يُستَحبُّ الالتِقاطُ لِواثقٍ بأمانةِ نفسهِ، وقيلَ يجبُ، ولا يُستحبُّ لغيرِ واثقٍ ويجوزُ في الأصحِّ، ويُكرهُ لفاسقٍ، والمذهبُ أنَّهُ لا يجبُ الإشهادُ على الالتِقاطِ، وأنَّهُ يَصِحُّ التِقاطُ الفاسِقِ والصّبيّ والذميّ في دارِ الإسلامِ ثُمّ الأظهرُ أنَّهُ يُنْزعُ منَ الفاسِقِ ويُوضَعُ عندَ عَدْلٍ وأنَّهُ لا يُعْتَمَدُ تعريفُهُ، بل يُضَمُّ إليهِ رقيبٌ ويُنزعُ الوليُّ لُقطةَ الصَّبيّ ويُعرّفُ ويَتَمَلَّكها للصبي إنْ رأى ذلك حيثُ يجوزُ الاقتراضُ لهُ، ويَضمنُ الوليّ إنْ قَصَّرَ في انتِزاعِهِ حتى تَلِفَ في يدِ الصَّبيّ، والأظهرُ بُطلانُ التِقاطِ العبدِ ولا يُعتدُّ بِتعريفِهِ فلو أخذهُ سيدُهُ منهُ كانَ التِقاطًا.

قلتُ المذهبُ صِحَّةُ التِقاطِ المُكاتَبِ كتابةً صحيحةً ومنْ بعضُهُ حُرٌّ وهيَ لهُ ولسَيِّدِهِ، فإنْ كانتْ مُهَايأةٌ فلصاحِبِ النَّوبةِ في الأظهرِ وكذا حُكمُ سائرِ النّادرِ مِنَ الأكْسابِ والمُؤنِ إلا أرْشَ الجِنايةِ، والله أعلمُ. [فصلٌ] الحيوانُ المملوكُ المُمْتَنِعُ مِنْ صغارِ السّباعِ بقوَّةٍ كَبَعيرٍ وفَرسٍ أو بِعَدوٍ كأرنبٍ وظبيٍ أو طيرانٍ كحمامٍ إنْ وُجِدَ بِمَفازَةٍ فَلِلقاضي التِقاطُهُ للحِفظِ وكذا لغيرِهِ في الأصَحِّ ويَحرُمُ التِقاطُهُ لِتَمَلُّكٍ، وإنْ وُجِدَ بِقريةٍ فالأصحُّ جوازُ التِقاطِهِ للتَّمَلُّكِ، وما لا يَمتنِعُ منها كشاةٍ يجوزُ التِقاطُهُ للتَّمَلُّكِ في القريةِ والمَفازةِ،

ويَتَخَيَّرُ ءاخِذُهُ مِنْ مفازةٍ فإنْ شاءَ عرَّفهُ وتَملَّكهُ أو باعَهُ وحَفِظَ ثمنهُ وعرَّفها ثمَّ تملَّكهُ أو أكلهُ وعَرِمَ قيمتهُ إنْ ظهرَ مالِكُهُ، فإنْ أخذَ مِنَ العُمرانِ فلهُ الخَصلتانِ الأوليانِ لا الثالثةُ في الأصحِّ، ويجوزُ أنْ يَلتقِطَ عبدًا لا يميزُ ويلتقِطَ غيرَ الحيوانِ، فإنْ كانَ يَسْرُعُ فسادُهُ كَهَريسةٍ فإنْ شاءَ باعهُ وعرَّفهُ لِيَتَملَّكَ ثمنَهُ وإنْ شاءَ تَمَلَّكهُ في الحالِ وأكلهُ، وقيلَ إنْ وجدهُ في عُمرانٍ وجبَ البيعُ، وإنْ أمْكَنَ بقاؤُهُ بِعِلاجٍ كرُطبٍ يَتَجَفَّفُ فإنْ كانتِ الغِبطةُ في بيعِهِ بِيعَ أو في تجفيفِهِ وتبرَّعَ بهِ الواجِدُ جفَّفهُ وإلا بيعَ بعضُهُ لِتَجفيفِ الباقي،

