يُسَنُّ صَوْمُ الاثنينِ والخَميسِ وعَرَفةَ وعاشوراءَ وتاسوعاءَ وأيَّامَ البيضِ وستَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وتَتابُعُها أفضلُ، ويُكرَهُ إفرادُ الجُمُعةِ وإفرادُ السَّبتِ، وصَوْمُ الدَّهْرِ غيرَ العيدِ والتَّشريقِ مكروهٌ لِمَنْ خافَ بهِ ضررًا أوْ فَوْتَ حقّ ومُسْتَحَبٌّ لغيْرِهِ، ومَنْ تَلبَّسَ بصومِ تَطَوُّعٍ أو صلاتِهِ فلهُ قَطْعُهُما ولا قضاءَ، ومَنْ تَلَبَّسَ بِقضاءٍ حَرُمَ عليهِ قطعُهُ إنْ كانَ على الفَوْرِ وهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بالفِطْرِ، وكذا إنْ لَمْ يكُنْ على الفَوْرِ في الأصَحِّ بِأنْ لمْ يَكُنْ تعدَّى بالفِطْرِ.

كتاب الاعتكاف

هُوَ مُسْتَحَبٌّ كلَّ وقْتٍ، وفي العَشْرِ الأخيرِ مِنْ رمضانَ أفضلُ لِطَلَبِ ليلةِ القَدْرِ، ومَيْلُ الشافِعي رحِمَهُ الله إلى أنَّها ليلةُ الحادِي أو الثّالِثِ والعِشرينَ، وإنَّما يَصِحُّ الاعْتِكافُ في المَسْجِدِ، والجامِعُ أولى، والجديدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ اعتِكافُ المرأةِ في مَسْجِدِ بيتِها وهُوَ المُعْتَزَلُ المُهَيَّأ للصَّلاةِ، ولوْ عَيَّنَ المَسْجِدَ الحرامَ في نَذْرِهِ الاعتِكافَ تَعَيَّنَ، وكذا مَسْجِدُ المدينةِ والأقصى في الأظهرِ، ويقومُ المسجدُ الحرامُ مقامَهُما ولا عكسَ، ويقومُ مَسْجدُ المدينةِ مقامَ الأقصى ولا عكْسَ، والأصَحُّ أنَّهُ يُشترطُ في الاعتِكافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكوفًا،

وقيلَ يكفي المُرورُ بِلا لُبثٍ، وقيلَ يُشترطُ مُكثُ نحوِ يومٍ، ويبطُلُ بالجِماعِ، وأظهرُ الأقوالِ أنَّ المُباشرةَ بِشَهوةٍ كَلَمْسٍ وقُبلةٍ تُبْطِلُهُ إنْ أنزلَ وإلا فلا، ولوْ جامَعَ ناسِيًا فكَجِماعِ الصَّائِمِ، ولا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ والتَّزَيُّنُ والفِطْرُ، بلْ يَصُحُّ اعتِكافُ الليلِ وحدَهُ، ولوْ نَذَرَ اعتِكافَ يومٍ هُوَ فيهِ صائمٌ لَزِمَهُ، ولوْ نَذَرَ أنْ يَعْتَكِفَ صائمًا أوْ يصومَ مُعْتَكِفًا لزماهُ، والاصَحُّ وجوبُ جَمْعِهِما، ويُشْتَرَطُ نِيَّة الاعتِكافِ، وينوي في النَّذرِ الفَرْضيَّةَ.

