِ مَا تَصِلُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُعْتَدِلًا لَمْ تَصِلا فَلا يَكْفِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ قَصِيرَ الْيَدَيْنِ فَالشَّرْطُ فِي صِحَّةِ رُكُوعِهِ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ لَوْ كَانَ مُعْتَدِلًا، وَيُشْتَرَطُ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ فَلَوْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ هَذَا الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ لَمْ يَصِحَّ رُكُوعُهُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الرُّكُوعِ عَدَمُ وُجُودِ الصَّارِفِ، وَالصَّارِفُ هُوَ الشَّىْءُ الَّذِي يَصْرِفُ هَذَا الْهُوِيَّ عَنْ كَوْنِهِ رُكُوعًا إِلَى غَيْرِهِ كَقَصْدِهِ سُجُودَ التِّلاوَةِ فَهَوَى بِهَذَا الْقَصْدِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ رُكُوعًا فَهُنَا لا يَصِحُّ هَذَا الْهُوِيُّ لِوُجُودِ الصَّارِفِ وَهُوَ قَصْدُ سُجُودِ التِّلاوَةِ فَمَنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ بِالْهُوِيِّ بِنِيَّةِ سُجُودِ التِّلاوَةِ أَنْ يَتْرُكَ سُجُودَ التِّلاوَةِ إِلَى الرُّكُوعِ فَلا بُدَّ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعَ.
هَذَا حَدُّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ، وَأَمَّا الْكَمَالُ فِي الرُّكُوعِ فَهُوَ أَنْ يَمُدَّ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ كَالصَّفِيحَةِ مَعَ نَصْبِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ [وَلا يَضُرُّ ثَنْيُ الرُّكْبَتَيْنِ ثَنْيًا خَفِيفًا بِالإِجْمَاعِ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ] وَأَخْذِ الرُّكْبَتَيْنِ بِالرَّاحَتَيْنِ مَعَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ وَبَيْنَ الرِّجْلَيْنِ شِبْرًا وَبَيْنَ الأَصَابِعِ تَفْرِيقًا وَسَطًا هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسَنُّ لَهَا أَنْ تُقَارِبَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا.
وَمِنْ كَمَالِ الرُّكُوعِ قَوْلُ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم» ثَلاثًا وَهَذَا غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى رِضَا الْمَأْمُومِينَ، أَمَّا مَا زَادَ عَلَى الثَّلاثِ فَفِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى رِضَا مَأْمُومِينَ مَحْصُورِينَ أَيْ لا يَأْتِي إِلَيْهِمْ غَيْرُهُم، فَإِنْ زَادَ وَهُمْ لا يَرْضَوْنَ فَهُوَ خِلافُ الأَوْلَى.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّادِسُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَهِيَ سُكُونُ كُلِّ عَظْمٍ مَكَانَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
الشَّرْحُ أَنَّ الرُّكْنَ السَّادِسَ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْمُرَادُ بِالطُّمَأْنِينَةِ اسْتِقْرَارُ الأَعْضَاءِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّابِعُ الِاعْتِدَالُ بِأَنْ يَنْتَصِبَ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَائِمًا. الثَّامِنُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَالِ عَوْدُ الرَّاكِعِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ إِنْ كَانَ قِيَامًا أَوْ غَيْرَهُ، وَيَحْصُلُ بِانْتِصَابِ الْمُصَلِّي قَائِمًا إِنْ كَانَ يُصَلِّي قَائِمًا، وَأَمَّا الْمُصَلِّي جَالِسًا أَوْ غَيْرَهُ فَبِالرُّجُوعِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي الِاعْتِدَالِ عَدَمُ الصَّارِفِ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَىْءٍ لَمْ يَكْفِ لِلِاعْتِدَالِ، وَلَوْ رَفَعَ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ رَاكِعًا لِكَوْنِهِ شَكَّ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِيَقْرَأَهَا فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ قَرَأَهَا قَبْلُ كَفَاهُ ذَلِكَ الرَّفْعُ لِلِاعْتِدَالِ.
