قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ وَمِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْغِيبَةُ وَهِىَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ بِمَا يَكْرَهُهُ مِمَّا فِيهِ فِى خَلْفِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مُحَرَّمَاتِ اللِّسَانِ الْغِيبَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَغْتَبْ بَّعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/12] وَهَذَا تَمْثِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لِمَا يَنَالُهُ الْمُغْتَابُ مِنْ عِرْضِ الْمُغْتَابِ عَلَى أَفْحَشِ وَجْهٍ وَفِيهِ مُبَالَغَاتٌ مِنْهَا الِاسْتِفْهَامُ الَّذِى مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ. وَلَمَّا قَرَّرَهُمْ بِأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لا يُحِبُّ أَكْلَ جِيفَةِ أَخِيهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أَىْ فَتَحَقَّقَتْ كَرَاهَتُكُمْ لَهُ بِاسْتِقَامَةِ الْعَقْلِ فَلْيَتَحَقَّقْ أَنْ تَكْرَهُوا مَا هُوَ نَظِيرُهُ مِنَ الْغِيبَةِ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قَالَ أَفَرَأَيْتَ [بِمَعْنَى أَخْبِرْنِى] إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ قَالَ «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»
وَالْغِيبَةُ هِىَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ الْحَىَّ أَوِ الْمَيِّتَ بِمَا يَكْرَهُهُ لَوْ سَمِعَ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ دَارِهِ أَوْ خُلُقِهِ كَأَنْ يَقُولَ فُلانٌ قَصِيرٌ أَوْ أَحْوَلُ أَوْ أَبُوهُ دَبَّاغٌ أَوْ إِسْكَافٌ [وَالإِسْكَافُ كُلُّ صَانِعٍ بِالْحَدِيدَةِ] أَوْ فُلانٌ سَىّءُ الْخُلُقِ أَوْ قَلِيلُ الأَدَبِ أَوْ لا يَرَى لِأَحَدٍ حَقًّا عَلَيْهِ أَوْ لا يَرَى لِأَحَدٍ فَضْلًا أَوْ
كَثِيرُ النَّوْمِ أَوْ كَثِيرُ الأَكْلِ أَوْ طَوِيلُ الذَّيْلِ أَوْ قَصِيرُهُ [الذَّيْلُ ءَاخِرُ كُلِّ شَىْءٍ وَذَيْلُ الثَّوْبِ وَالإِزَارِ مَا جُرَّ مِنْهُ إِذَا أُسْبِلَ] أَوْ وَسِخُ الثِّيَابِ أَوْ دَارُهُ رَثَّةٌ أَوْ وَلَدُهُ فُلانٌ قَلِيلُ التَّرْبِيَّةِ أَوْ فُلانٌ تَحْكُمُهُ زَوْجَتُهُ أَوْ قَلِيلَةُ النَّظَافَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ لَوْ بَلَغَهُ وَبَعْضُ مَا مَرَّ قَدْ يُذْكَرُ فِى غَيْرِ الْحَالاتِ الَّتِى يَكْرَهُ الشَّخْصُ ذِكْرَهُ بِهَا فَإِنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ رَثَاثَةُ بَيْتِ الشَّخْصِ مَدْحًا لَهُ بِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْقَلِيلِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ فَمَا ذُكِرَ هِىَ الْغِيبَةُ الْمُحَرَّمَةُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهَا كَبِيرَةً وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهَا صَغِيرَةً وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ فِى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتِ الْغِيبَةُ لِأَهْلِ الصَّلاحِ وَالتَّقْوَى فَتِلْكَ لا شَكَّ كَبِيرَةٌ وَأَمَّا لِغَيْرِهِمْ فَلا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً وَمَا نُقِلَ عَنِ الْقُرْطُبِىِّ مِنْ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ بِالإِجْمَاعِ فَغَيْرُ سَدِيدٍ لَكِنَّ الْمُسْلِمَ الْفَاسِقَ إِذَا اغْتِيبَ إِلَى حَدِّ الإِفْحَاشِ كَبِيرَةٌ كَأَنْ يُبَالَغَ فِى ذِكْرِ مَسَاوِئِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْذِيرِ بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّفَكُّهِ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ «إِنَّ أَرْبَى الرِّبَا اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ فِى عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] فَإِنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَالَةَ كَبِيرَةٌ بَلْ مِنْ أَشَدِّ الْكَبَائِرِ لِوَصْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهَا أَرْبَى الرِّبَا أَىْ أَنَّهَا فِى شِدَّةِ إِثْمِهَا كَأَشَدِّ الرِّبَا.
وَلَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْفُنْدُقُ أَحْلَى مِنْ هَذَا الْفُنْدُقِ أَوْ طَعَامُهُ أَلَذُّ أَوْ هَذَا أَنْظَفُ مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا الدُّكَّانُ الثِّيَابُ الَّتِى عِنْدَهُ أَحْلَى مِنَ الدُّكَّانِ الآخَرِ أَوْ هَذَا سِعْرُهُ أَرْخَصُ مِنْ هَذَا لِأَنَّ الشَّخْصَ لا يَتَأَذَّى مِنْ هَذَا لَوْ سَمِعَ لَكِنْ لا يُحِبُّ فَمُجَرَّدُ الإِخْبَارِ لَيْسَ حَرَامًا.
وَلَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ يُقَالَ هَذَا سِعْرُهُ مُرْتَفِعٌ أَكْثَرُ مِنْ سِعْرِ فُلانٍ أَوْ بِضَاعَةُ فُلانٍ أَحْسَنُ مِنْ بِضَاعَةِ فُلانٍ أَوْ حَمْلَةُ فُلانٍ لِلْحَجِّ أَحْسَنُ مِنْ حَمْلَةِ فُلانٍ أَوْ فُلانٌ أَعْلَمُ مِنْ فُلانٍ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَكْرَهُهُ ذَوُو الطَّبْعِ السَّلِيمِ. وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ كَأَنْ يَقُولَ الْعَشِيرَةُ الْفُلانِيَّةُ فِيهِمُ الْخَصْلَةُ الْفُلانِيَّةُ وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَاضِرًا فِى الْمَجْلِسِ بِحَيْثُ يَتَأَذَّى مِنْ ذَلِكَ أَمَّا إِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِى الْمَجْلِسِ فَقِيلَ أَمَامَهُ عَشِيرَتُكَ خَبِيثَةٌ فَهَذَا حَرَامٌ لِأَنَّ فِيهِ إِيذَاءً لَهُ.
وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ عَنْ مَحْصُورِينَ مَعْرُوفِينَ بِعَيْنِهِمْ كَلامًا فِيهِ ذَمٌّ فَهُوَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ عَنْ شَخْصٍ فِى خَلْفِهِ بِمَا يَكْرَهُ دُونَ ذِكْرِ اسْمِهِ وَدُونَ أَنْ يَعْرِفَ السَّامِعُونَ مَنِ الْمَقْصُودُ فَلَيْسَ حَرَامًا.
