قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَالُ الْخَلِيطَيْنِ أَوِ الْخُلَطَاءِ كَمَالِ الْمُنْفَرِدِ فِي النِّصَابِ وَالْمُخْرَجِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُ الْخُلْطَةِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَطَ مَالُ شَخْصٍ بِمَالِ شَخْصٍ ءَاخَرَ أَوْ بِمَالِ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ فِي نِصَابٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ وَلَوْ غَيْرَ مَاشِيَةٍ أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَلِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخُلَطَاءُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ يَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْمَالِ كَمَالِ الشَّخْصِ الْمُنْفَرِدِ مِنْ حَيْثُ النِّصَابُ وَمِنْ حَيْثُ قَدْرُ الْمُخْرَجِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ كَزَكَاةِ الْمَالِ الْوَاحِدِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُ الْخُلْطَةِ وَهِيَ دَوَامُ الْخُلْطَةِ حَوْلًا فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ، فَلَوْ مَلَكَ كُلٌّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ أَرْبَعِينَ شَاةً أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ وَخَلَطَا أَوَّلَ صَفَرٍ لَمْ تَثْبُتْ فِي الْحَوْلِ الأَوَّلِ فَيُخْرِجُ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاةً عَلَى حِدَةٍ وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَالِ الْحَوْلِيِّ بِأَنْ كَانَتِ الْخُلْطَةُ فِي زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ فَالشَّرْطُ فِي ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ أَنْ تَدُومَ إِلَى بُدُوِّ الصَّلاحِ.

وَيُشْتَرَطُ لِلْخُلْطَةِ فِي الْمَاشِيَةِ اتِّحَادُ الْمَشْرَبِ وَالْمَسْرَحِ أَيْ مَشْرَبِ كِلْتَا الْمَاشِيَتَيْنِ وَمَسْرَحِهِمَا، وَالْمَسْرَحُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تُجْمَعُ إِلَيْهِ الْمَاشِيَةُ قَبْلَ سَوْقِهَا إِلَى الْمَرْعَى وَبِشَرْطِ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ فِي الْمَاشِيَةِ، وَمُرَاحِهَا أَيِ اتِّحَادِ مَأْوَى الْمَاشِيَتَيْنِ فِي اللَّيْلِ، وَاتِّحَادِ مَرَاعِيهَا، وَمَحَلِّ حَلَبِهَا، وَمَكَانِ سَقْيِهَا، وَمَاءِ سَقْيِهَا، وَبِشَرْطِ اتِّحَادِ الْحَارِثِ، وَالْمَلَقِّحِ، وَالْجَدَّادِ، وَالْحَصَّادِ، وَالْحَمَّالِ، وَالْحَافِظِ، وَالْجَرِينِ فِي الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، وَالْجَرِينُ هُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي تُجْمَعُ إِلَيْهِ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ،

وَاتِّحَادِ الْحَارِسِ وَالْمَكَانِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْخُلْطَةُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ أَوِ النَّقْدِ أَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِذَا تَحَقَّقَ اتِّحَادُ الْمَالَيْنِ أَيْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ أَيْ عَدَمُ تَخْصِيصِ مَالِ أَحَدِهِمَا بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ دُونَ مَالِ الآخَرِ كَانَ مَالُهُمَا كَمَالِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيُزَكَّى ذَلِكَ الْمَالُ كَأَنَّهُ مَالُ شَخْصٍ وَاحِدٍ.

ثُمَّ إِنَّ الْخُلْطَةَ فِي الْمَاشِيَةِ تُفِيدُ تَخْفِيفًا كَأَرْبَعِينَ شَاةً خُلِطَتْ بِمِثْلِهَا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَى الْخَلِيطَيْنِ لِأَنَّهُمَا يُخْرِجَانِ شَاةً وَاحِدَةً وَلَوْلا الْخُلْطَةُ لَأَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاةً، وَتُفِيدُ تَثْقِيلًا كَعِشْرِينَ بِمِثْلِهَا بِأَنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ شَاةً فَخَلَطَا شِيَاهَهُمَا فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ لِاكْتِمَالِ النِّصَابِ بِاجْتِمَاعِ مَالَيْهِمَا، وَلَوْلا الْخُلْطَةُ لَمْ تَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَخُصُّهُ.

وَقَدْ تُفِيدُ تَخْفِيفًا عَلَى أَحَدِهِمَا وَتَثْقِيلًا عَلَى الآخَرِ كَأَرْبَعِينَ بِعِشْرِينَ فَإِنَّ صَاحِبَ الأَرْبَعِينَ اسْتَفَادَ تَخْفِيفًا وَصَاحِبَ الْعِشْرِينَ مَا اسْتَفَادَ إِلَّا تَثْقِيلًا، وَقَدْ لا تُفِيدُ الْخُلْطَةُ تَخْفِيفًا وَلا تَثْقِيلًا كَمَا إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ فَلا تُفِيدُ الْخُلْطَةُ إِلَّا تَثْقِيلًا أَوْ لا تَثْقِيلًا وَلا تَخْفِيفًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ وَلَمْ يَبْلُغِ الْقَدْرُ الْمَخْلُوطُ نِصَابًا فَلا زَكَاةَ وَإِنْ بَلَغَهُ مَجْمُوعُ مَالَيْهِمَا كَأَنِ انْفَرَدَ كُلٌّ بِسَبْعَةَ عَشَرَ وَاشْتَرَكَا فِي سِتٍّ أَوْ خَلَطَا ثَمَانِيَةً وَثَلاثِينَ وَمَيَّزَا ثِنْتَيْنِ فَإِنَّهُ لا زَكَاةَ فِي الْحَالَيْنِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَزَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ.

الشَّرْحُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ ءَاخِرَ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَوَّلَ جُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ وَذَلِكَ بِإِدْرَاكِ غُرُوبِ شَمْسِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ حَيٌّ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، فَمَنْ كَانَ حَيًّا عِنْدَ غُرُوبِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَوْ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَاعَةٍ يَجِبُ دَفْعُ الزَّكَاةِ عَنْهُ. فَلا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ وَلَدٍ أَوْ غِنًى أَيْ مِلْكِ الْمَالِ الَّذِي يُشْتَرَطُ أَنْ يَفْضُلَ عَمَّا يُخْرَجُ لِلْفِطْرَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شُكَّ فِي حُدُوثِهِمَا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَكَذَا نِكَاحُ الزَّوْجَةِ [يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ زَكَاةُ الْفِطْرَةِ عَنْ زَوْجَتِهِ إِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا وَمَكَّنَتْهُ مِنْهَا أَيْ إِذَا مَكَّنَتْهُ مِنْ جِمَاعِهَا وَلَوْ لَمْ يُجَامِعْهَا] وَإِسْلامُ الشَّخْصِ.

