مِنْ مَعَاصِى الْبَطْنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلامُ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ
أَوَّلُهَا الأَصْلُ فِى حُرْمَةِ ذَلِكَ
اعْلَمْ أَنَّ الأَصْلَ فِى تَحْرِيمِ مَا تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/3] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/145].
فَالْمَيْتَةُ هِىَ كُلُّ مَا زَالَتْ حَيَاتُهُ مِنَ الْبَهَائِمِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ فَلا يَحِلُّ أَكْلُهَا إِلَّا حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ أَحَلَّ اللَّهُ مَيْتَتَهَا حَتَّى كَلْبَ الْبَحْرِ وَخِنْزِيرَ الْبَحْرِ، وَ﴿الدَّمُ﴾ أَىِ الْمَسْفُوحُ وَهُوَ السَّائِلُ فَلا يَحْرُمُ الدَّمُ الَّذِى فِى اللَّحْمِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ، وَ﴿لَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ حَرَامٌ بَلِ الْخِنْزِيرُ كُلُّهُ وَهُوَ نَجِسٌ وَإِنَّمَا خُصَّ اللَّحْمُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَىْ رُفِعَ الصَّوْتُ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَىْ سُمِّىَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ كَقَوْلِهِمْ بِاسْمِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى عِنْدَ ذَبْحِهِ فَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَالدَّمُ وَالْمَيْتَةُ حَرَامٌ فِى كُلِّ الشَّرَائِعِ،
وَ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾ هِىَ الَّتِى خَنَقُوهَا حَتَّى مَاتَتْ أَوِ انْخَنَقَتْ بِالشَّبَكَةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾ هِىَ الَّتِى أَثْخَنُوهَا ضَرْبًا بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ حَتَّى مَاتَتْ، وَ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هِىَ الَّتِى تَرَدَّتْ مِنْ جَبَلٍ أَوْ فِى بِئْرٍ فَمَاتَتْ وَكَذَلِكَ الَّتِى وَقَعَتْ فِى الْبَحْرِ فَغَرِقَتْ، وَ﴿النَّطِيحَةُ﴾ هِىَ الْمَنْطُوحَةُ وَهِىَ الَّتِى نَطَحَتْهَا أُخْرَى فَمَاتَتْ بِالنَّطْحِ، ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ بَعْضَهُ وَمَاتَ بِجُرْحِهِ حَرَامٌ، ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُم﴾ أَىْ إِلَّا مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرِبَ اضْطِرَابَ الْمَذْبُوحِ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا بَعْدَهَا فَإِنَّهُ إِذَا أَدْرَكَهَا وَبِهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَذَبَحَهَا مَنْ يَحِلُّ ذَبْحُهُ حَلَّتْ.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ النُّصُبُ بِضَمَّتَيْنِ حَجَرٌ نُصِبَ وَعُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَجَمْعُهُ أَنْصَابٌ وَقِيلَ النُّصُبُ جَمْعٌ وَاحِدُهَا نِصَابٌ الْحِجَارَةُ الَّتِى كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ، مَنْصُوبَةٌ حَوْلَ الْبَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا يُعَظِّمُونَهَا بِذَلِكَ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهَا فَمَا كَانَ مِنَ الذَّبَائِحِ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ».
وَثَانِيهَا حُكْمُ أَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْكُوكِ فِى ذَكَاتِهِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ
فَاللَّحْمُ أَمْرُهُ مُشَدَّدٌ فِى شَرْعِ اللَّهِ فَلا يَجُوزُ أَكْلُهُ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِىٍّ أَمَّا إِنْ شُكَّ فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ لا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَدِىِّ ابْنِ حَاتِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لا تَدْرِى أَيُّهُمَا قَتَلَهُ وَإِنْ رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِى الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ».