وَمِنْ كَمَالِ الِاعْتِدَالِ أَنْ يَقُولَ مَعَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَوْ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ.
وَالْقُنُوتُ [وَهُوَ لُغَةً الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ] فِي اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي الصُّبْحِ وَفِي اعْتِدَالِ رَكْعَةِ الْوِتْرِ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ الثَّانِي، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ وَءَالِهِ فِي ءَاخِرِهِ، وَفِي اعْتِدَالِ ءَاخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِلنَّازِلَةِ أَيِ الْبَلاءِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّاسِعُ السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ بِأَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا عَلَى مُصَلَّاهُ مَكْشُوفَةً وَمُتَثَاقِلًا بِهَا وَمُنَكِّسًا أَيْ يَجْعَلُ أَسَافِلَهُ أَعْلَى مِنْ أَعَالِيهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ الرُّكْنَ التَّاسِعَ هُوَ السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالسُّجُودُ فِي الشَّرْعِ هُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ، وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا هُوَ شَبِيهٌ بِذَلِكَ.
وَمِنْ شُرُوطِهِ:
أَنْ يَكُونَ مُتَثَاقِلًا بِجَبْهَتِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ قُطْنٌ لَانْكَبَسَ وَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى يَدِهِ لَوْ فُرِضَتْ تَحْتَ الْقُطْنِ.
وَتَنْكِيسُ رَأْسِهِ بِارْتِفَاعِ أَسَافِلِهِ عَلَى أَعَالِيهِ يَرْفَعُ عَجِيزَتَهُ وَيَخْفِضُ رَأْسَهُ وَهَذَا لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَى اشْتِرَاطِهِ بَلْ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلٌ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمُصَلِّي مُسَاوِيًا لِدُبُرِهِ صَحَّتْ صَلاتُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ فَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّنْكِيسُ صَلَّى بِحَسَبِ حَالِهِ وَأَعَادَ. وَعَلَيْهِ لَوْ عَجَزَ عَنْ وَضْعِ بَعْضِ الْجَبْهَةِ مَعَ التَّنْكِيسِ إِلَّا عَلَى نَحْوِ وِسَادَةٍ وَجَبَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ الْوِسَادَةِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَضَعَ شَيْئًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَمِنْ بُطُونِ كَفَّيْهِ وَمِنْ بُطُونِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السُّجُودِ أَنْ يَضَعَ جُزْءًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَمِنْ بُطُونِ كَفَّيْهِ وَمِنْ بُطُونِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْشُوفَةً.
وَيُشْتَرَطُ فِي السُّجُودِ أَيْضًا عَدَمُ وُجُودِ الصَّارِفِ، فَلَوْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ قَهْرًا لَمْ يُحْسَبْ فَيَجِبُ الْعَوْدُ إِلَى الِاعْتِدَالِ، وَلَوْ سَقَطَ مِنَ الْهُوِيِّ أَوْ مِنَ الِاعْتِدَالِ بَعْدَ قَصْدِ الْهُوِيِّ أَجْزَأَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الصَّارِفِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ: لَيْسَ شَرْطًا فِي السُّجُودِ التَّنْكِيسُ فَلَوْ كَانَ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ دُبُرِهِ صَحَّتِ الصَّلاةُ عِنْدَهُمْ.
الشَّرْحُ هَذَا مَذْهَبُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَلَكِنِ الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ أَنْ لا يَخْرُجَ عَنِ اسْمِ السُّجُودِ، قَالَ فِي غَايَةِ الْمُنْتَهَى: «وَإِنْ عَلا مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى قَدَمَيْهِ فَلَمْ تَسْتَعْلِ أَسَافِلُهُ بِلا حَاجَةٍ فَلا بَأْسَ بِيَسِيرِهِ وَكُرِهَ كَثِيرُهُ، وَلا يُجْزِئُ إِنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ سُجُودٍ» اهـ، وَأَمَّا الْخِلافُ الْمَذْهَبِيُّ فَهُوَ فِيمَا إِذَا تَسَاوَتْ أَسَافِلُهُ وَأَعَالِيهِ فَعَلَى قَوْلٍ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وَأَمَّا إِذَا عَلَتْ أَعَالِيهِ عَلَى أَسَافِلِهِ لَمْ يَصِحَّ السُّجُودُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْعَاشِرُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ، الْحَادِي عَشَرَ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، الثَّانِي عَشَرَ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ.
