الفِعْلُ المُرْهِقُ ثلاثةٌ: عَمْدٌ وخَطَأٌ وشِبْهُ عمدٍ، ولا قِصاصَ إلا في العَمْدِ وهُوَ قَصْدُ الفِعْلِ والشَّخصِ بما يقتُلُ غالبًا جارحٍ أو مُثَقَّلٍ، فإنْ فُقِدَ قَصْدُ أحدِهِما بأنْ وقعَ عليهِ فماتَ أو رمى شجرةً فأصابهُ فخطأٌ، وإنْ قَصَدهُما بما لا يقتُلُ غالبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ ومنهُ الضَّربُ بِسَوطٍ أو عصًا، فلوْ غَرَزَ إبرةً بمَقتلٍ فعمْدٌ وكذا بغيرهِ إنْ تورَّمَ وتألَّمَ حتى ماتَ، فإنْ لمْ يَظهرْ أثرٌ وماتَ في الحالِ فشِبهُ عمدٍ وقيلَ عمدٌ وقيلَ لا شيءَ، ولو غرزَ فيما لا يُؤلِمُ كَجِلدةِ عقبٍ فلا شيءَ بحالٍ، ولو حبسهُ ومنعَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ والطَّلبَ حتى ماتَ فإنْ مضَتْ مدةٌ يموتُ مثلهُ فيها غالبًا جُوعًا أو عَطَشًا فعمدٌ،
وإلا فإنْ لم يكنْ به جوعٌ وعَطَشٌ سابقٌ فشِبهُ عمدٍ، وإنْ كانَ بعضُ جوعٍ وعَطَشٍ وعَلِمَ الحابِسُ الحالَ فعمدٌ وإلا فلا في الأظهرِ، ويجبُ القِصاصُ بالسَّببِ فلو شهِدا بقِصاصٍ فقُتِلَ ثمَّ رَجَعا وقالا تَعمَّدْنا لزِمهُما القِصاصُ إلا أنْ يَعتَرِفَ الوليُّ بعِلمِهِ بكِذبِهِما، ولوْ ضَيَّفَ بِمَسمومٍ صبيًا أو مجنونًا فماتَ وجبَ القصاصُ أو بالِغًا عاقِلاً ولم يعلمْ حالَ الطَّعامِ فَدِيَّةٌ وفي قولٍ قِصاصٌ وفي قولٍ لا شيءَ، ولو دَسَّ سُمًا في طعامِ شخصٍ الغالِبُ أكلُهُ منهُ فأكلَهُ جاهِلاً فعلى الأقوالِ، ولوْ تركَ المَجروحُ عِلاجَ جُرحٍ مُهلكٍ فماتَ وجبَ القِصاصُ، ولو ألقاهُ في ماءٍ لا يُعَدُّ مُغرِقًا كمُنبَسطٍ فمكَثَ فيهِ مُضطَجِعًا حتى هلكَ فهَدَرٌ،
أو مُغرِقٍ لا يَخْلُصُ منهُ إلا بسباحةٍ، فإنْ لمْ يُحسِنها أو كانَ مَكتوفًا أو زمِنًا فعمدٌ وإنْ منعَ منها عارضٌ كريحٍ وموجٍ فشِبْهُ عمدٍ وإنْ أمكنتهُ فتَركها فلا ديَّةَ في الأظهرِ، أوْ في نارٍ يُمكنُ الخلاصُ فمكثَ ففي الدّيةِ القولانِ ولا قصاصَ في الصُّرَتينِ، وفي النارِ وجهٌ، ولو أمسكهُ فقتلهُ ءتخَرُ أو حفرَ بِئرًا فردَّاهُ فيها ءاخَرُ أو ألقاهُ مِنْ شاهقٍ فتلقاهُ ءاخَرُ فقدَّهُ فالقِصاصُ على القاتلِ والمُرْدي والقادّ فقط، ولو ألقاهُ في ماءٍ مُغرقٍ فالتقمهُ حوتٌ وجبَ القصاصُ في الأظهرِ أو غيرَ مُغرقٍ فلا، ولو أكرهَهُ على قتلٍ فعليهِ القِصاصُ وكذا على المُكرَهِ في الأظهرِ فإنْ وجبتِ الدِّيَّةُ وُزِّعَتْ،
فإنْ كافأهُ أحدُهُما فقط فالقصاصُ عليهِ، ولو أكْرَهَ بالغٌ مُراهِقًا فعلى البالغِ القصاصُ إنْ قلنا عمدُ الصبيّ عمدٌ وهُوَ الأظهرُ، ولو أكرهَ على رَمْيِ شاخِصٍ عَلِمَ المُكرهُ أنَّهُ رجلٌ وظنَّهُ صيدًا فالأصحُّ وجوبُ القصاصِ على المُكرِهِ، أو على رميِ صيدٍ فأصابَ رجُلاً فلا قصاصَ على أحدٍ، أو على صُعودِ شجرةٍ فَزَلقَ وماتَ فشِبهُ عمدٍ وقيلَ عمدٌ، أو على قتلِ نفسهِ فلا قصاصَ في الأظهرِ، ولو قالَ: اقتُلني وإلا قتلتُكَ فقتلهُ فالمذهبُ لا قِصاصَ والأظهرُ لا ديَّةَ، ولو قالَ اقتُلْ زيدًا أو عمرًا فليسَ بإكراهٍ.