فَمِنْ أَجْلِ الشَّكِّ فِى سَبَبِ الْحِلِّ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ أَكْلَهُ وَمِنْ هُنَا حَرَّمَ الْعُلَمَاءُ أَكْلَ اللَّحْمِ الْمَشْكُوكِ فِى حِلِّهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِىِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُنَاسًا حَدِيثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لا فَقَالَ «سَمُّوا اللَّهَ أَنْتُمْ وَكُلُوا». فَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِى ذَبِيحَةِ أُنَاسٍ مُسْلِمِينَ قَرِيبِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ وَذَلِكَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «حَدِيثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ».
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ اللُّحُومَ حَلالٌ لِأَنَّهَا مُذَكَّاةٌ بِأَيْدِى مُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانُوا حَدِيثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَىْ قَرِيبِى عَهْدٍ بِإِسْلامٍ وَلا يَضُرُّكُمْ أَنَّكُمْ لَمْ تَعْلَمُوا هَلْ سَمَّى أُولَئِكَ عِنْدَ ذَبْحِهَا أَمْ لا فَسَمُّوا أَنْتُمْ عِنْدَ أَكْلِهَا أَىْ نَدْبًا لا وُجُوبًا لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ تَرَكَهَا الذَّابِحُ حَلَّ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ.
فَاللَّحْمُ لا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِى أَكْلِهِ مَعَ الشَّكِّ فِى ذَكَاتِهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ كَأَبِى حَامِدٍ الأَسْفَرَايِينِىِّ وَالسُّيُوطِىِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَرَافِىِّ [وَالأَبِّى] مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ تَحْرِيمُ اللَّحْمِ الَّذِى لَمْ يُعْلَمْ طَرِيقُ حِلِّهِ بِأَنْ شُكَّ فِى ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ ذَبَحَ شَخْصٌ مِائَةَ دَجَاجَةٍ وَكَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا لَمْ تُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا وَاخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْوَاحِدَةُ بِالْبَقِيَّةِ وَلَمْ تُعْرَفْ أَىَّ وَاحِدَةٍ هِىَ حَرُمَ أَكْلُهَا كُلِّهَا.
أَمَّا غَيْرُ اللَّحْمِ فَلا يَحْرُمُ بِالشَّكِّ فَالْجُبْنُ يَجُوزُ أَنْ نُقْدِمَ عَلَى شِرَائِهِ وَأَكْلِهِ مَعَ الشَّكِّ هَلْ دَخَلَ فِيهِ إِنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ أَمْ لا لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْكُفَّارِ أَنْ يُدْخِلُوا فِيهِ إِنْفَحَةَ الْخِنْزِيرِ أَوْ مَيْتَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّ الإِنْفَحَةَ لَيْسَتْ لَحْمًا وَلا تَتْبَعُ اللَّحْمَ وَإِنَّمَا هِىَ شَىْءٌ أَصْفَرُ يَتَجَمَّعُ فِى مَعِدَةِ السَّخْلَةِ وَهِىَ وَلَدُ الْغَنَمِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعَزِ سَاعَةَ وَضْعِهِ فَلا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ إِلَّا إِذَا تُيِقِّنَ أَنَّ مَا وُضِعَ فِيهِ مِنَ الإِنْفَحَةِ مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ أُخْرَى.
كَذَلِكَ السَّمْنُ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ هَلْ دَخَلَهُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لا، وَمَا كُتِبَ عَلَيْهِ جِيلاتِين بَقَرِى لا يَحْرُمُ أَكْلُهُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ هَذَا الْجِيلاتِينَ لَيْسَ مِنَ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْعَظْمِ. وَكَذَا الْجُلُودُ إِنْ شُكَّ فِيهَا هَلْ هِىَ جِلْدُ مَيْتَةٍ أَوْ جِلْدُ مُذَكَّاةٍ أَوْ هَلْ هَذَا جِلْدُ خِنْزِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لا يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ. أَمَّا مَا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ أَوِ الْخِنْزِيرِ فَلا يَجُوزُ لَنَا لُبْسُهُ وَيَجُوزُ لُبْسُ الْجِلْدِ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِى يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ فِى غَيْرِ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ لَهَا طَهَارَةُ الثَّوْبِ.
