وَلا يُبْنَى عَلَى إِلْهَامِ الْوَلِىِّ حُكْمٌ فِى ذَلِكَ لِأَنَّ كَشْفَ الْوَلِىِّ قَدْ يُخْطِئُ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ الأُصُولِ «إِلْهَامُ الْوَلِىِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ». وَقَالَ الإِمَامُ الْجُنَيْدُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ «رُبَّمَا تَظْهَرُ لِىَ النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلا أَقْبَلُهَا إِلَّا بِشَاهِدَىْ عَدْلٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» مَعْنَاهُ إِذَا وَرَدَ لِى وَارِدٌ أَنَّ فُلانًا فَعَلَ كَذَا لا أَعْتَبِرُهُ حُجَّةً.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ وَهُوَ كُفْرٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الأَشْيَاءِ مِمَّا هُوَ مِنَ الْجَائِزَاتِ الْعَقْلِيَّةِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ. وَقَدْ فُسِّرَ الْقَدَرُ بِالتَّدْبِيرِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ دَبَّرَ فِى الأَزَلِ الأَشْيَاءَ فَإِذَا وَقَعَتْ تَكُونُ عَلَى حَسَبِ تَقْدِيرِهِ الأَزَلِىِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْعُلَمَاءِ فِى تَفْسِيرِهِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ عَلَى وِفَاقِ عِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الأَشْعَرِيَّةِ فَهُوَ عِنْدَ هَؤُلاءِ مِنْ صِفَاتِ الأَفْعَالِ.

وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ كُفْرٌ فَمَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُقَدِّرْ أَعْمَالَ الْعِبَادِ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سُورَةَ الْقَمَر/49].

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الْفَرَحَ بِالْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ عَلِمَ بِمَعْصِيَةٍ حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ فِى مَكَانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَشْهَدْهُ فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ فُلانًا شَرِبَ خَمْرًا أَوْ ضَرَبَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْفَرَحُ بِكُفْرِ الْغَيْرِ فَهُوَ كُفْرٌ. مَنْ فَرِحَ بِمَعْصِيَةِ الْغَيْرِ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ فَهِىَ كَبِيرَةٌ وَأَمَّا إِنْ فَرِحَ بِمَعْصِيَةٍ لا لِذَلِكَ فَهِىَ صَغِيرَةٌ هَذَا فِى الْفَرَحِ بِالصَّغِيرَةِ أَمَّا الْفَرَحُ بِالْكَبِيرَةِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ فِى الْحَالَيْنِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْغَدْرُ وَلَوْ بِكَافِرٍ كَأَنْ يُؤَمِّنَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ.

الشَّرْحُ الْغَدْرُ مِنَ الْمَعَاصِى الْمُحَرَّمَةِ وَهُوَ مِنْ قِسْمِ الْكَبَائِرِ وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ أَنْتَ فِى حِمَايَتِى أَوْ أَنْتَ فِى أَمَانِى أَوْ لا تَخَفْ ثُمَّ يَفْتِكَ بِهِ هُوَ أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يَفْتِكُ بِهِ.

وَمِنَ الْغَدْرِ الْمُحَرَّمِ الَّذِى هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَغْدِرَ بِالإِمَامِ بَعْدَ أَنْ يُبَايِعَهُ بِأَنْ يَعُودَ مُحَارِبًا لَهُ أَوْ يُعْلِنَ تَمَرُّدَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى حُرْمَتِهِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الإِمَامُ رَاشِدًا وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَاشِمًا ظَالِمًا فَالْغَدْرُ بِهِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَيْضًا وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى هَذَا الإِمَامِ الظَّالِمِ مِنَ الْفِتَنِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ فَضَالَةَ قَالَ بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا».

وَأَمَّا الْغَدْرُ بِالْكَافِرِ فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَمَّنَ الْكَافِرَ الإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ قِيلَ لَهُ لا بَأْسَ عَلَيْكَ أَوْ أَنْتَ ءَامِنٌ وَلَوْ بِكِنَايَةٍ غَيْرِ صَرِيحَةٍ يَفْهَمُ مِنْهَا الْكَافِرُ الأَمَانَ فَيَحْرُمُ الْغَدْرُ بِهِ بِالْقَتْلِ أَوْ نَحْوِهِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الأَمَانَ الْمُقَرَّرَ شَرْعًا صِحَّتُهُ لِلْكَافِرِ الْحَرْبِىِّ هُوَ تَأْمِينُهُ لِمُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَيَبْطُلُ هَذَا الأَمَانُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَيُبَلَّغُ مَأْمَنَهُ أَىْ يُرَدُّ إِلَى نَاحِيَتِهِ أَىْ إِلَى بِلادِهِ بِلادِ الْكُفْرِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى حُكْمِ الْحَرَابَةِ.

وَلا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يُؤَمِّنَ الْكَافِرَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَمَّا الْهُدْنَةُ فَأَقْصَاهَا عَشْرُ سَنَوَاتٍ وَمَعْنَاهَا لا نُقَاتِلُكُمْ وَلا تُقَاتِلُونَنَا فَإِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذى أُخِذَ عَلَيْهِمْ جَازَ قِتَالُهُمْ.

وَمِنَ الْغَدْرِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يُعَامِلَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَخُونَهُ فِى الْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ وَأَنْ يُضَيِّعَ وَدِيعَةً اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا الْكَافِرُ فَيُتْلِفَهَا أَوْ يَجْحَدَهَا وَأَنْ يَشْتَرِىَ مِنْهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ يَجْحَدَهُ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْمَكْرُ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الْمَكْرَ وَالْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ إِيقَاعُ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِ بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِىُّ فِى مُعْجَمِهِ [الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ] مَرْفُوعًا «الْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِى النَّارِ» فَمَنْ مَكَرَ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِى الإِثْمِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَبُغْضُ الصَّحَابَةِ وَالآلِ وَالصَّالِحِينَ.

الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ بُغْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ مَنْ لَقُوهُ فِى حَيَاتِهِ ﷺ مَعَ الإِيمَانِ بِهِ سَوَاءٌ طَالَتْ صُحْبَةُ الصَّحَابِىِّ لَهُ ﷺ أَوْ لَمْ تَطُلْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَ صُحْبَتِهِ لَهُ وَبَيْنَ مَوْتِهِ عَلَى الإِسْلامِ رِدَّةٌ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ صَحِبَهُ ارْتَدُّوا ثُمَّ عَادُوا إِلَى الإِسْلامِ فَهَؤُلاءِ يُعَدُّونَ صَحَابَةً يُحْتَجُّ بِمَّا رَوَوْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ كَمَا يُحْتَجُّ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الإِسْلامِ.

فَالَّذِي يُبْغِضُ كُلَّ الصَّحَابَةِ يَكْفُرُ وَأَمَّا إِنْ أَبْغَضَ بَعْضًا مِنْهُمْ فَلا يَكْفُرُ. وَأَمَّا الآلُ فَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَقَارِبُهُ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ وَأَزْوَاجُهُ وَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَالْمُرَادُ بِهِمُ الأَتْقِيَاءُ فَيُسْتَغْنَى بِذِكْرِ الصَّالِحِينَ عَنْ ذِكْرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ هُمُ الصَّالِحُونَ لِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا بُغْضُ بَعْضِ الأَفْرَادِ مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ حَرَامًا.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ وَالشُّحُّ وَالْحِرْصُ.

الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الْبُخْلُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى كَالْبُخْلِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَمِنْهُ الْبُخْلُ عَنْ دَفْعِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَطْفَالِ وَالْبُخْلُ عَنْ نَفَقَةِ الأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ وَالْبُخْلُ عَنْ مُوَاسَاةِ الْقَرِيبِ مَعَ حَاجَتِهِ، وَيُرَادِفُهُ الشُّحُّ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّ الشُّحَّ يُخَصُّ بِالْبُخْلِ الشَّدِيدِ وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الْحِرْصُ لِأَنَّ الْحِرْصَ هُوَ شِدَّةُ تَعَلُّقِ النَّفْسِ لِاحْتِوَاءِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْمُومِ كَالتَّوَصُّلِ بِهِ إِلَى التَّرَفُّعِ عَلَى النَّاسِ وَالتَّفَاخُرِ وَعَدَمِ بَذْلِهِ إِلَّا فِى هَوَى النَّفْسِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالِاسْتِهَانَةُ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ وَالتَّصْغِيرُ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ أَوْ قُرْءَانٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ عَذَابِ نَارٍ.

الشَّرْحُ مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ قِلَّةُ الْمُبَالاةِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأُمُورِ كَأَنْ يَحْتَقِرَ الْجَنَّةَ كَقَوْلِ بَعْضِ الدَّجَاجِلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ الْجَنَّةُ لُعْبَةُ الصِّبْيَانِ وَيقَوْلُ بَعْضُهُمْ الْجَنَّةُ خَشْخَاشَةُ الصِّبْيَانِ وَهَذَا حُكْمُهُ الرِدَّةُ. وَمَا يَرْوُونَ عَنْ رَابِعَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ الْكَعْبَةُ هُوَ الصَّنَمُ الأَكْبَرُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا افْتُرِىَ بِهِ عَلَى الصَّالِحِينَ.

كَمَا افْتُرِىَ عَلَى أَبِى يَزِيدَ الْبَسْطَامِىِّ أَنَّهُ قَالَ سُبْحَانِى مَا أَعْظَمَ شَأْنِى. وَمَا لا يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِهَانَةِ فَحُكْمُهُ فِى الْعِصْيَانِ عَلَى حَسَبِهِ [وَمِمَّا افْتُرِىَ عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلانِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَفَعَنَا بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِمَّا أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ مُشَبِّهَةُ الْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الْغُنْيَةَ مَقَالَتَانِ خَبِيثَتَانِ لِيُرَوِّجُوهُمَا عَلَى النَّاسِ بِاسْمِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ اللَّهَ فِى جِهَةِ السَّمَاءِ مَعَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ اللَّهُ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ،

وَالأَمْرُ الآخَرُ أَنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ كَمَا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ وَأَهْلُّ السُّنَّةِ يَقُولُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لَيْسَ بِصَوْتٍ وَلا حَرْفٍ، أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى كِتَابِهِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ نَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حَرْفٍ.

ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ابْنُ ابْنٍ لَهُ يُسَمَّى عَبْدَ السَّلامِ كَذَبَ عَلَى الشَّيْخِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَدْخَلَ فِى طَرِيقَتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، عَمِلَ رِسَالَةً سَمَّاهَا الْمِعْرَاجِيَّةَ أَدْخَلَ فِيهَا كَلامًا لَمْ يَقُلْهُ الشَّيْخُ وَقَالَ إِنَّ الشَّيْخَ قَالَ قَدَمِى عَلَى رَقَبَةِ كُلِّ وَلِىٍّ لِلَّهِ فِى الْوُجُودِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّيْخُ وَإِنَّمَا هَذَا عَبْدُ السَّلامِ افْتَرَاهُ عَلَى الشَّيْخِ انْظُرْ تَارِيخَ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ، ثُمَّ رَجُلٌ ءَاخَرُ بَعْدَ الشَّيْخِ بِنَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ عَلِىٌّ الشَّطْنُوفِىُّ عَمِلَ كِتَابًا يُقَالُ لَهُ بَهْجَةُ الأَسْرَارِ كَذَبَ عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَقَالَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ،

هَذَا الْكِتَابُ أَكْثَرُ مَا فِيهِ كَذِبٌ عَلَى الشَّيْخِ، وَيُوجَدُ كِتَابٌ صَنَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ بَغْدَادَ يُسَمَّى الْفُيُوضَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ فِيهِ كَلامٌ كَذِبٌ لَمْ يَقُلْهُ الشَّيْخُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ فَقَالَ لَهُ يَا غَوْثَ الأَعْظَمِ أَكْلُ الْفُقَرَاءِ أَكْلِى وَشُرْبُهُمْ شُرْبِى وَنَحْوَ هَذَا الْكَلامِ فَجَعَلَ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ كَلِيمَ اللَّهِ مِثْلَ مُوسَى. اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُسْمِعْ كَلامَهُ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ غَيْرَ مُوسَى بِالطُّورِ وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَلا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنِ التَّحْذِيرِ مِنْهَا وَقَدِ انْتَشَرَ هَذَا الْكِتَابُ الأَخِيرُ فِى الصُّومَالِ وَالْحَبَشَةِ وَلَهُ وُجُودٌ فِى الْجَزَائِرِ وَبَعْضِ الْبُلْدَانِ].

وَأَمَّا الِاسْتِهَانَةُ بِالْمَعْصِيَةِ فَكَأَنْ يَرَى مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنَ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ شَيْئًا هَيِّنًا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ جَهَنَّمُ مُسْتَشْفًى أَىْ مَحَلُّ طَبَابَةٍ وَعِلاجٍ وَتَنْظِيفٍ لَيْسَتْ مَحَلَّ عِقَابٍ وَتَعْذِيبٍ وَذَلِكَ إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ وَذَلِكَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَمِين شَيْخُو الَّذِينَ زَعِيمُهُمُ الْيَوْمَ عَبْدُ الْهَادِى الْبَانِىُّ الدِّمَشْقِىُّ فَعَلَى زَعْمِهِمُ التَّعْذِيبُ لا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِهِ وَيَقُولُونَ ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [سُورَةَ غَافِر/3] مَعْنَاهُ شَدِيدُ التَّعَقُّبِ وَيَقُولُونَ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وقَوْلُ اللَّهِ ﴿وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/181] مَعْنَاهُ قَتْلُ الْكُفَّارِ دَعْوَتَهُمْ،

وَيَقُولُونَ لا يُصَابُونَ بِجُرُوحٍ بِسِلاحِ الْكُفَّارِ بَلْ يَقُولُونَ حَتَّى الأَوْلِيَاءُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يُصَابُوا بِأَذًى وَيُنْكِرُونَ أَنَّ النَّبِىَّ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجْهُهُ وَيَقُولُونَ اللَّهُ شَاءَ السَّعَادَةَ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ وَيَقُولُونَ عِلْمُ الدِّينِ يُؤْخَذُ مِنْ قُلُوبِ مَشَايِخِهِمُ النَّقْشَبَنْدِيِّينَ مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ لَيْسَ مِنَ الْكُتُبِ.

تَنْبِيهٌ لا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِى كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ «مَعْلِيش» وَهِىَ فِى اللُّغَةِ الْعَامِيَّةِ مَعْنَاهَا لا بَأْسَ بِذَلِكَ فَمَنْ قَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِمَعْنَى لا بَأْسَ فَهُوَ تَكذيبٌ لِلدِّينِ فَيَكُونُ مُرْتَدًّا. وَأَمَّا مَنْ قَالَهَا عَنْ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ وَيَفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ ذَنْبًا كَبِيرًا وَلا يَفْهَمُ مِنْهَا اسْتِحْسَانَ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَلا يَكْفُرُ.

وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِى الْقَلْبِيَّةِ الِاسْتِهَانَةُ بِشَىْءٍ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِ الشَّرْعِ أَوْ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ أَوْ بِالْجَنَّةِ أَوْ عَذَابِ النَّارِ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الأَمْثِلَةِ لِلِاسْتِهَانَةِ بِالْجَنَّةِ والنَّارِ وَأَمَّا الِاسْتِهَانَةُ بِالْقُرْءَانِ فَكَمِثْلِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِىُّ فِى الرِّسَالَةِ أَنَّ عَمْرَو بنَ عُثْمَانَ الْمَكِىَّ صُوفِىَّ مَكَّةَ

فِى عَصْرِهِ رَأَى الْحَلَّاجَ الْحُسَيْنَ بنَ مَنْصُورٍ يَكْتُبُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ أَىِ الْحَلَّاجُ هَذَا شَىْءٌ أُعَارِضُ بِهِ الْقُرْءَانَ فَمَقَتَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحَسِّنُ بِهِ الظَّنَّ وَصَارَ يَلْعَنُهُ حَتَّى بَعْدَ أَنْ غَادَرَ الْحَلَّاجُ مَكَّةَ ويَكْتُبُ فِى التَّحْذِيرِ مِنْهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي يَحُلُّ بِهَا الْحَلَّاجُ وَكَالَّذِى حَصَلَ مِنْ بَعْضِ التِّجَّانِيَّةِ فِى الْحَبَشَةِ مِنْ إِظْهَارِ الِاسْتِغْنَاءِ

بِصَلاةِ الْفَاتِحِ عَنِ الْقُرْءَانِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ بِكَلامِهِمْ مَا مَعْنَاهُ مَا لَكُمْ تَحْمِلُونَ هَذَا الرَّغِيفَ الثَّقِيلَ يَعْنِى الْقُرْءَانَ وَنَحْنُ بِغُنْيَةٍ عَنْهُ بِصَلاةِ الْفَاتِحِ الَّتِى هِىَ كَلِمَةٌ وَجِيزَةٌ وَهِىَ هَذِهِ الصِّيغَةُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ وَالْهَادِى إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ وَهِىَ فِى الأَصْلِ مِنْ تَأْلِيفِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى الْبَكْرِىِّ الصُّوفِىِّ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ التِّجَانِيَّةِ وَاعْتَبَرُوا الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا تَعْدِلُ سِتَّةَ ءَالافِ خَتْمَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ فادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا شَافَهَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ يَقَظَةً الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ التِّجَّانِىَّ الَّذِى تَنْتَسِبُ إِلَيْهِ التِّجَّانِيَّةُ عَلَى أَنَّنَا لا نَجْزِمُ بِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ هُوَ الْقَائِلُ لِمَا يَقُولُونَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ مُفْتَرًى عَلَيْهِ.

وَمِنْ ضَلالاتِ التِّجَّانِيَّةِ قَوْلُهُمْ إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ التِّجَّانِىَّ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الأَوْلِيَاءِ مِنْ لَدُنْ ءَادَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَهَذَا ضِدُّ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/100] وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَقُولُ «خَيْرُ أُمَّتِى قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِى حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مِنْ قَرَنٍ ثُمَّ مِنْ مُرَادٍ» فَقَوْلُ التِّجَّانِيَّةِ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ.

ثُمَّ إِنَّهُمْ يَنْسُبُونَ هَذَا وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْكَذِبِ مِمَّا يَدَّعُونَ أَنَّهُ مِنْ مَزَايَا شَيْخِهِمْ وَمَزَايَا طَرِيقَتِهِمْ إِلَى الرَّسُولِ يَدَّعُونَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ اجْتَمَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ يَقَظَةً فَعَلَّمَهُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ وَالرَّسُولُ لا يَقُولُ بَعْدَ وَفَاتِهِ شَيْئًا يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ قَوْلِهِ فِى حَيَاتِهِ، وَمِنْ ضَلالاتِهِمْ قَوْلُهُمْ إِنَّ فِيهِمْ جَمَاعَةً لا يَجِىءُ الْقُطْبُ شَعَرَةً مِنْهُمْ وَهُمْ بِهَذَا خَالَفُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/13] كَمَا أَنَّهُمْ خَالَفُوا ذَلِكَ فِى قَوْلِهِمْ إِنَّ الْوَاحِدَ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِى طَرِيقَتِهِمْ يَصِيرُ أَفْضَلَ مِنَ الْقُطْبِ مِنْ غَيْرِهِمْ.

وَمِنْ أَقْوَالِ التِّجَّانِيَّةِ الْفَاسِدَةِ قَوْلُهُمْ إِنَّ مَنْ زَارَ وَلِيًّا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا انْقَطَعَ مِنْ طَرِيقَتِنَا أَىْ مَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّخْصُ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ، فَإِنْ أَنْكَرُوا هَذِهِ الأَشْيَاءَ الَّتِى رَوَيْنَاهَا عَنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ كُتُبُكُمْ تَشْهَدُ عَلَيْكُمْ فَأَحْضِرُوهَا.

وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ شَدِيدَ الإِنْكَارِ عَلَى التِّجَّانِيَّةِ حَتَّى عُرِفَ بِذَلِكَ وَذَاعَ صِيتُهُ ثُمَّ قِيلَ إِنَّهُ قَالَ بِأَنَّهُ رَأَى الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ التِّجَّانِىَّ فِى الرُّؤْيَا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِلْقِبْلَةِ فَصَارَ يَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى خِلافِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْمُنْتَسِبَةِ لَهُ وَأَنَّهُ مُسْتَقِيمٌ إِنَّمَا الضَّلالُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ.

وَقَدْ أَخْبَرَنِى رَجُلانِ أَحَدُهُمَا خِرِّيجُ الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ وَالآخَرُ شَيْخٌ مُورِيتَانِىٌّ أَنَّ بَعْضَ الْخَوَنَةِ حَرَّفَ أُصُولَ الشَّيْخِ أَبِى الْعَبَّاسِ فَأَدْخَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ ثُمَّ طُبِعَ هَذَا الْمُحَرَّفُ وَذَلِكَ بِتَوَاطُىءٍ مَعَ الْغُزَاةِ الْمُحْتَلِّينَ لِلْمَغْرِبِ وَأَخْفَى الأَصْلَ فَدَبَّ الْخِلافُ بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلتِّجَّانِيَّةِ وَذَلِكَ إِرْضَاءً لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْكُمُونَ الْمَغْرِبَ فِى ذَلِكَ الْوَقْتِ.

وَأَمَّا كُتُبُهُمُ الَّتِى نَشَرُوهَا الَّتِى هِىَ مُنْحَرِفَةٌ عَنْ أَصْلِ الشَّيْخِ أَبِى الْعَبَّاسِ فَمِنْهَا كِتَابُ جَوَاهِرِ الْمَعَانِى وَكِتَابُ الْفَتْحِ الرَّبَّانِىِّ وَكِتَابُ الْغُنْيَةِ وَشَرْحُهَا وَكِتَابُ رِمَاحُ حِزْبِ الرَّحِيمِ عَلَى نُحُورِ حِزْبِ الرَّجِيمِ وَلَهُمْ كُتَيِّبٌ صَغِيرٌ يَذْكُرُونَ فِيهِ أَوْرَادَهُمْ وَفِيمَا بَيْنَهَا هَذَا اللَّفْظُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَيْنِ ذَاتِكَ الْغَيْبِيَّةِ وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ لِأَنَّهُ جَعَلَ الرَّسُولَ عَيْنَ ذَاتِ اللَّهِ وَهَذَا مِنْ أَكْفَرِ الْكُفْرِ مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ فَيَجِبُ وُجُوبًا مُؤَكَّدًا الْحَذَرُ مِنْ هَؤُلاءِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ وَإِنَّنَا نَنْصَحُهُمْ بِأَنْ يَتْرُكُوا هَذِهِ الْكُتُبَ وَيُفَتِّشُوا عَنْ أَصْلِ الشَّيْخِ أَبِى الْعَبَّاسِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ.

وَإِنَّنَا نُعْلِمُهُمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ أَحَدُهُمْ صَوَابًا بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِى كَلامِهِمْ مَا يُؤْخَذُ بِهِ وَمَا يُتْرَكُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ غَيْرَ النَّبِىِّ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الأَوْسَطِ. وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِىُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَالْوَلِىُّ مَهْمَا عَلَتْ مَرْتَبَتُهُ لَيْسَ كَالنَّبِىِّ،

النَّبِىُّ يُؤْخَذُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَأَمَّا غَيْرُ النَّبِىِّ لا بُدَّ أَنْ يُخْطِئَ لَكِنْ إِنْ كَانَ وَلِيًّا لا يُخْطِئُ خَطَأً هُوَ كُفْرٌ إِنَّمَا يُخْطِئُ خَطَأً دُونَ الْكُفْرِ كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَفْضَلُ وَلِىٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ وَبَعْدَ أَبِى بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَخْطَأَ عُمَرُ وَأَصَابَتِ امْرَأَةٌ» وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لا تُغَالُوا

فِى مُهُورِ نِسَائِكُمْ فَأَيُّمَا رَجُلٍ بَلَغَنِى أَنَّهُ زَادَ فِى صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَخَذْتُهُ وَوَضَعْتُهُ فِى بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ فَقِيهَةٌ لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/20] فَقَالَ عُمَرُ «أَصَابَتِ امْرَأَةٌ وَأَخْطَأَ عُمَرُ فَأَنْتُمْ وَشَأْنُكُمْ فِى مُهُورِ نِسَائِكُمْ» اهـ مَعْنَاهُ مَنْ شَاءَ يَدْفَعُ الْكَثِيرَ وَمَنْ شَاءَ يَدْفَعُ الْقَلِيلَ،

فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْوَلِىَّ وَلَوْ كَانَ شَيْخَ طَرِيقَةٍ كَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيْلانِىِّ وَالشَّيْخِ أَبِى الْحَسَنِ الشَّاذِلِىِّ لا يَجِلُّ عَنِ الْخَطَإِ فَيَنْبَغِى لِلْمُنْتَسِبِينَ لِلطُّرُقِ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ وَكُلَّ شَيْخٍ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ.

إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِى كِتَابِهِ فِى بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الصَّوَابَ كَذَا وَكَذَا وَيُغَلِّطُ وَالِدَهُ فِى قَوْلِهِ فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ وَأَبُوهُ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ الأَجِلَّاءِ فِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ لَهُ مُؤَلَّفَاتٌ وَكَانَ مِنْ جَلالَةِ قَدْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ فِى الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ أَنْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ «لَوْ كَانَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ نَبِىٌّ لَكَانَ أَبَا مُحَمَّدٍ» أَىْ وَالِدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ.