قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «وَالِدَا الرَّسُولِ مَا مَاتَا كَافِرَيْنِ» لَكِنْ بَعْضُ النُّسَّاخِ حَرَّفُوا فَكَتَبُوا مَاتَا كَافِرَيْنِ وَهَذَا غَلَطٌ شَنِيعٌ. نَحْنُ لا نَقُولُ مَاتَا كَافِرَيْنِ إِذْ لا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَا أُلْهِمَا الإِيـمَانَ بِاللَّهِ فَعَاشَا مُؤْمِنَيْنِ لا يَعْبُدَانِ الْوَثَنَ. أَمَّا حَدِيثُ «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» فَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ وَإِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

فِي مُسْلِمٍ أَحَادِيثُ انْتَقَدَهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ «إِنَّ الرَّسُولَ مَكَثَ عِنْدَ قَبْرِ أُمِّهِ فَأَطَالَ وَبَكَى فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ أَطَلْتَ عِنْدَ قَبْرِ أُمِّكَ وَبَكَيْتَ فَقَالَ: «إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي وَطَلَبْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَمَنَعَنِي» فَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا فِي مُسْلِمٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُؤَوَّلٌ بِأَنْ يُقَالَ إِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهَا حَتَّى لا يَلْتَبِسَ الأَمْرُ عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ مَاتَ ءَابَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْوَثَنِ فَيَسْتَغْفِرُوا لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمُ الْمُشْرِكِينَ لا لِأَنَّ أُمَّ الرَّسُولِ كَانَتْ كَافِرَةً،

وَهَكَذَا يُرَدُّ عَلَى الَّذِينَ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَقَالُوا إِنَّ وَالِدَةَ الرَّسُولِ مُشْرِكَةٌ لِذَلِكَ مَا أُذِنَ لَهُ بِأَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مُؤْمِنَةً أَنَّهَا لَمَّا وَلَدَتْهُ أَضَاءَ نُورٌ حَتَّى أَبْصَرَتْ قُصُورَ الشَّامِ وَبَيْنَ مَكَّةَ وَالشَّامِ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ، رَأَتْ قُصُورَ بُصْرَى وَبُصْرَى هَذِهِ مِنْ مُدُنِ الشَّامِ الْقَدِيـمَةِ وَهِيَ تُعَدُّ مِنْ أَرْضِ حَوْرَانَ مِمَّا يَلِي الأُرْدُنَّ.

فَأُمُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأَتْ بِهَذَا النُّورِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا لَمَّا وَلَدَتْهُ قُصُورَ بُصْرَى وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الأَمَالِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَرُؤْيَةُ ءَامِنَةَ لِقُصُورِ بُصْرَى يُعَدُّ كَرَامَةً لَهَا لِأَنَّ هَذَا خَارِقٌ لِلْعَادَةِ.

وَمُسْلِمٌ لَمَّا أَلَّفَ كِتَابَهُ صَحِيحَ مُسْلِمٍ عَرَضَهُ عَلَى بَعْضِ الْحُفَّاظِ فَأَقَرُّوهُ كُلَّهُ إِلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، هُوَ قَالَ هَذَا فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ وَلَمْ يُسَمِّ تِلْكَ الأَرْبَعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَالْبُخَارِيُّ ضَعَّفَ حَدِيثَيْنِ مِنْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ.

ثُمَّ عَلَى فَرْضِ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ فَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَأَهْلُ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ مَا بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ لا يُعَذَّبُونَ فِي الآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء/15]، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الأَشَاعِرَةُ وَغَيْرُهُمْ.

الطَّهَارَةُ وَالصَّلاةُ

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَصْلٌ): فَمِنَ الْوَاجِبِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

الشَّرْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكِمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ وَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ» [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ] قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «ذِكْرُ اللَّهِ» أَيِ الصَّلاةُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَفْضَلَ الْوَاجِبَاتِ بَعْدَ الإِيـمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْوَرِقُ أَيِ الْفِضَّةُ.

وَحَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ تَحْرِيفٌ لِلْحَدِيثِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سُورَةَ الْعَنْكَبُوت/45] فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اشْتِغَالَ الْمَرْءِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ بِلِسَانِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَذْكَارِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ رَبَّهُ.

وَقَدْ نَبَغَتْ طَائِفَةٌ تَنْتَسِبُ لِلطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ تُفَضِّلُ طَرِيقَتَهَا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَمْلًا لِلذِّكْرِ الْوَارِدِ فِي الآيَةِ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذِكْرِهِمُ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ اللَّه فِي قُلُوبِهِمْ عَدَدًا مُعَيَّنًا، وَحَصَلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الشَّاذِلِيَّةِ وَهَذَا ضِدُّ الدِّينِ وَتَكْذِيبٌ لِقَوَاعِدِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا.

