الفقيرُ مَنْ لا مالَ لهُ ولا كَسْبَ يقعُ مَوْقعًا مِنْ حاجَتِهِ، ولا يَمنعُ الفقرَ مسكنُهُ وثيابُهُ ومالُهُ الغائبُ في مَرْحَلتينِ والمُؤجَّلُ وكسبٌ لا يليقُ بِهِ، ولوِ اشْتَغَلَ بِعلمٍ والكَسبُ يمنعُهُ ففقيرٌ ولوِ اشتغلَ بالنَّوافِلِ فلا، ولا يُشترطُ فِيهِ الزَّمانةُ ولا التَّعَفُّفُ عنِ المسئلةِ على الجديدِ والمَكْفِيُّ بِنفقةِ قريبٍ أوْ زوجٍ ليسَ فقيرًا في الأصحِّ، والمِسكينُ مَنْ قَدَرَ على مالٍ أو كَسْبٍ يقعُ مَوقعًا مِنْ كِفايتِهِ ولا يكفيهِ.

والعامِلُ ساعٍ وكاتبٌ وقاسِمٌ وحاشرٌ يَجْمعُ ذَوي الأموالِ لا القاضي والوالي، والمُؤلَّفةُ مَنْ أسلَمَ ونيَّتُهُ ضعيفةٌ أوْ لَهُ شرَفٌ يُتَوَقَّعُ بإعطائِهِ إسلامُ غيرهِ، والمذهبُ أنَّهُمْ يُعطَونَ مِنَ الزكاةِ. والرِّقابُ المُكاتَبونَ. والغارِمُ إنِ اسْتَدانَ لنفسِهِ فِي غيرِ مَعصيةٍ أُعطيَ. قلتُ الأصحُّ يُعطى إذا تابَ،

والله أعلمُ، والأظهرُ اشْتراطُ حاجتِهِ دونَ حُلولِ الدَّينِ. قلتُ الأصحُّ اشْتِراطُ حُلولِهِ، واللهُ أعلمُ، أو لإصلاحِ ذاتِ البَينِ أُعطيَ معَ الغِنى، وقيلَ إنْ كانَ غنيًا بِنَقدٍ فلا وسبيلُ اللهِ تعالى غُزاةٌ لا فيءَ لهُمْ فيُعطَونَ معَ الغني. وابنُ السبيلِ مُنشِئُ سَفرٍ أو مُجتازٌ، وشرطُهُ الحاجةُ وعدمُ المعصيةِ، وشرطُ ءاخِذِ الزَّكاةِ منْ هذهِ الأصنافِ الثَّمانيةِ الإسلامُ وأنْ لا يكونَ هاشِميًا ولا مُطلبيًا وكذا مولاهُمْ فِي الأصحِّ. [فصلٌ] مَنْ طلبَ زكاةً وعَلِمَ الإمامُ اسْتِحقاقهُ أو عدمَهُ عَمِلَ بعِلمِهِ وإلا فإنِ ادَّعى فَفرًا أو مَسكنةً لمْ يُكَلَّف ببيّنةٍ، فإنْ عُرِفَ لَهُ مالٌ وادَّعى تلَفهُ كُلّفَ،

وكذا إنِ ادَّعى عِيالاً فِي الأصحِّ، ويُعطى غازٍ وابنُ سبيلٍ بقولِهما، فإنْ لم يَخْرُجا اسْتُردَّ، ويُطالبُ عامِلٌ ومُكاتبٌ وغارِمٌ ببيّنةٍ وهِيَ إخبارُ عَدْلَينِ، ويُغْني عنها الاسْتِقاضةُ وكذا تصديقُ ربِّ الدَّينِ والسَّيدِ فِي الأصحِّ، ويُعطى الفقيرُ والمِسكينُ كِفايةَ سنةٍ. قلتُ الأصحُّ المَنْصوصُ وقولُ الجُمهورِ كفايةَ العُمْرِ الغالِبِ فيَشتري بِهِ عقارًا يَسْتَغِلُّهُ، واللهُ أعلمُ، والمُكاتبُ والغارِمُ قَدْرَ دينِهِ، وابنُ السَّبيلِ ما يُوَصّلهُ مَقصدهُ أو موضِعَ مالِهِ، والغازي قدرَ حاجَتِهِ نفقةً وكِسوةً ذاهِبًا وراجِعًا ومُقيمًا هُناكَ وفرسًا وسِلاحًا ويصيرُ ذلكَ مِلكًا لَهُ، ويهَيَّأُ لَهُ،