وَثَالِثُهَا الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ
فَالذَّكَاةُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَعْنَاهَا لُغَةً التَّطْيِيبُ وَسُمِّيَتْ شَرْعًا بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَطْيِيبِ أَكْلِ اللَّحْمِ الْمَذْبُوحِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ تَذْكِيَةٌ وَمُذَكِّى وَمُذَكًّى وَءَالَةُ تَذْكِيَةٍ.
فَأَمَّا التَّذْكِيَةُ فَتَحْصُلُ فِى غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَى ذَبْحِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ بِعَقْرِهِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُرْمَى بِشَىْءٍ لَهُ حَدٌّ فَيَقْتُلَهُ بِحَدِّهِ فَإِنْ رَمَى سَهْمًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِثِقَلِهِ لَمْ يَحِلَّ، وَبِصَيْدِهِ بِكُلِّ جَارِحَةٍ مُعَلَّمَةٍ مِنَ السِّبَاعِ كَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ وَمِنْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ كَصَقْرٍ وَبَازٍ فِى أَىِّ مَوْضِعٍ كَانَ جَرْحُ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ.
وَشَرَائِطُ تَعْلِيمِهَا أَىِ الْجَوَارِحِ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْجَارِحَةُ مُعَلَّمَةً بِحَيْثُ إِذَا أُرْسِلَتْ أَىْ أَرْسَلَهَا صَاحِبُهَا اسْتَرْسَلَتْ وَالثَّانِى أَنَّهَا إِذَا زُجِرَتْ أَىْ زَجَرَهَا صَاحِبُهَا انْزَجَرَتْ وَالثَّالِثُ أَنَّهَا إِذَا قَتَلَتْ صَيْدًا لَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا وَالرَّابِعُ أَنْ تَتَكَرَّرَ الشَّرَائِطُ مِنَ الْجَارِحَةِ بِحَيْثُ يُظَنُّ تَأَدُّبُهَا وَلا يُرْجَعُ فِى التَّكْرَارِ لِعَدَدٍ بَلِ الْمَرْجِعُ فِيهِ لِأَهْلِ الْخُبْرَةِ بِطِبَاعِ الْجَوَارِحِ فَإِنْ عُدِمَتْ مِنْهَا إِحْدَى الشَّرَائِطِ لَمْ يَحِلَّ مَا أَخَذَتْهُ الْجَارِحَةُ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ حَيًّا فَيُذَكَّى فَيَحِلُّ عِنْدَئِذٍ.
وَإِذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ وَنَحْوَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِظُفْرِهِ أَوْ نَابِهِ أَوْ تَرَكَهُ وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَوْ بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ ذَبْحُهُ فِيهِ حَتَّى مَاتَ حَلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِىٌّ أَوْ شَارَكَ الْمُسْلِمَ فِى الإِرْسَالِ أَوْ شَارَكَ الْجَارِحَةَ جَارِحَةٌ أَرْسَلَهَا مَجُوسِىٌّ فِى قَتْلِ الصَّيْدِ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ قَتَلَتِ الْجَارِحَةُ الصَّيْدَ بِثِقَلِهَا فَفِيهِ قَوْلانِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْجَارِحَةُ كَلْبًا غُسِلَ مَوْضِعُ الظُّفْرِ وَالنَّابِ مِنَ الصَّيْدِ وَقِيلَ يُعْفَى عَنْهُ، وَإِنْ رَمَى طَيْرًا فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَعَ فِى مَاءٍ أَوْ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْهُ فَمَاتَ لَمْ يَحِلَّ إِلَّا أَنْ كَانَ وَقَعَ السَّهْمُ فِى لُبَّتِهِ فَنَحَرَهُ أَوْ فِى كَبِدِهِ فَأَبَانَ حَشْوَتَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا فَجَرَحَهُ جَرْحًا لَمْ يَقْتُلْهُ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا حَلَّ فِى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلا يَحِلُّ فِى الآخَرِ وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَ غَيْرَهُ حَلَّ وَإِنْ أُرْسِلَ عَلَى غَيْرِ صَيْدٍ فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ وَقِيلَ يَحِلُّ فِى السَّهْمِ دُونَ الْكَلْبِ وَإِنْ رَمَى شَيْئًا يَحْسَبُهُ حَجَرًا فَكَانَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ،
وَإِنْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا فَقَدْ قِيلَ يَحِلُّ وَقِيلَ لا يَحِلُّ، وَإِنْ نَصَبَ سِكِّينًا فَوَقَعَ بِهِ صَيْدٌ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ لَمْ يَحِلَّ، وَمَنْ أَخَذَ صَيْدًا أَوْ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ مَلَكَهُ، وَمَنْ مَلَكَ صَيْدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَتَحْصُلُ التَّذْكِيَةُ فِى الْمَقْدُورُ عَلَى ذَبْحِهِ وَلَوْ كَانَ وَحْشِيًّا بِالْقَطْعِ الْمَحْضِ لِلْحُلْقُومِ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ دُخُولًا وَخُرُوجًا وَلِلْمَرِىءِ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنَ الْحَلْقِ إِلَى الْمَعِدَةِ وَيَكُونُ قَطْعُ مَا ذُكِرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لا فِى دَفْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْمَذْبُوحُ حِينَئِذٍ إِنْ لَمْ تُوجَدِ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ عِنْدَ الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ قَطَعَ جُزْءًا مِنَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِىءِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ وَانْتَظَرَ حَتَّى زَالَتِ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فَأَعَادَ السِّكِّينَ فَأَكْمَلَ الْقَطْعَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ الْمَذْبُوحُ بِخِلافِ مَا إِذَا وُجِدَتِ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ عِنْدَ الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ.
فَلَوْ أَعَادَ السِّكِّينَ فَوْرًا بَعْدَ رَفْعِهَا أَوْ سَقَطَتْ مِنْهُ فَأَخَذَ غَيْرَهَا حَالًا وَقَطَعَ بِهَا مَا بَقِىَ حَلَّ الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ مَعَ عَدَمِ طُولِ الْفَصْلِ كَالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ. وَمَتَى بَقِىَ شَىْءٌ مِنَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِىءِ لَمْ يُقْطَعْ لَمْ يَحِلَّ الْمَذْبُوحُ. فَإِنْ أَرَادَ الأَكْمَلَ فِى تَذْكِيَتِهِ زَادَ عَلَى قَطْعِ مَا ذُكِرَ قَطْعَ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِى صَفْحَتَىِ الْعُنُقِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، وَلا يُسَنُّ قَطْعُ مَا وَرَاءَ الْوَدَجَيْنِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُسَمِّىَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُصَلِّىَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَأَنْ يَنْحَرَ الإِبِلَ مَعْقُولَةً مِنْ قِيَامٍ وَيَذْبَحَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ مُضْطَجِعَةً، وَلا يَكْسِرَ عُنُقَهَا وَلا يَسْلَخَ جِلْدَهَا حَتَّى تَبْرُدَ. هَذَا وَذَكَاةُ الْجَنِينِ حَاصِلَةٌ بِذَكَاةِ أُمِّهِ فَلا يُحْتَاجُ لِتَذْكِيَتِهِ هَذَا إِنْ وُجِدَ مَيِّتًا أَوْ فِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ حَيًّا بِحَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيُذَكَّى حِينَئِذٍ.
رَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ». وَأَمَّا الْمُذَكِّى فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ يُطِيقُ الذَّبْحَ وَأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَأَمَّا مَنْ سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْكُفَّارِ كَالْمَجُوسِىِّ وَالْوَثَنِىِّ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لا كِتَابَ لَهُ فَذَبِيحَتُهُمْ مَيْتَةٌ وَلَوْ ذَبَحُوا كَمَا يَذْبَحُ الْمُسْلِمُونَ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ إِنَّمَا يَحِلُّ لَنَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ إِذَا ذَبَحُوا ذَبْحًا شَرْعِيًّا كَمَا نَذْبَحُ نَحْنُ أَمَّا إِنْ خَنَقُوا خَنْقًا فَلا تَحِلُّ. وَكَذَلِكَ إِنْ ذَكَرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا لا تَحِلُّ أَمَّا إِنْ قَالُوا بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا حَلَّتْ وَإِنْ كَانُوا فِى الْحَقِيقَةِ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/5] أَىْ ذَبَائِحُهُمْ لِأَنَّ سَائِرَ الأَطْعِمَةِ لا يَخْتَصُّ حِلُّهَا بِأَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَيَكْفِى أَنْ يُخْبِرَنَا الْكَافِرُ الْكِتَابِىُّ أَوِ الْفَاسِقُ أَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبَحَهُ ذَبْحًا شَرْعِيًّا لِيَحِلَّ لَنَا أَكْلُهُ إِنْ صَدَّقْنَاهُ وَإِلَّا لَمْ نَأْكُلْ. وَبِمَا تَقَدَّمَ عُلِمَ أَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّذْكِيَةِ فَتَصِحُّ ذَكَاةُ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ لَكِنَّهَا تُكْرَهُ. وَأَنَّ التَّسْمِيَةَ لا تُشْتَرَطُ فِى الذَّبْحِ فَمَا ذُبِحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَلا يَحِلُّ أَكْلُهُ فِى الْمَذَاهِبِ الثَّلاثَةِ الأُخْرَى مَالِكٍ وَأَبِى حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ الآيَةِ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/121] فَإِنَّهُمْ فَهِمُوا مِنَ الآيَةِ أَنَّ الأَكْلَ مِنْهُ فِسْقٌ إِلَّا أَنْ نَسِىَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ ذَبْحِهَا فَيَحِلُّ أَكْلُهَا عِنْدَهُمْ.
أَمَّا الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ فَهِمَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ سُنَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَالآيَةُ فَسَّرَهَا ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أَىْ مِنْ أَجْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَىْ رُفِعَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ أَىْ لِلشِّرْكِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/145] يُفَسِّرُ تِلْكَ الْجُمْلَةَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِى دَاوُدَ فِى مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ».
وَأَمَّا الْمُذَكَّى فَشَرْطُهُ أَنْ لا يَكُونَ قُرْبَانًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَأَنْ تَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَعَلامَةُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ أَنْ تَشْتَدَّ حَرَكَتُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ أَوْ يَتَدَفَّقَ دَمُهُ.
وَأَمَّا ءَالَةُ التَّذْكِيَةِ فَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ مُحَدَّدًا أَىْ شَيْئًا يَقْتُلُ بِحَدِّهِ غَيْرِ الْعَظْمِ وَالظُّفْرِ فَلا يَحِلُّ مَا ذُبِحَ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِظَامِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنُّ وَالظُّفْرُ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
وَيَحِلُّ مَا ذُبِحَ بِحَدِيدٍ وَحَجَرٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَزُجَاجٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ لَهُ حَدٌّ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا لَكِنْ يُكْرَهُ الذَّبْحُ بِسِكِّينٍ كَالٍّ أَىْ ضَعِيفِ الْحَدِّ. وَبِمَا تَقَدَّمَ عُلِمَ أَنَّ الْمَصْعُوقَ بِالْكَهْرَبَاءِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ ذَبْحِهِ لَمْ يَحِلَّ وَكَذَلِكَ لَوْ صَارَتِ الآلَةُ تَقْطَعُ الْحُلُقُومَ وَالْمَرِىءَ وَحْدَهَا بِوَاسِطَةِ تَحْرِيكِ الْكَهْرَبَاءِ لَهَا مَثَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّكَهَا مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِىٌّ لَمْ تَحِلَّ أَيْضًا. وَيَحِلُّ مَا قُطِعَ بِالْمِقَصِّ.
