قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ وَمِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الرِّيَاءُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ أَىِ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ أَىْ لِيَمْدَحُوهُ وَيُحْبِطُ ثَوابَهَا وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ فِى هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيَانَ مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ وَهِىَ الرِّيَاءُ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/264] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سُورَةَ الْكَهْف/110] أَىْ لا يُرَاءِ بِعَمَلِهِ.
وَالرِّيَاءُ هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الإِنْسَانُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ مَدْحَ النَّاسِ وَإِجْلالَهُمْ لَهُ وَقَدْ يَكُونُ بِإِظْهَارِ نُحُولٍ وَصُفْرَةٍ وَتَشَعُّثٍ وَخَفْضِ صَوْتٍ لِيُظَنَّ أَنَّهُ شَدِيدُ الِاجْتِهَادِ فِى الْعِبَادَةِ أَوْ بِتَقْلِيلِ الأَكْلِ وَعَدَمِ الْمُبَالاةِ بِلُبْسِهِ لِيُظَنَّ أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ عَنْ لُبْسِهِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ أَوْ بِإِكْثَارِ الذِّكْرِ وَمُلازَمَةِ الْمَسَاجِدِ لِيُظَنَّ أَنَّهُ صُوفِىٌّ مَعَ أَنَّهُ مُفْلِسٌ مِنْ حَقِيقَةِ التَّصَوُّفِ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَصْدَ مَبَرَّةِ النَّاسِ لَهُ بِالْهَدَايَا وَالْعَطَايَا كَانَ أَسْوَأَ حَالًا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ،
أَوْ بِطَلَبِ كَثْرَةِ الزُّوَّارِ لَهُ كَأَنْ يَطْلُبَ مِنْ نَحْوِ عَالِمٍ أَوْ ذِى جَاهٍ أَنْ يَزُورَهُ وَيَأْتِىَ إِلَيْهِ إِيْهَامًا لِرِفْعَتِهِ وَتَبَرُّكِ غَيْرِهِ بِهِ، أَوْ بِلِقَاءِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ افْتِخَارًا بِهِمْ وَتَرَفُّعًا عَلَى غَيْرِهِ.
وَكَذَا الزَّوْجُ إِنْ أَحْسَنَ لِزَوْجَتِهِ أَوْ هِىَ أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ لِطَلَبِ مَحْمَدَةِ النَّاسِ فَهَذَا رِيَاءٌ وَأَمَّا الَّذِى يَعْمَلُ الإِحْسَانَ لِيُحِبَّهُ النَّاسُ لا لِيَمْدَحُوهُ وَلا لِلْسُّمْعَةِ فَلا يُعَدُّ عَمَلُهُ رِيَاءً لَكِنْ لا ثَوَابَ لَهُ أَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ مِنْهُ النَّصِيحَةَ فَعِنْدَئِذٍ يُثَابُ. وَالرِّيَاءُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «اتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِوَصْفِهِ ﷺ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ لِى عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِى غَيْرِى فَأَنَا مِنْهُ بَرِىءٌ وَهُوَ لِلَّذِى أَشْرَكَ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ أَىْ لا يَلِيقُ بِى أَنْ يُشْرَكَ بِى، وَقَوْلُهُ وَهُوَ لِلَّذِى أَشْرَكَ مَعْنَاهُ جَزَاؤُهُ ذَلِكَ الَّذِى أَرَادَهُ أَىْ أَنْ يَمْدَحَهُ النَّاسُ.
وَفِى الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِى يُرَائِى اللَّهُ بِهِ» وَمَعْنَى «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» أَنَّ الَّذِى يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ لِيَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَنْهُ بِهَا يَفْضَحُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَى «وَمَنْ يُرَائِى يُرَائِى اللَّهُ بِهِ» أَىْ يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ أَنَّهُ يُرَائِى.
قَالَ النَّوَوِىُّ «لَوْ فَتَحَ الإِنْسَانُ عَلَيْهِ بَابَ مُلاحَظَةِ النَّاسِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ تَطَرُّقِ ظُنُونِهِمُ الْبَاطِلَةِ لَانْسَدَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَضَيَّعَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا عَظِيمًا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَلَيْسَ هَذَا طَرِيقَةَ الْعَارِفِينَ» وَلَقْدَ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ سِيرُوا إِلَى اللَّهِ عُرْجًا وَمَكَاسِيرَ وَلا تَنْتَظِرُوا الصِّحَّةَ فَإِنَّ انْتِظَارَ الصِّحَّةِ بَطَالَةٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ عَنْ هِلالِ بنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلْيَدْهَنْ لِحْيَتَهُ وَلْيَمْسَحْ شَفَتَيْهِ وَيَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمٍ وَإِذَا أَعْطَى بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِهِ عَنْ شِمَالِهِ [أَىْ مَا لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةٌ فِى إِظْهَارِهَا] وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُسْدِلْ سِتْرَ بَابِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَسِّمُ الثَّنَاءَ كَمَا يُقَسِّمُ الرِّزْقَ» وَعَنْ ذِي النُّونِ قَالَ «قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَا أَخْلَصَ الْعَبْدُ لِلَّهِ إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ فِى جُبٍّ لا يُعْرَفُ» اهـ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَامَ بِمُسْلِمٍ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ» مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِى يَرْتَكِبُ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ وَهِىَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ شَأْنِ نَفْسِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَتَهْشِيمَ شَخْصٍ ءَاخَرَ ظُلْمًا يُرِيدُ أَنْ يُفَخِّمَ نَفْسَهُ لِيُنْظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الإِجْلالِ لِيُحْمَدَ وَيُهَشَّمَ الآخَرُ فَهَذَا ذَنْبُهُ عَظِيمٌ وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَفْضَحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَكْشِفُ حَالَهُ أَىْ يَكْشِفُ حَالَ هَذَا الإِنْسَانِ الَّذِى يَتَكَلَّمُ عَلَى مُسْلِمٍ بِمَا يُظْهِرُ بِهِ لِنَفْسِهِ النَّزَاهَةَ وَعُلُوَّ الْمَقَامِ وَالرِّفْعَةَ أَىْ رِفْعَةَ الْقَدْرِ بِتَهْشِيمِ ذَلِكَ الإِنْسَانِ وَفَضْحِهِ بَيْنَ النَّاسِ يُقَالُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ فُلانًا قَامَ يَوْمَ كَذَا مَقَامَ كَذَا فَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ رَفْعُ شَأْنِهِ وَمَا فِيهِ تَهْشِيمُ فُلانٍ. فَالْفَضِيحَةُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ شَدِيدَةً عَلَى النَّفْسِ فِى ذَلِكَ الْمَلَإِ الْعَظِيمِ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.