وَلا صَلاةَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ الْخَمْسِ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ نَوَافِلَ الصَّلَوَاتِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَسُنَّةِ الْعَصْرِ وَغَيْرِهِمَا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَمَعْنَاهُ مَنْ تَرَكَ شَرِيعَتِي أَيْ مَنْ كَرِهَ طَرِيقَتِي الَّتِي جِئْتُ بِهَا فَهُوَ كَافِرٌ.

كَانَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَقُولُ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ فَقَالَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ: «كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ» أَيْ أَخْطَأَ، رَوَاهُ مَالِكٌ [فِي الْمُوَطَّأِ] وَالْبَيْهَقِيُّ [فِي سُنَنِهِ] وَغَيْرُهُمَا وَاسْمُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَسْعُودُ بنُ أَوْسٍ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَلاةَ الْوِتْرِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأْسِ [أَيْ مُنْتَفِشَ الشَّعَرِ] جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ، فَقَالَ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ» ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ فَعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسْلامِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلا أَنْقُصُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ [فِي صَحِيحِهِ]. فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ» أَيْ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ النَّوَافِلِ وَلا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَّمَهُ مَا هُوَ فَرْضٌ وَمَا هُوَ حَرَامٌ.

فَإِذَا عُلِمَ هَذَا ظَهَرَ بُطْلانُ مَا شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَوَامِّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّ الرَّسُولَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي»، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ سُنَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ قِطْعَةُ لَحْمٍ»، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ سُنَّتِي لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» يُرِيدُونَ بِهِ النَّوَافِلَ فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى الرَّسُولِ وَضَلالٌ وَلا يَنْفَعُهُمْ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ حَثَّ النَّاسِ عَلَى النَّوَافِلِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الظُّهْرُ وَوَقْتُهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ إِلَى مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ غَيْرَ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ. وَالْعَصْرُ وَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ. وَالْمَغْرِبُ وَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ مَغِيبِ الشَّمْسِ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ. وَالْعِشَاءُ وَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ. وَالصُّبْحُ وَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ تَجِبُ مَعْرِفَةُ أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامِهَا الضَّرُورِيَّةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ» أَيْ لِلصَّلاةِ، حَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الأَمَالِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ زِيَادَةُ ذِكْرِ: «النُّجُومِ»، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِ الصَّحَابَةِ هَذِهِ الآلاتُ الْمَوْضُوعَةُ لِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ بَلْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ بِالْمُرَاقَبَةِ الْعِيَانِيَّةِ.

وَفَرْضٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ الْمَوَاقِيتِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي عَلَّمَهَا الرَّسُولُ الصَّحَابَةَ وَلا يَجُوزُ تَرْكُ تَعَلُّمِهَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا عَمِلَهُ النَّاسُ مِنْ تَعْيِينِ مَوَاقِيتَ لِلْمُدُنِ كَالْقَاهِرَةِ وَدِمَشْقَ وَحَلَبَ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَ الأَوْقَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الْبُلْدَانِ.

فَالظُّهْرُ أَوَّلُ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ أَيْ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَانْتِهَاءُ وَقْتِهَا أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ زَائِدًا عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ، فَإِذَا صَارَ الظِّلُّ الْجَدِيدُ بَعْدَ طَرْحِ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ مِثْلَ الشَّىْءِ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَظِلُّ الِاسْتِوَاءِ هُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ. وَوَسَطُ السَّمَاءِ يُعْرَفُ بِالنَّجْمِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْبُوصِلَةِ الْمُجَرَّبَةِ، فَعَلَى حَسَبِ تَحْدِيدِ الْجِهَاتِ بِالنَّجْمِ أَوْ بِالْبُوصِلَةِ يُعْرَفُ وَسَطُ السَّمَاءِ. نَجْمُ القُطْبِ مُهِمٌّ لِمَعْرِفَةِ الْجِهَاتِ الأَرْبَعِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ جِهَةَ الشَّمَالِ، يُضْبَطُ مَوْضِعُهُ فِي اللَّيْلِ وَتُغْرَزُ خَشَبَةٌ عَلَى اتِّجَاهِهِ ثُمَّ فِي النَّهَارِ يُنْظَرُ إِلَى الظِّلِّ عَلَى حَسَبِهِ.

الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ عِنْدَ الْبَيْتِ أَيْ أَمَامَ الْكَعْبَةِ حِينَ صَارَ الْفَىْءُ [وَهُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ] قَدْرَ الشِّرَاكِ [حِينَ صَارَ فَىْءُ الشَّخْصِ وَنَحْوِهِ قَدْرَ الشِّرَاكِ، مَعْنَاهُ لَمَّا كَانَ الْفَىْءُ قَلِيلًا لَمْ يَطُلْ] وَهُوَ سَيْرُ النَّعْلِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ فِي عَرْضِهَا، أَيْ حِينَ صَارَ الظِّلُّ الْجَدِيدُ قَدْرَ شِرَاكِ النَّعْلِ.

وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: إِنَّمَا يَدْخُلُ الْعَصْرُ إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّىْءِ مِثْلَيْهِ [أَيْ زِيَادَةً عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ]، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ [مُحَمَّدُ بنُ الْحَسَنِ وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي] وَقَالا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ.

وَأَمَّا وَقْتُ الْمَغْرِبِ فَيَدْخُلُ بِمَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ كُلِّهِ وَيَنْتَهِي بِمَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ، وَالشَّفَقُ الأَحْمَرُ هُوَ الْحُمْرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فِي جِهَةِ الْغُرُوبِ. وَيُعْرَفُ دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا بِإِقْبَالِ الظَّلامِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَلا يُنْظَرُ إِلَى أَثَرِ ضَوْءِ الشَّمْسِ الَّذِي بَقِيَ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ.

وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَيْ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ كُلِّهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ.

وَأَمَّا الصُّبْحُ فَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْعِشَاءِ أَيْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.

وَالْفَجْرُ الصَّادِقُ هُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ الَّذِي يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَنْتَشِرُ وَيَتَوَسَّعُ. وَيَسْبِقُ الْفَجْرَ الصَّادِقَ بِنَحْوِ نِصْفِ سَاعَةٍ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ وَهُوَ بَيَاضٌ عَمُودِيٌّ يَظْهَرُ فِي جِهَةِ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وَهَذَا لا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اقْتِرَابِ دُخُولِ وَقْتِ الصُّبْحِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَتَجِبُ هَذِهِ الْفُرُوضُ فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ أَيْ غَيْرِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الأَوْقَاتِ وَإِيقَاعَ الصَّلاةِ فِيهَا لا قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا فَرْضٌ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: [الطَّوِيل]

وَلا خَيْرَ فِي مَنْ كَانَ بِالْوَقْتِ جَاهِلًا وَلَمْ يَكُ ذَا عِلْمٍ بِمَا يَتَعَبَّدُ

فَيَجِبُ أَدَاءُ كُلٍّ مِنَ الْخَمْسِ فِي وَقْتِهَا وَلا يَجُوزُ تَقْدِيـمُهَا عَلَى وَقْتِهَا أَيْ فِعْلُهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَلا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا بِلا عُذْرٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سُورَةَ الْمَاعُون]، وَالْمُرَادُ بِالسَّهْوِ عَنِ الصَّلاةِ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى فَتَوَعَّدَ اللَّهُ مَنْ يُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا بِالْوَيْلِ وَهُوَ الْهَلاكُ الشَّدِيدُ.

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِي صَحِيحِهِ] فِي وَعِيدِ تَارِكِ الصَّلاةِ أَنَّهُ لا نُورَ لَهُ وَلا نَجَاةَ وَلا بُرْهَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَتَارِكُهَا كَسَلًا لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَ الإِسْلامِ بَلْ هُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ بِتَمَامِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»،

فَمَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مِمَّا ظَاهِرُهُ تَكْفِيرُ تَارِكِ الصَّلاةِ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ وَذَلِكَ كَحَدِيثِ «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ»، فَلَيْسَ مُرَادُ النَّبِيِّ أَنَّ الإِنْسَانَ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الصَّلاةِ يَصِيرُ كَافِرًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَافِرَ وَذَلِكَ تَعْبِيرٌ عَنْ عُظْمِ ذَنْبِهِ حَيْثُ شَبَّهَهُ بِالْكَافِرِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكِلا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ الأَوَّلُ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ [فِي مُسْنَدِهِ] وَالثَّانِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ].

وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْكَافِرَ لا يُقَالُ لَهُ صَلِّ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ أَسْلِمْ ثُمَّ صَلِّ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ «بَالِغٍ» أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِحَيْثُ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا وَهُوَ دُونَ الْبُلُوغِ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَمْرُهُ بِالصَّلاةِ مَتَى مَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ قَمَرِيَّةً. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ «عَاقِلٍ» أَنَّ الْمَجْنُونَ لا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، وَالْمَجْنُونُ هُوَ مَنْ فَقَدَ عَقْلَهُ فَلا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ أَوْ يَقُولُ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ «طَاهِرٍ» أَيْ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَيُقَالُ امْرَأَةٌ طَاهِرٌ وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَيَحْرُمُ تَقْدِيـمُهَا عَلَى وَقْتِهَا وَتَأْخِيرُهَا عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ.