وَالْمُرَادُ بِالْغِنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّخْصِ مَالٌ يُخْرِجُهُ زَكَاةً فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَعَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَ الْغُرُوبِ حَيًّا وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَفْضُلُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ غَنِيٌّ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرَةِ، وَمَنْ كَانَ حَالَ الْغُرُوبِ بِصِفَةِ الْوُجُوبِ ثُمَّ حَدَثَ مَوْتٌ أَوْ طَلاقٌ لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ.

ثُمَّ شَرَعَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ فَقَالَ:

عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ.

الشَّرْحُ إِنَّمَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْحُرِّ وَلَوْ كَانَ مُبَعَّضًا أَيْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا [أَيْ يَجِبُ دَفْعُهَا عَنْهُ]، فَلا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ أَصَالَةً عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الْمُخْرِجُ كَافِرًا إِذْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ فِطْرَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ [الْكَافِرُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ لا يُتْرَكُ تَحْتَهُ ثُمَّ هَذَا الْكَافِرُ لا يَدْفَعُ بِيَدِهِ يُعْطِي مُسْلِمًا لِيَدْفَعَ الزَّكَاةَ أَوْ يُعْطِي قَرِيبَهُ الْمُسْلِمَ هَذَا وَيَقُولُ لَهُ ادْفَعْ هَذَا زَكَاةً] لِأَنَّهَا تَجِبُ أَوَّلًا عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا الْمُؤَدِّي.

فَتَجِبُ أَوَّلًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ فِطْرَتُهُمْ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُمْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ، وَمِمَّنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمُ الزَّوْجَةُ وَلَوْ رَجْعِيَّةً أَيْ طُلِّقَتْ بِطَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَلَمْ تَنْتَهِ الْعِدَّةُ وَالْبَائِنُ الْحَامِلُ وَعَبْدُهَا الْمَمْلُوكُ لَهَا إِنْ أَخْدَمَهَا إِيَّاهُ.

وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَفِطْرَةُ خَادِمِهَا الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لَهَا إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الإِخْدَامَ كَأَنْ كَانَتْ فِي أَهْلِهَا مِمَّنْ تُخْدَمُ أَيْ يُتَّخَذُ لَهَا خَادِمٌ [أَيْ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ]، وَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ وَإِنْ سَفَلَ وَالْوَالِدُ وَإِنْ عَلا إِذَا كَانَا فَقِيرَيْنِ، أَمَّا إِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ بِمَالٍ فَلا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُمَا. وَكَذَلِكَ لا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ مُكْتَفٍ بِكَسْبٍ لائِقٍ بِهِ، فَلَوْ قَدَرَ الْوَلَدُ عَلَى قُوتِ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ فَقَطْ لَمْ تَجِبْ عَلَى الأَبِ فِطْرَتُهُ وَكَذَا عَلَى الْوَلَدِ لإِعْسَارِهِ. وَلا يَصِحُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنِ الأَصْلِ الْغَنِيِّ وَالْوَلَدِ الْبَالِغِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَغْفُلُونَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ فَيُخْرِجُونَ عَنِ الْوَلَدِ الْبَالِغِ بِدُونِ إِذْنِهِ.

وَمِمَّنْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ الْمَمْلُوكُ وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرًا وَمُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِوُجُودِ صِفَةٍ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ مَالِكُهُ إِنْ تَعَافَى فُلانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَمْلُوكُ مَرْهُونًا أَوْ ءَابِقًا هَارِبًا وَإِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ إِذَا فَضَلَتْ عَنْ دَيْنِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَقُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ لا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ إِلَّا إِذَا فَضَلَ مَا يُخْرِجُهُ لِلْفِطْرَةِ عَنْ دَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَعَنْ كِسْوَتِهِ وَكِسْوَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ اللَّائِقَيْنِ بِهِمَا مَنْصِبًا وَمُرُوءَةً، قَدْرًا وَنَوْعًا، زَمَانًا وَمَكَانًا حَتَّى مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ يَوْمَ الْعِيدِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ يَحْتَاجُهُ لِنَحْوِ بَرْدٍ، وَعَنْ مَسْكَنِهِ وَمَسْكَنِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ اللَّائِقَيْنِ بِهِمْ وَإِنِ اعْتَادَ السَّكَنَ بِأُجْرَةٍ وَكَذَا عَنْ خَادِمِهِ وَخَادِمِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَزَوْجَتِهِ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الإِخْدَامَ كَأَنْ كَانَتْ فِي أَهْلِهَا مِمَّنْ تُخْدَمُ،

وَعَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ وَلَوْ مَا اعْتِيدَ لِلْعِيدِ كَالْحَلْوَى لَيْلَةَ الْعِيدِ الْمُتَأَخِّرَةَ عَنْ يَوْمِهِ وَيَوْمَهُ. وَأَمَّا مَنْ طَرَأَ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلَةِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ الْعِيدِ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا عَلَيْهِ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجِبُ الْكَسْبُ مِنْ أَجْلِ أَدَاءِ الْفِطْرَةِ، هَذَا إِذَا لَمْ تَصِرْ زَكَاةُ الْفِطْرَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا بِأَنْ تَرَكَ أَدَاءَهَا وَهُوَ قَادِرٌ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ يَوْمِ الْعِيدِ ثُمَّ افْتَقَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْسِبَ أَيْ أَنْ يَعْمَلَ لِقَضَاءِ زَكَاةِ الْفِطْرَةِ. وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا فِي رَمَضَانَ وَلَوْ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ بِشُرُوطِ التَّعْجِيلِ أَيْ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ، وَالسُّنَّةُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ وَقَبْلَ الصَّلاةِ أَيْ صَلاةِ الْعِيدِ، وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ بِلا عُذْرٍ.