ولابنِ السبيلِ مركوبٌ إنْ كانَ السَّفرُ طويلاً أو كانَ ضعيفًا لا يُطيقُ المشيَ، وما يَنْقُلُ عليهِ الزادَ ومتاعَهُ إلا أنْ يكونَ قدرًا يَعتادُ مِثلهُ حَمْلَهُ بنفسِهِ، ومَنْ فِيهِ صِفَتا استِحقاقٍ يُعطى بإحداهُما فقط فِي الأظهرِ. [فصلٌ] يجبُ استيعابُ الأصنافِ إنْ قَسَّمَ الإمامُ وهُناكَ عامِلٌ، وإلا فالقسمةُ على سبعةٍ فإنْ فُقِدَ بعضُهُم فعلى المَوجودينَ، وإذا قَسَّمَ الإمامُ اسْتَوْعَبَ مِنَ الزَّكواتِ الحاصلةِ عندهُ ءاحادَ كلّ صنفٍ، وكذا يَستوعبُ المالكُ إنِ انحصرَ المُستحقونَ في البلدِ ووَفى بهم المالُ، وإلا فيجبُ إعطاءُ ثلاثةٍ، وتجبُ التَّسويةُ بينَ الأصنافِ لا بينَ ءاحادِ الصنفِ، إلا أنْ يُقَسّمَ الإمامُ فيحرُمُ عليهِ التَّفضيلُ معَ تساوي الحاجاتِ،

والأظهرُ مَنْعُ نقلِ الزكاةِ، ولو عُدِمَ الأصنافُ في البلدِ وجبَ النَّقلُ أو بعضهُم وجَوَّزنا النَّقلَ وجبَ، وإلا فَيُردُّ على الباقينَ وقيلَ يُنقلُ، وشرطُ السَّاعي كونُهُ حُرًا عدْلاً فقيهًا بأبوابِ الزكاةِ، فإنْ عُيّنَ لهُ أخْذٌ ودَفْعٌ لمْ يُشترطْ الفِقهُ وليُعلِمْ شهرًا لأخذها، ويُسَنُّ وسْمُ نعَمِ الصَّدقةِ والفَيءِ في موضعٍ لا يكثُرُ شعرُهُ، ويُكرهُ في الوجهِ. قلتُ الأصحُّ يَحرُمُ، وبهِ جَزَمَ البَغَويُّ، وفي صحيحِ مسلمٍ لَعْنُ فاعِلِهِ،

والله أعلمُ. [فصلٌ] صَدقةُ التَّطوُّعِ سُنَّةٌ وتَحِلُّ لغَنيّ وكافرٍ، ودفعُها سِرًا وفي رمضانَ ولقريبٍ وجارٍ أفضلُ، ومَنْ عليهِ دينٌ أو ولهُ مَنْ تَلْزمُهُ نفقتُهُ يُستحبُّ أن لا يَتَصَدَّقَ حتى يُؤدّيَ ما عليهِ. قلتُ الأصحُّ تحريمُ صَدَقتِهِ بما يحتاجُ إليهِ لنفقةِ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ أو لدّيْنٍ لا يرجو لهُ وفاءً، والله أعلمُ، وفي استِحبابِ الصَّدقةِ بما فَضَلَ عنْ حاجتِهِ أوجُهٌ أصحُّها إنْ لم يشُقَّ عليهِ الصَّبرُ استُحِبَّ وإلا فلا.