وَكَمَا تَحْرُمُ الْغِيبَةُ يَحْرُمُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّهْىِ وَتَرْكُ مُفَارَقَةِ الْمُغْتَابِ إِنْ كَانَ لا يَنْتَهِى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ تَكُونُ الْغِيبَةُ جَائِزَةً بَلْ وَاجِبَةً وَذَلِكَ فِى التَّحْذِيرِ مِنْ ذِى فِسْقٍ عَمَلِىٍّ أَوْ بِدْعَةٍ اعْتِقَادِيَّةٍ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِى هِىَ دُونَ الْكُفْرِ كَالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّاجِرِ الَّذِى يَغُشُّ فِى مُعَامَلاتِهِ أَوْ تَحْذِيرِ صَاحِبِ الْعَمَلِ مِنْ عَامِلِهِ الَّذِى يَخُونُهُ وَكَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلإِفْتَاءِ أَوِ التَّدْرِيسِ أَوِ القِرَاءَةِ مَعَ عَدَمِ الأَهْلِيَّةِ فَهَذِهِ الْغِيبَةُ وَاجِبَةٌ.
وَمِنَ الْجَهْلِ بِأُمُورِ الدِّينِ اسْتِنْكَارُ بَعْضِ النَّاسِ التَّحْذِيرَ مِنَ الْعَامِلِ الَّذِى يَخُونُ صَاحِبَ الْعَمَلِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِمْ إِنَّ هَذَا قَطْعُ الرِّزْقِ عَلَى الْغَيْرِ فَهَؤُلاءِ يُؤْثِرُونَ مُرَاعَاةَ جَانِبِ الْعَبْدِ عَلَى مُرَاعَاةِ شَرِيعَةِ اللَّهِ.
وَمِنَ الْغِيبَةِ الْوَاجِبَةِ تَحْذِيرُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُصَادِقَ إِنْسَانًا فِى مُعَامَلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ دِينِيَّةٍ إِذَا عَلِمَ الشَّخْصُ أَنَّ هَذَا الَّذِى يُرِيدُ مُصَادَقَتَهُ يُدْخِلُ عَلَيْهِ ضَرَرًا بِمُصَادَقَتِهِ فَالسُّكُوتُ فِى مِثْلِ هَذَا عَنِ التَّحْذِيرِ حَرَامٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ [وَالْمُرَادُ بِالدِّينِ فِى الْحَدِيثِ الْعَمَلُ وَالْحَالُ] فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ] أَىِ الْمَرْءُ يُقْتَدَى بِهِ بِأَفْعَالِهِ وَخِصَالِهِ مَعْنَاهُ انْتَقُوا مَنْ تَتَّخِذُونَهُ صَاحِبًا فَمَنْ كَانَ يَنْفَعُكُمْ فِى دِينِكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِمُصَادَقَتِهِ وَمَنْ كَانَ لا يَنْفَعُكُمْ فِى دِينِكُمْ بَلْ يَضُرُّكُمْ فَابْتَعِدُوا مِنْهُ وَلا تُصَادِقُوهُ. وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الأَسْبَابَ الَّتِى تُبِيحُ الْغِيبَةَ إِلَى سِتَّةٍ جَمَعَهَا فِى بَيْتٍ وَاحِدٍ قَالَ [الْوَافِر]
تَظَلَّمْ وَاسْتَعِنْ وَاسْتَفْتِ حَذِّرْ وَعَرِّفْ وَاذْكُرَنْ فِسْقَ الْمُجَاهِرْ
فَمَنْ ظَلَمَهُ شَخْصٌ فَشَكَاهُ لِلْحَاكِمِ لِيَأْخُذَ لَهُ حَقَّهُ مِنْهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَمَنْ أَرَادَ إِزَالَةَ مُنْكَرٍ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ يَفْعَلُهُ شَخْصٌ فَاسْتَعَانَ بِشَخْصٍ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَمَنْ شَكَا مُسْلِمًا اخْتَلَفَ مَعَهُ فِى قَضِيَّةٍ لِيَأْخُذَ الْفَتْوَى مِنَ الْعَالِمِ التَّقِىِّ مَثَلًا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَمَعْنَى حَذِّرْ أَىْ حَذِّرْ مِمَّنْ يَضُرُّ النَّاسَ فِى دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَهَذَا لَيْسَ حَرَامًا بَلْ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنَ الَّذِى يَغُشُّ النَّاسَ فِى دِينِهِمْ أَوْ فِى أُمُورِ دُنْيَاهُمْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ،
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ شَخْصًا لِيُعْرَفَ فَقَالَ فُلانٌ الأَعْرَجُ مَثَلًا لا بِقَصْدِ ذَمِّهِ إِنَّمَا لِبَيَانِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ فِى هَذَا الْغَرَضِ الصَّحِيحِ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الَّذِى يُجَاهِرُ بِفِسْقِهِ يَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا فِيهِ مِمَّا يَكْرَهُ لِزَجْرِهِ عَنْ فِسْقِهِ لا بِقَصْدِ التَّفَكُّهِ بِذِكْرِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ «اعْلَمْ أَنَّ الْغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِىٍّ لا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِلَّا بِهَا وَهُوَ سِتَّةُ أَسْبَابٍ
الأَوَّلُ التَّظَلُّمُ فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ أَىْ يَرْفَعَ ظَلامَتَهُ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِى وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ فَيَقُولُ ظَلَمَنِى فُلانٌ بِكَذَا.
الثَّانِى الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِى إِلَى الصَّوَابِ فَيَقُولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ فُلانٌ يَعْمَلُ كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلَ إِلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا.
الثَّالِثُ الِاسْتِفْتَاءُ فَيَقُولُ لِلْمُفْتِى ظَلَمَنِى أَبِى أَوْ أَخِى أَوْ زَوْجِى أَوْ فُلانٌ بِكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَمَا طَرِيقِى فِى الْخَلاصِ مِنْهُ وَتَحْصِيلِ حَقِّى وَدَفْعِ الظُّلْمِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ وَلَكِنَّ الأَحْوَطَ وَالأَفْضَلَ أَنْ يَقُولَ مَا تَقُولُ فِى رَجُلٍ أَوْ شَخْصٍ أَوْ زَوْجٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِى حَدِيثِ هِنْدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الرَّابِعُ تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَاجِبٌ لِلْحَاجَةِ.
وَمِنْهَا الْمُشَاوَرَةُ فِى مُصَاهَرَةِ إِنْسَانٍ أَوْ مُشَارَكَتِهِ أَوْ إِيدَاعِهِ أَوْ مُعَامَلَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ مُجَاوَرَتِهِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُشَاوَرِ أَنْ لا يُخْفِىَ حَالَهُ بَلْ يَذْكُرُ الْمَسَاوِئَ الَّتِى فِيهِ بِنِيَّةِ النَّصِيحَةِ إِنِ اقْتَضَتِ النَّصِيحَةُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا إِذَا رَأَى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ يَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمَ وَخَافَ أَنْ يَتَضَرَّرَ الْمُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ نَصِيحَتُهُ بِبَيَانِ حَالِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ وَهَذَا مِمَّا يُغْلَطُ فِيهِ وَقَدْ يَحْمِلُ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ الْحَسَدُ وَيُلَبِّسُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ نَصِيحَةٌ فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلايَةٌ لا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا إِمَّا بِأَنْ لا يَكُونَ صَالِحًا لَهَا وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فَاسِقًا أَوْ مُغَفَّلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلايَةٌ عَامَّةٌ لِيُزِيلَهُ وَيُوَلِّىَ مَنْ يَصْلُحُ أَوْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَى حَالِهِ وَلا يَغْتَرَّ بِهِ وَأَنْ يَسْعَى فِى أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ.
الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كَالْمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَمُصَادَرَةِ النَّاسِ وَأَخْذِ الْمَكْسِ وَجِبَايَةِ الأَمْوَالِ ظُلْمًا وَتَوَلِّى الأُمُورِ الْبَاطِلَةِ فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُيُوبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ سَبَبٌ ءَاخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
السَّادِسُ التَّعْرِيفُ فَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالأَعْمَشِ وَالأَعْرَجِ وَالأَصَمِّ وَالأَعْمَى وَالأَحْوَلِ وَغَيْرِهِمْ جَازَ تَعْرِيفُهُمْ بِذَلِكَ وَيَحْرُمُ إِطْلاقُهُ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ وَلَوْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى.
فَهَذِهِ سِتَّةُ أَسْبَابٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ وَأَكْثَرُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَدَلائِلُهَا مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَشْهُورَةٌ» اهـ.
وَمِنَ الْجَهْلِ الْقَبِيحِ قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ حِينَمَا تُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الْغِيبَةَ «إِنِّى أَقُولُ هَذَا فِى وَجْهِهِ» كَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا فِى الشَّخْصِ الْمُغْتَابِ لا بَأْسَ إِذَا اغْتِيبَ بِهِ وَهَؤُلاءِ لَمْ يَعْلَمُوا تَعْرِيفَ الرَّسُولِ لِلْغِيبَةِ بِقَوْلِهِ «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ قَالَ «إِنْ كَانَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ» إِلَى ءَاخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِى صَحِيحِهِ] وَأَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ].
أَمَّا ذِكْرُ الْمُسْلِمِ فِى وَجْهِهِ بِمَا يَكْرَهُ فَهُوَ إِيذَاءٌ وَإِيذَاءُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ.
وَالْغِيبَةُ قَدْ تَكُونُ بِالتَّصْرِيحِ أَوِ التَّعْرِيضِ أَوِ الْكِتَابَةِ، وَمِنَ التَّعْرِيضِ الَّذِى هُوَ غِيبَةٌ أَنْ تَقُولَ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ شَخْصٍ مُسْلِمٍ «اللَّهُ لا يَبْتَلِينَا» مُرِيدًا أَنَّهُ مُبْتَلًى بِمَا يَكْرَهُ وَكَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ إِذَا ذُكِرَ شَخْصٌ مُسْلِمٌ «اللَّهُ يُصْلِحُنَا» مُرِيدًا بِهِ التَّعْرِيضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَالَةٍ طَيِّبَةٍ أَوْ تَقُولَ «أَصْلَحَهُ اللَّهُ» أَمَّا إِنْ لَمْ يُرِدِ التَّعْرِيضَ إِلَّا الدُّعَاءَ الْخَالِصَ فَلا إِثْمَ فِيهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالنَّمِيمَةُ وَهِىَ نَقْلُ الْقَوْلِ لِلإِفْسَادِ.
الشَّرْحُ أَنَّ النَّمِيمَةَ مِنَ الْكَبِائِرِ وَهِىَ نَقْلُ الْقَوْلِ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ أَوْ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ وَهِىَ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ لِأَنَّهَا قَوْلٌ يُرَادُ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِمَا يَتَضَمَّنُ الإِفْسَادَ وَالْقَطِيعَةَ بَيْنَهُمَا أَوِ الْعَدَاوَةَ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِىَ نَقْلُ كَلامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ يَقُولُ لِهَذَا فُلانٌ قَالَ فِيكَ كَذَا وَيَقُولُ لِذَاكَ فُلانٌ قَالَ فِيكَ كَذَا حَتَّى يَتَقَاتَلا أَوْ يَتَعَادَيَا لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا.
وَالنَّمِيمَةُ أَشَدُّ إِثْمًا مِنَ الْغِيبَةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [سُورَةَ الْقَلَم/11] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَالْقَتَّاتُ النَّمَّامُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» لا يَدْخُلُ مَعَ الأَوَّلِينَ بَلْ يَدْخُلُهَا بَعْدَ أَنْ يُقَاسِىَ مَا يُقَاسِى مِنْ أَهْوَالِ الآخِرَةِ هَذَا إِنْ جَازَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ.
وَهِىَ وَالْغِيبَةُ وَعَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ أَكْثَرُ أَسْبَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/191] فَمَعْنَاهُ الشِرْكُ أَشَدُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الإِفْسَادِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَشَدُّ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا بَلِ الَّذِى يَعْتَقِدُ ذَلِكَ يَكْفُرُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ مُرْتَدٌّ لا عُذْرَ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَحْرِيشُ مِنْ غَيْرِ نَقْلِ قَوْلٍ وَلَوْ بَيْنَ الْبَهَائِمِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ التَّحْرِيشَ بِالْحَثِّ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ لإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْكَبْشَيْنِ مَثَلًا أَوْ بَيْنَ الدِّيكَيْنِ مِنْ دُونِ قَوْلٍ بَلْ بِالْيَدِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْكَذِبُ وَهُوَ الإِخْبَارُ بِخِلافِ الْوَاقِعِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْكَذِبُ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ الإِخْبَارُ بِالشَّىْءِ عَلَى خِلافِ الْوَاقِعِ عَمْدًا أَىْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ خَبَرَهُ هَذَا عَلَى خِلافِ الْوَاقِعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ كَذِبًا مُحَرَّمًا، وَهُوَ حَرَامٌ بِالإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجِدِّ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْمَزْحِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِضْرَارٌ بِأَحَدٍ كَمَا وَرَدَ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَوْقُوفًا عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ «لا يَصْلُحُ الْكَذِبُ فِى جِدٍّ وَلا فِى هَزْلٍ» [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِ الإِيـمَانِ] وَوَرَدَ فِى الصَّحِيحِ «إِيَّاكَ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ وَلا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ] وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ» أَىْ هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ.
وَمَا أَكْثَرَ مَنْ هَلَكَ بِاسْتِعْمَالِ الْكَذِبِ فِى الْهَزْلِ وَالْمَزْحِ وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمَ حَلالٍ أَوْ تَرْوِيعَ مُسْلِمٍ يَظُنُّ أَنَّهُ صِدْقٌ وَمِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ كَانَ بَيْنَ أَصْدِقَائِهِ فِى مَكَانٍ فَأَقْبَلَ أَعْمَى فَقَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِذَا رَأَيْتَ الأَعْمَى فَكُبَّهُ إِنَّكَ لَسْتَ أَكْرَمَ مِنْ رَبِّهِ) قَالَهُ لإِضْحَاكِ الْحَاضِرِينَ لِأَنَّ هَذَا وما أَشْبَهَهُ عِنْدَ هَؤُلاءِ السُّفَهَاءِ الْجَاهِلِينَ بِالدِّينِ مِنَ الطُّرَفِ وَلَمْ يَدْرِ هَذَا وَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ بِجَعْلِ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْءَانِ قُرْءَانًا وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ تَحْلِيلَ الْحَرَامِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ حُرْمَتُهُ لِأَنَّهُ لا يَجْهَلُ حُكْمَ هَذَا الْفِعْلِ مُسْلِمٌ أَنَّهُ حَرَامٌ مَهْمَا بَلَغَ فِي الْجَهْلِ.
وَيَجُوزُ الْكَذِبُ إِذَا كَانَ لِلتَّوَصُّلِ لِمَصْلَحَةٍ مُبَاحَةٍ مُنِعَ مِنْهَا وَلا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْكَذِبِ بِشَرْطِ أَنْ لا يُلْحِقَ الضَّرَرَ بِغَيْرِهِ أَمَّا أَنْ يُوَرِّطَ غَيْرَهُ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْكَذِبُ لِلضَّرُورَةِ لإِنْقَاذِ نَفْسِهِ أَوْ مُسْلِمٍ غَيْرِهِ مِنْ ضَرَرٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْكَذِبُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ سَأَلَ إِنْسَانٌ عَنْ مُسْلِمٍ لِيَضْرِبَهُ أَوْ لِيُصَادِرَ مَالَهُ ظُلْمًا مَثَلًا وَلَوْ صَدَقَهُ الْجَوَابَ لَتَوَصَّلَ إِلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فِى هَذِهِ الْحَالِ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكْذِبْ يَكُونُ ضَرَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَلَهُ ثَوَابٌ إِنْ كَذَبَ لإِنْقَاذِ الْمُسْلِمِ مِنَ الضَّرَرِ.
وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ لِيُطَيِّبَ خَاطِرَهَا إِنْ كَانَتْ نَافِرَةً مِنْهُ نُفُورَ نُشُوزٍ حَتَّى تَعُودَ إِلَى طَاعَتِهِ.
وَيَجُوزُ الْكَذِبُ لِلإِصْلاحِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ حَصَلَ بَيْنَهُمَا تَنَافُرٌ وَكَذَا الْكَذِبُ لِلإِصْلاحِ بَيْنَ زَوْجَيْنِ حَصَلَ بَيْنَهُمَا تَنَافُرٌ بِأَنْ يَقُولَ لِهَذَا فُلانٌ قَالَ عَنْكَ كَذَا مِنَ الْمَدْحِ وَلِلآخَرِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ فِى الْحَقِيقَةِ لَمْ يَحْصُلْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِىِّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِى يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِى خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا».
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ الشَّخْصُ لِيَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ كَأَنْ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ثُمَّ تَابَ فَإِذَا سَأَلَهُ شَخْصٌ هَلْ كُنْتَ تَشْرَبُ الْخَمْرَ فَقَالَ لا لِيَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُشِيعَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْخَبَرَ هُنَا وَهُنَا وَهُنَا. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ فَخَافَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ فَيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَمَّا إِذَا قَالَ أَنَا مَا كُنْتُ أَشْرَبُ الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ فَهُوَ كَذِبٌ مُحَرَّمٌ.
وَكَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْكَذِبَ لا يَصْلُحُ لا فِى الْجِدِّ وَلا فِى الْمَزْحِ لا مَعَ الْكَبِيرِ وَلا مَعَ الصَّغِيرِ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعِدَ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ لا يُوَفِيَّهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ. وَأَمَّا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ كَذْبَةً بَيْضَاءَ فَهُوَ بَاطِلٌ يَجِبُ تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْهُ وَهُمْ يَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ هَذَا أَنَّ هَذَا الْكَذِبَ لا يُسَبِّبُ ضَرَرًا لِلنَّاسِ. وَيَدْخُلُ فِى ذَلِكَ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ كَذْبَةَ نَيْسَانَ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَجِبُ تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنِّى لَأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ [فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ] فَأَفْهَمَنَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَنَّهُ يَمْزَحُ وَلَكِنَّهُ لا يَقُولُ إِلَّا الصِّدْقَ وَالْحَقَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذِىَ أَحَدًا.
وَمَا يُرْوَى مِنْ أَنَّ امْرَأَةً عَجُوزًا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهَا قَوْلًا ظَاهِرُهُ يُوهِمُ أَنَّ الْعَجُوزَ لا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ تَتَوَهَّمَ ذَلِكَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَهَا عَلَى أَمْرٍ هُوَ حَقٌّ وَاقِعٌ وَهُوَ أَنَّ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ عِنْدَمَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ لا يَكُنَّ بِصُورَةِ الْعَجُوزِ بَلْ يَدْخُلْنَ وَهُنَّ شَابَّاتٌ [هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ وَلا يَنْبَغِى رِوَايَتُهُ].
ثُمَّ إِنَّ الْكَذِبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِضْرَارٌ بِمُسْلِمٍ وَلا تَكْذِيبٌ لِلشَّرْعِ فَهُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الصَّغَائِرِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَالَّذِى يَظُنُّ أَنَّ الْكَذِبَ فِى الْمَزْحِ جَائِزٌ غَلِطَ غَلَطًا كَبِيرًا بَلْ هُوَ كُفْرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَحْوَ قَرِيبِ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الآدَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» فَأَفْهَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَكَافِلٌ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا أَىْ لِمَنْ تَرَكَ الْجِدَالَ الَّذِى لا يَعُودُ لِمَصْلَحَةٍ فِى الدِّينِ أَىْ لا يَعُودُ إِلَى إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَلا إِبْطَالِ الْبَاطِلِ إِنَّمَا مُجَرَّدُ مُجَادَلَةٍ فِى الأُمُورِ التَّافِهَةِ وَنِزَاعٍ بِأَنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ بَيْتًا فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ أَىْ أَطْرَافِهَا،
وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْمَعْرُوفَ مَعَ الَّذِى يَعْرِفُ لَهُ إِحْسَانَهُ وَالَّذِى لا يَعْرِفُ لَهُ إِحْسَانَهُ وَأَنْ يَتَحَمَّلَ أَذَى النَّاسِ أَىْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى النَّاسِ وَأَنْ يَكُفَّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ وَهِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِخِلافِ الْوَاقِعِ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَقَوْلِ وَحَيَاةِ اللَّهِ أَوْ وَالْقُرْءَانِ أَوْ وَعِلْمِ اللَّهِ أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ وَعَظَمَةِ اللَّهِ أَوْ وَعِزَّةِ اللَّهِ [الَّذِى يَقُولُ وَعِزَّةِ اللَّهِ يَمِينُهُ ثَبَتَ لِأَنَّ عِزَّةَ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ] أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ تَهَاوُنٌ فِى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى. ولا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَحَيَاةِ الْقُرْءَانِ لِأَنَّ الْقُرْءَانَ لا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَلا بِالْمَوْتِ.
رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى أُمَامَةَ الْحَارِثِىِّ رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [هَذَا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا لا يُخَلَّدُ فِى النَّارِ لَكِنْ إِنْ مَاتَ بِلا تَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ] فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ».
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِى هَذَا بِيَمِينٍ ءَاثِمَهٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ إِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً هَذَا إِذَا لَمْ يُعَظِّمِ الْمَحْلُوفَ بِهِ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ فَإِنْ عَظَّمَهُ كَتَعْظِيمِهِ لِلَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ].
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ وَهِىَ كَثِيرَةٌ حَاصِلُهَا كُلُّ كَلِمَةٍ تَنْسُبُ إِنْسَانًا أَوْ وَاحِدًا مِنْ قَرَابَتِهِ إِلَى الزِّنَى فَهِىَ قَذْفٌ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ إِمَّا صَريِحًا مُطْلَقًا أَوْ كِنَايَةً بِنِيَّةٍ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْكَلامَ الَّذِى يُقْذَفُ أَىْ يُرْمَى بِهِ شَخْصٌ إِلَى الزِّنَى وَنَحْوِهِ. وَالْقَذْفُ إِنْ كَانَ بِنِسْبَةِ صَرِيحِ الزِّنَى كَأَنْ يَقُولَ فِى رَجُلٍ فُلانٌ زَانٍ أَوْ فِى امْرَأَةٍ فُلانَةُ زَانِيَةٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فُلانٌ لاطَ بِفُلانٍ أَوْ لاطَ بِهِ فُلانٌ أَوْ فُلانٌ لائِطٌ سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ، وإِنْ كَانَ كِنَايَةً بِأَنْ يكون اللَّفْظُ غَيْرَ صَرِيحٍ كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ يَا خَبِيثُ أَوْ يَا فَاجِرُ أَوْ يَا فَاسِقُ وَنَوَى الْقَذْفَ كَانَ قَذْفًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ أَيْضًا.
أَمَّا إِنْ كَانَ تَعْرِيضًا فَقَطْ كَقَوْلِهِ لِشَخْصٍ بِنِيَّةِ الذَّمِّ وَالطَّعْنِ فِيهِ يَا ابْنَ الْحَلالِ أَوْ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ أَوْ لَسْتُ ابْنَ زَانِيَةٍ يُعَرِّضُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ لَيْسَ ابْنَ حَلالٍ أَوْ أَنَّهُ زَانٍ أَوْ أَنَّ أُمَّهُ زَانِيَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِى الْقَذْفِ وَلا كِنَايَةً وَلَكِنْ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ التَّعْزِيرَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُحَدُّ الْقَاذِفُ الْحُرُّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَالرَّقِيقُ نِصْفَهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِى شَرْعِهِ حُكْمَ الْقَاذِفِ فَالْقَاذِفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَلَوْ مُبَعَضًّا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا فَالْحُرُّ حَدُّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً بِسَوْطٍ وَالْعَبْدُ حَدُّهُ نِصْفُ ذَلِكَ وَهُوَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً وَهَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الْمُبَعَضِّ هُوَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ مَالِكِيْنِ لَهُ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَيَكُونُ فَقِيرًا فَإِنَّ الْعِتْقَ لا يَسْرِى إِلَى كُلِّ الْعَبْدِ بَلْ عَتَقَ نِصْفُهُ فَقَطْ،
وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَهِىَ الْمَرْأَةُ الْمَمْلُوكَةُ الَّتِى أَوْلَدَهَا سَيِّدُهَا فَهَذِهِ أَيْضًا مَمْلُوكَةٌ مَا دَامَ سَيِّدُهَا حَيًّا فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَهُوَ الرَّقِيقُ الَّذِى اتَّفَقَ مَعَ سَيِّدِهِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ كَذَا مِنَ الْمَالِ لِيَتَحَرَّرَ بِدَفْعِ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ وَمَا لَمْ يَدْفَعِ الْمَبْلَغَ كُلَّهُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ فَإِذَا دَفَعَ صَارَ حُرًّا فَهَؤُلاءِ الأَرِقَّاءُ الْمَمْلُوكُونَ حَدُّهُمْ إِذَا قَذَفُوا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ.
تَنْبِيهٌ مِمَّا كَثُرَ ابْتِلاءُ النَّاسِ بِهِ مِنَ الْمَعَاصِى قَوْلُ الإِنْسَانِ لِخَادِمِهِ يَا مُخَنَّثُ أَوْ لِخَادِمَتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ يَا قَحْبَةُ وَلِلصَّغِيرِ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَى أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُهْلِكَاتِ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْمَزْحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» [أَىِ الْمُهْلِكَاتِ] قِيلَ وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ [أَىِ الْحَرَائِرِ الْعَفِيفَاتِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِى أَحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أَىْ حَفِظْنَهَا عَنِ الْحَرَامِ] الْمُؤْمِنَاتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُحْصَنَاتُ الْغَافِلاتُ الْحَرَائِرُ الْعَفِيفَاتُ اللَّاتِى لَمْ يَمَسَّهُنَّ الزِّنَى وَلا تُعْرَفُ عَلَيْهِنَّ الْفَاحِشَةُ.
وَقَذْفُ الْمُسْلِمِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَى يُوجِبُ الْحَدَّ إِلَّا فِى حَقِّ الْوَالِدِ إِنْ قَذَفَ وَلَدَهُ فَلا يُحَدُّ لَكِنَّهُ حَرَامٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا سَبُّ الصَّحَابَةِ.
الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ سَبُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ سَبَّهُمْ جُمْلَةً كَفَرَ فَالَّذِى يَقُولُ الصَّحَابَةُ لا فَضْلَ لَهُمْ مُسْتَخِفًّا بِهِمْ يَكْفُرُ وَالَّذِى يَقُولُ الصَّحَابَةُ لا يُؤْتَمَنُونَ فِى نَقْلِ الشَّرِيعَةِ يَكْفُرُ لِأَنَّنَا لَمْ نَعْرِفِ الشَّرِيعَةَ إِلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ لِأَنَّنَا لَمْ نُدْرِكِ الرَّسُولَ ﷺ فَالَّذِى يُخَوِّنُ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً يَكْفُرُ فَإِنَّ الْقُرْءَانَ مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَ إِلَيْنَا وَأُمُورُ الدِّينِ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الرَّسُولِ كُلُّهَا مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/100] هَؤُلاءِ هُمْ أَوْلِيَاءُ الصَّحَابَةِ وَسَبُّ أَحَدِهِمْ أَعْظَمُ إِثْمًا وَأَشَدُّ ذَنْبًا مِنْ سَبِّ غَيْرِهِ. وَأَمَّا سَبُّ بَعْضِ الَّذِينَ بَالَغُوا فِى الْفِسْقِ مِنَ الصَّحَابَةِ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَجَائِزٌ [كَأَنْ يُقَالَ هَؤُلاءِ بُغَاةٌ أَوْ ظَلَمُوا] فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ لِصَحَابِىٍّ قَالَ فِى خُطْبَتِهِ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ» وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِى ضَمِيرٍ وَاحِدٍ وَقَالَ لَهُ «قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] فَلَمْ يَسْكُتْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ الْخَفِيفِ الَّذِى هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ.
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ فَالْجَوَابٌ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ قَالُوا بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ فِى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لا يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَتْقِيَاءُ صَالِحُونَ فَقَدْ صَحَّ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ فِى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ لَمَّا مَاتَ فَوَجَدُوا فِى شَمْلَتِهِ دِينَارَيْنِ [وَالشَّمْلَةُ هِىَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ] فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «كَيَّتَانِ مِنْ نَارٍ» وَفَضْلُ أَهْلِ الصُّفَّةِ مَعْرُوفٌ،
فَهَذَا لإِخْفَائِهِ دِينَارَيْنِ عَنِ النَّاسِ وَإِظْهَارِ الْفَاقَةِ قَالَ الرَّسُولُ فِيهِ مَا قَالَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ فَضْلٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَهَلْ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ عَدْلٌ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ الَّذِى هُوَ مَنْ سَلِمَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ.
وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَقَعُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِى فِى ذَنْبٍ وَلا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِى قَبْرِهِ بَلْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلافِ هَذَا فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِى الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِى الضَّبَابِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ [أَىِ الَّذِى لا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ] حَتَّى أَصَابَ الْعَبْدَ فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَلَى وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِى أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا». وَكَانَ فِى الصَّحَابَةِ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً ثُمَّ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كُلَّ مَرَّةٍ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].
وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ فَأَقَامَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمُ الْحَدَّ [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ] وَهُنَاكَ غَيْرُ هَذَا مِمَّا صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ فِى هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِىِّ الَّذِى فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِى فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ» فَهَذَا الْحَدِيثُ لا يُرِيدُ بِهِ الرَّسُولُ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مُؤْمِنًا بِهِ إِنَّمَا يَعْنِى بِهِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ كَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ أَنَّ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ سَبَّ عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بنَ عَوْفٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ عَوْفٍ مِنْ طَبَقَتِهِمْ فِى الْفَضْلِ لا يَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ طَبَقَتِهِمْ كَخَالِدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ لِأَنَّ إِسْلامَهُ كَانَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهَذَا مَعَ مَا لِخَالِدٍ مِنَ الْفَضْلِ حَتَّى سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ] وَمَعَ ذَلِكَ مَرْتَبَتُهُ بَعِيدَةٌ عَنِ اللَّحَاقِ بِهِمْ، وَمَنْ يُورِدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِى حَقِّ كُلِّ صَحَابِىٍّ فَمَنْشَؤُهُ الْجَهْلُ بِمَرَاتِبِ الصَّحَابَةِ وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
وَلا يُعْطِى هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ أَنْ لا يُذْكَرَ أَىُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ بَلْ حُكْمُ التَّحْذِيرِ الشَّرْعِىِّ لا بُدَّ مِنْهُ فَلِذَلِكَ ضَمَّنَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ كُتُبَهُمُ الَّتِى أَلَّفُوهَا فِى الْحَدِيثِ إِيرَادَ أَحَادِيثَ كَالَّتِى فِيهَا ذَمُّ مِدْعَمٍ وَكِرْكِرَةَ وَلَوْ كَانَ لا يَجُوزُ انْتِقَادُ الصَّحَابِىِّ فِى أَىِّ شَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مَا ذَكَرُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَأَمْثَالَهَا كَحَدِيثِ «لا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ» فِى مُعَاوِيَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَحَدِيثِ قَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَشَارَتْهُ فِى أَبِى جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ وَكَانَ أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ [أَىْ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ] وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ انْكِحِى أُسَامَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ لا يُحِبُّ الشَّخْصُ أَنْ يُذْكَرَ بِأَنَّهُ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِىِّ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ «اللَّهَ اللَّهَ فِى أَصْحَابِى لا تَسُبُّوا أَصْحَابِى فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّى أَحَبَّهُمْ ومَنْ سَبَّهُمْ فَقَدْ سَبَّنِى» فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً فَيَكُونُ كَافِرًا وَعَلَى مَنْ سَبَّ بَعْضًا مِنْهُمْ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَيَكُونُ وَقَعَ فِى مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ مَنْ شَرَحَ حَدِيثَ «لا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ» إِنَّهُ مَدْحٌ وَدُعَاءٌ لِمُعَاوِيَةَ فَلا مَعْنَى لَهُ كَيْفَ يَكُونُ كَثْرَةُ الأَكْلِ دُعَاءً لَهُ وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِى مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَقَالَ «مَا مَلأَ ابْنُ ءَادَمَ وِعَاءً شَرًّا لَهُ مِنْ بَطْنِهِ بِحَسْبِ [أَىْ يَكْفِيهِ] ابْنِ ءَادَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ].
فَالْحَاصِلُ الَّذِى تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ عَلَى الإِجْمَالِ كُفْرٌ وَأَمَّا سَبُّ فَرْدٍ مِنَ الأَفْرَادِ مِنْهُمْ إِنْ كَانَ تَقِيًّا فَهُوَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَقِيًّا فَذِكْرُهُ بِذَلِكَ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ جَائِزٌ.
قِصَّةٌ غَرِيبَةٌ رَوَى ابْنُ بَشْكَوَالَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ بِالْيَمَنِ فَوَجَدْتُ نَاسًا مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ وَقِيلَ لِى هَذَا رَجُلٌ كَانَ يَؤُمُّنَا فِى شَهْرِ رَمَضَانَ فِى مَسْجِدِ صَنْعَاءَ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَرَأَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى عَلِىٍّ النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالصَّمَمُ وَالْعَمَى وَأُقْعِدَ مَكَانَهُ اهـ وَهَذَا كَانَ يَطْعَنُ فِى الصَّحَابَةِ حَتَّى حَرَّفَ الآيَةَ فَأَثْبَتَ النُّبُوَّةَ لِسَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلَيْسَ مِنْ سَبِّ الصَّحَابَةِ الْقَوْلُ إِنَّ مُقَاتِلِى عَلِىٍّ كُلَّهُمْ بُغَاةٌ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ صِفِّينَ وَقَالَ ذَلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الِاعْتِقَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ الَّذِى عَهِدْتُ عَلَيْهِ مَشَايِخَنَا أَنَّ مَنْ نَازَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا فِى إِمَارَتِهِ بَاغٍ وَعَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ اهـ يَعْنِى الشَّافِعِىَّ، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الشَّافِعِىُّ عَبْدُ الْكَرِيـمِ الرَّافِعِىُّ «ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانِ بُغَاةٌ» نَقَلَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ فِى تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِىِّ الْكَبِيرِ وَأَقَرَّهُ وَارْتَضَاهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى وَابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِى مُصَنَّفِهِ عَنْ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ «لا تَقُولُوا كَفَرَ أَهْلُ الشَّامِ وَلَكِنْ قُولُوا فَسَقُوا وَظَلَمُوا» يَعْنِى بِأَهْلِ الشَّامِ الْمُقَاتِلِينَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِىٍّ فِى وَقْعَةِ صِفِّينَ، وَمَعْلُومٌ مَنْ هُوَ عَمَّارٌ هُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلاثَةٍ» الْحَدِيثَ [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ] وَقَالَ فِيهِ «عَمَّارٌ مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ» [أَخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ، وَمَعْنَى مُشَاشِهِ رُءُوسُ عِظَامِهِ كَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ] فَكَيْفَ يُتْرَكُ كَلامُهُ وَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ «كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ مَعْذُورُونَ أَوْ مَأْجُورُونَ» وَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا مُنْصِفٌ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِى الْحَدِيثِ الْمُتَوِاتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَيْحَ عَمَّارٍ [مَعْنَاهُ تَعَطُّفٌ عَلَى عَمَّارٍ كَأَنَّ الرَّسُولَ يَقُولُ يَا حَزَنِى عَلَى عَمَّارٍ] تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِى كِتَابِ الصَّلاةِ وَفِى كِتَابِ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] فِى مَوْضِعَيْنِ.