وَالرِّيَاءُ يُحْبِطُ ثَوَابَ الْعَمَلِ الَّذِي قَارَنَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ رِيَائِهِ وَتَابَ أَثْنَاءَ الْعَمَلِ فَمَا فَعَلَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنْهُ لَهُ ثَوَابُهُ، وَأَىُّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ دَخَلَهُ الرِّيَاءُ فَلا ثَوَابَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ جَرَّدَ قَصْدَهُ لِلرِّيَاءِ أَوْ قَرَنَ بِهِ قَصْدَ طَلَبِ الأَجْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَلا يَجْتَمِعُ الثَّوَابُ وَالرِّيَاءُ لِحَدِيثِ أَبِى دَاوُدَ وَالنَّسَائِىِّ بِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِى أُمَامَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ قَالَ «لا شَىْءَ لَهُ» فَأَعَادَهَا ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ «لا شَىْءَ لَهُ» ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ وَمَا ابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ» وَجَوَّدَ الْحَافِظُ إِسْنَادَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ «مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَىَّ مِنْ نِيَّتِى» مَعْنَاهُ أَصْعَبُ الْمَعَاصِى إِخْرَاجًا مِنَ الْقَلْبِ هُوَ الرِّيَاءُ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الْمَدْحِ هَذَا يَبْنِى مَدْرَسَةً لِيُقَالَ عَنْهُ فَاعِلُ خَيْرٍ وَهَذَا يُدَرِّسُ لِيُقَالَ عَنْهُ عَالِمٌ وَهَذَا يُجَاهِدُ لِيُقَالَ عَنْهُ بَطَلٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَشْيَاءِ وَالْمُخْلِصُونَ قِلَّةٌ. ءَاخِرُ شَىْءٍ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ الصُّوفِىِّ هُوَ الرِّيَاءُ فَالَّذِينَ يَسْلَمُونَ مِنَ الرِّيَاءِ قِلَّةٌ قَلِيلَةٌ.
وَقَدْ صَدَّرَ الْبُخَارِىُّ كِتَابَهُ الصَّحِيحَ بِحَدِيثِ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَأَقَامَهُ مُقَامَ الْخُطْبَةِ لَهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ [أَىْ لا ثَوَابَ لَهُ فِيهِ] لا ثَمَرَةَ لَهُ فِى الدُّنْيَا وَلا فِى الآخِرَةِ وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ مَهْدِىٍّ لَوْ صَنَّفْتُ كِتَابًا فِـى الأَبْوَابِ لَجَعَلْتُ حَدِيثَ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فِى كُلِّ بَابٍ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فَلْيَبْدَأْ بِحَدِيثِ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَالنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى الرِّيَاءِ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ مِنْ أَصْعَبِ الأَشْيَاءِ عَلَيْهَا فَإِنَّ النَّفْسَ لا تَطْهُرُ طَهَارَةً تَامَّةً مِنَ الرِّيَاءِ إِلَّا بَعْدَ مُجَاهَدَةٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ شُهُودُ الْعِبَادَةِ صَادِرَةً مِنَ النَّفْسِ غَائِبًا عَنِ الْمِنَّةِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْهَدَ الْعَبْدُ عِبَادَتَهُ وَمَحَاسِنَ أَعْمَالِهِ صَادِرَةً مِنْ نَفْسِهِ غَائِبًا أَىْ غَافِلًا عَنْ تَذَكُّرِ أَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِهَا فَأَقْدَرَهُ عَلَيْهَا وَأَلْهَمَهُ فَيَرَى ذَلِكَ مَزِيَّةً لَهُ. فَالْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَعْنَاهُ أَنْ يُعْجَبَ الإِنْسَانُ بِطَاعَاتِهِ بِحَيْثُ إِنَّهُ يَرَى تَعْظِيمَ نَفْسِهِ وَيَنْسَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى قَدَّرَهُ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ، غَائِبًا عَنِ الْمِنَّةِ أَىْ يَنْسَى نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَالْعُجْبُ لا يُبْطِلُ الثَّوَابَ إِلَّا إِذَا كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَمَلِ أَمَّا إِذَا حَصَلَ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الْعَمَلِ فَلا يُحْبِطُ الثَّوَابَ لَكِنَّهُ حَرَامٌ.
وَحُكِىَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ أَنَّهُ قَالَ إِذَا خِفْتَ عَلَى عَمَلِكَ الْعُجْبَ فَاذْكُرْ رِضَى مَنْ تَطْلُبُ وَفِى أَىِّ النَّعِيمِ تَرْغَبُ وَمِنْ أَىِّ عِقَابٍ تَرْهَبُ وَأَىَّ عَاقِبَةٍ تَشْكُرُ وَأَىَّ بَلاءٍ تَذْكُرُ فَإِنَّكَ إِذَا فَكَّرْتَ فِى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ صَغُرَ فِى عَيْنِكَ عَمَلُكَ.
وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ أَئِمَّةِ خُرَاسَانَ الشَّيْخَ شِهَابَ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِىَّ فَقَالَ الْقَلْبُ مَعَ الأَعْمَالِ يُدَاخِلُهُ الْعُجْبُ وَمَعَ تَرْكِ الأَعْمَالِ يُخْلِدُ إِلَى الْبَطَالَةِ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ لا تَتْرُكِ الأَعْمَالَ وَدَاوِ الْعُجْبَ بِأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ ظُهُورَهُ مِنَ النَّفْسِ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَفَّارَتُهُ وَلا تَدَعِ الْعَمَلَ رَأْسًا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالشَّكُّ فِى اللَّهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الشَّكَّ فِى اللَّهِ أَىْ فِى وُجُودِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ أَوْ فِى عِلْمِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ فَالشَّكُّ هُنَا يَضُرُّ الْعَقِيدَةَ وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدَ تَرَدُّدٍ مَا لَمْ يَكُنْ خَاطِرًا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِلا إِرَادَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/15] دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِى وُجُودِ اللَّهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَأَنَّ الإِيمَانَ لا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْجَزْمِ وَأَنَّ التَّرَدُّدَ يُنَافِيهِ.
وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّرَدُّدِ فِى الإِيمَانِ وَمَا يُلْحَقُ بِهِ عَنْ حُكْمِ التَّرَدُّدِ فِى فِعْلِ الْمَعَاصِى الْبَدَنِيَّةِ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ فِى الإِيمَانِ وَنَحْوِهِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِيمَانِ فَيَخْرُجُ بِهِ صَاحِبُهُ إِلَى الْكُفْرِ وَأَمَّا التَّرَدُّدُ فِى الْمَعَاصِى الْبَدَنِيَّةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ مُعْفًى عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْعَزْمِ قَالَ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِى عَنْ أُمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَعْمَلُوا أَوْ يَتَكَلَّمُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، فَالْهَمُّ بِالْمَعْصِيَةِ لا يُؤَاخَذُ بِهِ الْعَبْدُ وَالْهَمُّ هُوَ التَّرَدُّدُ فِى الْفِعْلِ أَفْعَلُ أَوْ لا أَفْعَلُ أَمَّا الْعَزْمُ فَهُوَ الْجَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ الْهَمُّ هُوَ أَنْ يَمِيلَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزِمَ فَإِنْ عَزَمَ اسْتَحَقَّ الْمُؤَاخَذَةَ وَالْعُقُوبَةَ فِى الآخِرَةِ وَقَالَ بَعْضٌ لا يُؤَاخَذُ بِالْعَزْمِ أَيْضًا مَا لَمْ يَعْمَلْ أَوْ يَتَكَلَّمْ فَإِنْ عَمِلَ أَوْ تَكَلَّمَ يُؤَاخَذُ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ.