كتاب النكاح

هُوَ مُستَحبٌّ لمحتاجٍ إليهِ يجدُ أُهْبتَهُ، فإنْ فَقَدها اسْتُحِبَّ تركُهُ، ويَكْسِرُ شهوتهُ بالصَّومِ، فإنْ لمْ يَحْتَجْ كُرِهَ إنْ فقدَ الأهبةَ وإلا فلا لكِن العِبادةُ أفضلُ. قلتُ فإنْ لمْ يَتَعبَّدْ فالنِّكاحُ أفضلُ فِي الأصحِّ، فإنْ وجدَ الأهْبَةَ وبِهِ عِلَّةٌ كَهَرمٍ أوْ مرضٍ دائمٍ أو تَعْنينٍ كُرِهَ، واللهُ أعلمُ، ويَستحبُّ دَينَةٌ بِكْرٌ نسيبةٌ ليست قرابةً قريبةً، وإذا قَصَدَ نِكاحَها سُنَّ نظرُهُ إليها قبلَ الخِطبةِ وإنْ لمْ تأذنْ، ولَهُ تكريرُ نَظرِهِ ولا ينظُرُ غيرَ الوجهِ والكَفَّينِ، ويحرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بالِغٍ إلى عورةِ حُرَّةٍ كبيرةٍ أجنبيةٍ وكذا وَجْهها وكَفيها عندَ خَوفِ فِتنةٍ،

وكذا عندَ الأمْنِ على الصَّحيحِ [1]، ولا ينظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بينَ سُرَّةٍ ورُكبةٍ، ويَحِلُّ ما سِواهُ وقيلَ ما يبدو فِي المِهْنةِ فقط، والأصحُّ حِلُّ النَّظرِ بلا شهوةٍ إلى الأمةِ إلا ما بينَ سُرَّةِ ورُكبةٍ، وإلى صغيرةٍ إلا الفرجَ، وأنَّ نَظَرَ العبدِ إلى سَيِّدَتِهِ ونظرَ مَمْسوحٍ كالنَّظرِ إلى مَحْرمٍ، وأنَّ المُراهِقَ كالبالغِ ويَحِلُّ نَظَرُ رجُلٍ إلى رجُلٍ إلا ما بينَ سُرَّةٍ ورُكبةٍ، ويحرُمُ نَظَرُ أمْرَدَ بشهوةٍ. قلتُ وكذا بغيرها فِي الأصحِّ المنْصوصِ [2]، والأصحُّ عِندَ المُحَقّقينَ أنَّ الأمَةَ كالحُرَّةِ، واللهُ أعلمُ، والمرأةُ معَ امرأةٍ كرُجلٍ ورجلٍ، والأصحُّ تحريمُ نظَرِ ذِمّيَّةٍ إلى مُسلمةٍ،

وجوازُ نَظَرِ المرأةِ إلى بدنِ أجنبيّ سوى ما بينَ سُرّتِهِ ورُكبتِهِ إنْ لمْ تَخَفْ فِتنةً. قلتُ الأصحُّ التحريمُ كَهُوَ إليها [3]، والله أعلمُ، ونَظرُها إلى مَحْرمِها كَعَكسِهِ، ومتى حرُمَ النَّظرُ حَرُمَ المَسُّ، ويُباحانِ لِفَصْدٍ وحِجامةٍ وعِلاجٍ. قلتُ ويُباحُ النَّظرُ لمُعاملةٍ وشَهادةٍ وتعليمٍ ونحوها بقدرِ الحاجةِ، واللهُ أعلمُ، وللزَّوجِ النَّظرُ إلى كُلِّ بَدَنِها. [فصلٌ] تَحِلُّ خِطبةُ خَلِيّةٍ عنْ نكاحٍ وعِدَّةٍ لا تصريحٌ لمُعتدةٍ ولا تعريضٌ لِرَجعيةٍ، ويَحِلُّ تعريضٌ فِي عِدَّةِ وفاةٍ وكذا لِبائِنٍ فِي الأظهرِ، وتحرُمُ خِطبةٌ على خِطبةِ مَنْ صُرِّحَ بإجابَتِهِ إلا بإذنِهِ، فإنْ لمْ يُجِبْ ولمْ يُرَدَّ لمْ تحرُمْ فِي الأظهرِ،

ومَنِ اسْتُشيرَ فِي خاطِبٍ ذَكَرَ مَساويَهُ [4] بِصِدقٍ، ويُستحبُّ تقديمُ خُطبةٍ قبلَ الخطبةِ وقبلَ العَقْدِ، ولوْ خَطَبَ الوَليُّ فقالَ الزَّوجُ الحَمدُ لله والصلاةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبِلْتُ صَحَّ النّكاحُ على الصَّحيحِ بلْ يُستحبُّ ذلكَ. قلتُ الصَّحيحُ لا يُستحبُّ،