ومَنْ أخذَ لُقطةً للحِفظِ أبدًا فهيَ أمانةٌ، فإنْ دفعَها إلى القاضي لَزِمهُ القبولُ ولمْ يُوجبِ الأكثرونَ التَّعريفَ والحالةُ هذهِ فلوْ قصدَ بعدَ ذلكَ خيانةً لمْ يَصِرْ ضامِنًا في الأصَحِّ، وإنْ أخذَ بقصدِ خيانةٍ فضامِنٌ وليسَ لهُ بعدهُ أن يُعَرّفَ ويَتَمَلَّكَ على المذهبِ، وإنْ أخذَ ليُعَرّفَ ويتَملَّكَ فأمانةٌ مُدةَ التَّعريفِ وكذا بعدَها ما لمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ في الأصحِّ، ويَعْرفُ جِنسها وصفتَها وقدرها وعِفاصِها ووِكاءَها ثمَّ يُعرّفُها في الأسواقِ وأبوابِ المَساجِدِ ونحوها سنةً على العادةِ يُعرّفُ أولاً كُلَّ يومٍ طَرَفيْ النَّهارِ ثمَّ كُلَّ يومٍ مرَّةً ثمَّ كُلَّ أسبوعٍ ثمَّ كلَّ شهرٍ ولا تكفي سنةً مُتَفَرِّقةٌ في الأصحِّ قلتُ الأصحُّ تكفي،

والله أعلمُ، ويذكُرُ بعضَ أوْصافِها ولا يلزمُهُ مُؤنةُ التَّعريفِ إنْ أخذَ لِحِفظٍ بلْ يُرَتّبها القاضي مِنْ بيتِ المالِ أوْ يَقْتَرضُ على المالِكِ، وإنْ أخذَ لتَملُّكٍ لَزِمَتهُ، وقيلَ إنْ لمْ يَتَمَلَّكْ فعلى المالِكِ، والأصحُّ أنَّ الحقيرَ لا يُعرَّفُ سنةً بلْ زمنًا يُظَنُّ أنَّ فاقِدَهُ يُعرِضُ عنهُ غالِبًا. [فصلٌ] إذا عَرَّفَ سنةً لمْ يَمْلِكها حتى يَختارَهُ بلفظٍ كَتَمَلَّكتُ وقيلَ تكفي النِّيَّةُ وقيلَ يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السنةِ، فإنْ تملَّكَ فظهَرَ المالِكُ واتَّفقا على ردِّ عينِها فذاكَ، وإنْ أرادَها المالِكُ وأرادَ المُلتَقِطُ العُدولَ إلى بَدَلِها أُجيبَ المالِكُ في الأصحِّ وإنْ تَلِفَتْ غَرِمَ مِثْلها أو قيمَتها يومَ التَّمَلُّك،

وإنْ نَقَصتْ بعَيْبٍ فلهُ أخذُها معَ الأرْشِ في الأصحِّ، وإذا ادَّعاها رجُلٌ ولمْ يَصِفها ولا بيّنَةَ لمْ تُدْفَعْ إليهِ، وإنْ وصفها وظُنَّ صدقُهُ جازَ الدفعُ ولا يجبُ على المذهبِ، فإنْ دفعَ فأقامَ ءاخَرُ بيّنةً بها حُوِّلَتْ إليهِ، فإنْ تَلِفَتْ عندهُ فلِصاحِبِ البَيِّنةِ تَضمينُ المُلتَقِطِ والمدفوعِ إليهِ والقرارُ عليهِ قلتُ لا تَحِلُّ لُقطةُ الحَرَمِ للتَّمَلُّكِ على الصَّحيحِ، ويجبُ تَعريفُها قطعًا، والله أعلمُ.