[فصلٌ] وُجدَ مِنْ شَخصَينِ معًا فِعلانِ مُزْهِقانِ مُذفِفانِ كَحَزّ وقَدّ أو لا كقطعِ عُضوَينِ فقاتِلانِ وإنْ أنهاهُ رجلٌ إلى حركةِ مذبوحٍ بأنْ لم يبقَ إبصار ونُطْقُ وحركةُ اختيارٍ ثمَّ جَنى ءاخَرُ فالأوَّلُ قاتِلٌ ويُعَزَّزُ الثاني، وإنْ جنى الثاني قبلَ الإنهاءِ إليها فإنْ ذَفَّفَ كحَزّ بعدَ جرحٍ فالثاني قاتلٌ وعلى الأوَّلِ قِصاصُ العُضوِ أو مالٌ بحسبِ الحالِ وإلا فقاتِلانِ، ولو قتلَ مريضًا في النَّزعِ وعيشُهُ عَيْشُ مذبوحٍ وجبَ القصاصُ. [فصلٌ] قَتَلَ مُسلِمًا ظنَّ كُفرهُ بِدارِ الحربِ لا قصاصَ وكذا لا ديَّةَ في الأظهرِ، أو بدارِ الإسلامِ وجَبا وفي القصاصِ قولٌ، أو مَنْ عَهِدَهُ مُرْتَدًا أو ذِمِّيًا أو عبدًا أو ظنَّهُ قاتِلَ أبيِ فبانَ خلافهُ فالمذهبُ وجوبُ القصاصِ،
ولو ضربَ مريضًا جَهِلَ مرضهُ ضربًا يقتلُ المريضَ وجبَ القصاصُ، وقيلَ لا، ويُشترطُ لوجوبِ القِصاصِ في القتيلِ إسلامٌ أو أمانٌ فيُهْدَرُ الحربيُّ والمُرتدُّ، ومَنْ عليهِ قصاصٌ كغيرهِ، والزّاني المُحْصَنُ إنْ قَتَلهُ ذِمِّيٌّ قُتِلَ أو مسلمٌ فلا في الأصحِّ وفي القاتلِ بُلوغٌ وعقلٌ، والمذهبُ وُجُوبُهُ على السَّكرانِ، ولو قالَ كنتُ يومَ القتلِ صبيًا أو مجنونًا صُدِّقَ بيمينِهِ إنْ أمكنَ الصّبا وعُهِدَ الجنونُ، ولو قالَ أنا صبيٌّ فلا قصاصَ ولا يُحَلَّفُ، ولا قصاصَ على حربيّ، ويجبُ على المعصومِ والمرتدّ، ومُكافأةٌ فلا يُقتلُ مسلمٌ بذِمّيّ، ويُقتلُ ذمّيّ بهَ وبذميّ وإنِ اختلفتْ مِلَّتُهُما، فلو أسلمَ القاتِلُ لم يسقُطِ القِصاصُ ولو جَرَحَ ذِمّيٌّ وأسلمَ الجارحُ ثمَّ ماتَ المجروحُ فكذا في الأصحِّ،
وفي الصورَتينِ إنَّما يَقْتصُّ الإمامُ بطلبِ الوارِثِ، والاظهرُ قتلُ مرتدّ بذميّ وبمرتدّ لا ذميّ بمُرتدّ، ولا يُقتلُ حُرٌّ بمنْ فيهِ رِقٌّ، ويُقتلُ قِنٌّ ومُدَبَّرٌ ومُكاتَبٌ وأمُّ ولدٍ بعضُهُم ببعضٍ، ولوْ قتلَ عبدٌ عبدًا ثمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو عَتَقَ بينَ الجُرْحِ والموتِ فكحُدوثِ الإسلامِ، ومَنْ بعضُهُ حُرٌّ لوْ قتلَ مِثلهُ لا قِصاصَ، وقيلَ إنْ لمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ القاتِلِ وجبَ، ولا قصاصَ بينَ عبدٍ مُسلمٍ وحُرٍّ ذِمّيّ، ولا بِقتلِ ولدٍ وإنْ سفلَ ولا لهُ، ويُقتلُ بوالِدَيهِ، ولو تَداعَيا مجهولاً فقتلهُ أحدُهُما فإنْ ألْحَقهُ القائِفُ بالآخرِ اقتَصَّ وإلا فلا، ولو قتلَ أحدُ أخوَينِ الأبَ والآخَرُ الأمَّ معًا فلِكُلّ قصاصٌ ويُقَدَّمُ بقُرعةٍ،