فَتَلَخَّصَ أَنَّ لَهَا أَوْقَاتًا خَمْسَةً وَقْتَ جَوَازٍ وَهُوَ رَمَضَانُ، وَوَقْتَ وُجُوبٍ وَهُوَ غُرُوبُ شَمْسِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ، وَوَقْتَ فَضِيلَةٍ وَهُوَ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيدِ، وَوَقْتَ كَرَاهَةٍ وَهُوَ مَا بَعْدَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِانْتِظَارِ نَحْوِ قَرِيبٍ، وَوَقْتَ حُرْمَةٍ وَهُوَ مَا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ كَغَيْبَةِ مَالِهِ إِلَى مَسَافَةٍ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ، فَإِنْ غَابَ مَالُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلا وُجُوبَ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكَانٍ يَبْعُدُ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ حَاضِرٌ.

وَزَكَاةُ الْفِطْرِ هِيَ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ. وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ مِلْءُ الْكَفَّيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ وَغَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ فِي بِلادِ الشَّامِ وَكَثِيرٍ غَيْرِهَا هُوَ الْقَمْحُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَتَجِبُ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ مَعَ الإِفْرَازِ لِلْقَدْرِ الْمُخْرَجِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ تَجِبُ النِّيَّةُ الْقَلْبِيَّةُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي أَوْ بَدَنِي، أَوْ صَدَقَةُ مَالِي الْمَفْرُوضَةُ، أَوْ صَدَقَةُ الْمَالِ الْمَفْرُوضَةُ أَوِ الْوَاجِبَةُ، وَلا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمُخْرَجِ عَنْهُ فِي النِّيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَنْوِ إِلَّا بَعْدَ الدَّفْعِ لَمْ تَصِحَّ، وَتَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَ دَفْعِهَا لِلإِمَامِ أَيِ الْخَلِيفَةِ أَوِ الْوَكِيلِ أَيْ وَكِيلِ الْمُزَكِّي. وَالإِفْرَازُ هُوَ عَزْلُ الْقَدْرِ الَّذِي يَكُونُ زَكَاةً عَنْ مَالِهِ.

تَنْبِيهٌ لِلزَّكَاةِ وَقْتُ وُجُوبٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ، فَوَقْتُ الْوُجُوبِ حَوَلانُ الْحَوْلِ فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ فَمَتَى حَالَ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهَا، فَلَيْسَ التَّمَكُّنُ إِلَّا شَرْطًا لِلضَّمَانِ أَيْ إِنْ تَلِفَ الْمَالُ، وَيَضْمَنُ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدَ التَّمَّكُنِ مُطْلَقًا. وَإِذَا تَمَكَّنَ بِأَنْ حَضَرَ الْمَالُ وَالْمُسْتَحِقُّ وَخَلا الْمَالِكُ مِنْ مُهِمٍّ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ وَزَالَ حَجْرُ الإِفْلاسِ عَنِ الْمُفْلِسِ [إِنْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ أَنْ يُفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ مَا عَلَيْهِ زَكَاةٌ] وَجُفِّفَ التَّمْرُ وَنُقِّيَ الْحَبُّ وَالْمَعْدِنُ فِيمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَلَقَهُمَا اللَّهُ فِيهِ وَجَبَ الأَدَاءُ فَوْرًا،

فَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالتَّمَكُّنِ أَثِمَ وَضَمِنَ قَدْرَ الزَّكَاةِ إِنْ تَلِفَ الْمَالُ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَرَامَةُ، لَكِنْ إِنْ لَمْ تَشْتَدَّ حَاجَةُ الْمُسْتَحِقِّينَ الْحَاضِرِينَ أَيْ لَمْ يَتَضَرَّرُوا بِتَأْخِيرِ إِخْرَاجِهَا نُدِبَ التَّأْخِيرُ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ يَسْتَحِقُّهَا أَوْ جَارٍ يَسْتَحِقُّهَا أَوْ مُسْتَحِقٍّ أَفْضَلَ مِنَ الْمَوْجُودِينَ الْحَاضِرِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِلَّا حَرُمَ التَّأْخِيرُ، وَيَضْمَنُ لِلتَّأْخِيرِ مُطْلَقًا أَيْ فِي الْحَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّأْخِيرُ وَالْحَالِ الَّتِي لا يَجُوزُ فِيهَا التَّأْخِيرُ. وَتَأْخِيرُ دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ.

أَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَيُجْزِئُ ذَلِكَ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، وَبَقَاءِ الْمَالِ إِلَى ءَاخِرِ الْحَوْلِ.

وَلا يَجُوزُ تَسْلِيمُ مَالِ الزَّكَاةِ إِلَّا لِأَمِينٍ يَعْرِفُ مَصَارِفَهَا فَلا يُخْشَى أَنْ يُضَيِّعَهَا وَيَصْرِفَهَا إِلَى نَوَاحٍ أُخْرَى.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ دَفْعِ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْمَالِ فَالأَفْضَلُ دَفْعُهَا فِي بَلَدِ الْمَالِ فَمَنْ كَانَ يَسْكُنُ طَرَابُلُسَ مَثَلًا وَمَالُهُ هُنَاكَ يَدْفَعُ فِي طَرَابُلُسَ وَلا يَدْفَعُ فِي بَيْرُوتَ. وَهُنَا مَسْئَلَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي بَيَانُهَا وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى ءَاخَرَ مَالٌ فَقَالَ لَهُ الآخَرُ لا أَدْفَعُ لَكَ فَنَوَى الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِقَلْبِهِ قَائِلًا أَجْعَلُ هَذَا الْمَالَ الَّذِي لِي عَلَى فُلانٍ زَكَاةً لِأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَهَذَا لا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ إِلَيْهِ أَوَّلًا مَا نَوَى بِهِ الزَّكَاةَ إِنَّمَا نَوَى أَنْ يُقْرِضَهُ فَلا بُدَّ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ أَوَّلًا ثُمَّ إِنْ شَاءَ يَدْفَعُهُ لَهُ زَكَاةً.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى مَنْ وُجِدَ فِي بَلَدِ الْمَالِ مِنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفِي الرِّقَابِ، وَالْغَارِمِينَ وَهُمُ الْمَدِينُونَ الْعَاجِزُونَ عَنِ الْوَفَاءِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمُ الْغُزَاةُ الْمُتَطَوِّعُونَ لَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّ عَمَلٍ خَيْرِيٍّ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ الْمُسَافِرُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ مَا يُوصِلُهُ إِلَى مَقْصِدِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ هَؤُلاءِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْءَانِ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/60]. وَلا يَجُوزُ صَرْفُهَا عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ فَأَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاءِ الثَّمَانِيَةِ أَيْ إِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ فِي بَلَدِ الزَّكَاةِ أَيْ فِي بَلَدِ الْمَالِ، وَجَمْعٌ ءَاخَرُونَ اخْتَارُوا جَوَازَ صَرْفِ زَكَاةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ أَيْ إِمَّا مِنَ الْفُقَرَاءِ وَإِمَّا مِنَ الْمَسَاكِينِ وَإِمَّا مِنَ الْعَامِلِينَ وَإِمَّا مِنَ الأَصْنَافِ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ لَكِنِ اخْتَارَ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْ مِنْ أَتْبَاعِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ جَوَازَ صَرْفِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لِثَلاثَةِ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ. أَمَّا غَيْرُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَيُجِيزُ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ يَشَاءُ الْمَالِكُ مِنْ هَؤُلاءِ الأَصْنَافِ وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ.

