تُسَنُّ سجَداتُ التِّلاوةِ وهُنَّ في الجديدِ أربَعَ عشَرَةَ منها سَجْدَتا الحجّ لا ص بلْ هيَ سجدةُ شُكرٍ تُسْتَحبُّ في غير الصَّلاةِ وتَحرُمُ فيها في الأصَحّ، وتُسَنُّ للقارِئِ والمُستَمِعِ، وتَتأكَّدُ لهُ بسُجودِ القارِئ. قُلتُ: وتُسَنُّ للسامِعِ، والله أعلمُ، وإنْ قَرأ في الصَّلاةِ سَجَدَ الإمامُ والمُنفردُ لقِراءَتِهِ فقَطْ، والمأمومُ لسجدةِ إمامِهِ فإنْ سَجدَ إمامُهُ فتَخلَّفَ أوِ انعَكَسَ بَطلتْ صلاتُهُ، ومنْ سَجدَ خارجَ الصَّلاةِ نَوى وكَبَّرَ للإحرامِ رافِعًا يَديهِ، ثُمَّ للهُوِيّ بلا رفعٍ وسجدَ كسَجدةِ الصَّلاةِ ورَفعَ مُكَبِّرًا وسَلَّمَ، وتكبيرةُ الإحرامِ شرطٌ على الصَّحيحِ.

وكذا السَّلامُ في الأظهَرِ وتُشترطُ شروطُ الصلاةِ، ومَنْ سجدَ فيها كبَّرَ للهُوِيِّ وللرَفعِ ولا يرفعُ يديْهِ قُلتُ: ولا يجلِسُ للاستِراحةِ، والله أعلمُ، ويقولُ: سجدَ وجهي للذي خلقَهُ وصوَّرَهُ وشقَّ سمْعَهُ وبَصَرَهُ بحَوْلِهِ وقُوتِهِ، ولو كَرَّرَ ءايَةً في مَجلِسَيْنِ سَجدَ لِكُلّ. وكذا المَجلسُ في الأصحّ، وركعةٌ كَمَجلِسٍ، وركعتانِ كمَجلِسَين. فإنْ لمْ يسجُدْ وطالَ الفَصْلُ لمْ يسجُدْ. وسجدةُ الشُّكرِ لا تدخُلُ الصَّلاةَ، وتُسَنُّ لهُجومِ نِعمةٍ أو اندِفاعِ نقمةٍ أو رؤيةِ مُبْتلى أو عاصٍ ويُظهِرُها للعاصي لا للمُبتلي، وهي كسَجدةِ التِّلاوةِ. والأصَحُّ جوازُهُما على الرَّاحِلةِ للمُسافِرِ، فإنْ سجدَ لِتِلاوةِ صلاةٍ جازَ عليها قطعًا.

بابٌ

صلاةُ النَّفل قِسمان: قِسْمٌ لا يُسَنُّ جماعةً، فمِنْهُ الرَّواتبُ معَ الفَرائضِ وهيَ: ركعتانِ قبلَ الصُّبحِ، وركعَتان قبلَ الظُّهرِ وكذا بعدَها وبعدَ المَغربِ والعِشاءِ. وقيلَ لا راتبةَ للعِشاءِ. وقيلَ أربعٌ قبلَ الظهرِ، وقيلَ وأربعٌ بعدَها وقيلَ أربعٌ قبلَ العصرِ، والجميعُ سُنَّةٌ وإنَّما الخِلافُ في الرَّاتِبِ المُؤكَّدِ. ورَكعتانِ خفيفَتانِ قبلَ المَغربِ. قُلتُ: هُما سُنَّةٌ على الصَّحيحِ ففي صَحيحِ البُخاري الأمرُ بِهِما. وبعدَ الجُمُعةِ أربعٌ وقبلَها ما قبلَ الظهر.

والله أعلمُ، ومنهُ الوِترُ وأقلُّهُ رَكعةٌ وأكثرُهُ إحدى عشرةً. وقيلَ ثلاثَ عشَرةَ. ولِمَنْ زادَ على ركعةٍ الفَصْلُ وهوَ أفضلُ. والوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أوْ تَشَهّثدَين في الأخيرَتَينِ ووقتُهُ بين صلاةِ العِشاءِ وطلوعِ الفَجْرِ. وقيلَ شَرْطُ الإيتَارِ بِرَكعَةٍ سَبْقُ نَفْلٍ بعدَ العِشاءِ. ويُسَنُّ جعْلُهُ ءاخرَ صلاةِ الليلِ. فإنْ أوتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لمْ يُعِدْهُ. وقيلَ يَشْفَعُهُ بركْعَةٍ ثُمَّ يُعيدُهُ. ويُنْدَبُ القُنوتُ ءاخِرَ وتْرِهِ في النِّصْفِ الثاني مِنْ رَمَضانَ، وقيلَ كُلَّ السُّنَّةِ، وهُوَ كَقُنوتِ الصُّبْحِ، ويقولُ قَبْلَهُ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتعينُكَ ونَسْتَغْفِرُكَ إلى ءاخِرِهِ.

قُلتُ: الأصَحُّ بعدَهُ. وأنَّ الجماعَةَ تُنْدَبُ في الوِترِ عَقِبَ التَّراويحِ جَماعةً، والله أعلمُ، ومِنْهُ الضُّحى وأقَلُّها ركعَتانِ وأكثَرُها اثنَتا عَشَرةً، وتَحِيَّةُ المَسْجِدِ ركعَتان وتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أوْ نَفْلٍ ءاخرَ لا رَكعةٍ على الصَّحيحِ. قُلتُ: وكذا الجَنازةُ وسَجدةُ التِّلاوةِ والشُّكرِ وتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخولِ على قُرْبٍ في الأصَحِّ،

والله أعلمُ. ويَدخُلُ وقتُ الرَّواتِبِ قبلَ الفَرْضِ بدُخولِ وقتِ الفَرْضِ وبعدَهُ بفِعْلِهِ ويخرُجُ النَّوعانِ بِخُروجِ وقتِ الفَرْضِ، ولوْ فاتَ النَّفلُ المُؤَقَّتُ نُدِبَ قضاؤُهُ في الأظهَرِ، وقِسْمٌ يُسَنُّ جماعَةً كالعيدِ والكُسوفِ والاسْتِسْقاءِ، وهوَ أفضَلُ ممَّا لا يُسَنُّ جماعةً لكن الأصَحُّ تفضيلُ الرَّاتِبَةِ على التَّراويحِ، وأنَّ الجماعَةَ تُسَنُّ في التَّراويحِ ولا حَصْرَ للنَّفْلِ المُطْلَقِ، فإنْ أحْرَمَ بأكثرِ منْ رَكعةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ في كُلِّ رَكعتَيْنِ وفي كُلِّ رَكعةٍ قُلتُ:

الصَّحيحُ مَنْعُهُ في كُلِّ رَكعةٍ، والله أعلمُ. وإذا نَوى عَددًا فلَهُ أنْ يَزيدَ وينقُصَ بِشرطِ تغييرِ النِّيَّةِ قَبلَهُما وإلا فَتَبْطُلُ، فلوْ نوى رَكْعَتَين ثُمَّ قامَ إلى ثالِثَةٍ سَهْوًا فالأصَحُّ أنَّهُ يَقعُدُ ثُمَّ يقومُ للزيادَةِ إن شاءَ. قُلتُ: نفلُ الليلِ أفضلُ، وأوسَطُهُ أفضلُ، ثُمذَ ءاخِرُهُ، وأنُ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكعَتَين، ويُسَنُّ التَّهَجُّدُ. وَيُكرَهُ قيامُ كلِّ الليلِ دائمًا، وتَخصيصُ ليلةِ الجُمُعَةِ بقيامٍ، وترْكُ تَهَجُّدٍ اعتادَهُ، والله أعلمُ.

كتاب صلاة الجماعة

هيَ في الفَرائِضِ غَيْرَ الجُمُعةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وقيلَ فَرْضُ كِفايةٍ للرجالِ، فتَجبُ بحيثُ يظهَرُ الشّعارُ في القريةِ فإن امتَنعوا كُلُّهُم قُوتلوا، ولا يَتَأكَّدُ النَّدْبُ للنِّساءِ تأكدَهُ للرِجالِ في الأصَحّ. قُلتُ: الأصَحُّ المَنْصوصُ أنَّها فرضُ كِفايةٍ وقيلَ عَيْنٍ،

والله أعلمُ، وفي المَسْجِدِ لِغَيْرِ المرأةِ أفضلُ، وما كثُرَ جَمْعُهُ أفضلُ إلا لِبِدعةِ إمامِهِ أو تَعَطُّل مَسْجدٍ قريبٍ لِغَيْبَتِهِ، وإدراكُ تكبيرَةِ الإحرامِ فضيلةٌ، وإنَّما تَحْصُلُ بالاشتِغالِ بالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحرُّمِ إمامِهِ وقيلَ بإدراكِ بعضِ القيامِ، وقيلَ بِأوَّلِ رُكوعٍ، والصَّحيحُ إدراكُ الجماعَةِ ما لمْ يُسَلِّمْ، ولْيُخفّفِ الإمامُ معَ فِعْلِ الأبعاضِ والهيئاتِ إلا أنْ يَرضى بتطويلِهِ مَحصورونَ، ويُكرَهُ التَّطويلُ ليَلحقَ ءاخرونَ، ولوْ أحَسَّ في الرُّكوعِ أوِ التَّشَهُّدِ الأخيرِ بِداخِلٍ لمْ يُكرَهِ انتِظارُهُ في الأظهَرِ إنْ لمْ يُبالِغْ فيهِ ولمْ يَفْرُقْ بينّ الدّاخلين.

قُلتُ: المذهبُ استِحبابُ انتِظارِهِ، والله أعلمُ، ولا ينتظرُ في غَيرِهما ويُسَنُّ للمُصَلِّي وحْدَهُ وكذا جماعةً في الأصَحِّ إعادَتُها معَ جماعَةٍ يُدرِكُها، وفَرضُهُ الأولى في الجديدِ والأصَحُّ أنَّهُ ينوي بالثانيةِ الفَرْضَ، ولا رُخصَةَ في تركِها وإن قُلنا سُنَّةٌ إلا بِعُذرٍ عام كَمَطرٍ أو ريحٍ عاصِفٍ بالليلِ وكذا وَحَلٌ شديدٌ على الصَّحيحِ، أو خاصٌ كمرضٍ وحرّ وبردٍ شديدَين وجوعٍ وعَطَشٍ ظاهِرَين ومُدافَعَةِ حَدَثٍ وخوفِ ظالمٍ على نَفْس أو مالٍ ومُلازمةِ غريمٍ مُعسرٍ وعُقوبةٍ يُرجى تَرْكُها إنْ تَغَيَّبَ أيامًا وعُري وتأهُّبٍ لِسَفرٍ معَ رُفقةٍ تَرحلُ وأكلِ ذي ريحٍ كريهٍ وحضورِ قريبٍ مُحتَضرٍ أو مريضٍ بلا مُتَعَهّدٍ أو يَأنَسُ بِهِ.

[فصلٌ] لا يَصُحُّ اقتِداؤُهُ بِمَنْ يَعلمُ بُطلانَ صلاتِهِ أو يَعْتَقِدُهُ كَمُجتدَيْنِ اختَلفا في القِبلةِ أوْ إناءَيْنِ، فإنْ تَعَدَّدَ الطَّاهِرُ فالأصَحُّ الصّحَّةُ ما لمْ يَتَعَيَّنْ إناءُ الإمامِ للنَّجاسَةِ، فإنْ ظنَّ طَهارةَ إناءِ غيرِهِ اقتدى بهِ قطعًا، فلو اشتَبَهَ خمسةٌ فيها نَجِسٌ على خمسةٍ فَظَنَّ كُلٌ طَهارَةَ إناءٍ فتوَضَّأ بهِ وأمَّ كلٌ في صلاةٍ ففي الأصَحّ يُعيدونَ العِشاءَ إلا إمامَها فيُعيدُ المغربَ، ولو اقتَدى شافعيٌّ بحَنفيّ مَسَّ فَرْجَهُ أو افْتَصَدَ فالأصحُّ الصحَّةُ في الفَصْدِ دونَ المَسّ اعتِبارًا بِنِيَّة المُقتدي، ولا تَصِحُّ قُدوةٌ بمُقتدٍ ولا بمنْ تلزمُهُ إعادةٌ كمُقيمٍ تَيَمَّمَ،

ولا قارئ بأمّيّ في الجديدِ وهُوَ مَنْ يُخِلُّ بِحَرفٍ أو تَشديدةٍ مِنَ الفاتِحةِ، ومنهُ أرَتُّ يُدغِمُ في غيرِ موضِعِهِ، وألثَغُ يُبدِلُ حرفًا بحرفٍ، وتَصِحُّ بِمثلِهِ، وتُكرَهُ بالتّمتامِ والفأفأءِ واللاحِنِ، فإن غَيَّرَ معنىً كأنعمْتُ بضَمّ أو كَسْرٍ أبْطَلَ صلاةَ مَنْ أمكنَهُ التَّعَلُّمُ، فإنْ عَجزَ لِسانهُ أو لم يَمْضِ زَمَنُ إمكانِ تعلُّمهِ، فإنْ كانَ في الفاتِحةِ فكأمّيّ وإلا فَتَصِحُّ صلاتُهُ والقُدوةُ به. ولا تَصِحُّ قُدوةُ رَجُلٍ ولا خُنثى بامرأةٍ ولا خُنثى، وتَصحُّ للمُتوضِّئ بالمُتَيَمّم، وبماسِح الخُفِّ، وللقائمِ بالقاعِدِ والمُضطَّجِعِ، وللكاملِ بالصَّبيّ والعَبْدِ، والأعمى والبَصيرِ بالمُستحاضةِ غير المُتَحَيِّرةِ،

ولو بانَ إمامُهُ امرأةً أو كافِرًا مُعلنًا قيلَ أو مُخفيًا وجَبَتِ الإعادةُ لا جُنُبًا وذا نَجاسةٍ خَفيَّةٍ. قُلتُ: الأصَحُّ المنصوصُ وقَوْلُ الجُمهور إنَّ مُخفيَ الكُفرِ هُنا كمُعلنيهِ، والله أعلمُ، والأمّيُّ كالمرأةِ في الأصحّ، ولوِ اقتدى بِخُنثى فبانَ رَجُلاً لمْ يَسْقُطِ القضاءُ في الأظهر، والعَدْلُ أولى مِنَ الفاسِقِ، والأصَحُّ أنَّ الأفْقَهَ أولى من الاقرإ والأورَعِ، ويُقَدَّمُ الأفقهُ والأقرأ على الأسَنّ النّسيبِ. والجديدُ تقديمُ الأسنّ على النَّسيبِ.

فإن استَوَيا فنَظافةُ الثَّوبِ والبدَنِ، وحُسْنُ الصَّوتِ وطيبُ الصَّنعةِ ونحوِها ومُسْتَحِقُّ المَنفعةِ بِمِلْكٍ ونحوِهِ أولى فإنْ لم يكُنْ أهلاً فَلَهُ التَّقديمُ. ويُقَدَّمُ على عبدِهِ السَّاكنِ لا مُكاتبِهِ في مِلكِهِ. والأصحُّ تقديمُ المُكتري على المُكري والمُعير على المُستعير. والوالي في مَحلّ ولايتِهِ أولى منَ الأفقهِ والمالِكِ. [فصلٌ] لا يتقدَّمُ على إمامِهِ في المَوقفِ، فإنْ تَقَدَّمَ بطَلتْ في الجديدِ ولا تَضُرُّ مُساواتُهُ، ويُندَبُ تَخَلُّفُهُ قليلاً، والاعتبارُ بالعَقِبِ، ويَستَديرونَ في المَسجدِ الحرامِ حولَ الكعبةِ ولا يَضُرُّ كونُهُ أقرَبَ إلى الكَعبةِ في غَيْرِ جهةِ الإمامِ في الأصحِّ،

وكذا لوْ وقَفا في الكعبةِ واختَلَفتْ جِهتَاهُما، ويقفُ الذَّكرُ عن يمينِهِ فإنْ حضَرَ ءاخَرُ أحْرَمَ عنْ يسارِهِ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الإمامُ أو يَتَأخَّرانِ، وهوَ أفضلُ، ولوْ حضُرَ رجُلانِ أو رجُلٌ وصَبيٌّ صفَّا خلفَهُ وكذا امرأةٌ أو نسوةٌ، ويقِفُ خلفَهُ الرِّجالُ ثمَّ الصّبيانُ ثمَّ النساءُ، وتقِفُ إمامَتُهُنَّ وسُطَهُنَّ، ويُكرَهُ وقوفُ المأمومِ فرْدًا، بل يدخُلُ الصَّفَّ إنْ وَجَدَ سَعةً، وإلا فليَجُرَّ شخصًا بعد الإحرامِ، وليُساعِدْهُ المَجرورُ، ويُشترطُ عِلمُهُ بانتِقالاتِ الإمامِ بأنْ يراهُ أوْ بَعْضَ صَفّ أو يَسمعَهُ أو مُبَلِّغًا، وإذا جَمَعَهُما مسجدٌ صحَّ الاقتداءُ وإنْ بَعُدتِ المَسافةُ وحالَتْ أبنيَةٌ،

ولو كانا بفضاءٍ شُرِطَ أن لا يزيدَ ما بينَهُما على ثلاثِمائةِ ذراعٍ تقريبًا وقيلَ تحديدًا، فإنْ تلاحَقَ شخصانِ أو صَفَّانِ اعتُبِرتِ المسافةُ بينَ الأخيرِ والأولِ، وسَواءٌ الفضاءُ المَمْلوكُ والوقفُ والمُبَعَّضُ، ولا يَضُرُّ الشارِعُ المَطروقُ، والنَّهرُ المُحْوِجُ إلى سِباحةٍ على الصحيح، فإنْ كانا في بِناءَيْن كَصَحْن وَصُفَّةٍ أو بيتٍ فطريقان أصحُّهُما إنْ كانَ بِناءُ المأمومِ يَمينًا أو شِمالاً وجَبَ اتصالُ صَفّ مِنْ أحَدِ البِناءَيْنِ بالآخَرِ، ولا تضُرُّ فُرجةٌ لا تَسَعُ واقِفًا في الأصَحّ، وإنْ كانَ خلفَ بِناءِ الإمامِ فالصَّحيحُ صِحَّةُ القدوةِ بِشرطِ أن لا يكونَ بين الصَّفَّين أكثرُ من ثلاثةِ أذرُعٍ،

والطريقُ الثاني لا يُشترطُ إلا القُربُ كالفضاءِ إنْ لمْ يكُنْ حائِلٌ أو حالَ بابٌ نافِذٌ، فإنْ حالَ ما يَمنعُ المُرورَ لا الرُّؤيةَ فَوَجهانِ، أو جِدارٌ بَطَلَتْ باتِّفاقِ الطَّريقَتينِ. قُلتُ: الطريقُ الثاني أصَحُّ، والله أعلمُ، وإذا صَحَّ اقتِداؤُهُ في بِناءٍ ءاخَرَ صحَّ اقتِداءُ مَنْ خَلْفَهُ وإنْ حالَ جِدارٌ بَيْنَهُ وبينَ الإمامِ، ولو وَقَفَ في عُلْوٍ وإمامُهُ في سُفْلٍ أو عَكْسِهِ شُرِطَ مُحاذاةُ بعضِ بَدَنِهِ ولوْ وقفَ في مَواتٍ وإمامُهُ في مسجدٍ فإنْ لمْ يَحُلْ شيءٌ فالشَّرطُ التَّقاربُ مُعتَبرًا مِنْ ءاخِرِ المَسْجِدِ، وقيلَ ءاخِرِ صَفّ وإنْ حالَ جدارٌ أو بابٌ مُغلَقٌ مَنَعَ، وكذا البابُ المَردودُ والشُّباكُ في الأصح.

قُلتُ: يُكرَهُ ارتِفاعُ المأمومِ على إمامِهِ وعكسُهُ إلا لِحاجَةٍ فيُسْتَحبُّ، ولا يقومُ حتَّى يفرُغَ المُؤذِّنُ مِنَ الإقامَةِ، ولا يبتَدئ نفلاً بعْدَ شُروعِهِ فيها، فإنْ كانَ فيهِ أتَمَّهُ إنْ لمْ يَخْشَ فَوْتَ الجماعةِ، والله أعلمُ. [فصلٌ] شرْطُ القُدوةِ أن ينوي المأمومُ معَ التَّكبيرِ الاقتداءَ أوِ الجماعةَ، والجُمُعةُ كغَيرِها على الصَّحيح، فلوْ ترَكَ هذهِ النِّيَّةَ والتابَعَ في الأفعالِ بطَلَتْ صلاتُهُ على الصَّحيحِ، ولا يَجِبُ تعيينُ الإمام فإنْ عيَّنَهُ وأخطَأ بَطَلتْ صلاتُهُ، ولا يُشتَرَطُ للإمامِ نيَّةُ الإمامةِ ويُستَحبُّ، فلو أخطأ في تعيينِ تابِعِهِ لمْ يَضُرَّ، وتَصِحُّ قُدوةُ المُؤدي بالقاضي والمفترِضِ بالمُتَنفل،

وفي الظُّهر بالعصرِ وبالعكُوس، وكذا الظهرُ بالصُّبحِ والمَغربِ وهُوَ كالمَسبوقِ، ولا تَضُرُّ مُتابَعةُ الإمامِ في القُنوتِ والجُلوس الآخر في المَغربِ، ولهُ فِراقُهُ إذا اشتَغَلَ بهما، ويجوزُ الصُّبحُ خلفَ الظُّهرِ في الأظهر، فإذا قامَ للثَّالِثةِ إنْ شاءَ فارَقهُ وسَلَّم، وإنْ شاءَ انتَظَرهُ ليُسَلِّمَ معهُ. قُلتُ: انتِظارُهُ أفضلُ،

والله أعلمُ، وإن أمكَنهُ القُنوتُ في الثانيةِ قَنَتَ وإلا ترَكهُ، ولهُ فِراقُهُ ليَقنُتَ فإنِ اختلفَ فِعْلهُما كمكتوبةٍ وكسوفٍ أو جنازةٍ لمْ تَصِحَّ على الصَّحيح. [فصلٌ] تَجِبُ مُتابعةُ الإمامِ في أفعالِ الصلاةِ بِأن يَتأخَّرَ ابتِداءُ فِعلِهِ عنِ ابتِدائِهِ ويَتَقَدَّمَ على فراغِهِ مِنْهُ، فإنْ قارَنَهُ لمْ يَضُرَّ إلا تكبيرةَ الإحرامِ، وإنْ تخلَّفَ برُكنٍ بِأنْ فَرَغَ الإمامُ منهُ وهوَ فيما قَبْلَهُ لمْ تبطُلْ في الأصحّ، أوْ برُكنَيْنِ بأن فرَغَ منهُما وهُوَ فيما قبلَهُما، فإنْ لمْ يكن عُذرٌ بَطلتْ وإنْ كانَ بِأنْ أسرَعَ قِراءَتَهُ وركعَ قبلَ إتمامِ المأموم الفاتِحةَ فقيلَ يتْبَعُهُ وتسقُطُ البَقيَّةُ،

والصَّحيحُ يُتِمُّها ويسعى خلفهُ ما لمْ يُسْبقْ بأكثرَ من ثلاثةِ أركانٍ مقصودةٍ، وهيَ الطويلةُ، فإنْ سُبِقَ بأكثرَ فقيلَ يُفارقُهُ، والاصحُّ يتبَعُهُ فيما هُوَ فيهِ ثم يَتَداركُ بعدَ سلامِ الإمامِ، ولوْ لمْ يُتِمَّ الفاتِحةَ لِشَغْلِهِ بدُعاء الافتتاحِ فمَعذورٌ، هذا كُلُّهُ في المُوافِقِ، فأمَّا مَسبوقٌ ركَعَ الإمامُ في فاتِحتِهِ فالأصحُّ أنَّهُ إنْ لمْ يشتغِلْ بالافتِتاحِ والتَّعَوُّذِ تركَ قِراءتَهُ ورَكَعَ وهُوَ مُدركٌ للرَّكعةِ وإلا لَزِمَهُ قراءةٌ بِقدرِهِ، ولا يشتَغِلُ المَسْبوقُ بِسُنَّةٍ بعدَ التَّحَرُّمِ بل بالفاتِحةِ إلا أنْ يعلمَ إدراكَها، ولوْ علِمَ المأمومُ في رُكوعِهِ أنَّهُ تركَ الفاتِحةَ أو شكَّ لمْ يعُدْ إليها،

بل يُصلّي ركعةً بعدَ سلامِ الإمامِ، فلوْ علِمَ أو شكَّ وقدْ ركعَ الإمامُ ولمْ يركعْ هوَ قرأها وهوَ مُتَخلّفٌ بعُذرٍ، وقيلَ يركعُ ويتَداركُ بعدَ سلامِ الإمامِ، ولو سَبَقَ إمامَهُ بالتَّحَرُّمِ لم تنْعَقِدْ، أو بالفاتِحةِ أوِ التَّشَهُّدِ لمْ يَضُرَّهُ ويُجزئُهُ، وقيلَ تجبُ إعادتُهُ، فلو تقدَّمَ بفعلٍ كركوعٍ وسُجودٍ إنْ كان برُكنَينِ بطَلَتْ وإلا فلا، وقيلَ تبْطُلُ برُكنٍ. [فصلٌ] خرجَ الإمامُ من صلاتِهِ انقَطَعتِ القُدوةُ، فإنْ لم يخرُجْ وقطّعَها المأمومُ جازَ، وفي قولٍ لا يجوزُ إلا بعُذرٍ يُرَخّصُ في تركِ الجَماعةِ، ومنَ العُذرِ تطويلُ الإمامِ أو ترْكُهُ سُنَّةً مقصودةً كتَشَهُّدٍ، لو أحرَمَ مُنفَرِدًا ثُمَّ نوى القدوةَ في خلالِ صلاتِهِ جازَ في الأظهر وإنْ كان في ركعةٍ أخرى،

ثُمَّ يتبعُهُ قائمًا كانَ أو قاعِدًا، فإنْ فرغَ الإمامُ أولاً فهُوَ كمسبوقٍ، أوْ هوَ فإنْ شاءَ فارَقهُ وإنْ شاءَ انتَظَرَ ليُسَلِّمَ معَهُ، وما أدرَكهُ المَسبوقُ فأوَّلُ صلاتِهِ فيُعيدُ في الباقي القُنوتُ، ولوْ أدرَكَ ركعةً مِنَ المَغربِ تشَهَّدَ في ثانِيتِهِ، وإنْ أدرَكهُ راكِعًا أدركَ الرَّكعةَ. قُلتُ: يُشترطُ أنْ يَكمئنَّ قبلَ ارتِفاعِ الإمامِ عنْ أقلّ الرّثكوعِ،

والله أعلمُ، ولو شكَّ في إدراكِ حدّ الإجزاءِ لم تُحسبْ ركعتُهُ في الأظهر، ويُكَبِّرُ للإحرامِ ثُمَّ للرُكوعِ، فإنْ نواهُما بتكبيرةٍ لمْ تنعَقِدْ، وقيلَ نفلاً، وإنْ لمْ ينوِ بها شيئًا لمْ تنعقِدْ على الصَّحيحِ ولو أدرَكَهُ في اعتِدالِهِ فما بعدَهُ انتقَلَ معهُ مُكبّرًا، والأصَحُّ أنَّهُ يُوافِقُهُ في التَّشَهُّدِ والتَّسبيحاتِ، وأنَّ مَنْ أدركَهُ في سجدةٍ لمْ يُكَبّرْ للانتِقالِ إليها، وإذا سلَّمَ الإمامُ قامَ المسبوقُ مُكَبِّرًا إنْ كانَ موضعَ جلوسِهِ وإلا فلا في الأصَحّ.