وإذا أطلَقَ كَفَتْهُ وإنْ طالَ مُكْثُهُ، لكنْ لو خرجَ وعادَ لغيرِ قضاءِ الحاجَةِ لزمَهُ الاستِئنافُ أو لها فلا، وقيلَ إنْ طالَتْ مُدَّةُ خُروجِهِ استأنَفَ، وقيلَ لا يستأنِفُ مُطْلَقًا، ولو نذرَ مُدةً مُتَتابِعةً فخرجَ لِعُذرٍ لا يَقطعُ التَّتابُعَ لمْ يَجِبِ استِئنافُ النيةِ، وقيلَ إنْ خرجَ لغيرِ الحاجةِ وغُسلِ الجنابةِ وَجَبَ. وشَرْطُ المُعتَكِفِ الإسلامُ والعقلُ والنَّقاءُ عنِ الحَيْضِ والجنابةِ، ولوِ ارتَدَّ المُعتَكِفُ أو سَكِرَ بَطَلَ، والمذهبُ بُطلانُ ما مضى مِنْ اعتِكافِهما المُتتابِعِ، ولو طرأ جنونٌ أو إغماءٌ لمْ يبطلْ ما مضى إنْ لمْ يجرُجْ، ويُحْسَبُ زَمَنُ الإغماءِ مِن الاعتِكافِ دونَ المجنونِ،

أوِ الحيضُ وَجَبَ الخُروجُ، وكذا الجنابةُ إذا تَعَذَّرَ الغُسْلُ في المَسْجِدِ، فلوْ أمكَنَ جازَ الخروجُ ولا يَلزَمُ، ولا يُحسبُ زمنُ الحيضِ ولا الجنابةِ. [فصلٌ] إذا نَذرَ مُدةً مُتتابِعةً لزِمَهُ، والصَّحيحُ أنَّهُ لا يجبُ التَّتابُعُ بلا شَرْطٍ، وأنَّهُ لو نَذرَ يومًا لم يَجُزْ تفريقُ ساعاتِهِ، وأنَّهُ لوْ عَيَّنَ مدَّةً كأسبوعٍ وتَعَرَّضَ للتتابُعِ وفاتَتْهُ لزِمَهُ التتابُعُ في القضاءِ، وإنْ لمْ يتَعرَّضْ لهُ لمْ يلزَمهُ في القضاءِ، وإذا ذكرَ التَّتابُعَ وشَرَطَ الخروجَ لِعارِضٍ صَحَّ الشرطُ في الأظهرِ، والزمانُ المَصروفُ إليهِ لا يجبُ تَدارُكُهُ إنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كهذا الشهْرِ وإلا فيجِبُ،

وينقَطِعُ التتابُعُ بالخُروجِ بلا عُذرٍ، ولا يضُرُّ إخراجُ بعضِ الأعْضاءِ ولا الخروجُ لِقضاءِ الحاجةِ، ولا يجبُ فِعلُها في غيرِ دارِهِ، ولا يضُرُّ بُعْدُها إلا أنْ يَفْحُشَ فيضُرُّ في الأصَحِّ، ولو عادَ مريضًا في طريقِهِ لمْ يَضُرَّ ما لمْ يُطِلْ وقوفَهُ أو يعدِلْ عنْ طريقِهِ، ولا ينقَطِعُ التتابُعُ بمرَضٍ يُحْوِجُ إلى الخروجِ، ولا بِحَيْضٍ إنْ طالَتْ مُدَّةُ الاعتِكافِ، فإنْ كانتْ بحَيْثُ تخلو عنهُ انقَطَعَ في الأظهرِ ولا بالخُروجِ ناسيًا على المذهب، ولا بِخروجِ المُؤذِّنِ الرَّاتبِ إلى منارةٍ مُنْفَصِلةٍ عنِ المسجدِ للأذانِ في الاصَحّ، ويجبُ قضاءُ أوقاتِ الخُروجِ بالأعذارِ إلا أوقاتَ قضاءِ الحاجةِ.