كتاب اللقيط

التِقاطُ المنبوذِ فرضُ كِفايةٍ ويجبُ الإشهادُ عليهِ في الأصحِّ، وإنَّما تثبُتُ ولايةُ الالتِقاطِ لمُكَلَّفٍ حُرّ مُسلمٍ رشيدٍ، ولوِ التَقَطَ عبدٌ بغيرِ إذنِ شيّدِهِ انتُزِعَ منهُ، فإنْ علِمهُ فأقرَّهُ عِندهُ أوِ التَقطَ بإذنِهِ فالسَّيِّدُ المُلتَقِطُ، ولوِ التَقطَ صَبيٌّ أو فاسِقٌ أو مَحجورٌ عليهِ أو كافِرٌ مُسلمًا انتُزِعَ ولوِ ازْدَحَمَ اثْنانِ على أخذِهِ جَعَلهُ الحاكِمُ عندَ مَنْ يراهُ مِنهُما أوْ مِنْ غَيرِهما، وإنْ سَبَقَ واحِدٌ فالتَقَطهُ مُنِعَ الآخرُ مِنْ مُزاحَمَتِهِ، وإنِ التَقَطاهُ معًا وهُما أهلٌ فالأصَحُّ أنَّهُ يُقَدَّمُ غَنيٌّ على فقيرٍ وعَدْلٌ على مستورٍ، فإنِ استوَيا أُقْرِعَ،

وإذا وَجَدَ بَلديٌّ لَقيطًا بِبَلدٍ فليسَ لهُ نقلُهُ إلى باديةٍ، والأصحُّ أنَّ لهُ نقلهُ إلى بلدٍ ءاخرَ وأنَّ للغريبِ إذا التَقَطَ ببلدٍ أن ينقلهُ إلى بلدِهِ وإنْ وجدَهُ بباديةٍ فلهُ نقلُهُ إلى بلدٍ، وإنْ وجدَهُ بَدَويٌّ فكالحَضريّ أو بباديةٍ أُقِرَّ بيدِهِ وقيلَ إنْ كانوا يَنْتقِلونَ للنُّجْعةِ لمْ يُقَرّ، ونَفقتُهُ في مالِهِ العامّ كوقفٍ على اللُّقطاءِ، أوِ الخاصّ وهُوَ ما اختَصَّ بهِ كثيابٍ ملفُوفةٍ عليهِ ومفروشةٍ تحته وما في جَيبِهِ مِنْ دراهِمَ وغيرها ومَهْدِهِ ودنانيرَ منثورةٍ فوقهُ وتحتَهُ وإنْ وُجِدَ في دارٍ فَهِيَ لهُ وليسَ له مالٌ مدفونٌ تحتهُ وكذا ثيابٌ وأمتعةٌ موضوعةٌ بقُربِهِ في الأصحِّ،

فإنْ لمْ يُعرفْ لهُ مالٌ فالأظهرُ أنَّهُ يُنْفقُ عليهِ من بيتِ المالِ فإنْ لم يكُنْ قامَ المُسلمونَ بِكِفايتِهِ قرضًا وفي قولٍ نفقةً، وللمُلتَقِطِ الاستقلالُ بِحِفظِ مالِهِ في الأصَحِّ ولا يُنفقُ عليهِ منهُ إلا بإذنِ القاضي قطعًا. [فصلٌ] إذا وُجدَ لقيطٌ بِدارِ الإسلامِ وفيها أهلُ ذِمَّةٍ أو بِدارٍ فَتضحوها واقرُّوها بيدِ كُفَّارٍ صُلْحًا أوْ بعدَ مِلْكِها بِجِزيةٍ وفيها مُسلمٌ حُكِمَ بإسلامِ اللَّقيطِ، وإنْ وُجِدَ بدارِ كفَّارٍ فكافِرٌ إنْ لمْ يسكُنْها مسلمٌ وإن سكَنها مسلمٌ كأسيرٍ وتاجرٍ فمًسلِمٌ في الأصحِّ [1]، ومَنْ حثكِمَ بإسلامِهِ بالدَّارِ فأقامَ ذِمِّيٌّ بَيّنةً بِنَسبهِ لَحِقهُ وتَبِعهُ في الكُفرِ،