وَرِوَايَةُ الطَّبَرَانِىِّ فِيهَا زِيَادَةٌ وَهِىَ «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ النَّاكِبَةُ عَنِ الْحَقِّ» وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَهْدِمُ عَلَى الَّذِينَ فَسَّرُوا الْبَاغِيَةَ بِالطَّالِبَةِ تَبَعًا لِابْنِ تَيْمِيَةَ لِأَنَّهُ مِنْ خُبْثِهِ وَشِدَّةِ عِنَادِهِ قَالَ مَعْنَاهُ الطَّالِبَةُ. وَمَنْ قَالَ إِنَّ قَوْلَ النَّبِىِّ ﷺ «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» لَيْسَ فِيهِ ذَمٌ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ عَلِىٌّ وَمُعَاوِيَةُ كِلاهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اتَّهَمَ الآخَرَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ ذَمٍّ لِتِلْكَ الْفِئَةِ.
فَقَدْ حَكَمَ الرَّسُولُ عَلَى أَنَّ كُلَّ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا مَعَ مُعَاوِيَةَ بُغَاةٌ وَلا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهَذَا ذَمٌّ وَأَىُّ ذَمٍّ فَمَنْ قَالَ لِأَحَدِهِمْ كَانَ بَاغِيًا لا يَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ بَابِ سَبِّ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ مَحَا اللَّهُ ذَنْبَهُ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ يُعَذِّبُهُ وَإِنْ شَاءَ يَعْفُو عَنْهُ. وَمِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلٌ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَقَتَلَ عَمَّارًا ثُمَّ صَارَ يَقُولُ عِنْدَمَا يَأْتِى بَابَ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ بَنِى أُمَيَّةَ قَاتِلُ عَمَّارٍ فِى الْبَابِ يَتَبَجَّحُ بِقَتْلِهِ عَمَّارًا وَهُوَ سَمِعَ الرَّسُولَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ «لا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ]، عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ ذَكَرُوهُ وَوَصَفُوهُ بِهَذَا هَلْ يَكُونُونَ سَبُّوا الصَّحَابَةَ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَمَّنْ يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ إِنَّهُمْ يَسُبُّونَ الصَّحَابَةَ فَلْيُعِدُّوا الْجَوَابَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الْعَلامَّةُ اللُّغَوِىُّ ابْنُ مَنْظُورٍ فِى لِسَانِ الْعَرَبِ مَا نَصُّهُ «وَالْبَغْىُ التَّعَدِّى وَبَغَى الرَّجُلُ عَلَيْنَا بَغْيًا عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ وَاسْتَطَالَ» ثُمَّ قَالَ «وَقَالَ الأَزْهَرِىُّ وَالْبَغْىُ الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ» ثُمَّ قَالَ وَالْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ هِىَ الظَّالِمَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِعَمَّارٍ «وَيْحَ ابْنِ سُمَيَّةَ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».
وَرَوَى ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِى مُصَنَّفِهِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ «حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/9] قَالَ بِالسَّيْفِ قُلْتُ فَمَا قَتْلاهُمْ قَالَ شُهَدَاءُ مَرْزُوقُونَ قَالَ قُلْتُ فَمَا حَالُ الأُخْرَى أَهْلِ الْبَغْىِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ قَالَ إِلَى النَّارِ» اهـ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِىُّ فِى حَدِيثِ وَيْحَ عَمَّارٍ «وَهُوَ أَىْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَثْبَتِ الأَحَادِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ مُعَاوِيَةُ عَلَى إِنْكَارِهِ لِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ قَالَ إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ، وَلَوْ كَانَ حَدِيثًا فِيهِ شَكٌ لَرَدَّهُ مُعَاوِيَةُ وَأَنْكَرَهُ وَأَكْذَبَ نَاقِلَهُ وَزَوَّرَهُ، وَقَدْ أَجَابَ عَلِىُّ بنُ أَبِى طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذًا قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ، قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ وَهَذَا مِنْ عَلِىٍّ إِلْزَامٌ مُفْحِمٌ لا جَوَابَ عَنْهُ وَحُجَّةٌ لا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا» انْتَهَى كَلامُ الْقُرْطُبِىِّ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ مَا نَصُّهُ «وَدَلَّ حَدِيثُ «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ الْمُصِيبَ فِى تِلْكَ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَصْحَابَ مُعَاوِيَةَ قَتَلُوهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ فَتَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَثَبَتَ بِدَلِيلِ الدِّينِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِمَامًا وَأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ بَاغٍ وَأَنَّ قِتَالَهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَفِىءَ إِلَى الْحَقِّ وَيَنْقَادَ إِلَى الصُّلْحِ» اهـ.
وَقَالَ مُلَّا عَلِى الْقَارِى فِى شَرْحِ الْمِشْكَاةِ مَا نَصُّهُ «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» أَىِ الْجَمَاعَةُ الْخَارِجَةُ عَلَى إِمَامِ الْوَقْتِ وَخَلِيفَةِ الزَّمَانِ.
وَقَالَ الْمُنَاوِىُّ فِى شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا نَصُّهُ «وَيْحَ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» قَالَ الْبَيْضَاوِىُّ يُرِيدُ بِهِ مُعَاوِيَةَ وَقَوْمَهُ «يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ» أَىْ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الإِمَامِ الْحَقِّ «وَيَدْعُونَهُ إِلَى» سَبَبِ «النَّارِ» وَهُوَ عِصْيَانُهُ وَمُقَاتَلَتُهُ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ صِفِّينَ دَعَاهُمْ فِيهِ إِلَى الإِمَامِ وَدَعَوْهُ إِلَى النَّارِ وَقَتَلُوهُ» اهـ.
وَقَالَ فِى مَوْضِعٍ ءَاخَرَ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا نَصُّهُ «وَيْحَ عَمَّارٍ» بِالْجَرِّ عَلَى الإِضَافَةِ وَهُوَ ابْنُ يَاسِرٍ «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» قَالَ الْقَاضِى فِى شَرْحِ الْمَصَابِيحِ يُرِيدُ بِهِ مُعَاوِيَةَ وَقَوْمَهُ» اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِى بَغْىِ طَائِفَةِ مُعَاوِيَةَ الَّذِينَ قَتَلُوا عَمَّارًا فِى وَقْعَةِ صِفِّينَ وَأَنَّ الْحَقَّ مَعَ عَلِىٍّ وَهُوَ مِنَ الإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْفَقِيهُ الْمُتَكَلِّمُ أَحَدُ رُءُوسِ الأَشَاعِرَةِ الْقُدَمَاءِ ابْنُ فُورَك فِي كِتَابِ «مَقَالاتِ الأَشْعَرِيِّ» كَلامَ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ فِى أَمْرِ الْمُخَالِفِينَ لِعَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مَا نَصُّهُ وَكَانَ أَىِ الأَشْعَرِىُّ يَقُولُ فِى أَمْرِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ وَالْمُنْكِرِينَ لإِمَامَتِهِ إِنَّهُمْ كُلَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْخَطَإِ فِيمَا فَعَلُوا اهـ. وَعِنْدَ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ الْخَطَأُ مَعْنَاهُ الْمَعْصِيَةُ.
وَقَالَ وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ فِى حَرْبِ مُعَاوِيَةَ إِنَّهُ كَانَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَطَأً وَبَاطِلًا وَمُنْكَرًا وَبَغْيًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ إِمَامٍ عَادِلٍ فَأَمَّا خَطَأُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَكَانَ يَقُولُ إِنَّهُ وَقَعَ مَغْفُورًا لِلْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِىِّ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُمَا بِالْجَنَّةِ فِيمَا رُوِىَ فِى خَبَرِ بِشَارَةِ عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْجَنَّةِ فَذَكَرَ فِيهِمْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأَمَّا خَطَأُ مَنْ لَمْ يُبَشِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ فِى أَمْرِهِ فَإِنَّهُ مُجَوَّزٌ غُفْرَانُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ اهـ.
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ شَيْخِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ بِأَنَّ كُلَّ مُقَاتِلِى عَلِىٍّ عَصَوْا وَأَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ تَابَا مِنْ ذَلِكَ جَزْمًا وَأَمَّا الآخَرُونَ فَهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ. فَبَعْدَ هَذَا لا يَسُوغُ لِأَشْعَرِىٍّ أَنْ يُخَالِفَ كَلامَ الإِمَامِ فَيَقُولَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ وَجَيْشَهُ غَيْرُ ءَاثِمِينَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ بُغَاةٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ مَأْجُورُونَ فَأَبْعَدُ مِنَ الْحَقِّ. وَفِى تَعْبِيرِ الإِمَامِ الأَشْعَرِىِّ عَنْ حَرْبِ مُعَاوِيَةَ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ وَبَغْىٌ الْحُكْمُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ. وَكَلامُهُ هَذَا بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا إِنْ عَمَلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِيثِ «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الَّذِى نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ هُوَ الِاجْتِهَادُ الَّذِى يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ وَمَسْئَلَةُ مُقَاتَلَةِ الإِمَامِ الرَّاشِدِ كَعَلِىٍّ مَعْلُومٌ حُرْمَتُهَا مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَحَدِيثِ [الْبُخَارِىِّ] «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَحَدِيثِ «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالْخَطَأُ الَّذِى أَوْرَدَهُ الإِمَامُ الأَشْعَرِىُّ مِنَ الْقِسْمِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَؤُلاءِ عَصَوْا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ «إِنَّهُمَا تَابَا» فَلا يَشْتَبِهْ عَلَيْكَ الأَمْرُ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الأَشْعَرِىِّ بِتَعْبِيرِهِ بِالْخَطَإِ الْمَعْصِيَةُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْفَقِيهُ ابْنُ فُورَك فِى كِتَابِ مَقَالاتِ الأَشْعَرِىِّ وَنَصُّهُ «فَصْلٌ ءَاخَرُ فِى إِبَانَةِ مَذْهَبِهِ فِى أَسْمَاءِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِى وَقَوْلِهِ فِى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَىِ الأَشْعَرِىُّ إِنَّ مَعْنَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ ذَنْبٌ وَخَطَأٌ وَخِلافٌ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى» اهـ.
وَقَدْ قَالَ الْكَمَالُ بنُ الْهُمَامِ فِى شَرْحِهِ لِلْهِدَايَةِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ جَائِرٌ وَذَلِكَ فِى كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ كِتَابِهِ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِثْلَهُ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْمَرْغِينَانِىُّ وَهُمَا مِنْ مَشَاهِيرِ الْحَنَفِيَّةِ. فَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى كَلامِهِمَا الَّذِينَ يَنْتَقِدُونَنَا لَسَكَتُوا عَنِ انْتِقَادِنَا عِنْدَمَا نُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ كَانُوا مَعَهُ فِى قِتَالِ عَلِىٍّ ءَاثِمُونَ ظَالِمُونَ.
وَأَمَّا مَنْ يُعَارِضُ حَدِيثَ «وَيْحَ عَمَّارٍ» الْمُتَوَاتِرَ بِمِثْلِ مَا رُوِىَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِى فَأَمْسِكُوا» [أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ] فَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ التَّحْقِيقِ بُعْدًا كَبِيرًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ فِى مُعَارَضَةِ حَدِيثٍ ثَابِتٍ مُتَوَاتِرٍ فَقَدْ رَوَى حَدِيثَ «وَيْحَ عَمَّارٍ» أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًّا.
فَلا يَعُدُّ ذِكْرَ مَا جَاءَ فِى هَذَا الْحَدِيثِ سَبًّا لِلصَّحَابَةِ إِلَّا مَنْ بَعُدَ عَنِ التَّحْقِيقِ الْعِلْمِىِّ فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ. إِنَّمَا سَبُّ الصَّحَابَةِ الَّذِى يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكَبِيرَةِ هُوَ مِثْلُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ سَبِّ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ عَلَى الْمَنَابِرِ كَانُوا يَلْعَنُونَهُ وَيَطْعَنُونَ فِيهِ وَفِيمَنْ وَالاهُ أَىْ قَاتَلَ مَعَهُ حَتَّى إِنَّ بَعْضَ حُكَّامِ بَنِى أُمَيَّةَ أَرْسَلَ رَجُلًا فِى أَوَّلِ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ مِنَ الْجَبَّارِينَ إِلَى الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ لِيُؤْذِىَ مَنْ كَانَ فِى طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَضْطَهِدَهُمْ فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ بِأَنَّهُ أَصَابَهُ الْخَرَفُ وَفَسَادُ الْعَقْلِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ.