فإنِ اقتصَّ بها أو مُبادرًا فلِوارثِ المُقْتصّ منهُ قتلُ المُقتصِ إنْ لمْ نُورّثْ قاتِلاً بحقّ، وكذا إنْ قتلا مُرَتَّبًا ولا زوجيَّةَ، وإلا فعلى الثاني فقط، ويُقتلُ الجَمْعُ بِواحدٍ، وللوليّ العَفْوُ عنْ بعضِهِمْ على حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَّةِ باعتِبارِ الرُّؤوسِ، ولا يُقتلُ شريكُ مُخطِئ وشِبْهِ عَمْدٍ، ويُقتلُ شريكُ الأبِ وعبدٌ شاركَ حُرًا ف عبدٍ، وذميٌّ شاركَ مُسلمًا في ذميّ وكذا شريكُ حربيّ وقاطعٍ قِصاصًا أو حدًا وشريكُ النَّفسِ ودافِعِ الصَّائلِ في الأظهرِ، ولو جرحَهُ جُرحَينِ عمدًا وخطأً وماتَ بهما أو جرحَ حربيًا أو مُرتدًا ثمَّ أسلمَ وجرحَهُ ثانيًا فماتَ لم يُقتلْ، ولو داوى جُرْحهُ بسمّ مُذفّفٍ فلا قصاصَ على جارِحِهِ،
وإنْ لمْ يقتُلْ غالبًا فشِبهُ عمدٍ، وإنْ قتلَ غالبًا وعَلِمَ حالهُ فشريكُ جارحِ نفسهِ وقيلَ شريكُ مُخطِئ، ولوْ ضربوهُ بسياطٍ فقتلوهُ وضَرْبُ كُلّ واحدٍ غيرُ قاتلٍ ففي القصاصِ عليهِمْ أوجُهٌ أصحُها يجبُ إنْ تَواطَئوا، ومَنْ قتلَ جَمْعًا مُرَتَّبًا قُتِلَ بأوَّلهم أو معًا فبالقُرعةِ وللباقينَ الدّياتِ. قلتُ فلوْ قَتَلهُ غيرُ الأوَّلِ عَصَى ووقعَ قصاصًا وللأوَّلِ ديةٌ،
والله أعلمُ. [فصلٌ] جَرَحَ حربيًا أو مُرتدًا أو عبدَ نفسهِ فأسلَمَ وعَتَقَ ثمَّ ماتَ بالجُرحِ فلا ضمانَ وقيلَ تجبُ ديةٌ، ولوْ رماهُما فأسلَمَ وعَتَقَ فلا قصاصَ والمذهبُ وُجوبُ ديةِ مسلمٍ مُخَفَّفةً على العاقِلةِ، ولوِ ارتدَّ المجروحُ وماتَ بالسّرايةِ فالنَّفسُ هَدَرٌ، ويجبُ قِصاصُ الجُرْحِ في الأظهرِ يَسْتَوفيهِ قريبُهُ المسلمُ وقيلَ الإمامُ، فإنِ اقتضى الجرحُ مالاً وجبَ أقلُّ الأمرَينِ مِنْ أرشِهِ وديةٍ وقيلَ أرشُهُ وقيلَ هدرٌ، ولوِ ارتدَّ ثمَّ أسلمَ فماتَ بالسّرايةِ فلا قصاصَ وقيلَ إنْ قَصُرَتِ الرّدّةُ وجبَ وتَجِبُ الدّيةُ وفي قولٍ نِصفُها، ولوْ جرحَ مسلمٌ ذميًا فأسلمَ أو حُرٌّ عبدًا فعتَقَ وماتَ بالسّرايةِ فلا قصاصَ وتجبُ ديةُ مسلمٍ وهيَ لِسَيِّدِ العبدِ فإنْ زادتْ على قيمتِهِ فالزيادةُ لورثتِهِ،
