بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد الطاهر الأمين. أما بعد فقد يسَّر الله قراءة متن المنهاج على سيدي الشيخ المحدث الفقيه اللغوي الأصوليّ المفسّر أشعريّ العصر وماتريديهِ وشافعيهِ ورفاعيهِ عبد الله بن محمد العبدري المعروف بالهرريّ الحبشيّ أطال الله عمره وقواه ونفع به وذلك في مائتي مجلس ءاخرها ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف وهو يُصلح ويعلق على ما شاء منه. هذا مع معارضة النسخة التي قرئت عليه على أربع نسخ خطية إحداها معارضة على نسخة المؤلف التي بخطه وثانيها معرضة على نسخة عليها خط المؤلف والثالثة ممزوجة مع شرح ابن الملقن على المنهاج المسمى عجالة المحتاج والرابعة مقروءة ومعارضة كما رجعنا كثيرًا إلى نسخة مطبوعة عن خمس نسخ خطية إحداها بخط الفقيه محمد بن إبراهيم السلامي المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة المحفوظة في ظاهرية دمشق فصارت هذه النسخة على ما نرجو من أضبط النسخ وأحسنها مضبوطة بالشكل التام على حسب ما أشار شيخنا حفظه الله وقُرئ عليه.
وهو سدده الله يَروي كتاب المنهاج عن مشايخ عديدين وعلماء أعلام منهم أحمد بن عبد المطلب الحبشي إمام المسجد الحرام في التراويح في عهد السلطان عبد الحميد الثاني العثماني وكان يُشبَّه بالملائكة لشدة إقباله على العبادة وهو يروي عاليًا عن جده المفتي داود بن أبي بكر الجبرتي عن الوجيه المفتي عبد الرحمن بن سليمان الأهدل صاحب ثبت النفس اليماني عن والده السيد سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل [ت 1197هـ] عن السيد أحمد بن محمد شريف مقبول الاهدل [ت 1163هـ] عن السيد يحيى بن عمر مقبول الأهدل الزبيدي [ت 1147هـ] عن السيد أبي بكر بن علي البطاح الأهدل [ت 1035هـ] عن السيد الطاهر بن حسين الاهدل [ت 988هـ] عن الحافظ عبد الرحمن بن علي بن الدَّيبع الشيباني [ت 944هـ] عن زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الشرجي [ت 893هـ] عن محمد بن محمد بن محمد الجزري [ت 833هـ] عن علاء الدين بن العطار [ت 724هـ] عن مؤلفه محيى الدين يحيى بن شرف النووي [ت 676هـ] رحمه الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ البرّ الجوادِ، الذي جلّت نِعَمُهُ عن الإحصاءِ بالأعدادِ، المانّ باللطفِ والإرشادِ، الهادي إلى سبيل الرشادِ، الموفِّقِ للتَّفقهِ في الدين مَن لطَفَ بهِ واختارَهُ منَ العبادِ. أحمدُهُ أبلغَ حمدٍ وأكملهُ وأزكاهُ وأشملهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلأا الله الواحدُ الغفَّارُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ المصطفى المُختارُ صلى الله وسلَّمَ عليهِ وزادهُ فضلاً وشرَفًا لديهِ. أمَّا بعدُ فإنَّ الاشتغالَ بالعلمِ من أفضلِ الطَّاعاتِ وأولى ما أنْفقَتْ فيهِ نفائسُ الأوقاتِ، وقد أكثرَ أصحابُنا رحمهُمُ الله من التصنيفِ منَ المبسوطاتِ والمُختصرات، وأتقنُ مختصر "المحرر" للإمام أبي القاسم الرافعي رحمهُ الله تعالى ذي التحقيقات،
وهوَ كثيرُ الفوائدِ، عمدةٌ في تحقيقِ المذهبِ، مُعتمدٌ للمفتي وغيرهِ من أولي الرَّغباتِ، وقد التزمَ مُصنِّفُهُ رحمه الله أن ينُصَّ على ما صحَّحَهُ مُعظمُ الأصحابِ ووفَّى بما التزَمَهُ وهوَ من أهمِّ أو أهمُّ المطلوباتِ، لكن في حجمِهِ كِبرٌ يعجزُ عن حفظهِ أكثرُ أهلِ العصرِ إلا بعضَ أهل العِناياتِ، فرأيتُ اختصارهُ في نحو نصفِ حجمِهِ ليسهُلَ حفظُهُ مع ما أضمّهُ إليهِ إن شاء َ الله تعالى من النَّفائسِ المُستجاداتِ، منها التَّنبيهُ على قيودٍ في بعض المسائل هيَ منَ الأصل محذوفاتٌ، ومنها مواضعُ يسيرةٌ ذكرَها في المُحرر على خلافِ المُختار في المذهبِ كما ستراها إن شاء الله تعالى واضحاتٍ، ومنها إبدالُ ما كانَ من ألفاظِهِ غريبًا أو موهِمًا خلافَ الصوابِ بأوضحَ وأخصرَ منهُ بعباراتٍ جلياتٍ [1]،
ومنها بيانُ القولَيْن والوجهَين والطريقَين والنصَ ومراتبِ الخلافِ في جميع الحالاتِ فحيثُ أقولُ في الأظهر أو المشهور فمنَ القولَين أو الأقوال، فإن قويَ الخلافُ قلتُ الأظهرُ وإلا فالمشهورُ، وحيثُ أقولُ الأصحّ أو الصحيحُ فمنَ الوجهين أو الأوجهِ، فإن قويَ الخلافُ قلتُ الأصحّ وإلا فالصحيحُ، وحيثُ أقولُ المذهبُ فمن الطريقَين أو الطرق، وحيثُ أقولُ النصّ فهوَ نص الشافعي رحمهُ الله ويكون هناكَ وجهٌ ضعيفٌ أو أقولُ مُخَرَّجٌ، وحيثُ أقولُ الجديدُ قالقديمُ خلافُهُ، أو القديمُ أو في قولٍ قديم فالجديدُ خلافُهُ، وحيثُ أقولُ وقيلَ كذا فهو وجهٌ ضعيفٌ والصحيحُ أو الأصحّ خلافُهُ، وحيثُ أقولُ وفي قولٍ كذا فالرَّاجحُ خلافُهُ،
ومنها مسائلٌ نفيسةٌ أضُمّها إليه ينبغي أن لا يُخلَى الكتابُ منها، وأقولُ في أوَّلها قلتُ وفي ءاخرها واللهُ أعلمُ. وما وجدتُهُ من زيادةِ لفظِ ونحوها على ما في المُحرّر فاعتمِدْها فلا بُدَّ منها، وكذا ما وجدتُهُ من الأذكار مُخالفًا لما في المُحرّر وغيره من كُتُبِ الفقهِ فاعتمدْهُ فإنِّي حققتهُ من كُتُبِ الحديثِ المُعتمدةِ، وقد أقدِّمُ بعضَ مسائل الفَصْلِ لمناسبةٍ أو اختصار، ورُبَّما قدَّمتُ فصلاً للمناسبةِ، وأرجو إنْ تمَّ هذا المُختصرُ أن يكون في معنى الشَّرح للمُحرر، فإنِّي لا أحذفُ منهُ شيئًا منَ الأحكامِ أصلاً ولا منَ الخلافِ ولو كانَ واهيًا معَ ما أشرتُ إليهِ من النَّفائس، وقد شَرَعتُ في جمعِ جُزءٍ لطيفٍ على صورةِ الشرح لدقائقِ هذا المختصر،
ومقصودي به التنبيهُ على الحكمةِ في العدولِ عن عبارةِ المُحرّر وفي إلحاق قيدٍ أو حرفٍ أو شرطٍ للمسئلةِ ونحو ذلك، وأكثرُ من ذلك من الضَّرورياتِ التي لا بُدَّ منها. وعلى الله الكريم اعتمادي وإليهِ تفويضي واستنادي وأسألُهُ النَّفعَ بهِ لي ولسائر المُسلمينَ ورضوانَهُ عني وعن أحبَّائي وجميع المؤمنين.
الهوامش:
[1] في الغالب الباء تدخل في المتروك، والعكس أيضًا جائز. وأبدل طالعي نَحسِي بِسَعدِي هنا الباء دخلت في المأتي به.
كتاب الطهارة
قال الله تعالى: {وَأنْزَلنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا} [48، سورة الفرقان]. يُشتَرَطُ لِرَفعِ الحَدثِ والنَّجَسِ ماءٌ مطلقٌ وهُوَ ما يقعُ عليهِ اسمُ ماءٍ بلا قيدٍ فالمُتَغَيِّرُ بمُستَغنى عنهُ كزعفَرانٍ تَغَيّرًا يمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ غيرُ طهور، ولا يَضُرّ تغيّرٌ لا يمنعُ الاسمَ ولا مُتغيّرٌ بمكثٍ وطينٍ وطحلبٍ وما في مقرّهِ وممَرّهِ، وكذا مُتَغيرٌ بمُجاورٍ كعودٍ ودُهنٍ أو بِتُرابٍ طُرِحَ فيهِ في الأظهرِ. ويُكرَهُ المُشَمَّسُ. والمُستعملُ في فرضِ الطهارةِ قيلَ ونفلِها غيرُ طهورٍ في الجديدِ، فإنْ جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَين فطهورٌ في الأصحّ.
ولا تَنْجُسُ قُلَّتا الماءِ بمُلاقاةِ نَجِسٍ، فإن غَيَّرَهُ فنجِسٌ، فإن زالَ تغيُّرُهُ بنفسِهِ أو بماءٍ طهرَ أو بِمِسكٍ وعفرانٍ فلا، وكذا تُرابٌ وجِصٌّ في الأظهرِ، ودونهُما ينجُسُ بالمُلاقاةِ، فإنْ بَلَغهُما بماءٍ ولا تَغَيُّرَ بهِ فطهورٌ، فلو كُوثِرَ بإيرادِ طَهورٍ فلم يبلغهُما لم يطهُرْ وقيلَ طاهرٌ لا طهورٌ، ويُستثنى مَيْتةٌ لا دمَ لها سائلٌ فلا تُنَجِّسُ مائعًا على المَشهورِ، وكذا في قولٍ نَجِسٌ لا يُدركُهُ طرْفٌ. قلتُ ذا القولُ أظهَرُ،
والله أعلم. والجاري كراكِدٍ، وفي القديم لا ينجُسُ بلا تَغَيّرٍ. والقُلَّتان خمسُمائةِ رطلٍ بغداديّ تقريبًا في الأصحّ. والتَّغَيُّرُ المُؤثرُ بطاهرٍ أو نَجسٍ طعمٌ أو لونٌ أو ريحٌ. ولو اشتَبَهَ ماءٌ طاهرٌ بنجسٍ اجتَهَدَ وتَطَهَّرَ بما ظنَّ طهارتَهُ وقيلَ إن قَدَرَ على طاهرٍ بيقينٍ فلا، والأعمى كبصيرٍ في الأظهرِ، أو ماءٌ وبولٌ لم يجتهد على الصحيحِ بل يُخلطان ثمَّ يَتَيمَّمُ، أو وماءُ وَردٍ توضّأ بكُلٍّ مرةً، وقيلَ له الاجتهادُ، وإذا استعملَ ما ظنَّهُ أراقَ الآخرَ، فإنْ تركَهُ وتَغَيَّرَ ظنُّهُ لمْ يعملْ بالثاني على النَّصّ بل يَتَيَمَّمُ بلا إعادةٍ في الأصحّ، ولو أخبرهُ بِتَنَجّسِهِ مقبولُ الرّوايةِ وبَيَّنَ السَّببَ أو كانَ فقيهًا مُوافقًا اعتَمَدهُ،
ويَحلُّ استعمالُ كلّ إناءٍ طاهرٍ إلا ذهبًا وفضةً فيحرُمُ وكذا اتخاذُهُ في الأصحّ، ويَحلُّ المُموَّهُ في الأصحّ والنَّفيسُ كياقوتٍ في الأظهر، وما ضُبّبَ بذهبٍ أو فضةٍ ضَبَّةً كبيرةً لزينةٍ حَرُمَ، أو صغيرةً بقدرِ الحاجةِ فلا، أو صغيرةً لزينةٍ أو كبيرةً لحاجةٍ جازَ في الأصحّ، وضَبَّةُ موضع الاستعمالِ كغيرِهِ في الأصحّ. قلتُ المذهبُ تحريمُ ضبةِ الذهبِ مُطلقًا، والله أعلم.