والله أعلمُ، فإنْ طالَ الذِّكرُ الفاصِلُ لمْ يصِحَّ. [فصلٌ] إنَّما يَصِحُّ النّكاحُ بإيجابٍ وهُوَ زَوَّجتُكَ أوْ أنْكَحتُكَ، وقَبُولٍ بأنْ يقولَ الزوجُ تَزوَّجتُ أو نَكَحتُ أوْ قبِلتُ نِكاحها أو تزويجها، ويَصِحُّ تَقَدُّمُ لفظِ الزوجِ على الوليّ، ولا يصِحُّ إلا بلفظِ التَّزويجِ أو الإنكاحِ، ويَصِحُّ بالعَجَميَّةِ في الأصحِّ لا بكنايةٍ قطعًا، ولو قالَ زوَّجتُكَ فقالَ قبلتُ لم يَنْعقِدْ على المذهبِ، ولوْ قالَ زوِّجْني فقالَ زوَّجتُكَ أو قالَ الوليُّ تَزَوَّجها فقالَ تزوَّجتُ صَحَّ، ولا يَصِحُّ تعليقُهُ، ولو بُشّرَ بوَلدٍ فقالَ إنْ كانَ أنثى فقد زَوَّجْتُكَها أوْ قالَ إنْ كانت بِنتي طَلُقَتْ واعْتَدَّتْ فقدْ زوَّجتُكَها فالمذهبُ بُطلانُهُ،

ولا توقيتُهُ، ولا نِكاحُ الشّغارِ وهُوَ زوَّجتُكها على أنْ تُزوِّجني بِنتكَ وبَضعُ كُلِّ واحدةٍ صَداقُ الأخرى فَيُقبلُ، فإنْ لم يجعَلِ البُضْعُ صَداقًا فالأصحُّ الصّحةُ، ولوْ سَمَّيا مالاً معَ جَعْلِ البُضعِ صَداقًا بَطَلَ في الأصحِّ، ولا يَصِحُّ إلا بحضرةِ شاهِدَينِ، وشرطُها حريةٌ وذكورةٌ وعدالةٌ وسَمْعٌ وبصرٌ، وفِي الأعمى وجْهٌ، والأصحُّ انْعِقادُهُ بابْنَيِ الزَّوجَينِ وعَدُوَّيْهِما، ويَنْعَقِدُ بِمسْتورَيِ العدالةِ على الصحيحِ لا مَسْتورِ الإسلامِ والحُرِّيَّةِ، ولوْ بانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عندَ العقدِ فباطِلٌ على المذهبِ، وإنَّما يَبينُ بِبَيِّنةٍ أو اتِّفاقِ الزَّوجَينِ ولا أثرَ لقولِ الشَّاهِدَينِ كُنَّا فاسِقَينِ،

ولوِ اعْتَرَفَ بهِ الزوجُ وأنْكَرَتْ فُرّقَ بينَهُما وعليهِ نِصْفُ المَهرِ إنْ لمْ يدخُلْ بها وإلا فكُلَّهُ، ويُستَحبُّ الإشهادُ على رِضا المرأةِ حيثُ يُعتَبرُ رضاها، ولا يُشترطُ. [فصلٌ] لا تُزَوّجُ امرأةٌ نفسَها بإذنٍ ولا غيرَها بِوَكالةٍ ولا تَقبلُ نِكاحًا لأحَدٍ، والوَطءُ فِي نِكاحٍ بلا وليّ يُوجبُ مَهْرَ المِثلِ لا الحدَّ، ويُقبلُ إقرارُ الوليِّ بالنِّكاحِ بالإنشاءِ وإلا فلا، ويُقبلُ إقرارُ البالغةِ العاقِلةِ بالنِّكاحِ على الجديدِ، وللأبِ تزويجُ البِكرِ صغيرةً وكبيرةً بغيرِ إذنِها، ويُستَحبُّ اسْتِئذانُها، وليسَ لَهُ تزويجُ ثَيِّبٍ إلا بإذنِها، فإنْ كانتْ صغيرةً لمْ تُزَوَّجْ حتَّى تَبلُغَ،

والجدُّ كالأبِ عِندَ عَدَمِهِ، وسواءٌ زالتِ البكارةُ بِوَطءٍ حلالٍ أو حرامٍ، ولا أثرَ لِزوالِها بلا وَطءٍ كَسَقطةٍ فِي الأصحِّ، ومَنْ على حاشيةِ النَّسبِ كأخٍ وعمّ لا يُزَوِّجُ صغيرةً بِحالٍ، وتُزَوَّجُ الثَّيِّبُ البالغةُ بصريحِ الإذنِ، ويكفي فِي البكرِ سُكوتُها فِي الأصحِّ، والمُعتِقُ والسُّلطانُ كالأخِ وأحقُّ الأولياءِ أبٌ ثمَّ جدٌّ ثمَّ أبوهُ ثمَّ أخٌ لأبوينِ أو لأبٍ ثُمَّ ابنُهُ وإن سَفَلَ ثُمَّ عمٌّ ثمَّ سائِرُ العَصَبةِ كالإرثِ، ويُقدَّمُ أخٌ لأبوينِ على أخٍ لأبٍ في الأظهرِ، ولا يُزَوّجُ ابنٌ بِبُنُوَّةٍ [5]، فإنْ كانَ ابنَ ابْنِ عمّ أوْ مُعتِقًا أو قاضيًا زَوَّجَ بِهِ، فإنْ لمْ يوجدْ نسيبٌ زوَّجَ المُعتِقُ ثُمَّ عَصَبتُهُ كالإرثِ،

ويُزَوِّجُ عتيقةَ المرأةِ مَنْ يُزَوِّجُ المُعتِقةَ ما دامَتْ حيَّةً، ولا يُعتبرُ إذنُ المُعتقةِ فِي الأصحِّ، فإذا ماتَتْ زَوَّجَ مَنْ لَهُ الولاءُ، فإنْ فُقِدَ المُعتقُ وعَصَبتُهُ زوَّجَ السُّلطانُ، وكذا يُزوِّجُ إذا عَضَلَ القريبُ والمُعتقُ، وإنَّما يحصُلُ العضلُ إذا دَعتْ بالغةٌ عاقلةٌ إلى كُفءٍ وامتَنَعَ ولو عَيَّنتْ كُفْؤًا وأرادَ الأبُ غيرهُ فلهُ ذلكَ فِي الأصحِّ. [فصلٌ] لا وِلايةَ لرقيقٍ وصبيّ ومجنونٍ ومُخْتلّ النَّظرِ بهَرَمٍ أو خَبَلٍ، وكذا محجورٌ عليهِ بسَفَهٍ على المذهبِ، ومتى كانَ الأقربُ ببعضِ هذهِ الصِّفاتِ فالولايةُ للأبعدِ، والإغماءُ إنْ كانَ لا يدومُ غالِبًا انتُظِرَ إفاقتهُ،

وإنْ كانَ يدومُ أيامًا انتُظرَ، وقيلَ تنتقلُ الولايةُ للأبعدِ، ولا يَقْدَحُ العَمَى فِي الأصحِّ، ولا ولايةَ لِفاسِقٍ على المذهبِ، ويلي الكافرُ الكافرةَ، وإحْرامُ أحدِ العاقِدَيْنِ أوِ الزوجةِ يمنعُ صِحَّةَ النِّكاحِ ولا يَنْقُلُ الولايةَ فِي الأصحِّ فيُزوجُ السلطانُ عِندَ إحرامِ الوليِّ لا الأبعدُ. قلتُ ولو أحرمَ الوليُّ أوِ الزوجُ فَعَقَدَ وكيلهُ الحلالُ لم يصِحَّ،

والله أعلمُ، ولوْ غابَ الأقربُ إلى مَرْحَلتَينِ زوَّجَ السُّلطانُ، ودونَهُما لا يُزَوّجُ إلا بإذنِهِ فِي الأصحِّ، وللمُجْبِرِ التَّوكيلُ فِي التزويجِ بغيرِ إذنِها، ولا يُشترطُ تَعيينُ الزَّوجِ فِي الأظهرِ ويَحْتاطُ الوكيلُ فلا يُزوجُ غيرَ كُفءٍ، وغيرُ المُجبرِ إنْ قالتْ لَهُ وَكِّلْ وَكَّلَ وإنْ نَهَتْهُ فلا وإنْ قالتْ زوّجني فلهُ التوكيلُ فِي الأصحِّ، ولو وكَّلَ قبلَ استِئذانِها فِي النِّكاحِ لم يَصِحَّ على الصَّحيحِ، ولْيَقُلْ وكيلُ الوليِّ زوَّجتُكَ بِنْتَ فُلانٍ، وليَقُلْ الوليُّ لِوَكيلِ الزَّوجِ زوَّجتُ بِنتي فُلانًا فيقولُ وكيلُهُ قبِلتُ نِكاحَها لَهُ، ويَلزمُ المُجبِرَ تزويجُ مجنونةٍ بالِغةٍ ومجنونٍ ظِهرتْ حاجتُهُ لا صغيرةٍ وصغيرٍ،

ويلزمُ المُجْبرَ وغيرهُ إنْ تَعيَّنَ إجابةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزويجِ، فإنْ لمْ يَتَعَينْ كإخوةٍ فسألَتْ بعضهُم لَزِمَهُ الإجابةُ فِي الأصحِّ، وإذا اجتمعَ أولياءُ فِي درجةٍ استُحِبَّ أن يُزوجها أفقَهَهُم وأسنَّهُم برِضاهم فإنْ تشَاحُّوا أٌقرعَ، فلوْ زَوَّجَ غيرُ منْ خرَجَتْ قُرعتُهُ وقد أذِنَتْ لكُلّ مِنهُم صَحَّ فِي الأصحِّ، ولو زوَّجَها أحدُهُم زيدًا وءاخرُ عَمْرًا فإنْ عُرِفَ السَّابقُ فهُوَ الصحيحُ، وإنْ وقعا معًا أو جُهِلَ السَّبقُ والمعيَّةُ فباطِلانِ، وكذا لوْ عُرِفَ سَبْقُ أحدِهِما ولمْ يَتَعَيَّنْ على المذهبِ، ولوْ سبقَ مُعَيَّنٌ ثمَّ اشتبَهَ وجبَ التَّوقُّفُ حتَّى يَتَبَيَّنَ، فإنِ ادَّعى كُلُّ زوجٍ عِلْمها بسبقِهِ سُمِعتْ دَعواهُما بناءً على الجديدِ وهُوَ قبولُ إقرارِها بالنِّكاحِ،

فإنْ انكرَتْ حُلِّفتْ، وإنْ أقرَّتْ لأحدِهما ثَبَتَ نِكاحهُ وسماعُ دعوى الآخرِ، وتَحليفُها لَهُ يَنْبَني على القَوليْنِ فيمَنْ قَالَ هذا لزيدٍ بلْ لعمرٍو هل يَغْرمُ لعمرٍو إنْ قُلنا نعمْ فَنَعمْ، ولوْ توَلَّى طرفي عَقْدٍ فِي تزويجِ بنتِ ابنِهِ بابنِ ابنِهِ الأخَرِ صحَّ في الأصحِّ، ولا يُزوّجُ ابنُ العمّ نفسهُ بل يُزَوِّجُهُ ابنُ عَمّ فِي درَجتِهِ، فإنْ فُقِدَ فالقاضي، فلوْ أرادَ القاضي نِكاحَ مَنْ لا وليَّ لها زوَّجهُ مَنْ فوقَهُ مِنَ الوُلاةِ أو خَليفتُهُ، وكما لا يجوزُ لِواحدٍ تولِّى الطَّرَفَينِ لا يجوزُ أنْ يُوَكَّلَ وَكيلاً فِي أحدِهما أو وكيلَينِ فيهما فِي الأصحِّ.

[فصلٌ] زوَّجَها الوليُّ غيرَ كُفْءٍ بِرِضاها أو بعضُ الأولياءِ المُستَوينَ بِرِضاها ورِضا الباقينَ صحَّ، ولوْ زوَّجَها الأقربُ برِضاها فليسَ للأبعدِ اعتِراضٌ، ولوْ زوَّجَها أحدهُم بِهِ برضاها دونَ رضاهُمْ لمْ يصِحَّ وفِي قولٍ يَصِحُّ ولهُمْ الفسخُ، ويجري القولانِ فِي تزويجِ الأبِ بِكرًا صغيرةً أو بالغةً غيرَ كُفءٍ بغيرِ رِضاها ففي الأظهرِ باطِلٌ، وفِي الآخَرِ يَصِحُّ وللبالِغَةِ الخِيارُ وللصغيرةِ إذا بلغَتْ، ولوْ طلَبَتْ مَنْ لا وليَّ لها أنْ يُزوِّجَها السُّلطانُ بغيرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لمْ يَصِحَّ فِي الأصحِّ، وخِصالُ الكَفاءةِ سلامةٌ مِنَ العيوبِ المُثبِتةِ للخِيارِ وحُريةٌ فالرَّقيقُ ليسَ كُفْؤًا لحُرَّةٍ والعتيقُ ليسَ كُفؤًا لحرَّةٍ أصليةٍ،