كتاب الحج

هُوَ فرضٌ وكذا العُمرةُ في الأظهرِ، وشَرْطُ صِحَّتِهِ الإسلامُ فلِلوَليّ أنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبيّ الذي لا يُمَيِّزُ والمَجنونِ، وإنَّما تَصِحُّ مُباشَرَتُهُ مِنَ المُسْلِمِ المُمَيِّزِ، وإنَّما يَقعُ عَنْ حَجَّةِ الإسلامِ بالمُباشرةِ إذا باشَرَهُ المُكَلَّفُ الحُرُّ، فَيُجْزِئ حَجُّ الفقيرِ دونَ الصَّبيّ والعَبْدِ، وشَرطُ وُجوبِهِ الإسلامُ والتَّكليفُ والحُرِّيةُ والاسْتِطاعةُ، وهِيَ نوعانِ: أحَدُهما استِطاعةُ مُباشرةٍ، ولها شُروطٌ: أحدُها وجودُ الزَّادِ وأوعِيَتِهِ ومُؤْنةِ ذهابِهِ وإيابِهِ، وقيلَ إنْ لمْ يَكُنْ لهُ بِبَلَدِهِ أهلٌ وعشرةٌ لمْ تُشترطْ نفقةُ الإيابِ، فلوْ كانَ يَكسِبُ ما يفي بِزادِهِ وسَفرُهُ طويلٌ لمْ يكَلّفِ الحجّ،

وإنْ قصُرَ وهُوَ يَكسِبُ في يومٍ كِفايةَ أيّامٍ كُلّفَ. الثاني وُجودُ الرَّاحِلةِ لِمَنْ بينَهُ وبينَ مكَّةَ مرْحَلَتانِ فإنْ لَحِقَهُ بالرَّاحِلةِ مَشَقةٌ شديدةٌ اشتُرطَ وجودُ محْمِلٍ، واشتُرطَ شريكٌ يَجْلسُ في الشّقّ الآخرِ، ومَنْ بينَهُ وبينها دونَ مَرحَلَتينِ وهُوَ قَوِيٌّ على المَشي يلزَمُهُ الحجُّ، فإنْ ضَعُفَ فكالبَعيدِ، ويُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ والرَّاحِلةِ فاضِلَينِ عن دينِهِ ومُؤنةِ مَنْ عليهِ نَفَقَتُهم مُدَّةَ ذهابِهِ وإيابِهِ، والأصَحُّ اشْتِراطُ كونِهِ فاضلاً عن مسكَنِهِ وعبدٍ يحتاجُ إليهِ لِخِدمَتِهِ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مالِ تِجارَتِهِ إليهِما، الثَّالِثُ أمْنُ الطَّريقِ فلوْ خافَ على نَفسِهِ أوْ مالِهِ سَبُعًا أو عَدوًا أو رَصَديًا ولا طريقَ سِواهُ لمْ يَجِبِ الحَجُّ،

والأظهرُ وجوبُ رُكوبِ البَحْرِ إنْ غَلَبتِ السَّلامةُ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ أجرةُ البَذرَقةِ، ويُشترطُ وجودُ الماءِ والزَّادِ في المَواضِعِ المُعتادِ حملُهُ مِنها بِثَمَنِ المِثلِ وهُوَ القدرُ اللائِقُ بهِ في ذلكَ الزَّمانِ والمكانِ، وعَلَفِ الدَّابةِ في كُلِّ مرحلةٍ، وفي المرأةِ أنْ يَخرُجَ معها زوجٌ أو مَحْرمٌ أو نِسوةٌ ثِقاتٌ، والأصحُّ أنَّه لا يُشترطُ وجودُ محْرمٍ لإحداهُنَّ، وأنَّهُ يَلْزَمُها أجرةُ المَحْرَمِ إذا لمْ يخرُجْ إلا بِها، الرابِعُ أنْ يثْبُتَ على الرَّاحلةِ بلا مَشَقَّةٍ شديدةٍ، وعلى الأعمى الحجُّ إنْ وجَدَ قائِدًا، وهُوَ كالمَحرمِ في حقِّ المرأةِ، والمَحْجورُ عليهِ لِسفَهٍ كغيرِهِ لكنْ لا يُدفَعُ المالُ إليهِ بلْ يَخرُجُ معهُ الوَليُّ أوْ يَنْصِبُ شخصًا لهُ.