الشَّرْحُ فِي هَذِهِ الْجُمَلِ ذِكْرُ ثَلاثَةِ أَرْكَانٍ:
أَحَدُهَا: الطُّمَأْنِينَةُ فِي السُّجُودَيْنِ.
وَثَانِيهَا: الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْحَادِي عَشَرَ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ رُكْنٌ وَلَوْ كَانَتِ الصَّلاةُ نَفْلًا، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا الْجُلُوسُ رُكْنٌ قَصِيرٌ أَمْ لا، فَمَنْ جَعَلَهُ رُكْنًا قَصِيرًا اشْتَرَطَ عَدَمَ تَطْوِيلِهِ فَعَلَيْهِ إِنْ طَوَّلَهُ فَوْقَ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِقَدْرِ أَقَلِّ التَّشَهُّدِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الآخَرِ يَجُوزُ تَطْوِيلُهُ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِدَالُ فِيهِ اخْتِلافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ أَمْ لا، فَعَلَى اشْتِرَاطِ عَدَمِ تَطْوِيلِهِ مَنْ زَادَ فِيهِ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ أَبْطَلَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُمَا رُكْنَانِ طَوِيلانِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا عَدَمُ الصَّارِفِ فَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ فَزَعًا مِنْ شَىْءٍ رَجَعَ إِلَى السُّجُودِ ثُمَّ يَجْلِسُ.
وَثَالِثُهَا: الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذَا الْجُلُوسِ وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ. وَيُسَنُّ فِي هَذَا الْجُلُوسِ الِافْتِرَاشُ أَوِ الإِقْعَاءُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى بُطُونِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَهَذَا غَيْرُ الإِقْعَاءِ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَقَوْلُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي»، وَفِي اللَّفْظِ اخْتِلافُ رِوَايَاتٍ وَهَذَا اللَّفْظُ رِوَايَةُ الْحَاكِم وَقَدْ صَحَّحَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ.
وَيُسَنُّ إِذَا أَرَادَ النُّهُوضَ لِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ جَلْسَةٌ خَفِيفَةٌ بِقَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَلَوْ تَرَكَهَا الإِمَامُ فَعَلَهَا الْمَأْمُومُ لِقِصَرِ زَمَنِهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الثَّالِثَ عَشَرَ الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالسَّلامِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ فَيَقُولُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ أَقَلَّهُ وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثَ عَشَرَ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ وَمَا بَعْدَهُ وَللتَّشَهُّدِ أَقَلُّ وَأَكْمَلُ، فَأَقَلُّهُ الَّذِي لا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِهِ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، وَيَكْفِي عِنْدَ شَمْسِ الدِّينِ الرَّمْلِيِّ «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ» بِالضَّمِيرِ.
وَأَكْمَلُهُ «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، هَذَا التَّشَهُّدُ اخْتَارَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ بَيْنِ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»،
وَاخْتَارَ مَالِكٌ لَفْظًا ءَاخَرَ وَهُوَ تَشَهُّدُ عُمَرَ أَيِ الَّذِي عَلَّمَهُ عُمَرُ النَّاسَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِمَّا نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ وَهُوَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ...إِلَخ»، وَكُلٌّ مِنَ الصِّيَغِ الثَّلاثِ مُجْزِئٌ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ صِيغَةُ التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ» وَعَلَّمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ]، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَصَلَ فِي عُرُوجِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي سَمِعَ فِيهِ خِطَابَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» فَقَالَ اللَّهُ «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ تُفْرَضْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هَذِهِ الصِّيغَةُ، إِنَّمَا يَرْوِي بَعْضُ الرُّوَاةِ الْكَذَّابِينَ تِلْكَ الْقِصَّةَ، وَقَدْ نَالَتْ مَعَ كَوْنِهَا مَكْذُوبَةً عَلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ شُهْرَةً كَبِيرَةً فَيَجِبُ بَيَانُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ.
