الطَّلاقُ مَكْرُوهٌ إِلَّا إِذَا كَانَ لِسَبَبٍ شَرْعِىٍّ مِثْلُ كَوْنِ الزَّوْجَةِ لا تُصَلِّى أَوْ كَوْنِهَا زَانِيَةً أَوْ كَانَتْ تُؤْذِى وَالِدَيْهِ فَهَذِهِ طَلاقُهَا فِيهِ ثَوَابٌ وَلا يَجِبُ، وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِحُرْمَةِ الطَّلاقِ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ شَرْعِىٌّ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ «أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاقُ» فَمَعْنَاهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ مُحَرَّمًا وَلا لَهُ سَبَبٌ تَزُولُ بِهِ الْكَرَاهَةُ أَوْ سَبَبٌ يُوجِبُهُ.

وَالطَّلاقُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ مُهِمَّةٌ جِدًّا لِأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ يَحْصُلُ مِنْهُمْ طَلاقُ زَوْجَاتِهِمْ وَلا يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ طَلَقْنَ فَيُعَاشِرُونَهُنَّ بِالْحَرَامِ.

وَالطَّلاقُ قِسْمَانِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ.

فَالصَّرِيحُ مَا لا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَيَقَعُ الطَّلاقُ بِهِ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ الطَّلاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ وَالْخُلْعُ وَلَفْظُ الْمُفَادَاةِ مِنَ الْخُلْعِ [وَالْمُفَادَاةُ مِنْ أَلْفَاظِ الْخُلْعِ. يَقُولُ لَهَا مَثَلًا افْدِى نَفْسَكِ بِكَذَا فَتَقُولُ فَادَيْتُ نَفْسِى بِكَذَا] وَاللَّفْظُ الْخَامِسُ قَوْلُ الشَّخْصِ نَعَمْ فِى جَوَابِ مَنْ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ الآنَ فَنَعَمْ هُنَا كَأَنَّهَا أَلْفَاظُ الطَّلاقِ الأَرْبَعَةُ الأُوَلُ الَّتِى وَرَدَتْ فِى الْقُرْءَانِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ نَعَمْ فِى جَوَابِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْبِرَ يَكُونُ إِقْرَارًا بِالطَّلاقِ أَىْ أَنَّهُ سَبَقَ لَهُ أَنْ طَلَّقَهَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الآنَ أُطَلِّقُهَا، وَإِنْ جُهِلَ مُرَادُ الْقَائِلِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِخْبَارِ.

قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْعِمْرَانِىُّ إِذَا قَالَ لَهُ رَجُلٌ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ أَوِ امْرَأَتُكَ طَالِقٌ أَوْ فَارَقْتَهَا أَوْ سَرَّحْتَهَا فَقَالَ نَعَمْ فَفِيهِ قَوْلانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالطَّبَرِىُّ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ فَلا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ نَعَمْ لَيْسَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ. وَالثَّانِى أَنَّهُ صَرِيحٌ فِى الطَّلاقِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِىِّ وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّيْخَانِ غَيْرَهُ وَهُوَ الأَصَحُّ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِى الْجَوَابِ وَتَقْدِيرُهُ نَعَمْ طَلَّقْتُ كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ لِفُلانٍ عَلَيْكَ كَذَا فَقَالَ نَعَمْ كَانَ إِقْرَارًا.

قَالَ الطَّبَرِىُّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهَذَا مُخَرَّجٌ عَلَى مَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى بِكَذَا فَقَالَ الزَّوْجُ نَعَمْ بَدَلَ الْقَبُولِ أَوْ قَالَ قَبِلْتُ لا غَيْرُ أَوْ قَالَ الزَّوْجُ زَوِّجْنِى ابْنَتَكَ بِكَذَا فَقَالَ الْوَلِىُّ نَعَمْ فَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ عَلَى قَوْلَيْنِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا وَقُلْنَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاقُ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلاقُ فِى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَذَبَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ وَقَعَ الطَّلاقُ فِى الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ،

وَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنِّى كُنْتُ طَلَّقْتُهَا فِى نِكَاحٍ ءَاخَرَ ثُمَّ تَزَوَّجْتُهَا فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا قَالَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَأَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ لِإِمْكَانِ مَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ قَوْلُهُ فِى الظَّاهِرِ، وَدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ.

وَإِنْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَكَ زَوْجَةٌ فَقَالَ لا وَنَوَى بِهِ الطَّلاقَ كَانَ طَلاقًا.

وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَىَّ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاقَ كَانَ طَلاقًا وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ وَهُوَ أَنْ يَنْوِىَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ كَتَحْرِيمِ ظَهْرِ أُمِّهِ كَانَ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ تَحْرِيمَ وَطْئِهَا [أَىْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ لا يَعْنِى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ شَرْعًا وَطْؤُهَا] أَوْ فَرْجِهَا بِلا طَلاقٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلانِ أَحَدُهُمَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَيَكُونُ هَذَا صَرِيحًا فِى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّانِى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَىْءٌ فَيَكُونُ هَذَا كِنَايَةً فِى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ اهـ.

وَالْكِنَايَةُ هُوَ مَا لا يَكُونُ طَلاقًا إِلَّا بِنِيَّةٍ كَقَوْلِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ أَوْ بَتْلَةٌ أَوِ اعْتَدِّى، وَكَذَلِكَ مِنَ الْكِنَايَةِ اخْرُجِى سَافِرِى تَسَتَّرِى لا حَاجَةَ لِى فِيكِ أَنْتِ وَشَأْنُكِ سَلامٌ عَلَيْكِ إِلْحَقِى بِأَهْلِكِ لِأَنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وَغَيْرَهُ احْتِمَالًا قَرِيبًا.

فَمَنْ أَتَى بِالصَّرِيحِ وَقَعَ الطَّلاقُ نَوَى بِهِ الطَّلاقَ أَمْ لَمْ يَنْوِ وَمَنْ أَتَى بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ بِهِ الطَّلاقَ وَتَكُونُ النِّيَّةُ مَقْرُونَةً بِأَوَّلِهَا.

وَالطَّلاقُ إِنْ كَانَ ثَلاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ فِى أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ حَتَّى لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الثَّلاثَ فَهُوَ طَلاقٌ ثَلاثٌ لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بَعْدَ عِدَّةٍ مِنْهُ وَعِدَّةٍ مِنَ الزَّوْجِ الآخَرِ، فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا طَلَقَتْ ثَلاثًا، وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ تَأْكِيدَ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ فَهُوَ طَلاقٌ ثَلاثٌ، وَإِنْ نَوَى بِهِ تَأْكِيدَ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ وَهِىَ الأُولَى فَلا يُعَدُّ طَلاقًا ثَلاثًا بَلْ يُعَدُّ طَلاقًا وَاحِدًا.

وَتَصِحُّ إِشَارَةُ الأَخْرَسِ كَأَنْ قِيلَ لَهُ طَلِّقِ امْرَأَتَكَ فَأَشَارَ بِثَلاثَةِ أَصَابِعَ فَصَرِيحَةٌ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ إِشَارَتُهُ يَفْهَمُهَا كُلُّ أَحَدٍ فَهِىَ صَرِيحَةٌ وَإِنِ اخْتَصَّ بِفَهْمِهَا الْفَطِنُ فَكِنَايَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَأَمَّا النَّاطِقُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الإِشَارَةِ كَأَنْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِى فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنِ اذْهَبِى فَلَغْوٌ.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ هَذَا فَيَرْجِعُونَ إِلَى زَوْجَاتِهِمْ إِذَا أَوْقَعُوا طَلاقًا ثَلاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يَظُنُّونَ أَنَّهُ طَلاقٌ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَرْتَجِعُوهُنَّ قَبْلَ مُضِىِّ الْعِدَّةِ بِلا عَقْدٍ جَدِيدٍ أَوْ بَعْدَ مُضِىِّ الْعِدَّةِ بِتَجْدِيدِ الْعَقْدِ فَهُؤَلاءِ يُعَاشِرُونَ أَزْوَاجَهُمْ بِالْحَرَامِ.

وَلا فَرْقَ فِى الطَّلاقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَىْءٍ فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلانٍ أَوْ إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَدَخَلَتْ أَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ الشَّىْءَ وَقَعَ الطَّلاقُ، فَإِنْ كَانَ قَالَ إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِالثَّلاثِ فَدَخَلَتْ كَانَ ثَلاثًا فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَلا يَجُوزُ إِلْغَاءُ هَذَا الطَّلاقِ، وَلا عِبْرَةَ بِرَأْىِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَةَ الَّذِى خَرَقَ بِهِ الإِجْمَاعَ فِى قَوْلِهِ إِنَّ الطَّلاقَ الْمُعَلَّقَ الْمَحْلُوفَ بِهِ لا يَقَعُ مَعَ الْحِنْثِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ [نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَرْدَاوِىُّ فِى الإِنْصَافِ] فَرَأْىُّ ابْنِ تَيْمِيَةَ هَذَا خِلافُ الإِجْمَاعِ. وَقَدْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِىُّ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُ.

وَأَمَّا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إِنْ ذَهَبْتِ إِلَى بَيْتِ فُلانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُرَادُهُ إِنْ ذَهَبَتْ مِنْ دُونِ إِذْنِهِ فَإِنْ صَدَّقَتْهُ فَذَهَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَبِرَ أَنَّهَا بَعْدُ فِى نِكَاحِهِ، أَمَّا إِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ فَلا تُعَاشِرْهُ.

وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى خُرُوجِهَا مِنَ الْبَيْتِ فَخَرَجَتْ نَاسِيَةً لَمْ تَطْلُقْ.

وَإِنْ قَالَ لَهَا إِنْ تَأَخَّرْتِ عَنْ عَمَلِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَغَلَبَهَا النَّوْمُ فَتَأَخَّرَتْ مَغْلُوبَةً طَلَقَتْ إِلَّا أَنْ كَانَ أَرَادَ حِينَ قَالَ ذَلِكَ إِنْ تَعَمَّدْتِ التَّأَخُّرَ وَلَمْ يُرِدْ حَالَ كَوْنِهَا مَغْلُوبَةً فَلا تَطْلُقُ.

وَالطَّلاقُ يَخْتَصُّ بِأَحْكَامٍ عَنْ فُرْقَةِ الْفَسْخِ وَفُرْقَةِ الْخُلْعِ وَفُرْقَةِ الْحَكَمَيْنِ وَفُرْقَةِ الإِيلاءِ وَهُوَ الَّذِى يَحْلِفُ عَلَى أَنْ لا يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ يُطْلِقُ بِلا تَحْدِيدٍ فَإِنَّهُ يُمْهَلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْئَةِ بِأَنْ يُولِجَ حَشَفَتَهُ فِى قُبُلِ زَوْجَتِهِ وَالتَّكْفِيرِ لِلْيَمِينِ إِنْ كَانَ حَلِفُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَوِ الطَّلاقِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنَ الْفَيْئَةِ وَالطَّلاقِ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ طَلْقَةً وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَإِنْ طَلَّقَ [أَىِ الْحَاكِمُ] أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَقَعِ الزَّائِدُ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْفَيْئَةِ فَقَطْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِالطَّلاقِ.

[وَإِذَا اشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بَعَثَ الْقَاضِى حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا فَإِذَا اجْتَمَعَا نَظَرَا فِى أَمْرِ الزَّوْجَيْنِ فَيُصْلِحَانِ أَوْ يُطَلِّقَانِ وَهُمَا وَكِيلانِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ وَفِى قَوْلٍ هُمَا حَاكِمَانِ مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ فَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ فَيُوَكِّلُ الزَّوْجُ حَكَمَهُ بِطَلاقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ وَتُوَكِّلُ الزَّوْجَةُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلاقِ مُقَابِلِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِى يُشْتَرَطُ فِى الْحَكَمَيْنِ الذُّكُورَةُ وَلا يُشْتَرَطُ رِضَا الزَّوْجَيْنِ بِبَعْثِهِمَا].

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا فُرْقَةُ الْحَكَمَيْنِ هِىَ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِى حَكَمَيْنِ إِذَا صَارَ شِقَاقٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَاحِدٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالآخَرُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ فَإِنِ اتَّفَقَا أَىِ الْحَكَمَانِ عَلَى الْفُرْقَةِ يُعْلِمَانِ الْقَاضِى فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/35] أَىْ عَدَاوَةً وَخِلافًا وَمَيْلَ أَحَدِهِمَا عَنِ الآخَرِ ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/35] أَىْ رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْحُكُومَةِ وَالإِصْلاحِ بَيْنَهُمَا ﴿وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/35] وَإِنَّمَا كَانَ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِهِمَا لِأَنَّ الأَقَارِبَ أَعْرَفُ بِبَوَاطِنِ الأَحْوَالِ وَأَطْلَبُ لِلصَّلاحِ وَنُفُوسُ الزَّوْجَيْنِ أَسْكَنُ إِلَيْهِمْ فَيُبْرِزَانِ مَا فِى ضَمَائِرِهِمَا مِنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَإِرَادَةِ الصُّحْبَةِ وَالْفُرْقَةِ.

﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/35] أَىْ إِنْ قَصَدَا إِصْلاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ وَكَانَتْ نِيَّتُهُمَا صَحِيحَةً بُورِكَ فِى وَسَاطَتِهِمَا وَأَوْقَعَ اللَّهُ بِحُسْنِ سَعْيِهِمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الأُلْفَةَ وَالْوِفَاقَ وَأَلْقَى فِى نُفُوسِهِمَا الْمَوَدَّةَ وَالِاتِّفَاقَ، وَلَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ وِلايَةُ التَّفْرِيقِ عِنْدَنَا إِنَّمَا الَّذِى يُفَرِّقُ هُوَ الْحَاكِمُ خِلافًا لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُمَا يُفَرِّقَانِ عِنْدَهُ.

وَفُرْقَةُ الْفَسْخِ أَنْوَاعٌ

(1) مِنْهَا فُرْقَةُ إِعْسَارٍ أَىْ عَجْزٍ عَنِ الْمَهْرِ أَوِ النَّفَقَةِ فَإِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِهِمَا بَعْدَ إِمْهَالِهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ جَازَ الْفَسْخُ أَىْ فَسْخُ عَقْدِ النِّكَاحِ أَىْ بَعْدَ إِثْبَاتِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ يَفْسَخُ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُ أَوْ يَقُولُ لَهَا الْحَاكِمُ افْسَخِى نِكَاحَهُ.

(2) وَفُرْقَةُ لِعَانٍ بِسَبَبِ اتِّهَامِ الزَّوْجَةِ بِالزِّنَى وَبَعْدَ ذَلِكَ لا رَجْعَةَ لَهَا إِلَيْهِ. وَاللِّعَانُ لُغَةً مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّعْنِ أَىِ الْبُعْدِ، وَشَرْعًا كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُضْطَرِّ إِلَى قَذْفِ مَنْ لَطَّخَ فِرَاشَهُ وَأَلْحَقَ الْعَارَ بِهِ، فَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِزِنَا الْمَقْذُوفَةِ أَوْ يُلاعِنَ زَوْجَتَهُ الْمَقْذُوفَةَ فَيَقُولَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِى الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِى جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّنِى لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِى فُلانَةَ مِنَ الزِّنَا وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ زَوْجَتِى هَذِهِ،

وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ فَيَقُولُ وَإِنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنَ الزِّنَا وَلَيْسَ مِنِّى، وَيَقُولُ الْمُلاعِنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَيَقُولُ فِى الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ بَعْدَ أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ بِتَخْوِيفِهِ لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِى الآخِرَةِ وَأَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا «وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَىَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا». وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ أَىِ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ تُلاعِنِ الزَّوْجَةُ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ أَحَدُهَا سُقُوطُ الْحَدِّ أَىْ حَدِّ الْقَذْفِ لِلْمُلاعَنَةِ عَنْهُ،

وَالثَّانِى وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا أَىْ حَدِّ الزِّنَا إِنْ لَمْ تُلاعِنْ، وَالثَّالِثُ زَوَالُ الْفِرَاشِ، وَالرَّابِعُ نَفْىُ الْوَلَدِ عَنِ الْمُلاعِنِ، وَالْخَامِسُ التَّحْرِيمُ لِلْزَوْجَةِ الْمُلاعَنَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُلاعِنِ نِكَاحُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلا وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إِنْ كَانَتْ أَمَةً فَاشْتَرَاهَا بَعْدَ الْمُلاعَنَةِ. وَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهَا بِأَنْ تَلْتَعِنَ أَىْ تُلاعِنَ الزَّوْجَ بَعْدَ تَمَامِ لِعَانِهِ فَتَقُولَ فِى لِعَانِهَا إِنْ كَانَ الْمُلاعِنُ حَاضِرًا «أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّ فُلانًا هَذَا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِى بِهِ مِنَ الزِّنَا» وَتُكَرِّرُ الْمُلاعِنَةُ هَذَا الْكَلامَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَتَقُولُ فِى الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ مِنْ لِعَانِهَا بَعْدَ أَنْ يَعِظَهَا الْحَاكِمُ بِتَخْوِيفِهِ لَهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ وَأَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا «وَعَلَىَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِى بِهِ مِنَ الزِّنَا».

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ سَأَلَ فُلانٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِى سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَاتِ فِى سُورَةِ النُّورِ فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ قَالَ لا وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ قَالَتْ لا وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ فَبَدَأَ الرَّجُلُ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.

(3) وَفُرْقَةُ عَتَاقَةٍ أَىْ إِذَا كَانَتِ الأَمَةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ ثُمَّ أُعْتِقَتْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِى فَسْخِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَتْ تَتْرُكُهُ وَإِنْ شَاءَتْ تَبْقَى زَوْجَتَهُ لِأَنَّهَا تُعَيَّرُ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ. وَالْخِيَارُ فَوْرِىٌّ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فِى الْمَبِيعِ وَتَفْسَخُ هِىَ نِكَاحَهَا، أَمَّا إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ زَوْجٍ حُرٍّ فَلا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ مَا حَدَثَ لَهَا مِنَ الْكَمَالِ مُتَّصِفٌ بِهِ الزَّوْجُ.

(4) وَفُرْقَةُ عُيُوبٍ. وَتُرَدُّ الزَّوْجَةُ بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ أَحَدُهَا الْجُنُونُ سَوَاءٌ أَطْبَقَ أَوْ تَقَطَّعَ، وَثَانِيهَا الْجُذَامُ وَهُوَ عِلَّةٌ يَحْمَرُّ مِنْهَا الْعُضْوُ ثُمَّ يَسْوَدُّ ثُمَّ يَتَقَطَّعُ ثُمَّ يَتَنَاثَرُ، وَالثَّالِثُ الْبَرَصُ وَهُوَ بَيَاضٌ فِى الْجِلْدِ يُذْهِبُ دَمَ الْجِلْدِ وَمَا تَحْتَهُ مِنَ اللَّحْمِ فَخَرَجَ الْبَهَقُ وَهُوَ مَا يُغَيِّرُ الْجِلْدَ مِنْ غَيْرِ إِذْهَابِ دَمِهِ فَلا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ، وَالرَّابِعُ الرَّتَقُ وَهُوَ انْسِدَادُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِلَحْمٍ، وَالْخَامِسُ الْقَرَنُ وَهُوَ انْسِدَادُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِعَظْمٍ. وَمَا عَدَا هَذِهِ الْعُيُوبِ كَالْبَخَرِ [وَهُوَ نَتْنُ الْفَمِ] وَالصُّنَانِ [وَهُوَ ذَفَرُ الإِبْطِ] لا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ.

وَالرَّجُلُ يُرَدُّ بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ بِالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجَبِّ وَهُوَ قَطْعُ الذَّكَرِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِحَيْثُ مَا بَقِىَ مِنْهُ إِلَّا دُونَ قَدْرِ الْحَشَفَةِ، وَبِوُجُودِ الْعُنَّةِ وَهُوَ عَجْزُ الرَّجُلِ عَنِ الْوَطْءِ فِى الْقُبُلِ لِسُقُوطِ الْقُوَّةِ النَّاشِرَةِ لِضَعْفٍ فِى قَلْبِهِ أَوْ ءَالَتِهِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ الرَّفْعُ فِيهَا إِلَى الْقَاضِى.

(5) وَفُرْقَةُ غُرُورٍ كَأَنْ غَرَّهُ أَبُوهَا بِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ كَذَا ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلافُ ذَلِكَ كَأَنْ قَالَ لَهُ زَوَّجْتُكَ بِنْتِى فُلانَةَ عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ.

(6) وَفُرْقَةُ وَطْءِ شُبْهَةٍ كَأَنْ وَطِئَ أُمَّ زَوْجَتِهِ أَوِ ابْنَتَهَا بِظَنِّ الزَّوْجِيَّةِ وَكَذَا لَوْ جَامَعَ الْوَلَدُ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِشُبْهَةٍ كَأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ فِى اللَّيْلِ فَجَامَعَهَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبِيهِ.

(7) وَفُرْقَةٌ بِالسَّبْىِ بِأَنْ سُبِىَ الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ الْكَافِرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ.

(8) وَفُرْقَةُ إِسْلامٍ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.

(9) وَفُرْقَةُ رِدَّةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا.

(10) وَفُرْقَةُ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ كَأَنْ صَارَتْ زَوْجَتُهُ الأَمَةُ مِلْكًا لَهُ بِأَنِ اشْتَرَاهَا مِنْ صَاحِبِهَا أَوِ الْعَكْسُ كَأَنْ مَلَكَتِ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا الْعَبْدَ فَكَذَلِكَ تَثْبُتُ الْفُرْقَةُ.

(11) وَفُرْقَةُ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ. وَالْكَفَاءَةُ لُغَةً التَّسَاوِى وَالتَّعَادُلُ وَشَرْعًا أَمْرٌ يُوجِبُ عَدَمُهُ عَارًا. وَهِىَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِى صِحَّةِ النِّكَاحِ بَلْ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالْوَلِىِّ فَلَهُمَا إِسْقَاطُهَا فَلَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِىُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا صَحَّ التَّزْوِيجُ، وَيَجْرِى قَوْلانِ فِى تَزْوِيجِ الأَبِ بِكْرًا صَغِيرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَفِى الأَظْهَرِ بَاطِلٌ وَفِى الآخَرِ يَصِحُّ، وَلِلْبَالِغَةِ الْخِيَارُ فَوْرًا وَلِلصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ.

وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ أَىِ الصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهَا خَمْسَةٌ أَوَّلُهَا سَلامَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ، وَثَانِيهَا حُرِّيَّةٌ فَالرَّقِيقُ وَلَوْ مُبَعَّضًا لَيْسَ كُفْؤًا لِلْحُرَّةِ، وَالْعَتِيقُ لَيْسَ كُفْؤًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ، وَثَالِثُهَا نَسَبٌ بِأَنْ تُنْسَبَ الْمَرْأَةُ إِلَى مَنْ تُشَرَّفُ بِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ يُنْسَبُ الزَّوْجُ إِلَيْهِ، فَالْعَجَمِىُّ لَيْسَ كُفْءَ عَرَبِيَّةٍ وَغَيْرُ الْقُرَشِىِّ لَيْسَ كُفْوءًا لِلْقُرَشِيَّةِ، وَرَابِعُهَا الْعِفَّةُ وَهِىَ الدِّينُ وَالصَّلاحُ فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ عَفِيفَةٍ، وَخَامِسُهَا حِرْفَةٌ أَىْ صِنَاعَةٌ يَرْتَزِقُ مِنْهَا فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيْسَ كُفْءَ أَرْفَعَ مِنْهُ،

وَالْحِرْفَةُ الدَّنِيئَةُ مَا دَلَّتْ مُلابَسَتُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى انْحِطَاطِ الْمُرُوءَةِ فَكَنَّاسٌ وَحَجَّامٌ وَحَارِسٌ وَرَاعٍ [مَعْنَاهُ عِنْدَ النَّاسِ لَيْسَ مَعْنَاهُ فِى حُكْمِ الشَّرْعِ قَبِيحٌ إِنَّمَا النَّاسُ لا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لا يَتَنَافَى مَعَ مَا وَرَدَ أَنَّ كُلَّ نَبِىٍّ رَعَى الْغَنَمَ أُولَئِكَ لَيْسَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا إِنَّمَا لِحِكْمَةِ التَّدَرُّبِ عَلَى تَحَمُّلِ أَعْبَاءِ الرَّعِيَّةِ لَيْسَ لِأَجْلِ الِاسْتِرْزَاقِ.

الْمُحْتَرِفُونَ فِى هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَغْلِبُ فِيهِمْ سُوءُ الْفَهْمِ وَعَدَمُ ضَبْطِ الْكَلامِ أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَرَعَوُا الْغَنَمَ وَلَيْسُوا مُحْتَرِفِينَ لِذَلِكَ أَىْ لَمْ يَتَّخِذُوا ذَلِكَ مِهْنَةً لَهُمْ] وَقَيِّمُ الْحَمَّامِ لَيْسَ كُفْءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ وَلا خَيَّاطٌ بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ بِنْتَ بَزَّازٍ [الْبَزُّ الثِّيَابُ أَوْ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنَ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَبَائِعُهُ الْبَزَّازُ] وَلا هُمَا أَىِ التَّاجِرُ وَالْبَزَّازُ بِنْتَ عَالِمٍ أَوْ قَاضٍ فَتُرَاعَى الْعَادَةُ فِى الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، وَالْعِبْرَةُ فِى الْعَالِمِ بِالصَّلاحِ.

(12) وَفُرْقَةُ انْتِقَالٍ مِنْ دِينٍ إِلَى ءَاخَرَ كَانْتِقَالِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ يُعَامَلُ عِنْدَئِذٍ مُعَامَلَةَ الْمُرْتَدِّ.

(13) وَفُرْقَةُ رَضَاعٍ [قَالَ النَّوَوِىُّ فِى الرَّوْضَةِ بَابُ الرَّضَاعِ الْقَاطِعِ لِلنِّكَاحِ. كُلُّ امْرَأَةٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ ابْنَتَهَا إِذَا أَرْضَعَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثَبَتَتِ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ وَانْقَطَعَ النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ بِلَبَنِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ انْفَسَخَ النِّكَاحُ اهـ] وَلا يُحَرِّمُ هَذَا الرَّضَاعُ إِلَّا إِذَا كَانَ فِى الْحَوْلَيْنِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّهِمَا فَلا يُحَرِّمُ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لا رَضَاعَ إِلَّا فِى الْحَوْلَيْنِ،

رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ وَابْنُ عَدِىٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَرَجَّحَا الْمَوْقُوفَ. وَلِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ [مَعْنَاهُ أَوَّلُ شَىْءٍ يَدْخُلُهَا] وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ. وَلا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ إِلَّا الْخَمْسُ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرَّضَعَاتُ مُشْبِعَاتٍ. وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قُرْءَانًا عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ هَذِهِ نُسِخَتْ تِلاوَتُهَا وَأُبْقِىَ حُكْمُهَا فَلِذَلِكَ يَقُولُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ لا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ وَالأَكْثَرِينَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُ أَبِى حَنِيفَةَ أَنَّ الرَّضْعَةَ الْوَاحِدَةَ تُحَرِّمُ.

هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نُسِخَ تِلاوَتُهُ لَكِنْ قَوْلُهُ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ مَنْسُوخٌ حُكْمًا وَتِلاوَةً، وَأَمَّا قَوْلُهُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَمَنْسُوخٌ تِلاوَةً لا حُكْمًا لا يُقْرَأُ عَلَى أَنَّهُ قُرْءَانٌ بَعْدَ النَّسْخِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ يُقْرَأُ عَلَى أَنَّهُ قُرْءَانٌ. أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَىْ ءَايَةٍ نُسِخَتْ تِلاوَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُقْرَأُ. اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَصَالِحَ الْعِبَادِ فَيُنْزِلُ ءَايَةً فِى وَقْتٍ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِى حُكْمِهَا ثُمَّ يَنْسَخُ هَذِهِ الآيَةَ لِأَنَّهُ عَالِمٌ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ لِلْعِبَادِ فِى نَسْخِهَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ كَمَا تَقُولُ الْيَهُودُ،

الْيَهُودُ تَقُولُ لا يَكُونُ نَسْخٌ لِأَنَّ النَّسْخَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ ظَهَرَ لَهُ شَىْءٌ كَانَ خَافِيًا عَلَيْهِ وَكَذَبُوا، يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنَادًا وَإِلَّا فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ كَانَ جَائِزًا فِى شَرْعٍ مِنَ الشَّرَائِعِ قَبْلَ مُوسَى ثُمَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَعْلَمُونَ هَذَا لَكِنْ عِنَادًا لِلإِسْلامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنْ مَا نُسِخَ فِى شَرْعِ الرَّسُولِ.

ثُمَّ الطَّلاقُ إِمَّا جَائِزٌ سُنِىٌّ وَهُوَ مَا خَلا عَنِ النَّدَمِ وَاسْتَعْقَبَ الشُّرُوعَ فِى الْعِدَّةِ وَكَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِىَ مِمَّنْ عِدَّتُهَا بِالأَقْرَاءِ أَىْ كَانَ فِى طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ وَلا فِى حَيْضٍ قَبْلَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سُورَةَ الطَّلاق/1] أَىْ فِى قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ أَىْ طَلاقًا يَسْتَعْقِبُ الْعِدَّةَ أَىْ لا تُطَلِّقُوا فِى الْحَيْضِ لِأَنَّهَا تَتَأَذَّى بِطُولِ الْمُدَّةِ إِنْ طَلَّقَهَا فِى الْحَيْضِ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ لا تُحْسَبُ مِنَ الْعِدَّةِ، وَفِى الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ فِتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» أَىْ أَذِنَ.

وَإِمَّا بِدْعِىٌّ كَأَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِى حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ فِى طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ، هَذَا الطَّلاقُ هُوَ الْبِدْعِىُّ وَيَقَعُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ.

وَإِنَّمَا كَانَ طَلاقُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِدْعِيًّا لِأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِطُولِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ، وَأَمَّا الثَّانِى فَإِنَّهُ يُؤَدِّى إِلَى النَّدَمِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ الْحَائِلَ دُونَ الْحَامِلِ وَعِنْدَ النَّدَمِ قَدْ لا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ فَيَتَضَرَّرُ هُوَ وَالْوَلَدُ.

وَإِمَّا لا وَلا أَىْ لا يُسَمَّى سُنِّيًّا وَلا بِدْعِيًّا وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ طَلَّقَ غَيْرَ بَالِغَةٍ أَوْ طَلَّقَ ءَايِسَةً أَوْ طَلَّقَهَا حَامِلًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ طَلاقُ الإِيلاءِ وَطَلاقُ الْحَكَمَيْنِ وَفُرْقَةُ الْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُتَحَيِّرَةِ وَهِىَ الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِى لا تَذْكُرُ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِ الْحَيْضِ وَلا قَدْرَهُ فَطَلاقُهُنَّ لا يَدْخُلُ فِى السُّنِّىِّ وَلا فِى الْبِدْعِىِّ.

وَلا فَرْقَ بَيْنَ طَلاقِ الْجِدِّ وَطَلاقِ الْمَزْحِ لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى السُّنَنِ. فَإِذَا حَصَلَ النِّكَاحُ بِشُرُوطِهِ وَكَانَ الْوَلِىُّ وَالزَّوْجُ مَازِحَيْنِ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَكَذَلِكَ الطَّلاقُ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ جَادَّيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَادًّا كَأَنْ طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ الطَّلاقَ بِجِدٍّ وَهُوَ أَوْقَعَهُ بِجِدٍّ، أَوْ كَانَا مَازِحَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَازِحًا فَقَدْ ثَبَتَ الطَّلاقُ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ بِقَوْلِ رَجَعْتُكِ إِلَى نِكَاحِى وَنَحْوِهِ،

فَإِنِ انْتَهَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا لا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِوَلِيِّهَا وَشَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ. وَالْجِدُّ خِلافُ الْهَزْلِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ لِأَنَّهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ لا يَأْتِى لِهَذَا الْمَعْنَى بَلْ مَعْنَاهُ الْغِنَى، وَيُطْلَقُ الْجَدُّ بِالْفَتْحِ عَلَى الْعَظَمَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [سُورَةَ الْجِنّ/3] وَيُطْلَقُ الْجَدُّ عَلَى أَبِ الأَبِ وَأَبِ الأُمِّ.

وَالْفَسْخُ لا يُحْصَرُ بِعَدَدٍ بِخِلافِ الطَّلاقِ فَإِنَّ نِهَايَتَهُ ثَلاثٌ، أَمَّا الْفَسْخُ لَوْ فُسِخَ النِّكَاحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرَ لا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ بِزَوْجٍ ءَاخَرَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ.

وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّ الطَّلاقَ بِالثَّلاثِ إِذَا أُوقِعَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يَكُونُ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الطَّلاقُ طَلاقُ الثَّلاثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِى بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّاسَ اسْتَعْجَلُوا فِى أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] وَلا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأُمُورٍ

أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ عَنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ شَاذٌّ وَالشَّاذُّ لا يُحْتَجُّ بِهِ [نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِىُّ فِى كِتَابِهِ بَيَانِ مُشْكِلِ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِى أَنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ وَاحِدَةٌ].

وَالثَّانِى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِوُقُوعِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا. رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ ثَمَانِيَةٌ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ الثِّقَاتِ كَمَا بَيَّنَ الْبَيْهَقِىُّ ذَلِكَ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَالْحَدِيثُ إِذَا خَالَفَهُ عَمَلُ الرَّاوِى لا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ وَعَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعُهُ، وَبَعِيدٌ أَنْ يَرْوِىَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ ءَانِفًا مَعَ حَمْلِهِ عَلَى الظَّاهِرِ ثُمَّ يُفْتِىَ بِخِلافِهِ.

وَالثَّالِثُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بنَ الْعَرَبِىِّ قَالَ فِى كِتَابِهِ الْقَبَسُ كَانَتِ الْبَتَّةُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِى بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّاسَ اسْتَعْجَلُوا فِى أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ وَعَزَا هَذَا اللَّفْظَ لِمُسْلِمٍ وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِى بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ.

وَالرَّابِعُ أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ [فِى فَتْحِ الْبَارِى] مِنْهَا أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَعْنَى عَلَى حَسَبِ مَا فَهِمَهُ لَيْسَ بِاللَّفْظِ الَّذِى قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلَى جَعْلِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ طَلاقًا وَاحِدًا.

وَبَعْضُ هَؤُلاءِ الْمُحَرِّفِينَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِىِّ فِى مَسْئَلَةِ الطَّلاقِ قَالَ فِى شَخْصٍ طَلَّقَ طَلْقَتَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَلْقَةً هَذَا طَلاقَانِ لَيْسَ ثَلاثًا، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/229] دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمُوهُ، قَالُوا لا يَتِمُّ الطَّلاقُ الثَّلاثُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ فِيهِ تَقْدِيرٌ أَىِ الطَّلاقُ الَّذِى بَعْدَهُ رَجْعَةٌ مَرَّتَانِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.

وَيَلْزَمُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلاءِ أَنَّ الطَّلاقَ لا يَصِحُّ أَصْلًا إِلَّا بِمَرَّتَيْنِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِى بَعْدَهُ رَجْعَةٌ مَرَّتَانِ، فَيَكُونُ هُنَا تَقْدِيرُ مُضَافٍ وَهُوَ لَفْظُ عَدَدُ فَيُطَابِقُ الْخَبَرُ الْمُبْتَدَأَ لِأَنَّ الْعَدَدَ يُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ.

وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلاقَ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ دُونِ عُذْرٍ شَرْعِىٍّ بَلْ إِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلزَّوْجِ فَذَنْبُهَا كَبِيرٌ [إِنْ كَانَتْ تَرَى أَنَّهُ لا يَغْتَّمُ لِهَذَا يَكُونُ ذَنْبُهَا أَخَفَّ تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ كَبِيرَةٍ، أَمَّا الْحَدِيثُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ يَغُمُّ الزَّوْجَ «لَمْ تَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» يُحْمَلُ عَلَى حَالَةٍ خَاصَّةٍ. أَمَّا إِذَا هُوَ عَرَضَ عَلَيْهَا قَالَ لَهَا اطْلُبِى الطَّلاقَ مَتَى مَا شِئْتِ فَهُنَا إِنْ طَلَبَتْ يَجُوزُ].

حَتَّى لَوْ كَانَ الزَّوْجُ جَامَعَ زَوْجَتَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُلْزِمَهُ بِالطَّلاقِ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ مِنَ الْقَاضِى أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ زَوْجِهَا الَّذِى تَرَكَ جِمَاعَهَا بِدَعْوَى الضَّرَرِ.

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَبَتْ مِنْ زَوْجِهَا الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ لَمْ تَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ] مَعْنَاهُ لا تَشُمُّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ أَبَدًا وَلَوْ دَخَلَتْهَا أَىْ إِنْ لَمْ تَتُبْ.

تَنْبِيهٌ ذُكِرَ فِى كِتَابِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ الْحَنَفِىِّ مَسْئَلَةٌ فِى الَّذِى تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً حَرْبِيَّةً فِى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سَافَرَ دُونَها إِلَى بِلادِهِ بِلادِ الإِسْلامِ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا [وَلَوْ خَرَجَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ لَمْ تَبنْ كَذَا فِى الظَّهِيرِيَّةِ] أَمَّا لَوْ سَافَرَ مَعَهَا فَلا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا، وَلَوْ تَنَقَّلَ مِنْ دَارِ حَرْبٍ إِلَى دَارِ حَرْبٍ فَلا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا فَلْيَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَجْرَى عَقْدَ نِكَاحِهِ هُنَاكَ عَلَى كِتَابِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ وَلِىٍّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِى حَنِيفَةَ.

فَائِدَةٌ قَالَ الْحَافِظُ وَلِىُّ الدِّينِ أَبُو زُرْعَةَ ابنُ الْحَافِظِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِىُّ مَا نَصُّهُ

مَسْئَلَةٌ سُئِلْتُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُ بِفُلانَةٍ وَعَيَّنَهَا كَانَتْ طَالِقًا ثَلاثًا وَادُّعِىَ عَلَيْهِ بِمَجْلِسِ حَاكِمٍ حَنَفِىٍّ فَأُقِيمَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِ الزِّوَاجِ وَحَكَمَ فِيهِ وَنُفِّذَ عَلَى حَاكِمٍ مَالِكِىٍّ فَهَلْ إِذَا تَزَوَّجَ بِهَا وَحَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ شَافِعِىٌّ بِذَلِكَ هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لا.

فَأَجَبْتُ إِذَا تَزَوَّجَهَا فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَلا يَقَعُ الطَّلاقُ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ شَافِعِىٌّ بَعْدَ وُقُوعِ الْعَقْدِ بِاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ وَعَدَمِ تَأْثِيرِ التَّعْلِيقِ السَّابِقِ وَوُقُوعِ الطَّلاقِ نَفَذَ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِحَنَفِىٍّ وَلا مَالِكِىٍّ بَعْدَ ذَلِكَ نَقْضُهُ وَلا الْحُكْمُ بِخِلافِهِ، فَإِنْ حَكَمَ حَنَفِىٌّ بَعْدَ الْعَقْدِ بِوُقُوعِ الطَّلاقِ قَبْلَ حُكْمِ شَافِعِىٍّ انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بِمُقْتَضَى حُكْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِشَافِعِىٍّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِخِلافِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلافَ فِى الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ،

وَأَمَّا حُكْمُ الْحَنَفِىِّ بِمُوجَبِ التَّعْلِيقِ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ صُدُورِ الْعَقْدِ فَلا يَقْتَضِى الْحُكْمَ بِوُقُوعِ الطَّلاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ هُوَ الْمَجْمُوعُ مِنَ التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ وَقَدْ كَانَ حُكْمُهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ التَّعْلِيقِ وَسَابِقًا عَلَى وُجُودِ الصِّفَةِ فَلَمْ يَكُنْ وُجِدَ التَّعْلِيقُ فَكَيْفَ يَحْكُمُ [أَىِ الْحَنَفِىُّ] قَبْلَ وُقُوعِ سَبَبِهِ. وَالصَّادِرُ مِنَ الْحَنَفِىِّ قَبْلَ الْعَقْدِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ فَتْوًى بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ أَمَّا الْحُكْمُ بِشَىْءٍ قَبْلَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ فَلا يُعْقَلُ، وَمَا أَظُنُّ تَسْمِيَةَ مِثْلِ ذَلِكَ حُكْمًا إِلَّا صَادِرًا عَنْ جَهْلٍ فَإِنَّهُ لا مُوجِبَ لِلتَّعْلِيقِ عَلَى انْفِرَادِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ وُجُودُ الصِّفَةِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُوجَبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِىِّ وُقُوعَ الطَّلاقِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِىِّ لا مُوجَبَ لَهُ فَلا تَأْثِيرَ لِسَبْقِهِ [أَىْ لِسَبْقِ التَّعْلِيقِ] الزّوْجِيَّةَ الَّتِى تَلِى مَحَلَّ هَذَا التَّصَرُّفِ وَهُوَ الطَّلاقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلامُ أَبِى زُرْعَةَ.