الشَّرْحُ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ قَدَّمَ الصَّلاةَ عَلَى وَقْتِهَا لا تَصِحُّ صَلاتُهُ وَمَنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ عَصَى اللَّهَ بِتَأْخِيرِهِ، وَأَشَدُّ الْمَعْصِيَتَيْنِ مَعْصِيَةُ التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ وَلا تَقَعُ صَلاتُهُ أَدَاءً وَلا قَضَاءً بَلْ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ لِيُوَافِيَ [أَيْ لِيَأْتِيَ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ، أَمَّا مَنْ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا أَيْ صَلَّاهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ مَعْرِفَةِ دُخُولِ الْوَقْتِ وَخُرُوجِهِ كَانَتْ صَلاتُهُ قَضَاءً وَإِنْ كَانَ عَصَى اللَّهَ بِتَأْخِيرِهِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ بِلا عُذْرٍ، فَمَعْصِيَةُ التَّأْخِيرِ أَخَفُّ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ لِصَاحِبِهَا قَضَاءً، أَمَّا الْمُقَدِّمُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِالْمَرَّةِ، وَهَذَا يُقَالُ فِيهِ صَلَّى وَمَا صَلَّى أَيْ صَلَّى صُورَةً وَلَمْ يُصَلِّ حَقِيقَةً.

وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ «لِغَيْرِ عُذْرٍ» أَخْرَجَ مَا إِذَا كَانَ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لا إِثْمَ فِي ذَلِكَ. وَالْعُذْرُ فِي ذَلِكَ مَا يُبِيحُ الْجَمْعَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِشُرُوطِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَقْدِيمِ الْعَصْرِ إِلَى الظُّهْرِ أَوْ تَقْدِيمِ الْعِشَاءِ إِلَى الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لا إِثْمَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ التَّقْدِيمُ فِي حَالِ السَّفَرِ أَوِ الْمَرَضِ أَوِ الْمَطَرِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ وَتَقْدِيمُ الْعِشَاءِ مَعَ الْمَغْرِبِ لِمَشَقَّةِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلاةِ الثَّانِيَةِ فِي حَالِ الْمَطَرِ، وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ قَوْلٌ بِجَوَازِ الْجَمْعِ تَقْدِيـمًا وَتَأْخِيرًا لِأَيِّ عُذْرٍ مِنْ أَعْذَارِ تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ [ ].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ طَرَأَ مَانِعٌ كَحَيْضٍ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا وَطُهْرَهَا لِنَحْوِ سَلِسٍ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا.

الشَّرْحُ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَانِعُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ كَأَنْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الظُّهْرِ، أَوْ اُصِيبَ شَخْصٌ بِالْجُنُونِ أَوِ الإِغْمَاءِ [اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلِ الإِغْمَاءُ مُسْقِطٌ لِلْقَضَاءِ أَمْ لا] بَعْدَمَا مَضَى مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلاةِ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ مَعَ طُهْرِهَا لِمَنْ لا يُمْكِنُهُ تَقْدِيمُ طُهْرِهِ عَلَى الْوَقْتِ كَسَلِسِ الْبَوْلِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ أَيْ بَعْدَ ذَهَابِ الْحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَائِضِ، وَبَعْدَ زَوَالِ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.

وَمِثْلُ السَّلِسِ فِي هَذَا الْحُكْمِ نَحْوُهُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّ هَذَا لا يَصِحُّ أَنْ يُقَدِّمَ طُهْرَهُ عَلَى الْوَقْتِ بَلْ لا يَصِحُّ طُهْرُهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَضَى مِنْ وَقْتِ الصَّلاةِ مَا يَسَعُهَا وَطُهْرَهَا قَبْلَ طُرُوءِ الْمَانِعِ. وَالْمَقْصُودُ بِالطُّهْرِ هُنَا الْوُضُوءُ أَوِ التَّيَمُّمُ لِمَنْ كَانَ مَرِيضًا لا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَنَحْوَهُ [أَيْ نَحْوَ الْمَرِيضِ كَمَنْ فَقَدَ الْمَاءَ] وَالطُّهْرُ عَنِ النَّجَاسَةِ الَّتِي لا يُعْفَى عَنْهَا وَالِاسْتِنْجَاءُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ لَزِمَتْهُ، وَكَذَا مَا قَبْلَهَا إِنْ جُمِعَتْ مَعَهَا فَيَجِبُ الْعَصْرُ مَعَ الظُّهْرِ إِنْ زَالَ الْمَانِعُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَالْعِشَاءُ مَعَ الْمَغْرِبِ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ.

الشَّرْحُ إِنْ زَالَ الْمَانِعُ الّذِي هُوَ الْحَيْضُ أَوِ الْجُنُونُ أَوِ الإِغْمَاءُ وَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي بَقِيَ قَدْرَ مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ فَقَطْ وَجَبَتْ تِلْكَ الصَّلاةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا إِنْ كَانَتْ تُجْمَعُ مَعَهَا أَيْ فِي السَّفَرِ وَنَحْوِهِ كَأَنْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلاةُ الْعَصْرَ لِأَنَّ الْعَصْرَ تُجْمَعُ فِي السَّفَرِ مَعَ مَا قَبْلَهَا وَهِيَ الظُّهْرُ وَكَذَلِكَ الْعِشَاءُ لِأَنَّهَا تُجْمَعُ مَعَ مَا قَبْلَهَا وَهِيَ الْمَغْرِبُ.

وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِمَا يَسَعُ قَدْرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ ثُمَّ امْتَدَّتِ السَّلامَةُ مِنَ الْمَانِعِ قَدْرَ مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلاةَ أَيِ الْعَصْرَ وَيَسَعُ الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ لَزِمَتْهُ كُلُّهَا، وَإِذَا امْتَدَّتْ قَدْرًا يَسَعُ الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ فَقَطْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَمَّا لَوِ امْتَدَّتِ السَّلامَةُ مَا يَسَعُ قَدْرَ الْمَغْرِبِ وَلا يَسَعُ صَلاةَ الْعَصْرِ لَزِمَتْهُ صَلاةُ الْمَغْرِبِ وَلا تَلْزَمُهُ صَلاةُ الْعَصْرِ، أَمَّا لَوْ بَلَغَ ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ مَا يَسَعُ ذَلِكَ فَلا يَجِبُ الْقَضَاءُ.

فَائِدَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْئَلَةِ مَا إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ فِي أَثْنَائِهِ هَلْ يُعِيدُ أَمْ لا فَذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى أَنَّهُ لا يُعِيدُ وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى وُجُوبِ الإِعَادَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلا يُعْرَفُ فِيهِ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَصْلٌ): يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ الْمُمَيِّزَيْنِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصَّلاةِ وَيُعَلَّمَهُمَا أَحْكَامَهَا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ.

الشَّرْحُ هَذَا الْفَصْلُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ وَالصَّبِيَّاتِ عَلَى الأَبِ وَالأُمِّ [الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ دَاخِلانِ تَحْتَ قَوْلِنَا: «الأَبِ وَالأُمِّ»، فَإِذَا اجْتَمَعَ الأَبُ وَالأُمُّ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ فَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ كَفَى، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَجَبَ عَلَى الآخَرِ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا كُلُّهُمْ] وَكَذَا الْوَصِيُّ [الَّذِي يُوصِيهِ الأَبُ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ ابْنِهِ وَالتَّصَرُّفِ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

يَقُولُ إِذَا مِتُّ فَفُلانٌ وَصِيٌّ عَلَى أَوْلادِي يَنْظُرُ فِي أُمُورِهِمْ فَإِنْ كَانَ دَيِّنًا يَقُومُ مَقَامَ الأَبِ، يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ أَبِيهِمُ الَّتِي تَرَكَهَا لِنَفَقَاتِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ مَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَعِلْمِ الْمَعِيشَةِ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ وَيَضْرِبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ] وَالْقَيِّمُ [الْقَيِّمُ هُوَ الَّذِي يُعَيِّنُهُ الْقَاضِي لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْيَتِيمِ] وَمَالِكُ الْعَبْدِ وَالْمُسْتَعِيرُ لِلْعَبْدِ وَالْمُلْتَقِطُ [إِنْ كَانَ لَقِيطًا فَعَلَى اللاَّقِطِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُسْتَعَارًا فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ] وَالْحَاكِمُ.

فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ وَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَلا وُجِدَ الْقَاضِي وَلا الْوَصِيُّ الَّذِي يُوصِيهِ الأَبُ وَلا الْقَيِّمُ يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يَأْمُرَهُمْ. فَإِنْ كَانَ غُلامٌ لَيْسَ تَحْتَ رِعَايَةِ أَبِيهِ وَلا جَدِّهِ وَلا وَصِيٍّ وَلا قَيِّمٍ وَلا قَاضٍ شَرْعِيٍّ وَجَبَ عَلَى مَنْ يَسْكُنُ فِي مَحَلَّتِهِ وَعَلِمَ بِحَالِهِ أَنْ يَأْمُرَهُ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ.