ونَسَبٌ فالعَجَميُّ ليسَ كُفءَ عرَبيَّةٍ ولا غيرُ قُرشيّ قرشيةً ولا غيرُ هاشِميّ ومُطلبيّ لهُما، والأصحُّ اعتِبارُ النَّسبِ فِي العَجَمِ كالعَربِ، وعِفةٌ فليسَ فاسِقٌ كُفءَ عفيفةٍ، وحرفةٌ فصاحبُ حِرفةٍ دنيئةٍ ليسَ كُفءَ أرفَعَ مِنهُ فكَنَّاسٌ وحَجَّامٌ وحارِسٌ وراعٍ وقَيّمُ الحمَّامِ ليسَ كفءَ بنتِ خيَّاطٍ، ولا خياطٌ بنتَ تاجرٍ أو بزَّازٍ، ولا هُما بنتَ عالِمٍ وقاضٍ، والأصحُّ أنَّ اليَسارَ لا يُعتبرُ، وأنَّ بعضَ الخِصالِ لا يُقابلُ ببعضٍ، وليسَ لَهُ تزويجُ ابنِهِ الصغيرِ أمَةً وكذا مَعيبةً على المذهبِ، ويجوزُ مَنْ لا تُكافِئُهُ بباقي الخِصالِ فِي الأصحِّ.

[فصلٌ] لا يُزَوَّجُ مجنونٌ صغيرٌ وكذا كبيرٌ إلا لِحاجةٍ فواحدةٌ، ولَهُ تزويجُ صغيرٍ عاقِلٍ أكثرَ مِنْ واحدةٍ، ويُزَوّجُ المجنونةَ أبٌ أو جدٌ إنْ ظهرَتْ مصلحةٌ ولا تُشترطُ الحاجةُ وسواءٌ صغيرةٌ وكبيرةٌ ثَيّبٌ وبِكْرٌ، فإنْ لمْ يكُنْ أبٌ وجَدٌّ لم تُزَوَّجْ فِي صِغرها فإنْ بلغتْ زوَّجَها السُّلطانُ فِي الأصحِّ للحاجةِ لا لِمَصلحةٍ فِي الأصحِّ، ومَنْ حُجِرَ عليهِ بِسَفَهٍ لا يَسْتَقِلُّ بِنِكاحٍ بلْ يَنْكحُ بإذنِ وليِّهِ أو يقبلُ لَهُ الوليُّ فإنْ أذِنَ وعَيَّنَ امرأةً لمْ ينكِحْ غيرَها وينكِحُها بمهرِ المِثْلِ أو أقلَّ، فإنْ زادَ فالمَشهورُ صِحَّةُ النِّكاحِ بِمَهرِ المِثلِ مِنَ المُسَمَّى، ولوْ قالَ انْكِحْ بألفٍ ولم يُعيِّنِ امرأةً نَكَحَ بالأقلِّ مِنْ ألفٍ ومَهْرِ مثلها،