إِذَا هَمَّ الإِنْسَانُ بِمَعْصِيَةٍ فَلْيُعَالِجْ نَفْسَهُ حَتَّى لا يَقَعَ فِيهَا فَإِنْ لَمْ تُطِعْهُ نَفْسُهُ الأَمَّارَةُ لَهُ بِالسُّوءِ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُجَاهِدْهَا بِقَدْرِ الإِمْكَانِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ أَكْبَرُ أَعْدَائِهِ لِقَصْدِهَا بِهِ الْهَلاكَ الأَبَدِىَّ وَقَدْ وَرَدَ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ ثَابِتٍ أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِى بَيْنَ جَنْبَيْكَ مَعْنَاهُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَدُوٌّ كَبِيرٌ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِى بَيْنَ جَنْبَيْكَ أَىْ إِنْ أَطَعْتَهَا فِى هَوَاهَا تُهْلِكْكَ فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُخَالِفَ نَفْسَهُ لِأَنَّ النَّفْسَ مَيَّالَةٌ إِلَى الشَّرِّ، كَثِيرٌ مِنَ الْمَعَاصِى وَالْمَهَالِكِ سَبَبُهَا مُطَاوَعَةُ هَوَى النَّفْسِ لَيْسَ كُلُّ الشَّرِّ مِنَ الشَّيْطَانِ بَلْ نَفْسُ الشَّخْصِ إِنِ اتَّبَعَهَا فِى هَوَاهَا تُهْلِكُ الشَّخْصَ كَمَا يُهْلِكُ الشَّخْصَ اتِّبَاعُ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ،
كَثِيرٌ مِنَ الشَّرِّ مِنْ طَاعَةِ النَّفْسِ فِى هَوَاهَا وَمُخَالَفَةُ النَّفْسِ فِيهِ حِفْظُ دِينِ الشَّخْصِ وَعِرْضِهِ وَالْعِرْضُ مَعْنَاهُ سُمْعَتُهُ وَهُوَ شَامِلٌ لِشَرَفِهِ وَلِسَلامَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ. اجْتَمَعَ وَلِيَّانِ فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ مُتَرَبِّعًا فِى الْهَوَاءِ فَقَالَ لَهُ الآخَرُ بِمَ وَصَلْتَ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ لَهُ بِمُخَالَفَةِ نَفْسِى. قَالَ الْبُوصِيرِىُّ
وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا فَإِنْ هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ
أَىْ لَوْ قَالا لَكَ إِنَّ هَذَا هُوَ النَّصِيحَةُ لا يَصْدُقَانِكَ مَعْنَاهُ اتَّهِمْهُمَا فَعَلَيْنَا بِمُخَالَفَةِ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَشَيَاطِينِ الإِنْسِ وَهَوَى النَّفْسِ. بَعْضُ النُّفُوسِ مَيَّالَةٌ إِلَى الشَّرِّ وَبَعْضُ النُّفُوسِ مَيَّالَةٌ إِلَى الْخَيْرِ ثُمَّ يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [سُورَةَ النَّازِعَات/40] أَىْ رُوحَهُ. وَفِى حَدِيثِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ «وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [فِى سُنَنِهِ] أَحْيَانًا نَفْسُ الشَّخْصِ قَدْ تَدْعُوهُ لِلْكُفْرِ أَوْ حُبِّ الْمَالِ أَوِ الزَّعَامَةِ وَبَعْضُ النَّاسِ تَدْعُوهُمْ نُفُوسُهُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَلَوْ كَانُوا قَاصِرِينَ عَنِ الْوِلايَةِ،
النَّفْسُ الأَبِيَّةُ تَتَرَفَّعُ عَنِ الْخَبَائِثِ وَالدَّنَاءَاتِ. أَحْيَانًا الْمَلائِكَةُ يُجْرُونَ الْخَيْرَ عَلَى لِسَانِ الْمُؤْمِنِ مَعْنَاهُ حَقِيقَةً يَجْعَلُونَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْخَيْرِ وَهَذَا كَانَ يَحْصُلُ كَثِيرًا مَعَ سَيِّدِنَا عُمَرَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ الْحَقَّ لَيَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ [فِى سُنَنِهِ] مَعْنَاهُ أَحْيَانًا الْمَلَكُ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ.
فَائِدَةٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَهُ حَدِيثٌ بِكَلامٍ خَفِيٍّ مَعَ نَفْسِ الإِنْسَانِ فِى الصَّدْرِ، الأُذُنُ لا تَسْمَعُهُ هُوَ يُحَدِّثُ النَّفْسَ فَتَفْهَمُ عَنْهُ لَكِنَّهُ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ. الشَّيْطَانُ يَقُولُ لَهُ قُلْ كَذَا قُلْ كَذَا بِحَيْثُ لا تَسْمَعُ الأُذُنُ وَلَكِنَّهُ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ لا يَعْلَمُ بِمَا يُحَدِّثُ بِهِ الشَّخْصُ نَفْسَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ الْمَعَاصِى الْقَلْبِيَّةِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ الأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطَ مِنْ رَحْمةِ اللَّهِ.
فَأَمَّا الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ فَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ الِاسْتِرْسَالُ فِى الْمَعَاصِى مَعَ الاتِّكَالِ عَلَى الرَّحْمَةِ فَهَذَا مِنَ الْمَعَاصِى الْكَبَائِرِ مِمَّا لا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ [أَىِ الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ] كُفْرٌ نَاقِلٌ عَنِ الْمِلَّةِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ وَالنَّسَفِىُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَتَفْسِيرُهُ عِنْدَهُمُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ عَلَى الْمَعَاصِى بَعْدَ ثُبُوتِ الإِيمَانِ بِالْمَرَّةِ. فَالَّذِى يَقُولُ أَنَا وَاجِبٌ لِى دُخُولُ الْجَنَّةِ وَالْفَوْزُ وَلا يَجُوزُ عَكْسُهُ فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَعَلَ أَنْ تَكُونَ عَاقِبَتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا.
وَأَمَّا الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَتَفْسِيرُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُسِىءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهُ الْبَتَّةَ وَأَنَّهُ لا مَحَالَةَ يُعَذِّبُهُ وَذَلِكَ نَظَرًا لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ مَثَلًا فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لا يَنْقُلُ عَنِ الإِسْلامِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ ذُنُوبَ الْعُصَاةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ نَاقِلٌ عَنِ الإِيمَانِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الطَّحَاوِىُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا عَدُّوهُ كُفْرًا وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْخَوَارِجَ كُفَّارٌ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِى النَّارِ وَفِيهِ أَيْضًا تَكْفِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لا يُغْفَرُ لِمَنْ مَاتَ مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلا كَافِرٍ.
وَطَرِيقُ النَّجَاةِ الَّذِى يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا رَاجِيًا يَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِهِ وَيَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ أَمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُغَلِّبُ الرَّجَاءَ عَلَى الْخَوْفِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ وَاسْتِحْقَارُ النَّاسِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ التَّكَبُّرَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ وَهُوَ رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْقَائِلِ لِنَحْوِ كَوْنِ الْقَائِلِ صَغِيرَ السِّنِّ فَيَسْتَعْظِمُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ قَائِلَهُ صَغِيرُ السِّنِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنَ الْخَامِلِينَ وَالْمَرْدُودَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ الْبَارِزِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَاسْتِحْقَارُ النَّاسِ أَىِ ازْدِرَاؤُهُمْ كَأَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى الْفَقِيرِ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِ نَظَرَ احْتِقَارٍ أَوْ يُعْرِضَ عَنْهُ أَوْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ فِى الْخِطَابِ. وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ التَّكَبُّرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [سُورَةَ لُقْمَان/18] أَىْ وَلا تُعْرِضْ عَنْهُمْ مُتَكَبِّرًا وَالْمَعْنَى أَقْبِلْ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِكَ مُتَوَاضِعًا وَلا تُوَلِّهِمْ شِقَّ وَجْهِكَ وَصَفْحَتَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَكَبِّرُونَ. ﴿وَلا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا﴾ أَىْ لا تَمْشِ لِأَجْلِ الْمَرَحِ وَالأَشَرِ أَىْ لا تَمْشِ مِشْيَةَ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِىَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مِسْكِينًا» أَىْ مُتَوَاضِعًا [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ] وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى».