فَائِدَةٌ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الصَّلاةِ
أَمَّا التَّكْبِيرُ «اللَّهُ أَكْبَرُ» فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ كَبِيرٍ قَدْرًا وَعَظَمَةً لا حَجْمًا لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ، وَيَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمَعْنَى الْكَبِيرِ فَكَلِمَةُ «اللَّهُ أَكْبَرُ» عَلَى هَذَا مُرَادِفَةٌ لِكَلِمَةِ «اللَّهُ كَبِيرٌ».
وَأَمَّا «سُبْحَانَ اللَّهِ» فَمَعْنَاهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ، أَيْ أَنَّنَا نُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالْجَهْلِ وَالْخَوْفِ وَالتَّغَيُّرِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ لِأَنَّ صِفَاتِ الْخَلْقِ حَادِثَةٌ كَمَا أَنَّ ذَوَاتِهِمْ حَادِثَةٌ أَيْ وُجِدَتْ بَعْدَ الْعَدَمِ السَّابِقِ وَاللَّهُ ذَاتٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الْعَدَمُ وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ مِنْ حَيَاةٍ وَقُدْرَةٍ وَمَشِيئَةٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَعِلْمٍ وَكَلامٍ وَبَقَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهَا عَدَمٌ فَمَنِ اعْتَقَدَ خِلافَ هَذَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِخَالِقِهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بَيَانُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ «وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ». وَمَعَانِي الْبَشَرِ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11]. وَقَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ يُكَفِّرُونَ الْمُجَسِّمَ أَيْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لَطِيفٌ أَوْ كَثِيفٌ وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ بَلْ قَالَ أَحْمَدُ «مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَافِرٌ» كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْخِصَالِ الْحَنْبَلِيُّ.
فَائِدَةٌ نَقَلَ يَحْيَى الْعِمْرَانِيُّ الْيَمَنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْبَيَانِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُكَفِّرُ الْقَدَرِيَّةَ وَالْقَائِلَ بِخَلْقِ الْقُرْءَانِ اهـ وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ اللَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلامٌ إِلَّا مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ فَقَالُوا الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ وَمَنْ قَالَ الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ بِهَذَا الْمَعْنَى كَافِرٌ وَأَمَّا مَنْ قَالَ الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ يُرِيدُ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ
مَعَ إِثْبَاتِ كَلامٍ لِلَّهِ لا كَكَلامِ الْخَلْقِ أَيْ غَيْرِ حَرْفٍ وَصَوْتٍ فَلا يُكَفَّرُ لَكِنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ الذَّاتِيَّ مَخْلُوقٌ وَهَذَا مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا غَيْرُ وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرِ الإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُعْتَصِمَ الْخَلِيفَةَ الْعَبَّاسِيَّ مَعَ إِجْبَارِهِ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى قَوْلِ الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ وَتَعْذِيبِهِ لَهُ حَيْثُ خَاطَبَهُ بِكَلِمَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ الْمُعْتَصِمُ مُعْتَزِلِيًّا وَلا الْخَلِيفَتَانِ الآخَرَانِ اللَّذَانِ كَانَا أَلْزَمَا النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ إِنَّمَا كَانَ مُرَادُ الثَّلاثَةِ اللَّفْظَ الْمَقْرُوءَ مِنْ دُونِ نَفْيِ الْكَلامِ الذَّاتِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ حَرْفًا،
فَلْيُحْذَرْ إِيهَامُ الْوَهَّابِيَّةِ أَنَّ السَّلَفَ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الْكَلامَ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ كَخَلْقِهِ وَهَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ. كَذَلِكَ هَؤُلاءِ الْخُلَفَاءُ الثَّلاثَةُ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ عَقِيدَةَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ وَقَدْ صَرَّحَ ثُمَامَةُ الْمُعْتَزِلِيُّ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمَأْمُونَ لَمْ يُوَافِقْهُمْ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الأَفْعَالِ.