ولو أطلَقَ الإذنَ فالأصحُّ صِحَّتُهُ وينكِحُ بمَهرِ المِثلِ مَنْ تليقُ بِهِ، فإنْ قَبِلَ لَهُ وليُّهُ اشتُرطَ إذنُهُ فِي الأصحِّ ويقبلُ بمهرِ المثلِ فأقلَّ فإنْ زادَ صَحَّ النِّكاحُ بمَهرِ المثلِ، وفِي قولٍ يبطُلُ، ولو نكحَ السَّفيهُ بلا إذنٍ فباطِلٌ، فإنْ وَطِئَ لمْ يلزمْهُ شىءٌ وقيلَ مَهْرُ المثْلِ وقيلَ أقلُّ مُتَمَوَّلٍ، ومَنْ حُجِرَ عليهِ لِفَلَسٍ يَصِحُّ نِكاحُهُ ومُؤنُ النِّكاحِ فِي كسبهِ لا فيما معهُ، ونِكاحُ عبدٍ بلا إذنِ سيّدِهِ باطلٌ وبإذنِهِ صحيحٌ ولَهُ إطلاقُ الإذنِ ولَهُ تقييدُهُ بامرأةٍ أو قبيلةٍ أو بلدٍ ولا يَعْدِلُ عمَّا أذِنَ فِيهِ، والأظهرُ أنَّهُ ليسَ للسيِّدِ إجبارُ عَبدِهِ على النكاحِ ولا عكسُهُ ولَهُ إجبارُ أمَتِهِ بأيِّ صِفةٍ كانتْ فإنْ طَلَبتْ لمْ يلزمْهُ تزويجُها وقيلَ إنْ حَرُمَتْ عليهِ لَزِمهُ، وإذا زوَّجَها فالأصحُّ أنَّهُ بالمِلكِ لا بالولايةِ فيُزَوِّجُ مُسلمٌ أمَتهُ الكافرةَ وفاسِقٌ ومُكاتبٌ، ولا يُزوِّجُ وليٌّ عبدَ صبيّ ويُزوجُ أمَتَهُ فِي الأصحِّ.

الهوامش:

[1] هذا شاذ خلا ما عليه الأكثرون لا ينبغي أن يقال به، النووي شَهَرَ هذا. الرافعي ليس على هذا، بل هذا خلاف الإجماع أن الذي نقله جمعٌ من أنه لا يحرم النظر إلى وجه المرأة الأجنبية إلا مع الشهوة وكل كلام يطلق تحريم النظر إلى وجه الأجنبية فإنه يُرمى به في كل سهل وحَزن. قال الإسنوي في النظر إلى وجه الأجنبية الصواب الحل لذهاب الأكثرين إليه. وفي الروضة كأصلها إن لم يخف الفتنة. قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون ومنهم الشيخ أبو حامد لا يحرم اهـ. قال الطبري في التفسير وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قدر النصف فإن كان من جميعهم إجماعًا كان معلومًا بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كذلك للرجال لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره اهـ.

[2] أنكر الفقهاء الشافعيون على المصنف نسبة هذا القول للشافعي بل هذا القول باطل لم يقله الشافعي ولا أي مجتهد ءاخر. قال الحافظ المجتهد ابن القطان والثاني أن ينظر إليه غير قاصد اللذة هو مع ذلك ءامن من الفتنة فهذان شرطان عدم قصد الالتذاذ وعدم خوف الافتتان فهذا لا خلاف فيه أنه لا إثم عليه في هذا النظر الواقع منه في هذا الموطن اهـ. [3] بل لا يحرم النظر إلا إلى ما بين سرته وركبته وقد جعل الرافعي ما رجحه النووي مرجوحًا غير راجح. [4] المساوئ التي هي خلل في الدين كذلك ما يؤدي إلى خلل في العِشرة مثلاً رجل ءالته كبيرة ضخمة تنضر المرأة به مثل هذا يذكر للتي يخطبها ثم هي بالخيار أما العيوب الخفيفة التي لا يحصل بها ضرر في العشرة حرام أن تذكر كشيء خفيف من ذهاب الشعر في وسط الرأس فمثل هذا لا يذكر.

كذلك المرأة إذا كانت قرناء أو رتقاء من علم بذلك يذكر للخاطب لأن هذا يحصل به ضرر في العشرة. الرسول عليه السلام لما استشارته فاطمة بنت قيس في رجلين قال أما فلان صعلوك لا مال له معناه هذا لا يسترك وأما فلا فضراب للنساء انكحي أسامة أرشده إلى أسامة. لأن الذي ليس معه مال إذا تزوج المرأة وهي ليس لها مال تسوء عِشرتها مع هذا الرجل. ذكر حاله أي أنه صعلوك من باب النصيحة. [5] ابن المرأة لا يعقد لها النكاح بصفة البنوة إلا أن يكون فيه صفة غيرها كأن كان ابنها قاضيًا شرعيًا في البلد فيزوج أمه عندئذ أو كانت هي أمة أعتقها.