وَقَالَ بَعْضُ الأَكَابِرِ «كُنْ أَرْضًا تَكُنْ لِلَّهِ أَرْضَى» فَالَّذِى يَضَعُ أَوَانِىَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ فِى خِزَانَةٍ مَثَلًا بِحَيْثُ يَرَاهَا النَّاسُ لِلْفَخْرِ أَىْ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مَا أَغْنَاهُ يُوجَدُ عِنْدَهُ شَىْءٌ لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ. كُلُّ شَىْءٍ يَفْعَلُهُ الإِنْسَانُ لِلْفَخْرِ مِنْ لِبَاسٍ جَمِيلٍ وَمَرْكَبٍ جَمِيلٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ الَّذِى يَبْنِى بِنَاءً فَخْمًا لِلْفَخْرِ حَتَّى يُقَالَ مَا أَجْمَلَ بَيْتَ فُلانٍ ذَنْبُهُ كَبِيرٌ أَمَّا الَّذِي يَلْبَسُ ثَوْبًا أَنِيقًا لِلتَّجَمُّلِ فَقَطْ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَالْفَخْرُ مَعْنَاهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِيُعْجَبَ بِهِ النَّاسُ أَىْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِصَاصٌ عِنْدَ النَّاسِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَالتَّفْخِيمِ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يُحِبُّ الْفَخْرَ فِى الثِّيَابِ وَفِى الأَثَاثِ وَفِى الْمَسْكَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى الأَدَبِ بِأَنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَمْثَالِ الذَّرِّ [أَىِ النَّمْلِ الأَحْمَرِ الصَّغِيرِ] يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ. وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ «مَا لِابْنِ ءَادَمَ وَالْفَخْرِ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ وَءَاخِرُهُ جِيفَةٌ» مَعْنَاهُ كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ أَوَّلَهُ نُطْفَةٌ وَءَاخِرَهُ جِيفَةٌ، وَالْجِيفَةُ الْجِسْمُ لا رُوحَ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى الأَمَالِىِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكُمْ لَتَغْفُلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ التَّوَاضُعِ» مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ اللَّهِ. فَالتَّوَاضُعُ مَطْلُوبٌ مَعَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ لِوَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ يَدْعُو لِلتَّآلُفِ وَأَمَّا التَّكَبُّرُ فَهُوَ مَذْمُومٌ فِى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمَّا دَعَوُا الْكُفَّارَ إِلَى الدِّينِ مَا كَانُوا مُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُتَكَبِّرِينَ فِى وُجُوهِ الْكُفَّارِ لَنَفَرُوا عَنْهُمْ،
وَأَحْوَالُ النَّبِىِّ ﷺ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فِى الْمَدِينَةِ عَامَلَ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ جَاءَ الْيَهُودِىُّ إِلَى النَّبِىِّ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَلِ فَقَالَ «يَا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّكُمْ مُطْلٌ»، فَلَمْ يُعَنِّفْهُ النَّبِىُّ وَلا أَظْهَرَ الْغَضَبَ مِنْهُ لِيَدْعُوَهُ ذَلِكَ إِلَى التَّفَكُّرِ فِى شَأْنِ الرَّسُولِ مِنْ حَيْثُ تَوَاضُعُهُ وَحِلْمُهُ فَيَمِيلَ إِلَى الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ ثُمَّ أَمَرَ النَّبِىُّ بِوَفَاءِ دَيْنِهِ عَلَى وَجْهِ الإِحْسَانِ.
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْفَهِرَّ فِى وَجْهِ هَذَا الْيَهُودِىِّ الَّذِى أَهَانَهُ مِنْ ذَمِّهِ وَذَمِّ عَشِيرَتِهِ لِأَنَّ كَلامَهُ شَامِلٌ لَهُ وَلِعَشِيرَتِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَعَشِيرَتُكَ تُمَاطِلُونَ الدَّيْنَ فَأَسْلَمَ هَذَا الْيَهُودِىُّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَهُ هَلْ يَجِدُ فِيهِ الْعَلامَاتِ الَّتِى هِىَ مَذْكُورَةٌ فِى بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا رَءَاهَا كُلَّهَا أَسْلَمَ.
وَحَصَلَ لِسَيِّدِنَا أَحْمَدَ الرِّفَاعِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ شَبِيهٌ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ يَمْشِى مَعَ جَمْعٍ مِنْ مُرِيدِيهِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ يَهُودِىٌّ كَانَ يَسْمَعُ أَنَّ السَّيِّدَ أَحْمَدَ الرِّفَاعِىَّ حَلِيمٌ مُتَوَاضِعٌ فَأَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَهُ هَلْ هُوَ كَمَا يَصِفُهُ النَّاسُ أَمْ لا فَأَتَى إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ «يَا سَيِّدُ أَنْتَ أَفْضَلُ أَمِ الْكَلْبُ أَفْضَلُ» فَقَالَ السَّيِّدُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنْ نَجَوْتُ عَلَى الصِّرَاطِ فَأَنَا أَفْضَلُ» فَأَسْلَمَ الْيَهُودِىُّ وَأَسْلَمَ أَهْلُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ مَعَارِفِهِ فَلَوْلا أَنَّهُ تَوَاضَعَ مَعَهُ لَمْ يُسْلِمْ فَلَوْ كَانَ ظَهَرَ فِى وَجْهِهِ أَنَّهُ غَضِبَ كَأَنِ اكْفَهَرَّ فِى وَجْهِهِ أَوْ قَالَ لَهُ كَلِمَةَ شَتْمٍ مَا رَغِبَ فِى الإِسْلامِ لَكِنْ أَعْجَبَهُ شِدَّةُ حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِهِ فَاعْتَرَفَ فِى نَفْسِهِ بِأَنَّ دِينَ هَذَا السَّيِّدِ صَحِيحٌ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ «التَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ» ضَلالٌ مُبِينٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْعَفْوِ وَالإِحْسَانِ وَالتَّوَاضُعِ فَيَجِبُ تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَقَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ بِمُجَافَاتِهِ يَزْجُرُهُ عَنِ التَّكَبُّرِ [يَكُونُ صَدَقَةً حَقِيقَةً] فَلا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِى العَقِيدَةِ لَكِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ لا تَجُوزُ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ كَيْفَمَا كَانَ حَرَامٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْحِقْدُ وَهُوَ إِضْمَارُ الْعَدَاوَةِ بِالْعَزْمِ عَلَى إِيقَاعِ ضَرَرٍ بِمُسْلِمٍ وَإِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَكْرَهْهُ كَانَ مَعْصِيَةً أُخْرَى.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الْحِقْدَ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فِى بَعْضِ صُوَرِهِ لا مُطْلَقًا وَهُوَ مَصْدَرُ حَقَدَ يَحْقِدُ وَهُوَ إِضْمَارُ الْعَدَاوَةِ لِلْمُسْلِمِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةِ مَا يَسْتَشْعِرُ بِهِ فِى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْكَرَاهِيَةِ كَأَنْ يَقُولَ فِى نَفْسِهِ إِنْ تَمَكَّنْتُ مِنْ فُلانٍ أَفْعَلُ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِمَّا فِيهِ إِضْرَارٌ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَكَرِهَ مَا خَطَرَ لَهُ مِنْ إِيقَاعِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ لا يَكُونُ مَعْصِيَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ أَوْ يَتَكَلَّمْ.
فَفِى الصَّحِيحِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ النَّاسَ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمَا. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْجَرَيَانِ بِالْقَلْبِ فَهُوَ مِمَّا يَكْثُرُ الِابْتِلاءُ بِهِ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ دُونِ هَذَا الْقَيْدِ فِيهِ عُسْرٌ فَمُجَرَّدُ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ لَكِنْ لا يُرِيدُ أَنْ يُنَفِّذَهُ بِأَنْ يَشْتِمَهُ مَثَلًا أَوْ يُوقِعَ بِهِ ضَرَرًا لا يَكُونُ مَعْصِيَةً [وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ الْحِقْدُ هُوَ إِضْمَارُ الْعَدَاوَةِ لِلْمُسْلِمِ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَكْرَهْهُ فَإِنَّ الْعَزْمَ بِالْقَلْبِ هُوَ عَمَلٌ قَلْبِىٌّ] أَمَّا إِذَا جَزَمَ أَنْ يُؤْذِيَهُ وَيَضُرَّهُ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْحَسَدُ وَهُوَ كَرَاهِيَةُ النِّعْمَةِ لِلْمُسْلِمِ وَاسْتِثْقَالُهَا إِنْ لَمْ يَكْرَهْهُ وَعَمَلٌ بِمُقْتَضَاهُ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الْحَسَدَ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فِى بَعْضِ صُوَرِهِ لا مُطْلَقًا [تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ لا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْ نَبِىٍّ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ تَصْحَبُهَا نَظْرَةُ الْحَسَدِ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفْسٍ وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ أَىْ أَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ إِذَا أَظْهَرَ حَسَدَهُ فَالْحَاسِدُ لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إِلَّا إِذَا أَظْهَرَهُ أَمَّا إِذَا لَمْ يُظْهِرِ الْحَسَدَ فَلا يَتَأَذَّى بِهِ إِلَّا الْحَاسِدُ لِاغْتِمَامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ.
وَالْحَسَدُ هُوَ أَنْ يَكْرَهَ الشَّخْصُ النِّعْمَةَ الَّتِى أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ دِينِيَّةً كَانَتْ أَوْ دُنْيَوِيَّةً وَتَمَنِّى زَوَالِهَا وَاسْتِثْقَالُهَا لَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعْصِيَةً إِذَا لَمْ يَكْرَهْهُ أَىْ إِذَا لَمْ يَسْتَشْعِرْ بِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِنَفْسِهِ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إِنْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ «لا يَعْصِى إِلَّا إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ». وَمِثَالُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ أَنْ يَذْهَبَ لِلنَّاسِ وَيَقُولَ لا تُعَامِلُوهُ حَتَّى لا يَزِيدَ مَالُهُ وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَمَنِّى زَوَالِ النِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَنِ الْمُسْلِمِ دُونَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ فَلَيْسَ حَسَدًا مُحَرَّمًا، فَالْحَسَدُ الَّذِى هُوَ حَرَامٌ هُوَ تَمَنِّى زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمُسْلِمِ مَعَ السَّعْىِ لِذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ بِالْبَدَنِ أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ.
فَالَّذِى يَتَمَنَّى أَنْ تَزُولَ النِّعْمَةُ عَنْ شَخْصٍ مُسْلِمٍ وَتَتَحَوَّلَ إِلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ مَالًا حَلالًا كَثِيرًا مَثَلًا أَوْ لِأَنَّ لَهُ زَوْجَةً جَمِيلَةً أَوْ لِأَنَّ لَهُ أَوْلادًا كَثِيرِينَ مُطِيعِينَ أَوْ لِأَنَّ لَهُ صِفَاتٍ جَمِيلَةً فَيَكْرَهُ لَهُ هَذَا وَيَتَمَنَّى أَنْ لَوْ صَارَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ النِّعْمَةُ ثُمَّ يَسْعَى فِى هَذَا الشَّىْءِ فَقَدْ وَقَعَ فِى الْحَسَدِ الْمُحَرَّمِ، أَمَّا إِنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ تَمَنَّى أَنْ لَوْ زَالَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ عَنْ هَذَا الْمُسْلِمِ كَأَنْ قَالَ فِى قَلْبِهِ يَا لَيْتَ هَذِهِ الزَّوْجَةَ فَارَقَتْهُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَكِنْ فِى الظَّاهِرِ مَا عَمِلَ شَيْئًا فَهَذَا لَيْسَ مَعْصِيَةً إِلَّا إِذَا عَمِلَ بِالْفِعْلِ كَأَنْ ذَهَبَ إِلَى زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا هَذَا الرَّجُلُ خَبِيثٌ حَتَّى تَكْرَهَهُ وَتَطْلُبَ مِنْهُ الطَّلاقَ أَوْ قَالَ لِأَهْلِهَا هَذِهِ بِنْتُكُمْ زَوْجُهَا لا يَعْرِفُ لَهَا حَقَّهَا حَتَّى يُحَرِّكُوهَا لِتَنْفَصِلَ عَنْهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا هُوَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ عَنِ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ لا يَكُونُ حَسَدًا مُحَرَّمًا، أَمَّا إِنْ تَمَنَّى لَهُ الْوُقُوعَ فِى الْمَعْصِيَةِ أَوْ تَمَنَّى لَهُ تَرْكَ وَاجِبٍ أَوْ تَمَنَّى لَهُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا فَهَذَا يَكُونُ عَاصِيًا بِتَمَنِّيهِ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَسْعَ.
أَمَّا الْغَابِطُ فَهُوَ الَّذِى يَتَمَنَّى مِثْلَ نِعْمَةِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَزُولَ عَنْهُ وَالْحَاسِدُ هُوَ الَّذِى يَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ نِعْمَةُ صَاحِبِهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/32] [وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَضُرُّ الْغِبْطَةُ قَالَ «لا إِلَّا كَمَا يَضُرُّ الْعِضَاهُ الْخبط» وَالْعِضَاهُ مِنْ شَجَرِ الشَّوْكِ].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ مَا نَصُّهُ «الْحَسَدُ تَمَنِّى الشَّخْصِ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَسْعَى فِى ذَلِكَ أَوْ لا فَإِنْ سَعَى كَانَ بَاغِيًا، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ فِى ذَلِكَ وَلا أَظْهَرَهُ وَلا تَسَبَّبَ فِى تَأْكِيدِ أَسْبَابِ الْكَرَاهَةِ الَّتِى نُهِىَ الْمُسْلِمُ عَنْهَا فِى حَقِّ الْمُسْلِمِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَجْزُ بِحَيْثُ لَوْ تَمَكَّنَ لَفَعَلَ فَهَذَا مَأْزُورٌ [أَىْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ]، وَإِنْ كَانَ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ التَّقْوَى فَإِنَّهُ يُعْذَرُ لِأَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ الْخَوَاطِرِ النَّفْسَانِيَّةِ فَيَكْفِيهِ فِى مُجَاهَدَتِهَا أَنْ لا يَعْمَلَ بِهَا وَلا يَعْزِمَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ رَفَعَهُ «ثَلاثٌ لا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ» قِيلَ فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلا تَرْجِعْ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ وَإِذَا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ»، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبِصْرِىِّ قَالَ مَا مِنْ ءَادَمِىٍّ [مَعْنَاهُ غَالِبُ بَنِى ءَادَمَ] إِلَّا وَفِيهِ الْحَسَدُ فَمَنْ لَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ إِلَى الْبَغْىِ وَالظُّلْمِ لَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُ شَىْءٌ» اهـ.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْ دَاءِ الْقَلْبِ الْحَسَدَ وَالتَّبَاغُضَ وَهَذَا ضَرَرُهُ كَبِيرٌ لِأَنَّهُ خِلافُ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا تَحَاسَدُوا وَتَبَاغَضُوا يَتَقَاعَسُونَ عَنِ الْبِرِّ.
وَالأَمْرُ الَّذِى يُعِينُ عَلَى الْخَلاصِ مِنَ التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ وَالتَّدَابُرِ هُوَ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ فَإِنَّ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ تُعِينُ عَلَى مَا يُرْضِى اللَّهَ وَهَؤُلاءِ الأَوْلِيَاءُ مَا صَارُوا أَوْلِيَاءَ إِلَّا بِمُخَالَفَةِ النَّفْسِ هَوَاهَا لِأَنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ التَّكَاسُلَ عَنْ مَشَقَّةِ الطَّاعَاتِ. وَأَمَّا التَّدَابُرُ فَهُوَ أَنْ يُوَلِّىَ ظَهْرَهُ لِلْمُسْلِمِ هَذَا يُقْبِلُ إِلَيْهِ وَذَاكَ يُدْبِرُ عَنْهُ أَوْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الأُخْرَى لِلإِشْعَارِ بِأَنَّهُ يَكْرَهُهُ وَهَذَا فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُسْلِمِ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْحَسَدَ هُوَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِىَ اللَّهُ بِهَا فِى الْجَنَّةِ [أَىْ حَسَدُ إِبْلِيسَ لِنَبِىِّ اللَّهِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ] وَأَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِىَ بِهَا فِى الأَرْضِ [أَىْ حَسَدُ قَابِيلَ هَابِيلَ ثُمَّ قَتْلُهُ لَهُ] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/54].
فَائِدَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/32] لِأَنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ صَادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَعِلْمٍ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ وَبِمَا يَنْبَغِى لِكُلٍّ مِنْ بَسْطٍ فِى الرِّزْقِ أَوْ قَبْضٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَرْضَى بِمَا قُسِمَ لَهُ وَلا يَحْسُدَ أَخَاهُ عَلَى حَظِّهِ وَلْيَتَذَكَّرِ الْوَاحِدُ مِنَّا قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِى الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لا يَزْدَرِىَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُهَاجِرِى قُرَيْشٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَسَاكِنُ فِى الْمَدِينَةِ وَلا عَشَائِرُ فَكَانُوا فِى صُفَّةِ الْمَسْجِدِ وَهِىَ سَقِيفَتُهُ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْءَانَ بِاللَّيْلِ وَيُرَضِّخُونَ النَّوَى بِالنَّهَارِ [أَىْ يَدُقُّونَهَا وَيَكْسِرُونَهَا يَعْلِفُونَهَا الإِبِلَ] وَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِى كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ أَتَاهُمْ بِهِ إِذَا أَمْسَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ أَىْ بِحَالِهِمْ ﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ مُسْتَغْنِينَ مِنْ أَجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ مِنْ صُفْرَةِ الْوُجُوهِ وَرَثَاثَةِ الْحَالِ ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/273] أَىْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ وَلا يُلِحُّونَ فِى السُّؤَالِ فَهُوَ نَفْىٌ لِلسُّؤَالِ وَالإِلْحَاحِ وَالإِلْحَاحُ هُوَ اللُّزُومُ وَأَنْ لا يُفَارِقَ إِلَّا بِشَىْءٍ يُعْطَاهُ. وَفِى الْحَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَيِىَّ الْحَلِيمَ الْمُتَعَفِّفَ وَيُبْغِضُ الْبَذِىَّ السَّآلَ الْمُلْحِفَ» أَىِ الْمُلِحَّ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إِنْ سَأَلُوا سَأَلُوا بِتَلَطُّفٍ وَلَمْ يُلِحُّوا.
فَائِدَةٌ إِنَّ مِمَّا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ مِنَ الأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ الْعَيْنَ فَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْعَيْنَ تَضُرُّ أَىْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ. وَلا تَحْصُلُ الإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ إِلَّا مِنْ نَظْرَةِ حَسَدٍ أَوْ عُجْبٍ أَمَّا النَّظْرَةُ الْبَرِيئَةُ فَلا يَحْصُلُ مِنْهَا الإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْقَاضِى أَبُو بَكْرِ بنُ الْعَرَبِىِّ إِذَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْعَائِنُ
أَيِ الشَّخْصُ الَّذِي يُصِيبُ بِعَيْنِهِ أَىْ يَضُرُّ بِعَيْنِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الإِعْجَابِ بِالشَّخْصِ أَوِ الشَّىْءِ الَّذِى أَعْجَبَهُ لا يَحْصُلُ الضَّرَرُ إِنَّمَا يَحْصُلُ الضَّرَرُ إِذَا تَكَلَّمَ الشَّخْصُ الْعَائِنُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحْصُلُ الضَّرَرُ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فَالَّذِي يُنْكِرُ الإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ فَقَدْ خَالَفَ الشَّرِيعَةَ لِأَنَّ الرَّسُولَ أَثْبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْعَيْنُ حَقٌّ [أَىْ شَىْءٌ ثَابِتٌ] فَلَوْ كَانَ شَىْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ شَىْءٌ يَغْلِبُ قَدَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَسَبَقَتِ الْعَيْنُ الْقَدَرَ لَكِنْ لا شَىْءَ يَغْلِبُ قَدَرَ اللَّهِ مَعْنَاهُ الْعَيْنُ لَهَا تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ.
وَيُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لا شَىْءَ يُؤْذِى أَوْ يَنْفَعُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَالْقُرْءَانُ أَيْضًا أَثْبَتَ الإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [سُورَةَ الْقَلَم/51] الْمَعْنَى يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْكُفَّارَ يَكَادُونَ يُصِيبُونَكَ أَىْ يَضُرُّونَكَ بِأَعْيُنِهِمْ لَكِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُكَ فَهُمْ مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهِمْ وَحَسَدِهِمْ لَوْ تَنَفَّذَ لَهُمْ لَأَكَلُوهُ بِأَعْيُنِهِمْ لَكِنَّ اللَّهَ حَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَنْضَرَّ بِأَعْيُنِهِمْ مَهْمَا غَضِبُوا مِنْهُ وَمَهْمَا حَسَدُوهُ.
وَقَدْ حَصَلَ فِى أَيَّامِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ خَرَجَا مَعَهُ فِى سَفْرَةٍ مَعَ أَصْحَابِهِ فَتَجَرَّدَ أَحَدُهُمَا مِنْ ثِيَابِهِ أَىْ مِمَّا سِوَى الْعَوْرَةِ لِيَغْتَسِلَ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ الْمُتَجَمِّعِ بَيْنَ الصُّخُورِ، فَرَفِيقُهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى بَيَاضِ جِسْمِهِ وَحُسْنِ مَنْظَرِهِ قَالَ «وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمَ وَلا جِلْدَ عَذْرَاءَ» أَىْ جِلْدَ بِنْتٍ عَذْرَاءَ أَىْ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الْجَسَدِ فِى الْحَلاوَةِ وَالْحُسْنِ فَصُرِعَ أَىْ وَقَعَ فِى الْحَالِ عَلَى الأَرْضِ فَأُخْبِرَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ وَقَالَ «لِأَىِّ شَىْءٍ يَضُرُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ لِمَاذَا لَمْ يُبَرِّكْ عَلَيْهِ» أَىْ لِمَاذَا لَمْ يَقُلِ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلا تَضُرَّهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ دَعَا لَهُ فَتَعَافَى وَقَامَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَىْءٌ.
فَهَذَا الصَّحَابِيُّ لَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ مَا كَانَ أَصَابَهُ بِالْعَيْنِ لَكِنَّ الشَّخْصَ عِنْدَمَا يُعْجَبُ بِشَىْءٍ بِجَمَالِ شَخْصٍ بِجَمَالِ عَيْنِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ نَشَاطِهِ فِي الْمَشْىِ فَيَتَكَلَّمُ يَخْلُقُ اللَّهُ الضَّرَرَ فِى الشَّخْصِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ تِلْكَ النَّظْرَةَ الْخَبِيثَةَ، وَالشَّيْطَانُ أَيْضًا تِلْكَ السَّاعَةَ يُلاحِظُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ ضَرَبَ هَذَا الإِنْسَانَ بِعَيْنِهِ فَيُصِيبُ ذَلِكَ الإِنْسَانَ فَيَزْدَادُ الضَّرَرُ فِى هَذَا الشَّخْصِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «الْعَيْنُ حَقٌّ يَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ بَنِى ءَادَمَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ [فِى مُسْنَدِهِ].
أَمَّا لَوْ قَالَ الشَّخْصُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الشَّىْءِ الَّذِي يُعْجِبُهُ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلا تَضُرَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلا يَحْصُلُ ضَرَرٌ لِلشَّخْصِ يَكُونُ حَصَّنَ ذَلِكَ الإِنْسَانَ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ [فِى الْمُسْتَدْرَكِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ وَجَدَ فِى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يُصِيبُ نَفْسَهُ بِالْعَيْنِ إِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ نَظْرَةَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْ إِصَابَاتِ الْجِنِّ لِلْبَشَرِ إِنَّمَا تَكُونُ فِى الْمُغْتَسَلِ وَفِى الْخَلاءِ فَإِذَا قَالَ الإِنْسَانُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَهُ فِى الْخَلاءِ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعِنْدَ التَّجَرُّدِ لِلِاغْتِسَالِ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ يَكُونُ حَفِظَ نَفْسَهُ مِنْ إِصَابَةِ الْجِنِّ لَهُ وَهُوَ فِى هَذَا الْمَكَانِ.
كَانَ فِى زَمَنِ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأَةٌ اغْتَسَلَتْ فِى مَكَانٍ يُبَالُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَحَصَّنَ فَإِذَا بِهَا تَنْصَرِعُ عَلَى الأَرْضِ فَأُخْبِرَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَقَاهَا فَقَامَتْ وَلَيْسَ بِهَا شَىْءٌ.
وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ فِى مُسْنَدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِى بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالأَنْفُسِ» الْمَعْنَى أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَمْرَضُ مَرَضًا يُؤَدِّى إِلَى الْمَوْتِ فِى أُمَّتِى مِنَ الْعَيْنِ وَمَعْنَى بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ أَىْ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ عَلَى حَسَبِ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ يَكُونُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِالأَنْفُسِ أَىْ بِالأَعْيُنِ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَمْرَاضِ الْمُعْضِلَةِ الَّتِى لا يَنْجَحُ فِيهَا عِلاجُ الأَطِبَّاءِ تَكُونُ مِنَ الْعَيْنِ.
وَيَحْسُنُ إِذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يُحَصِّنَ وَلَدَهُ أَنْ يَقُولَ «أُعِيذُكَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بِهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِلَفْظِ «أُعِيذُكُمَا».
فَإِنْ كَانَ لَهُ عِدَّةُ أَوْلادٍ يُحَصِّنُهُمْ جُمْلَةً فَيَقُولُ أُعِيذُكُمْ وَإِنْ شَاءَ يُحَصِّنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ.
وَقَدْ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ الطَّرِيقَةَ الَّتِى يُعَالَجُ بِهَا مَنْ أُصِيبَ بِالْعَيْنِ فَقَالَ «الْعَيْنُ حَقٌّ فَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ شَخْصٌ بِالْعَيْنِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ فَلْيَغْسِلِ الَّذِي أَصَابَهُ أَطْرَافَ جِسْمِهِ أَيْ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَهَيْأَةِ الَّذِى يَتَوَضَأُ ثُمَّ يُؤْخَذُ هَذَا الْمَاءُ فِى إِنَاءٍ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ يُرْمَى هَذَا الإِنَاءُ مَقْلُوبًا خَلْفَ الْمُصَابِ رَأْسُهُ إِلَى الأَرْضِ وَأَسْفَلُهُ إِلَى فَوْقٍ فَيَتَعَافَى الْمُصَابُ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَعَلامَةُ الْعَيْنِ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ بِحَالَةِ الصِّحَّةِ لا يَشْكُو شَيْئًا فَإِذَا بِهِ يُصَابُ عَلَى الْفَوْرِ بِسُخُونَةٍ أَوْ وَجَعِ الْعَيْنِ أَوْ فَالِجٍ أَوْ حُمَّى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَمْرَاضِ وَقَدْ يَعْمَى كَمَا حَصَلَ لِلْقَارِئِ الْمَشْهُورِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِفْعَت الْمِصْرِىِّ صَاحِبِ الصَّوْتِ الْجَمِيلِ فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ فِى صِغَرِهِ كَانَ يَمْشِى مَعَ أَبِيهِ فَأُعْجِبَ رَجُلٌ بِحُسْنِ عَيْنَيْهِ فَقَالَ هَذَا كَأَوْلادِ الْمُلُوكِ فَمِنْ هُنَاكَ أُصِيبَ حَتَّى عَمِىَ وَبَقِىَ عُمُرَهُ أَعْمَى.
وَقَدْ رَوَى سَيِّدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ أُصِيبَا بِالْعَيْنِ فَمَرِضَا فَاكْتَأَبَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ مِمَّا أَصَابَهُمَا فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى أَرَاكَ مُكْتَئِبًا فَقَالَ «إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مُصَابَانِ» فَقَالَ لَهُ عَوِّذْهُمَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِمَ أُعَوِّذُهُمَا» فَقَالَ لَهُ قُلْ «اللَّهُمَّ ذَا السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ وَالْمَنِّ الْقَدِيمِ ذَا الرَّحْمَةِ الْكَرِيم وَلِىَّ الْكَلِمَاتِ التَّامَّاتِ وَالدَّعَوَاتِ الْمُسْتَجَابَاتِ عَافِ حَسَنًا وَحُسَيْنًا مِنْ أَنْفُسِ الْجِنِّ وَأَعْيُنِ الإِنْسِ» رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ [فِى تَارِيخِ مَدِينَةِ دِمَشْقَ] فَرَقَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِمَا عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ مِنْ هَذَا التَّعْوِيذِ فَقَامَا يَلْعَبَانِ مَا بِهِمَا شَىْءٌ.
فَإِنْ قَرَأَ الشَّخْصُ هَذَا الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ يَقُولُ عَافِنِى وَإِنْ كَانَ الَّذِى أُصِيبَ بِالْعَيْنِ وَلَدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ يَقُولُ عَافِ فُلانًا أَوْ فُلانَةَ فَقَدْ رُوِىَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ أَنَّهُ قَالَ «عَوِّذُوا بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ أَنْفُسَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ وَأَوْلادَكُمْ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ. وَهَذَا التَّعْوِيذُ الَّذِى عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ لِرَسُولِ اللَّهِ إِذَا حَصَّنَ الشَّخْصُ نَفْسَهُ بِهِ يَنْفَعُهُ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِالْعَيْنِ.
وَمَعْنَى الْمَنِّ الْقَدِيمِ الإِحْسَانُ الْقَدِيمُ لِأَنَّ إِحْسَانَ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ فَاللَّهُ تَعَالَى مُحْسِنٌ أَزَلًا وَأَبَدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِى الأَزَلِ مَخْلُوقٌ يُصِيبُهُ أَثَرُ الإِحْسَانِ بَعْدَ وُجُودِهِ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَإِلَّا فَإِحْسَانُ اللَّهِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ أَثَرُ إِرَادَةِ الإِنْعَامِ. وَمَعْنَى ذَا الرَّحْمَةِ الْكَرِيمَ يَا رَبَّنَا الْمَوْصُوفَ بِالرَّحْمَةِ أَنْتَ كَرِيمٌ.
وَوَلِىَّ الْكَلِمَاتِ التَّامَّاتِ أَىْ مُسْتَحِقَّهَا وَهِىَ أَلْفَاظُ الْقُرْءَانِ وَالأَذْكَارُ الَّتِى يُمَجَّدُ اللَّهُ بِهَا وَيُقَدَّسُ، وَالْكَلِمَاتُ التَّامَّاتُ هِىَ الْكَلِمَاتُ الَّتِى مَا فِيهَا نَقْصٌ، وَمِنْ أَنْفُسِ الْجِنِّ مَعْنَاهُ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِى يُصِيبُ الإِنْسَانَ بِسَبَبِ الْجِنِّ، وَأَعْيُنِ الإِنْسِ أَىْ وَالضَّرَرِ الَّذِى يَلْحَقُ بِسَبَبِ أَعْيُنِ الإِنْسِ.
فَالَّذِى لا يُصَدِّقُ بِوُجُودِ الإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ فَهُوَ فَاسِقٌ لَكِنْ لا يُكَفَّرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ لِلشَّرْعِ فَيُكَفَّرُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى ءَاخَرَ نَظْرَةَ حَسَدٍ فَأَصَابَهُ بِالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ وَقَعَ فِى الْكَرَاهَةِ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُصِيبُهُ بِالْعَيْنِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَيُبْطِلُ ثَوَابَهَا.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمَنَّ بِالصَّدَقَةِ وَهُوَ أَنْ يُعَدِّدَ نِعْمَتَهُ عَلَى ءَاخِذِهَا كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَلَمْ أَفْعَلْ لَكَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَكْسِرَ قَلْبَهُ أَوْ يَذْكُرَهَا لِمَنْ لا يُحِبُّ الآخِذُ اطِّلاعَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُحْبِطُ الثَّوَابَ وَيُبْطِلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/264]. وَإِنَّمَا عَدَّهَا مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ لِأَنَّ الْمَنَّ أَصْلًا فِى الْقَلْبِ لِأَنَّ الْمَانَّ يَقْصِدُ إِيذَاءَ الشَّخْصِ فَيَتَفَرَّعُ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ الْبَدَنِىُّ وَهُوَ ذِكْرُ إِنْعَامِهِ عَلَى الشَّخْصِ بِلِسَانِهِ.
وَأَمَّا إِذَا أَحْسَنَ الشَّخْصُ لِآخَرَ وَذَاكَ أَسَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ بِكَذَا وَكَذَا لِيَكُفَّ أَذَاهُ عَنْهُ فَيَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ وَالْكَسْرِ لَهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنَ الْمَعَاصِى الْقَلْبِيَّةِ الإِصْرَارَ عَلَى الذَّنْبِ وَعُدَّ هَذَا مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ لِأَنَّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ قَصْدُ النَّفْسِ مُعَاوَدَةَ ذَلِكَ الذَّنْبِ وَعَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِالْجَوَارِحِ. وَالإِصْرَارُ الَّذِى هُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ هُوَ أَنْ تَغْلِبَ مَعَاصِيهِ طَاعَتَهُ أَىْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى وَلَيْسَ بِالنِّسْبَةِ لِيَوْمِهِ فَقَطْ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَاصِى الصَّغِيرَةَ تَصِيرُ كَبِيرَةً وَاحِدَةً [فَيَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ مِنَ الإِصْرَارِ الَّذِى هُوَ كَبِيرَةٌ وَمِنَ تِلْكَ الصَّغَائِرِ].
وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَكْرَارِ الذَّنْبِ الَّذِى هُوَ مِنْ نَوْعِ الصَّغَائِرِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ إِذَا لَمْ يَغْلِبْ ذَلِكَ الذَّنْبُ طَاعَاتِهِ هَكَذَا قَيَّدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ فَلَيْسَ الإِصْرَارُ الَّذِى يُعَدُّ كَبِيرَةً أَنْ يُكَرِّرَ الشَّخْصُ مَعْصِيَةً مِنَ الصَّغَائِرِ كَالنَّظَرِ الْمُحَرَّمِ أَيَّامًا مُتَوَالِيَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِلَ إِلَى أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَسُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَبِعِبَادِ اللَّهِ.
الشَّرْحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/12].
قَالَ الزَّجَّاجُ «هُوَ ظَنُّكَ بِأَهْلِ الْخَيْرِ سُوءًا فَأَمَّا أَهْلُ الْفِسْقِ فَلَنَا أَنْ نَظُنَ فِيهِمْ مِثْلَ الَّذِى ظَهَرَ مِنْهُمْ» اهـ، وَالإِثْمُ الذَّنْبُ الَّذِى يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعِقَابَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/12] أَىْ لا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَايِبَهُمْ.
ومِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَهُوَ أَنْ يَظُنَّ بِرَبِّهِ أَنَّهُ لا يَرْحَمُهُ بَلْ يُعَذِّبُهُ وَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ بِعِبَادِهِ فَهُوَ أَنْ يَظُنَّ بِعِبَادِهِ السُّوءَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فَلا يَجُوزُ أَنْ تَظُنَّ بِمُسْلِمٍ شَيْئًا قَبِيحًا بِدُونِ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ كَأَنْ تَقُولَ إِذَا حَصَلَتْ سَرِقَةٌ لَعَلَّ فُلانًا هُوَ الَّذِى سَرَقَ أَوْ تَقُولَ لَعَلَّ فُلانًا هُوَ يَرْتَكِبُ الْفَاحِشَةَ. وَالْقَرِينَةُ الْمُعْتَبَرَةُ كَأَنْ يَكُونَ فِى غُرْفَةٍ وَلَهُ فِى هَذِهِ الْغُرْفَةِ مَالٌ وَمَعَهُ شَخْصٌ ءَاخَرُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فِى هَذِهِ الْغُرْفَةِ ثُمَّ خَرَجَ هُوَ مِنَ الْغُرْفَةِ وَعَادَ إِلَيْهَا فَوَجَدَ أَنَّ الْمَالَ قَدْ فُقِدَ وَكَانَ مُتَيَّقِنًا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذِهِ الْغُرْفَةَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ الَّذِى كَانَ مَعَهُ فَظَنَّ بِهَذَا الشَّخْصِ أَنَّهُ سَرَقَ الْمَالَ، فَيَنْبَغِى تَحْسِينُ الظَّنِّ بِعِبَادِ اللَّهِ وَلا سِيَّمَا الصَّالِحِينَ وَتَأْوِيلُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلٍ حَسَنٍ مَا كَانَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» فَالظَّنُّ الَّذِى ذَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الظَّنُّ بِلا قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ، أَمَّا إِذَا شَهِدَ عِنْدَكَ عَدْلانِ أَنَّ فُلانًا عَمِلَ كَذَا مِمَّا هُوَ شَنِيعٌ يَجُوزُ أَنْ تَظُنَّ بِهِ وَأَمَّا إِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ وَاحِدٌ فَقَطْ فَلا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَجْزِمَ لَكِنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِذَا كَانَتْ تُخَافُ مَفْسَدَةٌ يُعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ مَا يُؤَدِّى إِلَى مَنْعِهَا كَأَنْ أَخْبَرَكَ ثِقَةٌ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْفُلانِيَّةَ [أَىْ مِنَ الْجَمَاعَاتِ الْمُفْسِدَةِ] تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ مَفْسَدَةَ كَذَا.