وَإِنَّمَا يَجِبُ الأَمْرُ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ أَيْ بَعْدَ تَمَامِ سَبْعِ سِنِينَ عَلَى الْفَوْرِ إِنْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَ وَيَرُدَّ الْجَوَابَ، فَلَوْ سُئِلَ رَمَضَانُ كَمْ مَرَّةً يَأْتِي فِي الْعَامِ وَكَمْ شَهْرًا السَّنَةُ وَكَمْ يَوْمًا الأُسْبُوعُ وَفِي أَيِّ جِهَةٍ الْقِبْلَةُ مَثَلًا يَعْرِفُ الإِجَابَةَ. وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ التَّمْيِيزَ بِالاِسْتِقْلالِ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالِاسْتِنْجَاءِ.

وَيَكُونُ الأَمْرُ بِالصَّلاةِ بَعْدَ تَعْلِيمِ أَحْكَامِهَا وَأُمُورِهَا فَإِنَّ تَعْلِيمَهُمَا أُمُورَهَا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَاجِبٌ، وَيَكُونُ الأَمْرُ بِتَشْدِيدٍ لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ لا تُشْعِرُهُمَا بِأَهَمِيَّةِ أَدَاءِ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ.

وَلَوْ مَيَّزَ الْوَلَدُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ لا يَجِبُ أَمْرُهُ بِالصَّلاةِ وَلَكِنْ أَمْرُهُ بِذَلِكَ أَحْسَنُ، وَأَمَّا قَبْلَ التَّمْيِيزِ فَلا يُقَالُ لَهُ «صَلِّ» إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ «انْظُرْ كَيْفَ الصَّلاةُ».

ثُمَّ فِي أُمُورِ الشَّرْعِ الأَشْهُرُ وَالسُّنُونَ الْقَمَرِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الأَحْكَامُ. فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ الأَهِلَّةِ لِتَطْبِيقِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْعِدَّةِ الَّتِي يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى تَرَائِي الْهِلالِ. فِي الْمَاضِي كَانَتِ الْحُكُومَاتُ هِيَ تُرَاعِي هَذِهِ الأَشْيَاءَ فَكَانُوا يَتَرَاءَوْنَ الْهِلالَ كُلَّ شَهْرٍ حِفْظًا لِهَذِهِ الأَحْكَامِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.

وَالصَّبِيُّ يُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ كَمَا يُؤْمَرُ بِالأَدَاءِ، وَكَذَلِكَ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ إِنْ كَانَ يُطِيقُهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَضْرِبَهُمَا عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ كَصَوْمٍ أَطَاقَاهُ.

الشَّرْحُ يَجِبُ عَلَى الأَبِ وَالأُمِّ ضَرْبُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ عَلَى تَرْكِ الصَّلاةِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِي سُنَنِهِ].

وَفِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ لِلْبُلْقِينِيِّ: «فَائِدَةٌ بَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بِبُلُوغِ سَبْعِ سِنِينَ لِحَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ الرَّبِيعِ بنِ سَبُرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ إِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَفِيهَا «إِذَا بَلَغَ أَوْلادُكُمْ سَبْعَ سِنِينَ فَفَرِّقُوا بَيْنَ فُرُشِهِمْ». وَعُمْدَةُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَلَفْظُهُ مُحْتَمِلٌ وَالتَّرْجَمَةُ [أَيْ هَذَا الإِسْنَادُ] مُتَكَلَّمٌ فِيهَا وَالشَّافِعِيُّ لا يَحْتَجُّ بِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ» اهـ.

فَالشَّافِعِيُّ لا يَعْتَبِرُ أَحَادِيثَ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحَةً وَقَدْ أَجَادَ الْبُلْقِينِيُّ فِي هَذَا فَالتَّفْرِيقُ فِي الْمَضَاجِعِ يَكُونُ مِنْ بُلُوغِ سَبْعِ سِنِينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الأُخْرَى يَجِبُ بَعْدَ عَشْرٍ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ حَدِيثُ سَبْعِ سِنِينَ.

وَذَكَرَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَجْوِبَةُ الْمَرْضِيَّةُ مَا نَصُّهُ: «مَسْأَلَةٌ فِي رَجُلٍ أَمَرَ زَوْجَتَهُ بِالصَّلاةِ فَامْتَنَعَتْ وَأَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ تَكَاسُلًا فَهَلْ يَلْحَقُهُ إِثْمُهَا بِالإِصْرَارِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ طَلاقُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَكَذَلِكَ الأَوْلادُ وَالْخَدَمُ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ هَلْ يَلْحَقُهُ شَىْءٌ مِنْهُمْ فِي الآخِرَةِ؟ فَأَجَبْتُ: إِذَا أَمَرَ بِالصَّلاةِ وَزَجَرَ عَنْ تَرْكِهَا وَتَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ فَعَلَ مَا أَمْكَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِثْمٌ إِذَا لَمْ يَفْعَلُوا،