وَرَابِعُهَا مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ
فَكُلُّ حَيَوَانٍ اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ثَرْوَةٍ وَخِصْبٍ وَطِبَاعٍ سَلِيمَةٍ وَرَفَاهِيَةٍ فَهُوَ حَلالٌ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ فَلا يُرْجَعَ فِيهِ لِاسْتِطَابَتِهِمْ لَهُ وَكُلُّ حَيَوَانٍ اسْتَخْبَثَتْهُ الْعَرَبُ أَىْ عَدُّوهُ خَبِيثًا فَهُوَ حَرَامٌ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ فَلا يَكُونُ حَرَامًا. وَيَحْرُمُ مِنَ السِّبَاعِ مَا لَهُ نَابٌ أَىْ سِنٌّ قَوِىٌّ يَعْدُو بِهِ عَلَى الْحَيَوَانِ كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَيُسْتَثْنَى الضَّبُعُ وَلَوْ كَانَ ضَبُعَ الْحَبَشَةِ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ بِإِبَاحَتِهِ [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ].
وَيَحْرُمُ مِنَ الطُّيُورِ مَا لَهُ مِخْلَبٌ أَىْ ظُفْرٌ قَوِىٌّ يَجْرَحُ بِهِ كَصَقْرٍ وَبَازٍ وَشَاهِينَ وَيَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ وَهُوَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاكَ مِنْ عَدَمِ الأَكْلِ فِى الْمَخْمَصَةِ أَىِ الْمَجَاعَةِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا أَوْ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوِ انْقِطَاعَ رُفْقَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلُهُ حَلالًا أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ أَىْ بَقِيَّةَ رُوحِهِ.
وَلَنَا مَيْتَتَانِ حَلالانِ وَهُمَا السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَلَنَا دَمَانِ حَلالانِ وَهُمَا الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ.
وَيُؤْكَلُ مِنَ دَوَابِّ الإِنْسِ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْخَيْلُ وَلا يُؤْكَلُ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ وَالسِّنَّوْرُ [أَىِ الْهِرُّ]، وَيُؤْكَلُ مِنْ دَوَابِّ الْوَحْشِ الْبَقَرُ وَالْحِمَارُ وَالظَّبْىُّ وَالأَرْنَبُ وَالْوَعِلُ. وَأَمَّا الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ وَالْيُرْبُوعُ وَالْقُنْفُذُ وَالْوَبْرُ [الْوَبْرُ دُوَيْبَّةٌ نَحْوُ السِّنَّوْرِ غَبْرَاءُ اللَّوْنِ كَحْلاءُ لا ذَنَبَ لَهَا] وَابْنُ عِرْسٍ وَهُوَ يُشْبِهُ الْفَأْرَ وَالضَّبُّ وَسِنَّوْرُ الْبَرِّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الأَئِمَّةُ فِى حِلِّ أَكْلِهَا وَأَجَازَهُ الشَّافِعِىُّ.
وَلا يُؤْكَلُ مَا اسْتَخْبَثَهُ الْعَرَبُ مِنَ الْحَشَرَاتِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْوَزَغِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالزُّنْبُورِ وَالذُّبَابِ وَبِنْتِ وَرْدَانَ وَحِمَارِ قَبَّانَ [دُوَيْبَّةٌ تُشْبِهُ الْخُنْفُسَاءَ وَهِىَ أَصْغَرُ مِنْهَا ذَاتُ قَوَائِمَ كَثِيرَةٍ إِذَا لَمَسَهَا أَحَدٌ اجْتَمَعَتْ كَالشَّىْءِ الْمَطْوِىِّ] وَمَا أَشْبَهَهَا، وَكَذَلِكَ لا يُؤْكَلُ مَا يَتَقَوَّى بِنَابِهِ كَالأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالدُّبِّ وَالْفِيلِ وَالْقِرْدِ وَالتِّمْسَاحِ وَالزَّرَافَةِ وَابْنِ ءَاوَى وَفِى ابْنِ ءَاوَى وَالزَّرَافَةِ قَوْلانِ وَلا تَحِلُّ الْحَيَّاتُ وَالْعَقَارِبُ وَالْفَأْرُ وَالْخَنَافِسُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ حَشَرَاتِ الأَرْضِ لِأَنَّهَا مِنَ الْخَبَائِثِ.
وَيُؤْكَلُ مِنَ الطَّيْرِ النَّعَامَةُ وَالدَّجَاجُ وَالْبَطُّ وَالإِوَزُّ وَالْحَمَامُ وَالْقَطَا وَالْكُرْكِىُّ وَالْحُبَارَى وَالْعُصْفُورُ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَلا يُؤْكَلُ مَا يَصْطَادُ بِالْمِخْلَبِ كَالنَّسْرِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْبَازِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعُقَابِ وَالْبَاشِقِ. وَلا مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالْغُرَابِ الأَبْقَعِ وَالْغُرَابِ الأَسْوَدِ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا غُرَابُ الزَّرْعِ وَالْغُدَافِ وَهُوَ صَغِيرُ الْجِسْمِ لَوْنُهُ كَلَوْنِ الرَّمَادِ فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمَا يُؤْكَلانِ وَقِيلَ لا يُؤْكَلانِ وَتَحْرُمُ الذُّبَابُ وَالنَّحْلُ وَالزُّنْبُورُ وَمَا أَشْبَهَهَا لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ.
وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ لا يَحِلُّ أَكْلُهُ كَالسِّمْعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الذَّكَرُ مِمَّا يَحِلُّ أَوِ الأُنْثَى تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيـمِ. وَلَوِ اشْتَبَهَ وَلَدُ حَيَوَانٍ هَلْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ ذَكَرٍ يَحِلُّ أَمْ لا يَحِلُّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لا يُؤْكَلَ فَإِنْ أَرَادَ أَكْلَهُ نَظَرَ إِلَى خِلْقَتِهِ فَإِنْ كَانَ الَّذِى يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْلَى بِخِلْقَتِهِ حَلَّ وَإِنْ كَانَ الَّذِى لا يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْلَى بِخِلْقَتِهِ لَمْ يَحِلَّ.
وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْلِيلٌ وَلا تَحْرِيـمٌ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ الرِّيفِ وَالسَّعَةِ فَهُوَ حَلالٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَسْتَخْبِثُونَهُ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنِ اسْتَطَابَهُ قَوْمٌ وَاسْتَخْبَثَهُ ءَاخَرُونَ رُجِعَ إِلَى مَا عَلَيْهِ الأَكْثَرُ. وَإِنِ اتَّفَقَ فِى بِلادِ الْعَجَمِ مَا لا يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ رُجِعَ فِيهِ إِلَى شِبْهِهِ مِمَّا يَحِلُّ وَمِمَّا لا يَحِلُّ فَيُحْكَمُ فِيهِ بِمَا يُحْكَمُ بِشِبْهِهِ.
وَتُكْرَهُ الْجَلَّالَةُ وَهِىَ الْبَهِيمَةُ الَّتِى عُلِفَتْ بِالْعَذِرَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ حَتَّى أَثَّرَ ذَلِكَ فِى لَوْنِ لَحْمِهَا أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ إِذَا عُلِفَتْ بِطَيِّبٍ حَتَّى طَابَ لَحْمُهَا. وَيُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ وَلا يُؤْكَلُ الضِّفْدَعُ وَالسَّرَطَانُ، وَمَا سِوَاهُمَا فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُؤْكَلُ وَقِيلَ لا يُؤْكَلُ، وَقِيلَ مَا أُكِلَ شِبْهُهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ وَمَا لا يُؤْكَلُ شِبْهُهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَحِلُّ الْجَمِيعُ لِأَنَّ الشَّافِعِىَّ سُئِلَ عَنْ كَلْبِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ فَقَالَ يَحِلُّ أَكْلُهُ.
وَكُلُّ طَاهِرٍ لا ضَرَرَ فِى أَكْلِهِ يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا جِلْدَ مَا يُؤْكَلُ إِذَا مَاتَ وَدُبِغَ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ أَكْلُهُ فِى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَيَجُوزُ فِى الآخَرِ، وَمَا ضَرَّ أَكْلُهُ كَالسُّمِّ وَغَيْرِهِ لا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلا يَحِلُّ أَكْلُ شَىْءٍ نَجِسٍ وَلا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ مِنَ الْمَيْتَةِ إِلَّا مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ أَيْ قَدْرَ مَا يُنْقِذُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْهَلاكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/145] وَقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَةَ الْمَائِدَة/3] أَىْ فَمَنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَكْلِ شَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ قَدْرَ حَاجَتِهِ مِنْ تَنَاوِلِهِ لا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ،
وَفِى قَوْلٍ يَأْكُلُ قَدْرَ الشِّبَعِ فَإِنْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ وَضَمِنَ بَدَلَهُ، وَقِيلَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَمَيْتَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَفِيهِ قَوْلانِ أَحَدُهُمَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالثَّانِى يَأْكُلُ الصَّيْدَ، وَإِنِ ارْتَضَعَ جَدْىٌ مِنْ كَلْبَةٍ أَوْ خِنْزِيرٍ حَتَّى نَبَتَ لَحْمُهُ فَفِى إِبَاحَةِ لَحْمِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّاشِىُّ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ أَوِ الأَوْقَافِ عَلَى خِلافِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْبَطْنِ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ للنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/10] فَلا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ بِمَالِ الْيَتِيمِ عَلَى خِلافِ مَصْلَحَتِهِ فَمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ شَىْءٍ لِيَتِيمٍ مِنْ وَصِيِّهِ لِأَنَّ هَذَا الشَّىْءَ لا مَصْلَحَةَ لِلْيَتِيمِ بِبَقَائِهِ عِنْدَهُ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ بِثَمَنٍ فِيهِ رِبْحٌ لِلْيَتِيمِ وَلا يَسْتَعْمِلُ مِلْكَ الْيَتِيمِ مِنْ أَثَاثٍ وَثِيَابٍ وَأَوَانِى الطَّعَامِ وَلا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأُمِّ الْمُحْتَاجَةِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا. فَالَّذِى يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ وَفَمُهُ يَتَأَجَّجُ نَارًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
وَمِنْهَا أَكْلُ مَالِ الأَوْقَافِ عَلَى مَا يُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَيَدْخُلُ ذَلِكَ تَحْتَ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِى حَدِيثِ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ الْمَارِّ ذِكْرُهُ فَمَنْ وَقَفَ بَيْتًا لِلْفُقَرَاءِ فَلا يَجُوزُ لِلأَغْنِيَاءِ أَنْ يَسْكُنُوهُ وَمَنْ وَقَفَ بَيْتًا لِطَلَبَةِ الْحَدِيثِ فَلا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْكُنُوهُ وَمَنْ وَقَفَ بَيْتًا لِحَفَظَةِ الْقُرْءَانِ فَلا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْكُنُوهُ وَمَنْ وَقَفَ أَرْضًا مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ إِخْرَاجُهَا عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْمَأْخُوذِ بِوَجْهِ الِاسْتِحْيَاءِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى الْبَطْنِ أَكْلَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ كَأَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يَحْضُرُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ حَتَّى لا يُقَالَ عَنْهُ بَخِيلٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِيثِ «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» [أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ فِى سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ].
فَالَّذِى يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ مُسْلِمٍ بِطَرِيقِ الْحَيَاءِ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ وَلا يَدْخُلُ فِى مِلْكِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ [أَمَّا الدَّافِعُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنْهُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّخْجِيلِ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ]، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَأْخُذُهُ الشَّاعِرُ بِسَبَبِ شِعْرِهِ مِمَّا يُعْطَاهُ خَوْفَ أَنَّهُ يَهْجُو الشَّخْصَ إِذَا لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الآخِذِ وَأَمَّا الدَّافِعُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ.
تَنْبِيهٌ لا يَدْخُلُ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا يَشْتَرِيهِ الشَّخْصُ مِنْ ءَاخَرَ حَيَاءً فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَلا مَعْصِيَةَ عَلَيْهِ فِى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ خِدْمَةً مِنْ شَخْصٍ فَخَدَمَهُ خَجَلًا مِنْهُ فَلا مَعْصِيَةَ عَلَى الطَّالِبِ.