أمَّا الْفَقِيرُ فَهُوَ مَنْ لا نَفَقَةَ عَلَى غَيْرِهِ وَاجِبَةٌ لَهُ [فَإِنَّ مَنْ لَهُ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَالزَّوْجَةِ وَالأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ فَإِنَّهُ مُكْتَفٍ بِإِنْفَاقِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَالزَّوْجَةُ مُكْتَفِيَةٌ بِإِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا وَالأَبَوَانِ الْفَقِيرَانِ مُكْتَفِيَانِ بِإِنْفَاقِ الْوَلَدِ الْمُوسِرِ عَلَيْهِمَا فَلا يُعَدُّونَ فُقَرَاءَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ] وَلا مَالَ وَلا كَسْبٌ حَلالٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ مَطْعَمًا وَمَلْبَسًا وَمَسْكَنًا وَغَيْرَهَا مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِمَمُونِهِ [مَمُونُ الشَّخْصِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ كَزَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ الصِّغَارِ]،

أَيْ لا يَجِدُ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ لِحَاجَتِهِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَأَوْلادٍ صِغَارٍ أَطْفَالٍ وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ فَقِيرَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَطْعَمُ أَيِ الطَّعَامُ وَالْمَلْبَسُ وَالْمَسْكَنُ وَسَائِرُ مَا لا بُدَّ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ فَوْقِ مَا يَلِيقُ بِهِ كَالَّذِي يَحْتَاجُ عَشَرَةً وَلا يَجِدُ إِلَّا أَرْبَعَةً فَأَقَلَّ.

وَأَمَّا الْمِسْكِينُ فَهُوَ الَّذِي لَهُ مَا يَسُدُّ مَسَدًّا مِنْ حَاجَتِهِ إِمَّا بِمِلْكٍ أَوْ بِعَمَلٍ يُغِلُّ لَهُ [فُلانٌ يُغِلُّ عَلَى عِيَالِهِ بِالضَّمِّ أَيْ يَأْتِيهِمْ بِالْغَلَّةِ كَذَا فِي مُخْتَارِ الصَّحَاحِ] لَكِنَّهُ لا يَكْفِيهِ كِفَايَةً لائِقَةً بِحَالِهِ كَمَنْ يَحْتَاجُ لِعَشَرَةٍ فَلا يَجِدُ إِلَّا ثَمَانِيَةً فَيُعْطَى كِفَايَتُهُ. ثُمَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ السِّنِّ فَمَنْ كَانَ بَلَغَ الْعُمُرَ الْغَالِبَ وَهُوَ سِتُّونَ سَنَةً يُعْطَى كِفَايَةُ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الزَّكَاةِ ثُمَّ إِنْ عَاشَ بَعْدَ السَّنَةِ يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ لِسَنَةٍ بَعْدَهَا وَهَكَذَا،

وَإِنْ كَانَ دُونَ الْعُمُرِ الْغَالِبِ أَيْ دُونَ السِّتِّينَ يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ لِبَاقِي الْعُمُرِ الْغَالِبِ، هَذَا فِي الْمَعْضُوبِ أَيِ الَّذِي قَطَعَهُ الْمَرَضُ فَلا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ لِيَفْتَحَ دُكَّانَ تِجَارَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ لا يَكْفِيهِ دَخْلُهُ فَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَقِيرَ لا يَخْرُجُ مِنَ الْفَقْرِ إِلَّا بِأَنْ يَجِدَ تَمَامَ كِفَايَتِهِ وَكَذَلِكَ الْمِسْكِينُ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِلْكٌ يَجِدُ مِنْهُ كِفَايَتَهُ فَلا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْذُ الزَّكَاةِ بِاسْمِ الْمَسْكَنَةِ أَوِ الْفَقْرِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ يَكْفِيهِ دَخْلُهُ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّكَاةَ بِاسْمِ الْفَقْرِ أَوِ الْمَسْكَنَةِ لِأَنَّ هَذَا غَنِيٌّ بِعَمَلِهِ كَمَا أَنَّ الأَوَّلَ غَنِيٌّ بِمَالِهِ.

أَمَّا الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا فَهُمُ الَّذِينَ نَصَبَهُمُ الْخَلِيفَةُ أَوِ السُّلْطَانُ لِأَخْذِ الزَّكَوَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْوَالِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَلا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ وَذَلِكَ كَالسَّاعِي الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى أَصْحَابِ الأَمْوَالِ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ، وَالْكَاتِبِ الَّذِي يَكْتُبُ أَمْوَالَ الزَّكَاةِ، وَالْقَاسِمِ الَّذِي يَقْسِمُ الزَّكَاةَ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَالْحَاشِرِ الَّذِي يَجْمَعُ أَهْلَ الأَمْوَالِ، وَالْحَاسِبِ، وَالْحَافِظِ وَهُوَ الَّذِي فَوَّضَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ أَوْ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ حِفْظَ مَالِ الزَّكَاةِ مِنَ السَّرِقَةِ وَالضَّيَاعِ، وَالْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَالْعَدَّادِ وَهُوَ الَّذِي وَظَّفَهُ السُّلْطَانُ لِيَعُدَّ الْمَالَ الَّذِي يُجْلَبُ مِنْ أَهْلِ الأَمْوَالِ مِنْ زَكَوَاتِهِمْ.