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سُورَةَ طَه/132] فَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعَالَى بِسِوَى الأَمْرِ، قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [سُورَةَ النَّحْل/82]. وَيَنْبَغِي عِنْدَ الإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ هِجْرَانُهُمْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ شَدِيدَةٍ. وَطَلاقُ الْمُصِرَّةِ عَلَى تَرْكِ الصَّلاةِ أَرْجَحُ مِنَ الْمُقَامِ مَعَهَا فَإِنَّهَا كَافِرَةٌ عِنْدَ مَنْ يُكَفِّرُ بِتَرْكِ الصَّلاةِ وَفَاسِقَةٌ مُرْتَكِبَةٌ إِثْمًا عَظِيمًا عِنْدَ مَنْ لا يُكَفِّرُ بِذَلِكَ لَكِنْ يُوجِبُ الْقَتْلَ بِهِ وَكَذَا عِنْدَ مَنْ لا يُوجِبُ إِلَّا التَّعْزِيرَ، وَلَكِنَّهُ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ لَمْ يَكُنْ مَأْثُومًا بَعْدَ الْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الأَمْرِ وَالزَّجْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» انْتَهَى كَلامُ الْعِرَاقِيِّ.

فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا عَدَمُ وُجُوبِ ضَرْبِ الزَّوْجَةِ عَلَى تَرْكِ الصَّلاةِ كَمَا يَجِبُ ضَرْبُ الصَّبِيِّ الَّذِي بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ.

وَالصِّيَامُ الَّذِي يُطِيقُهُ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ الأَمْرُ بِهِ لِسَبْعٍ وَضَرْبُهُمَا عَلَيْهِ بَعْدَ إِكْمَالِ عَشْرِ سِنِينَ، وَالْعِبْرَةُ بِالسِّنِينَ الْقَمَرِيَّةِ لا بِالسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ، أَمَّا إِنْ كَانَا لا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ فَلا يَجِبُ الأَمْرُ بِالصِّيَامِ.

وَهَذَا الضَّرْبُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ أَيْ غَيْرَ مُؤَدٍّ إِلَى الْهَلاكِ لِأَنَّ الضَّرْبَ الْمُؤَدِّيَ لِلْهَلاكِ حَرَامٌ عَلَى الْوَلِيِّ وَكَذَا الزَّوْجُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ النَّاشِزَةِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا تَعْلِيمُهُمَا مِنَ الْعَقَائِدِ وَالأَحْكَامِ يَجِبُ كَذَا وَيَحْرُمُ كَذَا وَمَشْرُوعِيَّةَ السِّوَاكِ وَالْجَمَاعَةِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ حِفْظِ الْعِلْمِ: الْوَلَدُ إِنْ صَارَ مُمَيِّزًا فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يُعَلَّمُ شَىْءٌ فِي الْعَقِيدَةِ ثُمَّ شَىْءٌ فِي الطَّهَارَةِ ثُمَّ شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءَانِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الأَبَوَيْنِ نَحْوَ أَوْلادِهِمَا تَعْلِيمَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَيْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ مِنْ وُجُودِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقِدَمِهِ وَبَقَائِهِ وَقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ أَيْ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لا يُشْبِهُ الضَّوْءَ وَالظَّلامَ وَالإِنْسَانَ وَالنَّبَاتَ وَالْجَمَادَاتِ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا،

وَأَنَّ لِلَّهِ قُدْرَةً وَإِرَادَةً وَسَمعًا وَبَصَرًا وَعِلْمًا وَحَيَاةً وَكَلامًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَأَنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَأَنَّهُ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ أَنْبِيَاءَ أَوَّلُهُمْ ءَادَمُ وَأَنَّهُ أَنْزَلَ كُتُبًا عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً وَأَنَّهُ سَيُفْنِي الْجِنَّ وَالإِنْسَ وَالْمَلائِكَةَ وَكُلَّ ذِي رُوحٍ ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَى الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ يُجْزَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَعَلَى سَيِّئَاتِهِمْ بِالْعَذَابِ الأَلِيمِ،

وَأَنَّ الْكَافِرَ حَرَامٌ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَأَنَّ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافِرٌ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ دَارًا يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا تُسَمَّى الْجَنَّةَ وَلِلْكَافِرِينَ دَارًا تُسَمَّى جَهَنَّمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُمْ حُرْمَةَ السَّرِقَةِ وَالْكَذِبِ وَلَوْ مَزْحًا وَالزِّنَى وَهُوَ إِدْخَالُ الذَّكَرِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ، وَاللِّوَاطِ وَهُوَ إِدْخَالُ الذَّكَرِ فِي الدُّبُرِ أَيْ دُبُرِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ [وَجِمَاعُ الزَّوْجَةِ فِي دُبُرِهَا حَرَامٌ لَكِنْ لا يُسَمَّى لِوَاطًا]، وَتَعْلِيمُهُمْ حُرْمَةَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَضَرْبِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ.

وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُمْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ السِّوَاكِ سُنَّةٌ، وَأَنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ عَلَى وُلاةِ الأَمْرِ قَتْلُ تَارِكِ الصَّلاةِ كَسَلًا إِنْ لَمْ يَتُبْ.

الشَّرْحُ يَجِبُ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالسُّلْطَانِ الَّذِي وَلَّاهُ الإِمَامُ [السُّلْطَانُ فَوْقَ الأَمِيرِ، وَالْخَلِيفَةُ فَوْقَ السُّلْطَانِ] وَالْقَاضِي أَنْ يَقْتُلَ تَارِكَ الصَّلاةِ كَسَلًا بَعْدَ إِنْذَارِهِ أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ الظُّهْرَ مَثَلًا إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ يَقْتُلُهُ فَإِذَا لَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ [وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الصَّلاةُ الثَّانِيَةُ تُجْمَعُ مَعَهَا لِلْعُذْرِ فَإِذَا مَضَى وَقْتُ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُصَلِّهَا قَضَاءً يُقْتَلُ وَإِلَّا فَإِلَى انْقِضَاءِ وَقْتِهَا هِيَ،

فَفِي الصُّبْحِ يُقْتَلُ بَعْدَ تَوَعُّدِهِ عَلَى تَرْكِهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالْقَضَاءِ]، وَيَكُونُ هَذَا الْقَتْلُ كَفَّارَةً لَهُ أَيْ تَطْهِيرًا لَهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حَيْثُ إِنَّهُ لا يُنْكِرُ فَرْضِيَّةَ الصَّلاةِ. وَأَمَّا تَارِكُهَا جُحُودًا فَهُوَ مُرْتَدٌّ فَيُطَالِبُهُ السُّلْطَانُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا قَتَلَهُ لِكُفْرِهِ لا لِلْحَدِّ.

وَقَوْلُهُ: «إِنْ لَمْ يَتُبْ» أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ تُرِكَ مِنَ الْقَتْلِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.

الشَّرْحُ أَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ الصَّلاةَ كَسَلًا إِذَا قَتَلَهُ الإِمَامُ أَوْ مَنْ وَلَّاهُ حَدًّا لِتَطْهِيرِهِ يُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ تَجْهِيزُهُ بِالْغَسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهِ وَالدَّفْنِ، وَلا يَجُوزُ قَتْلُهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ وَمَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الإِمَامُ الأَمْرَ. وَمَعْنَى يُقْتَلُ حَدًّا لِتَطْهِيرِهِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهُ عَلَى هَذَا الذَّنْبِ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ. وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ الْحُدُودِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «الْحُدودُ كَفَّارَاتٌ».

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَمْرُ أَهْلِهِ بِالصَّلاةِ.

الشَّرْحُ الْمُرَادُ بِهَذَا الْوُجُوبُ الْكِفَائِيُّ، وَبِالأَهْلِ أَوْلادُهُ وَزَوْجَتُهُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ فَهَذَا إِنْ كَانَ عَالِمًا بِنَفْسِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَوْ يُمَكِّنَهُمْ مِنَ التَّعَلُّمِ عِنْدَ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ مَنْعُهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ لِلتَّعَلُّمِ، حَتَّى الزَّوْجَةُ لا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ لِلتَّعَلُّمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ عَالِمًا بِذَلِكَ أَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ لَكِنَّهُ أَهْمَلَ التَّعْلِيمَ وَلَمْ يَأْتِهَا بِمَنْ يُعَلِّمُهَا.

وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سُورَةَ التَّحْرِيم/6]، قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: «عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ» أَيْ أُمُورَ الدِّينِ -رَوَاهُ الْحَاكِمُ [فِي الْمُسْتَدْرَكِ] - فَمَنْ تَعَلَّمَ لِنَفْسِهِ ضَرُورِيَّاتِ عِلْمِ الدِّينِ وَعَلَّمَ أَهْلَهُ فَقَدْ حَفِظَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ.

الشَّرْحُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَةِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، مَعَ تَعْلِيمِ مَنْ يُسْتَطَاعُ تَعْلِيمُهُ أَحْكَامَهَا الضَّرُورِيَّةَ إِنْ كَانُوا لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وُجُوبًا كِفَائِيًا فِي حَقِّ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.