ولو قطعَ يدَ عبدٍ فعتقَ ثمَّ ماتَ بسرايةٍ فللسيِّدِ الأقلُّ مِنَ الديةِ الواجبةِ ونِصفِ قيمتِهِ وفي قولٍ الأقلُّ مِنَ الديةِ وقيمتِهِ، ولو قطعَ يدهُ فعتقَ فجرحَهُ ءاخَرانِ وماتَ بسِرايتِهم فلا قصاصَ على الأوَّلِ إنْ كانَ حُرًا ويجبُ على الآخرينَ. [فصلٌ] يُشترطُ لقصاصِ الطَّرفِ والجُرحِ ما شُرِطَ للنَّفسِ، ولوْ وَضعوا سيفًا على يدِهِ وتَحاملوا عليهِ دفعةً فأبانُوها قُطِعوا، وشِجاجُ الرَّأسِ والجهِ عشْرٌ حارصةٌ وهيَ ما شَقَّ الجِلْدَ قليلاً، وداميةٌ تُدْميهِ، وباضعةٌ تقطعُ اللحمَ، ومُتلاحِمَةٌ تغوصُ فيهِ، وسِمحاقٌ تبلغُ الجلدةَ التي بينَ اللحمِ والعظمِ، ومُوضِحةٌ توضِحُ العَظمَ، وهاشِمةٌ تهشمُهُ،
ومُنقِّلةٌ تنقُلُهُ، ومأمومةٌ تبلغُ خويطةَ الدّماغِ، ودامغةٌ تخرقُها، ويجبُ القصاصُ في المُوضحةِ فقط وقيلَ وفيما قبلَها سوى الحارصةِ، ولو أوضحَ في باقي البدنِ أو قطعَ بعضَ مارِنٍ أو أذنٍ ولمْ يُبِنْهُ وجبَ القصاصُ في الأصحِّ، ويجبُ في القطعِ مِنْ مَفصلٍ حتى في أصلِ فخذٍ ومَنكبٍ إنْ أمكنَ بلا إجافةٍ وإلا فلا على الصحيحِ ويجبُ في فقْءِ عينٍ وقطعِ أذنٍ وجَفنٍ ومارنٍ وشفةٍ ولسانٍ وذَكَرٍ وأنْثَيَيْنِ وكذا ألْيانِ وشُفرانِ في الأصحِّ، ولا قصاصَ في كسْرِ العِظامِ ولهُ قطعُ أقربِ مَفصلٍ إلى موضعِ الكَسْرِ وحُكومةُ الباقي، ولو أوضَحهُ وهَشَمَ أوضَحَ وأخذَ خمسةَ أبْعرةٍ، ولو أوضَحَ ونَقَّلَ أوْضَحَ ولهُ عشرةُ أبْعِرةٍ،
ولو قطعهُ مِنَ الكوعِ فليسَ لهُ التِقاطُ أصابعِهِ فإنْ فعلهُ عُزّزَ ولا غُرمَ والأصحُّ أنَّ لهُ قَطْعَ الكَفّ بعدهُ، ولو كَسَرَ عضُدَهُ وأبانهُ قُطِعَ مِنَ المِرفقِ ولهُ حُكومةُ الباقي فلو طلبَ الكوعَ مُكّنَ في الأصحِّ، ولوْ أوضحهُ فذَهَبَ ضَوْؤُهُ أوضَحهُ فإنْ ذهبَ الضَّوءُ وإلا أذهبهُ بأخَفِّ مُمْكن كتقريبِ حديدةٍ مُحَمَّاةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ، ولو لطمهُ لطمةً تُذهِبُ ضوءَهُ غالِبًا فذهبَ لَطَمهُ مِثلها فإنْ لمْ يذهبْ أُذهِبَ، والسَّمعُ كالبَصَرِ يجبُ القصاصُ فيهِ بالسّرايةِ وكذا البطشُ والذَّوقُ والشَّمُّ في الأصحِّ، ولو قطعَ أصبعًا فَتأكلَ غيرُها فلا قصاصَ في المتأكّلِ.