النَّوعُ الثاني استِطاعةُ تحصيلِهِ بِغَيرِهِ فمَنْ ماتَ وفي ذِمَّتِهِ حجٌّ وجَبَ الإحجاجُ عنهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، والمعْضوبُ العاجِزُ عَنِ الحجِّ بنَفسِهِ إنْ وَجدَ أجرةَ مَنْ يَحُجُّ عنهُ بأجرةِ المِثْلِ لَزمهُ، ويُشترطُ طونُها فاضِلةٌ عَن الحاجاتِ المذكورةِ فيمَنْ حجَّ بنفسِهِ، لكنْ لا يُشترطُ نفقةُ العِيالِ ذهابًا وإيابًا، ولوْ بَذلَ ولدُهُ أوْ أجْنَبيٌّ مالاً للأجرةِ لمْ يَجِبْ قبولُهُ في الأصحِّ، ولوْ بذلَ الولدُ الطَّاعةَ وجبَ قبولُهُ وكذا الاجنبيّ في الأصحّ.

باب المواقيت

وقتُ إحرامِ الحجِّ شوَّالٌ وذو القَعْدةِ وعَشْرُ ليالٍ مِنْ ذي الحِجَّةِ، وفي ليلةِ النَّحرِ وجهٌ فلوْ أحرَمَ بهِ في غيرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمرةً على الصَّحيحِ، وجميعُ السَّنةِ وقتٌ لإحرامِ العُمرةِ، والميقاتُ المكانيُّ للحجِّ في حقِّ مَنْ بِمَكَّةَ نَفْسُ مكةَ، وقيلَ كلُّ الحَرَمِ، وأمَّا غيرُهُ فميقاتُ المُتَوَجِّهِ مِنَ المدينةِ ذو الحُليفَةِ، ومِنَ الشَّامِ ومِصْرَ والمَغرِبِ الجُحفةُ، ومِنْ تِهامةَ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، ومنْ نَجْدِ اليَمَنِ ونجدِ الحجازِ قَرْنٌ، ومِنَ المَشرِقِ ذاتُ عِرْقٍ، والأفضلُ أنْ يُحرِمَ مِنْ أوَّلِ الميقاتِ ويجوزُ مِنْ ءاخِرِهِ، ومَنْ سَلَكَ طريقًا لا يَنتهي إلى ميقاتٍ فإنْ حاذى ميقاتًا أحْرَمَ مِنْ مُحاذاتِهِ أو ميقاتَينِ فالأصَحُّ أنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحاذاةِ أبْعَدِهِما،

وإنْ لَمْ يُحاذِ أحْرَمَ على مَرحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، ومَنْ مَسْكَنُهُ بينَ مكَّةَ والميقاتِ فميقاتُهُ مسْكَنُهُ، ومَنْ بلَغَ ميقاتًا غيرَ مُريدٍ نُسُكًا ثُمَّ أرادَهُ فميقاتُهُ موضِعُهُ، وإنْ بَلَغهُ مُريدًا لمْ تَجُزْ مُجاوزَتُهُ بغيرِ إحرامٍ، فإن فَعَلَ لزِمَهُ العَوْدُ ليُحرِمَ مِنهُ إلا إذا ضاقَ الوَقْتُ، أوْ كانَ الطريقُ مخُوفًا، فإنْ لمْ يَعُدْ لزِمَهُ دَمٌ، وإنْ أحرَمَ ثُمَّ عادَ فالأصَحُّ أنَّهُ إنْ عادَ قبلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ وإلا فلا، والأفضلُ أنْ يُحرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أهلِهِ، وفي قوْلٍ منَ الميقاتِ.

قلتُ: الميقاتُ أظهرُ وهُوَ المُوافِقُ للأحاديثِ الصَّحيحةِ، والله أعلمُ. وميقاتُ العُمرةِ لِمَنْ هُوَ خارِج الحَرمِ ميقاتُ الحجّ، ومَنْ بالحَرَمِ يلزمُهُ الخروجُ إلى أدنى الحِلّ ولوْ بِخُطوةٍ، فإنْ لمْ يخرُجْ وأتى بأفعال العُمرةِ أجزأَتْهُ في الأظهرِ وعليهِ دَمٌ، فلو خرجَ إلى الحِلِّ بعدَ إحرامِهِ سقطَ الدَّمُ على المذهبِ، وأفضلُ بِقاعِ الحِلِّ الجِعْرانَةُ ثُمَّ التَّنْعيمُ ثُمَّ الحُدَيْبيةُ.