ثُمَّ إِذَا دَفَعَ الْمَالِكُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ سَقَطَ الْعَامِلُ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّلَ إِنْسَانًا يُوَزِّعُ عَنْهُ يَسْقُطُ سَهْمُ الْعَامِلِ فَتَصِيرُ الزَّكَاةُ لِسَبْعَةِ أَصْنَافٍ.

وَإِذَا أَرْسَلَ الإِمَامُ مِنْ عِنْدِهِ مَنْ يُخَمِّنُ الزَّكَاةَ زَكَاةَ التَّمْرِ أَوْ نَحْوِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالتَّخْمِينِ وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَيَقُولُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْتَ فِي ذِمَّتِكَ هَذَا الْقَدْرُ زَكَاةً فَإِذَا وَافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ بِهَذَا الْمَالِ كَمَا يَشَاءُ ثُمَّ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ الزَّكَاةُ فَقَالَ تَلِفَ مَالِي فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَدِيعِ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ.

وَأَمَّا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَمَعْنَاهُ مَنْ كَانَ ضَعِيفَ النِّيَّةِ فِي أَهْلِ الإِسْلامِ أَيْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ وَفِي نَفْسِهِ وَحْشَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْ لَمْ يَتَآلَفْ بَعْدُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْطَى حَتَّى تَقْوَى نِيَّتُهُ بِالإِسْلامِ مِنَ الزَّكَاةِ، أَوْ يَكُونَ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إِسْلامُ نُظَرَائِهِ، فَهَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ حَتَّى إِذَا أُعْطِيَ هَذَا يَرْغَبُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ أَمْثَالُهُ مِنَ الْكُفَّارِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الإِسْلامِ. وَكَذَلِكَ يُعَدُّ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ كُفَّارٍ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ فَيُعْطَى لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الزَّكَاةِ.

وَأَمَّا الرِّقَابُ فَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ كِتَابَةً صَحِيحَةً، وَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ تَشَارَطُوا مَعَ أَسْيَادِهِمْ أَيِ الأُنَاسِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا كَذَا مِنَ الْمَالِ فَإِذَا دَفَعُوا ذَلِكَ الْمَبْلَغَ يَكُونُونَ أَحْرَارًا كَمَا حَصَلَ لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ [عَاشَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَدَمَ حَوَالِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَاهِبًا دَلَّهُ ءَاخِرُهُمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ].

فَائِدَةٌ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ كَانَ فِي الأَصْلِ حُرًّا مِنْ بَيْتٍ مَشْهُورٍ فِي فَارِسَ مِنَ الْمَجُوسِ مِنَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النَّارَ، لَكِنَّهُ تَرَكَ بَلَدَهُ وَتَغَرَّبَ فَأَخَذَهُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ وَبَاعُوهُ بِالْمَالِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَقَعَ فِي يَدِ يَهُودِيٍّ ثُمَّ تَشَارَطَ مَعَ سَيِّدِهِ عَلَى مَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ فَتَحَرَّرَ مِنْهُ. وَالِاسْتِرْقَاقُ حَقٌّ إِذَا كَانَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا كَانَ يَحْصُلُ فِي الْمَاضِي، كَانَ فِي الْمَاضِي عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ يُكَاتِبُونَ أَسْيَادَهُمْ يُشَارِطُونَهُمْ عَلَى مَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ إِذَا دَفَعُوهُ صَارُوا أَحْرَارًا، فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِي الزَّكَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَا يَفِي بِالْمَالِ الَّذِي اشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ لِتَحَرُّرِهِمْ.

وَأَمَّا الْغَارِمُونَ فَهُمُ الْمَدِينُونَ الْعَاجِزُونَ عَنِ الْوَفَاءِ، وَهُمْ أَنْوَاعٌ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَدَانَ لِدَفْعِ فِتْنَةٍ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ كَأَنْ حَصَلَ قَتِيلٌ فَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَاسْتَدَانَ شَخْصٌ فَقِيرٌ أَوْ غَنِيٌّ مَالًا مِنَ النَّاسِ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ هَذَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ حَتَّى يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَشْجِيعٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ أَوِ الْمُتَنَازِعِينَ، هَذَا إِذَا لَمْ يُوَفِّهِ مِنْ مَالِهِ، أَمَّا إِذَا وَفَّاهُ مِنْ مَالِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، فَلا يُشْتَرَطُ فِي الْغَارِمِينَ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ.

كَذَلِكَ الَّذِي اسْتَدَانَ لِقِرَى ضَيْفٍ أَوْ بِنَاءِ نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ فَكِّ مُسْلِمٍ أَسِيرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَيُعْطَى أَيْضًا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِغَيْرِ نَقْدٍ إِنْ حَلَّ الدَّيْنُ، أَمَّا إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَلا يُعْطَى. وَالنَّقْدُ هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَكَذَلِكَ الَّذِي اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ وَصَرَفَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ صَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَتَابَ وَظَهَرَتْ عَلامَاتُ صِدْقِهِ فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ قَدْرَ دَيْنِهِ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهِ.

وَكَذَلِكَ الَّذِي ضَمِنَ دَيْنًا لِغَيْرِهِ فَيُعْطَى هَذَا الضَّامِنُ مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا أَيْ عَاجِزًا عَنِ الْوَفَاءِ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا عَلَى الشَّخْصِ الْمَضْمُونِ وَكَانَ الْمَضْمُونُ الأَصِيلُ مُعْسِرًا أَيْ فَقِيرًا أَوْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِعَدَمِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَنْ قَضَى دَيْنَهُ بِقَرْضٍ مَا يُوَفِّي بِهِ الْقَرْضَ. وَأَمَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ فَلا تُدْفَعُ الزَّكَاةُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كَوْنِهِ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ.

تَنْبِيهٌ لَوْ دَفَعَ زَكَاتَهُ لِمَدِينِهِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّهَا لَهُ عَنْ دَيْنِهِ لَمْ تَصِحَّ زَكَاتُهُ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ لَكِنْ نَوَى هُوَ وَالْمَدِينُ ذَلِكَ صَحَّ دَفْعُهُ زَكَاةً، ثُمَّ إِنْ رَدَّ عَلَيْهِ عَنِ الدَّيْنِ صَحَّ الْوَفَاءُ، وَلَوْ قَالَ أَعْطِنِي دَيْنِي وَأَرُدُّهُ لَكَ زَكَاةً فَأَعْطَاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ، وَلَوْ قَالَ جَعَلْتُ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ زَكَاةً لَمْ يَصِحَّ.

تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ تَعَوَّدَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَسْتَرِدُّوهَا بِشِرَائِهَا بِثَمَنٍ قَلِيلٍ مِنَ الَّذِي دَفَعُوهَا لَهُ وَهَذَا عَمَلٌ قَبِيحٌ لا يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يُعِيدَ زَكَاتَهُ أَوْ صَدَقَتَهُ الَّتِي فِيهَا تَطَوُّعٌ لا بِشِرَاءٍ وَلا بِغَيْرِ شِرَاءٍ هَذَا عَمَلٌ خَبِيثٌ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ [الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] أَنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ.

فَالَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ يَكُونُ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَعُودُ بِزَكَاةِ مَالِهِ بَعْدَمَا دَفَعَهَا، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سَاقَهَمْ إِلَى ذَلِكَ حُبُّ التَّنَعُّمِ فَيُقَالُ لَهُمُ الَّذِي يَدْفَعُ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهُ فِي مَالِهِ وَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلِأَنْ يَدْفَعَ اللَّهُ عَنْهُ بَلايَا كَبِيرَةً لَوْ نَزَلَتْ بِهِ لَصَرَفَ أَضْعَافَ أَضْعَافِ هَذَا الْمَالِ الَّذِي أَرَادَ اسْتِرْدَادَهُ، بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ تِلْكَ الْحِيلَةَ لِيَسْتَرِدَّ مَالَهُ الَّذِي دَفَعَهُ تَذْهَبُ الْبَرَكَةُ مِنْ مَالِهِ.

أَمَّا وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْغُزَاةُ الْمُتَطَوِّعُونَ بِالْجِهَادِ مَجَّانًا بِدُونِ رَاتِبٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ فِي دِيوَانِ الْمُرْتَزِقَةِ مِنَ الْفَىْءِ فَيُعْطَوْنَ مَا يَحْتَاجُونَهُ لِلْجِهَادِ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى الْغَزْوِ [الْغُزَاةُ جَمْعُ غَازٍ وَالْغَازِي مَعْنَاهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَذْهَبُ لِلْجِهَادِ].

وَالْمُرْتَزِقَةُ الأَجْنَادُ الْمَرْصُودُونَ فِي الدِّيوَانِ لِلْجِهَادِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَرْصَدُوا نُفُوسَهُمْ لِلذَّبِّ عَنِ الدِّينِ وَطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ مَالِهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمُتَطَوِّعُونَ بِالْغَزْوِ إِذَا نَشِطُوا فَهُمُ الْمُرَادُونَ بِسَبِيلِ اللَّهِ فَيُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ مِنْ سَهْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْمُرْتَزِقَةُ فَلَهُمُ الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ مِنَ الْفَىْءِ، وَالْفَىْءُ هُوَ الْمَالُ الَّذِي حَصَلَ لَنَا مِنَ الْكُفَّارِ بِلا قِتَالٍ وَإِيجَافِ [أَيْ إِعْمَالِ] خَيْلٍ وَرِكَابٍ [الْمُرَادُ بِهَا الإِبِلُ] وَبِلا مُؤْنَهٍ لَهَا وَقْعٌ كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى حُكْمِهَا وَضَالَّةِ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الإِسْلامِ وَمَا جَلا الْكُفَّارُ أَيْ هَرَبُوا عَنْهُ خَوْفًا مِنَّا أَوْ غَيْرِنَا [أَمَّا مَا جَلَوْا عَنْهُ بَعْدَ تَقَابُلِ الْجَيْشَيْنِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ]،

وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، فَهَذَا الْفَىْءُ يُخَمَّسُ فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِهَؤُلاءِ الْجُنُودِ كَمَا ذُكِرَ وَالْخُمُسُ الْبَاقِي يُخَمَّسُ لِخَمْسَةٍ أَحَدِهَا مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ قُضَاةِ الْبِلادِ لا قُضَاةِ الْعَسْكَرِ وَهُمُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ لِأَهْلِ الْفَىْءِ فِي مَغْزَاهُمْ فَهُمْ يُرْزَقُونَ مِنَ الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَةِ كَالْجُنُودِ، وَكَذَلِكَ أَئِمَّتُهُمْ وَمُؤَذِّنُوهُمْ، وَمِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعُلَمَاءُ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ، وَثَانِيهَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ الْغَنِيُّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الأُنْثَى كَالإِرْثِ، وَثَالِثُهَا الْيَتَامَى مَعَ الْفَقْرِ، وَرَابِعُهَا الْمَسَاكِينُ، وَخَامِسُهَا ابْنُ السَّبِيلِ فَهَؤُلاءِ الْخَمْسَةُ أَهْلُ خُمُسِ الْفَىْءِ.

وَمَنْ أَرَادَ التَّفَرُّغَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ إِنْ كَانَتْ تُرْجَى مِنْهُ النَّجَابَةُ أَيِ الْوُصُولُ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مُفْتِيًا يَنْفَعُ النَّاسَ أَيْ تَوَفَّرَ فِي الشَّخْصِ أَنَّهُ مِنْ قُوَّةِ قَرِيْحَتِهِ وَشِدَّةِ ذَكَائِهِ وَحِفْظِهِ يُرْجَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْفَتْوَى فَقَالَ الْفُقَهَاءُ إِنْ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِالْعَمَلِ يَمْنَعُهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ حَتَّى يَسْتَمِرَّ فِي سَبِيلِهِ لِلْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ.

وَمَرْتَبَةُ الْفَتْوَى لَيْسَتْ هِيِّنَةً هِيَ بِحَسَبِ أَصْلِهَا أَنْ يَحْفَظَ مَذْهَبَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْ فَهْمِهِ إِلَّا مَسَائِل، لَيْسَتْ مَرْتَبَةُ الْفَتْوَى أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا أَوْ كِتَابَيْنِ أَوْ عَشَرَةً. ثُمَّ الإِفْتَاءُ إِنَّمَا يَجُوزُ لِلثِّقَةِ أَيِ الْعَدْلِ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى غَيْرُ الْعَدْلِ الْعَارِفِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَهُوَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِالْمُجَاهِدِينَ مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ فَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَحُجُّ بِهِ.

وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسَافِرُ أَوْ مُرِيدُ السَّفَرِ الْمُحْتَاجُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِسَفَرِهِ لِلْوُصُولِ إِلَى بَلَدِهِ فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ، فَمَنْ سَافَرَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ لَوْ لِنُزْهَةٍ أَوْ كَانَ غَرِيبًا مُجْتَازًا بِمَحَلِّ الزَّكَاةِ أُعُطِيَ مَا يَكْفِيهِ فِي سَفَرِهِ ذَهَابًا وَإِيَّابًا إِنْ كَانَ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُسَافِرُ مِنْهُ أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِغَيْرِ مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُعْطَى، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ فَإِنَّهُ يُعْطَى. أَمَّا الْمُسَافِرُ سَفَرًا مُحَرَّمًا فَلا يُعْطَى لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنْ تَابَ مِن الْمَعْصِيَةِ أُعْطِيَ مَا يَحْتَاجُهُ لِبَقِيَّةِ سَفَرِهِ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الآخِذِ مِنْ هَؤُلاءِ الأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرًّا كَامِلًا فَلا يُعْطَى الرَّقِيقُ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ وَلَوْ مُبَعَّضًا، لَكِنِ الْعَامِلُ إِنْ كَانَ كَافِرًا كَحَاسِبٍ وَكَاتِبٍ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مَعْنَى الأُجْرَةِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الزَّكَوَاتُ بِيَدِ السُّلْطَانِ يُوَزِّعُهَا هُوَ، أَمَّا إِذَا وَزَّعَ الْمَالِكُ زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ هُنَاكَ سَهْمُ الْعَامِلِ كَمَا سَبَقَ بَلْ يُرَدُّ إِلَى السَّبْعَةِ.

وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّفْعِ أَنْ يَكُونَ الآخِذُ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ وَلا مُطَّلِبِيٍّ وَلا مَوْلًى لَهُمْ فَالْهَاشِمِيُّ وَالْمُطَّلِبِيُّ وَمَوَالِيهِمْ [حَدِيثُ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَوْلَى هُنَا الْعَتِيقُ] لا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ وَكَذَا مَنْ شُكَّ هَلْ هُوَ هَاشِمِيٌّ أَوْ مُطَّلِبِيٌّ. وَالْمُرَادُ بِالْهَاشِمِيِّ هُنَا هُوَ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ ذُرِّيَّةِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُطَّلِبِيِّ هُنَا هُوَ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَاشِمٌ وَمُطَّلِبٌ أَخَوَانِ،

فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي الزَّكَاةِ إِنَّمَا حَقُّهُ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَىْءِ كَالَّذِي هَرَبَ عَنْهُ الْكُفَّارُ مِنْ مَالٍ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالِهِمْ.

رَوَى مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ] مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا لا تَحِلُّ لِلْجِهَتَيْنِ، أَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الرَّسُولِ فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

وَقَوْلُهُ «إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» مَعْنَاهُ هِيَ طُهْرَةٌ لِذُنُوبِ النَّاسِ. شُبِّهَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الْوَسَخُ وَالنَّجَاسَةُ. فَالزَّكَاةُ تُطَهِّرُ مُزَكِّيهَا كَمَا يُطَهِّرُ الْمَاءُ الطَّهُورُ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ. فَلَمْ تَكُنْ لائِقَةً بِأَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سُورَةَ الأَحْزَاب/33].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يَجُوزُ وَلا يُجْزِئُ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِمْ.

الشَّرْحُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَّا لِمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، فَمَنْ جُهِلَ حَالُهُ فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ أَوْ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ أَنَّهُ مِسْكِينٌ أُعْطِيَ بِلا يَمِينٍ إِنْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ بَيِّنَةٌ أَيْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ لَهُ بِأَنَّهُ كَمَا قَالَ، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْغِنَى فَادَّعَى أَنَّهُ تَلِفَ مَالُهُ وَعَرَفَ النَّاسُ ذَلِكَ أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْعَامِلِينَ أَوْ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ فَلا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ أَيْ شَاهِدَيْنِ أَوِ اسْتِفَاضَةٍ أَيِ انْتِشَارِ خَبَرِهِ أَوْ إِخْبَارِ مَنْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ وَلَوْ كَانَ خَبَرَ الدَّائِنِ أَيْ قَالَ إِنَّ لِي عَلَى فُلانٍ كَذَا مِنَ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُعْطَى فِي هَذِهِ الْحَالِ.

وَقَوْلُهُ «وَلا يَجُوزُ وَلا يُجْزِئُ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِمْ» أَفَادَ بِهِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ وَلا يَصِحُّ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ هَؤُلاءِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي ءَايَةِ بَرَاءَةَ، فَإِنْ وُجِدُوا كُلُّهُمْ حَتَّى الْعَامِلُ إِنْ كَانَ الإِمَامُ هُوَ الْقَاسِمُ لِلزَّكَاةِ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَّا فَمَنْ عَدَا الْعَامِلِ يَجِبُ تَعْمِيمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَلَدِ الزَّكَاةِ إِلَّا بَعْضُهُمْ دُفِعَ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ.

وَأَقلُّ الْعَدَدِ الَّذِي يُدْفَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أَشْخَاصٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، فَعَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ مَحْصُورِينَ وَكَانَتِ الزَّكَاةُ تَفِي بِحَاجَاتِهِمُ النَّاجِزَةِ وَهِيَ مُؤْنَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَكِسْوَةُ فَصْلٍ وَجَبَ اسْتِيعَابُهُمْ أَيِ اسْتِيعَابُ الْمَوْجُودِينَ فِي بَلَدِ الزَّكَاةِ إِلَّا الْعَامِلَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ وَاحِدًا هَذَا مَذْهَبُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَ جَمْعٌ مِنْ أَتْبَاعِ الشَّافِعِيِّ جَوَازَ دَفْعِ زَكَاةِ وَاحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ.

وَأَمَّا نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ إِلَى غَيْرِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ رَأْيُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي قَوْلٍ وَمَنَعَهُ فِي قَوْلٍ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ وَإِلَى الْجَوَازِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ.