وإنِ اقْتَصَرَ على الدَّعوى فالمذهبُ أنَّهُ لا يتبعُهُ في الكُفرِ، ويُحكَمُ بإسلامِ الصَّبيّ بِجِهَتَينِ أخْرَيَيْنِ لا تُفْرضانِ في لقيطٍ إحداهُما الولادةُ فإذا كانَ أحدُ أبَوَيْهِ مُسلِمًا وقتَ العُلوقِ فهُوَ مُسلمٌ فإنْ بلغَ ووصفَ كُفرًا فمُرتَدٌّ، ولو عَلِقَ بينَ كافرَيْنِ ثُمَّ أسْلَمَ أحدُهما حُكِمَ بإسلامِهِ فإنْ بلغَ ووصفَ كُفرًا فمُرتَدٌّ وفي قولٍ كافِرٌ أصليٌّ. الثانيةُ إذا سبى مُسلمٌ طِفلاً تَبعَ السَّابيَ في الإسلامِ إنْ لمْ يكُنْ معهُ أحدُ أبَوَيْهِ، ولوْ سباهُ ذِمِّيٌّ لمْ يُحْكَمْ بإسلامِهِ في الأصَحِّ، ولا يَصِحُّ إسلامُ صَبيّ مُمَيّزٍ استِقلالاً على الصَّحيحِ [2].

[فصلٌ] إذا لمْ يُقرَّ اللَّقيطُ بِرِقّ فَهُوَ حُرٌّ إلا أنْ يُقيمَ أحدٌ بيّنةً بِرِقِّهِ، وإنْ أقرَّ بهِ لَِخصٍ فَصَدَّقهُ قُبِلَ إنْ لمْ يَسبِقْ إقرارٌ بِحُرِّيةٍ، والمذهبُ أنَّهُ لا يُشتَرطُ أنْ لا يَسْبِقَ تَصَرُّفٌ يَقتضي نُفوذُهُ حُريّةً كبيعٍ ونِكاحٍ بلْ يُقبلُ إقرارُهُ في أصلِ الرّقّ وأحكامِهِ المُستَقبَلةِ لا الماضيةِ المُضرَّةِ بغيرهِ في الأظهرِ فلوْ لَزِمهُ دَيْنٌ فأقرَّ بِرقّ وفي يدِهِ مالٌ قُضِيَ منهُ، ولوِ ادَّعى رقَّهُ مَنْ ليسَ في يدِهِ بلا بيِّنةٍ لمْ يُقْبلْ وكذا إنِ ادَّعاهُ المُلتَقِطُ في الأظهرِ، ولوْ رأينا صغيرًا مُميزًا أو غيرَهُ في يدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ ولمْ يعرفِ استِنادُها إلى التقاطٍ حُكِمَ لهُ بالرّقّ فإنْ بلغَ وقالَ أنا حُرٌّ لمْ يُقبلْ قولُهُ في الأصَحّ إلا بِبَيِّنةٍ،

ومَنْ أقامَ بيّنةً برِقِّهِ عُمِلَ بها. ويُشترطُ أنْ تَتَعرَّضَ البيّنةُ لِسببِ المِلكِ، وفي قولٍ يكفي مُطلقُ المِلْكِ، ولو اسْتَلحقَ اللقيطَ حُرٌّ مُسْلِمٌ لَحِقهُ وصارَ أوْلى بترْبِيَتِهِ، وإنِ اسْتَلحقهُ عبدٌ لَحِقهُ، وفي قولٍ يُشترطُ تصديقُ سيدهِ، وإنِ اسْتَلحقتْهُ امرأةٌ لمْ يلحقها في الأصحِّ، أو اثنانِ لم يُقَدَّمْ مُسلِمٌ وحُرٌّ على ذِمِّيّ وعبدٍ، فإنْ لمْ تكُن بينةٌ عُرِضَ على القائِفِ فيلحقُ مَنْ ألحَقَهُ بهِ فإنْ لمْ يكُنْ قائِفٌ أو تَحَيَّرَ أو نفاهُ عنهُما أو ألحقهُ بهِما أُمِرَ بالانتِسابِ بعدَ بُلوغِهِ إلى منْ يَميلُ طبعُهُ إليهِ منهُما، ولو أقاما بَينَتَيْنِ مُتعارِضَتَينِ سَقطتا في الأظهرِ.

الهوامش:

[1] أي يجري عليه حكم المسلم لا يجري عليه حكم الكافر. [2] معناه أولاد الكفار إذا تشهدوا لا يكفي هذا لإجراء أحكام الإسلام عليهم على قول وعلى قول يجري عليهم كالبالغ إذا أسلم. الحنفية عندهم يحكم عليه بالإسلام يعامل معاملة المسلم قولاً واحدًا.