وَكَذَلِكَ النَّقْلُ إِلَى غَيْرِ بَلَدِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرَةِ فِيهِ خِلافٌ مَذْهَبِيٌّ فَيَجُوزُ فِي قَوْلٍ وَلا يَجُوزُ فِي قَوْلٍ.

فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالْمَدَارِسِ، فَمَنْ دَفَعَ مِنْ زَكَاتِهِ إِلَى مَدْرَسَةٍ أَوْ إِلَى مُسْتَشْفًى أَوْ إِلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ زَكَاتَهُ مَا صَحَّتْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الدَّفْعِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ [أَيْ يَتَصَرَّفُونَ] فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ.

فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْءَانِ لَهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُ مَالَ الْوَقْفِ الإِسْلامِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي بَيَّنَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ فَلَهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَكْلَ مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمَالُ اللَّهِ يَشْمَلُ الزَّكَاةَ وَالْوَقْفَ وَالْغَنِيمَةَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْ هَؤُلاءِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَقَدِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ وَرَدَ النَّصُّ بِأَنَّ فَاعِلَهَا يَدْخُلُ النَّارَ فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَمَا أَكْثَرَ مَنْ أَكَلَ مَالَ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ وَلا سِيَّمَا الْوَقْفُ فَهُوَ يَحْصُلُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِكُلِّ مَا هُوَ بِرٌّ وَخَيْرٌ مِمَّا عَدَا الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كُلَ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَمَدْرَسَةٍ وَمُسْتَشْفًى وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرَ الزَّكَاةَ «إِنَّهَا لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ]،

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلَيْنِ جَاءَا يَسْأَلانِهِ الزَّكَاةَ وَكَانَا قَوِيَّيْنِ «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَيْسَ فِيهَا حَقٌّ لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» [انْظُرِ الْمَصْدَرَ السَّابِقَ] فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الزَّكَاةَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مَالًا يُغْنِيهِ أَيْ يَكْفِيهِ لِحَاجَاتِهِ وَعَلَى مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَكْفِيهِ لِحَاجَاتِهِ الأَصْلِيَّةِ لِأَنَّ الْمِرَّةَ هِيَ الْقُوَّةُ وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالسَّوِيُّ التَّامُّ الْخَلْقِ.

فَدَلَّنَا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِي ءَايَةِ الصَّدَقَاتِ بَعْضُ أَعْمَالِ الْبِرِّ لا كُلُّهَا وَهُوَ الْجِهَادُ. وَيَدْخُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَهُوَ فَقِيرٌ. وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ كَلِمَةَ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَعُمُّ كُلَّ مَشْرُوعٍ خَيْرِيٍّ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ إِنَّمَا ذَلِكَ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِينَ هُمْ مُجْتَهِدُونَ فَحَرَامٌ أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ هَذَا الْعَالِمِ.

فَلْيُحْذَرْ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَلُمُّونَ أَمْوَالَ الزَّكَوَاتِ بِاسْمِ الْمُسْتَشْفَى أَوْ بِنَاءِ جَامِعٍ أَوْ بِنَاءِ مَدْرَسَةٍ، هَؤُلاءِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَحَرَامٌ عَلَى الَّذِينَ يُعْطُونَهُمْ [أَيْ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْحَالِ] لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ عَمَلٍ خَيْرِيٍّ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/60] مَا قَالَ الرَّسُولُ «لَيْسَ فِيهَا حَقٌّ لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ».

وَهَؤُلاءِ خَالَفُوا الإِجْمَاعَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالإِجْمَاعُ هُوَ إِجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ وَلا يُعْتَدُّ فِي الإِجْمَاعِ بِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ كَصَاحِبِ الْبَدَائِعِ الْكَاسَانِيِّ الْحَنَفِيِّ فَإِنَّهُ فَسَّرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِجَمِيعِ أَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ هَذَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ ابْتَدَعَ مَا لَيْسَ مِنَ الْمَذْهَبِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ فَلا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ حُجَّةً فِي دِينِ اللَّهِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ الَّذِينَ لا يُعْتَدُّ بِهِمْ فَهُؤَلاءِ لا يَكُونُونَ حُجَّةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِكُلِّ عَمَلٍ خَيْرِيٍّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ فِي حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ [الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ] «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ» أَمَّا مُطْلَقُ الأَعْمَالِ الْخَيْرِيَّةِ فَتَجُوزُ فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَإِنْ كَانَ التَّصَدُّقُ عَلَى الْفَقِيرِ أَفْضَلَ.

قِصَّةٌ فِيهَا عِبْرَةٌ:

حَدَثَتْ فِي بِلادِ الْحَبَشَةِ فِي بَعْضِ أَرْيَافِ هَرَر قِصَّةٌ غَرِيبَةٌ وَهِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَرَاءِ جَاءُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْحَبُّ لِيَطْلُبُوا الزَّكَاةَ مِنَ الْمُزَارِعِينَ فَقَالُوا لَهُمُ الْيَوْمَ نَحْصُدُ وَنُصَفِّي الْحَبَّ ثُمَّ نُعْطِيكُمْ غَدًا، وَنِيَّتُهُمْ أَنْ لا يُعْطُوهُمْ مِنْ خُبْثِهِمْ، ثُمَّ قَبْلَ الْغَدِ انْشَقَّتِ الأَرْضُ وَبلَعَتِ الْحَبَّ، لَوْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي نِيَّتِهِمْ فِي إِعْطَاءِ الْحَبِّ لِهَؤُلاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ زَكَاةً مَا أَصَابَهُمْ هَذَا الْبَلاءُ، بَلِ الَّذِي يَتَصَدَّقُ وَيُزَكِّي مَالَهُ يُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِي مَالِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَا تُنْتِجُهُ أَرْضُهُ وَيُنْفِقُ الثُّلُثَ عَلَى أَهْلِهِ وَيَرُدُّ الثُّلُثَ فِي أَرْضِهِ ثُمَّ رَأَى شَخْصٌ سَحَابَةً وَسَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ اسْقِ أَرْضَ فُلانٍ فَجَاءَتِ السَّحَابَةُ فَسَقَتْ أَرْضَهُ دُونَ الأَرَاضِي الَّتِي حَوْلَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ].