مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِها حَرُمَ عليهِ قبولُها، ومنْ قَدَرَ ولمْ يَثِقْ بأمانتِهِ كُرِهَ فإنْ وَثِقَ استُحِبَّ، وشرطُهُما شرطُ مُوَكّلٍ ووَكيلٍ، ويُشترطُ صيغةُ المُودِعِ كاستَوْدعتُكَ هذا أوِ اسْتَحْفَظتُكَ أو أنَبْتُكَ في حِفظِهِ، والأصحُّ أنَّهُ لا يُشترطُ القبولُ لفظًا ويكفي القَبضُ، ولو أودَعهُ صبيٌّ أوْ مجنونٌ مالاً لمْ يقلْهُ فإنْ قَبِلَ ضَمِنَ، ولوْ أودعَ صبيًا مالاً فتلِفَ عندهُ لمْ يَضْمنْ، وإنْ أتلفهُ ضَمِنَ في الاصَحِّ، والمَحجورُ عليهِ بِسَفَهٍ كصبيّ، وتَرْتَفِعُ بِمَوتِ المُودِعِ أوِ المُودَعِ وجُنونِهِ وإغمائِهِ، ولهُما الاسْتِردادُ والرَّدُّ كُلَّ وقتٍ، وأصلُها الأمانةُ، وقد تصيرُ مضمونةً بِعوارِضَ منها أن يُودِعَ غيرهُ بلا إذنٍ ولا عُذرٍ فيضمنُ،
وقيلَ إنْ أودَعَ القاضي لمْ يضمنْ، وإذا لمْ يُزِلْ يَدَهُ عنها جازَتْ الاستِعانةُ بِمَنْ يَحملُها إلى الحِرزِ أو يضعُها في خِزانةٍ مُشتركةٍ، وإذا أرادَ سفرًا فليُردَّ إلى المالِكِ أو وكيلِهِ، فإنْ فَقَدهُما فالقاضي فإنْ فقدَهُ فأمينٌ، فإنْ دَفَنها بِمَوضعٍ وسافَرَ ضَمِنَ، فإنْ أعْلَمَ بها أمينًا يَسْكُنُ المَوْضِعَ لمْ يَضْمَنْ في الاصحِّ، ولوْ سافرَ بها ضَمِنَ إلا إذا وقعَ حريقٌ أو غارةٌ وعَجَزَ عَمَّنْ يدفعُها إليهِ كما سبقَ، والحريقُ والغارةُ في البُقعةِ وإشرافُ الحِرْزِ على الخرابِ أعْذارٌ كالسَّفرِ، وإذا مَرِضَ مرضًا مخوفًا فلْيَرُدَّها إلى المالِكِ أوْ وكيلِهِ وإلا فالحاكمِ أو أمينٍ أو يُوصي بها،
فإنْ لمْ يفعلْ ضَمِنَ إلا إذا لم يَتَمكَّنْ بأنْ ماتَ فجأةً، ومنها إذا نَقَلها مِنْ مَحِلَّةٍ أو دارٍ إلى أخرى دُونها في الحِرزِ ضَمِنَ وإلا فلا، ومنها أنْ لا يدفَعَ مُتْلِفاتِها، فلوْ أودعهُ دابَّةً فتركَ علفها ضَمِنَ فإنْ نهاهُ عنهُ فلا على الصَّحيحِ، فإنْ أعطاهُ المالِكُ علفًا عَلَفها منهُ وإلا فَيُراجِعُهُ أوْ وكيلَهُ، فإنْ فُقِدا فالحاكمُ، ولوْ بعثَها معَ مَنْ يسقيها لمْ يضمنْ في الاصحِّ، وعلى المُودَعِ تعريضُ ثيابِ الصُّوفِ للريحِ كيلا يُفسِدَها الدُّودُ، وكذا لُبسُها عندَ حاجَتِها، ومنها أنْ يَعْدِلَ عنِ الحِفظِ المأمورِ وتَلِفَتْ بسَببِ العُدولِ فيضمنُ فلو قالَ لا تَرْقُدْ على الصُّندوقِ فرقدَ وانْكَسَرَ بثِقَلِهِ وتَلِفَ ما فيهِ ضَمِنَ،
وإنْ تلفَ بغيرِهِ فلا على الصَّحيحِ وكذا لوْ قالَ لا تُقْفِلْ عليهِ قُفلَيْنِ فأقفلهُما، ولوْ قالَ اربِطِ الدَّراهِمَ في كُمِّكَ فأمسَكَها في يدِهِ فتَلِفَتْ فالمذهبُ أنَّها إنْ ضاعَتْ بنومٍ ونِسْيانٍ ضَمِنَ أو بِأخْذِ غاصِبٍ فلا، ولوْ جَعَلَها في جيبِهِ بدلاً عنِ الرَّبطِ في الكُمِّ لمْ يَضمنْ وبالعكسِ يضمنُ، ولوْ أعطاهُ دراهِمَ بالسُّوقِ ولمْ يُبَيِّن كَيْفيّةَ الحِفْظِ فرَبَطها في كُمّهِ وأمْسَكها بيدِهِ أو جعلَها في جيبِهِ لمْ يضمنْ وإنْ أمسَكها بيدِهِ لمْ يَضمنْ إنْ أخَذَها غاصِبٌ ويضمنُ إنْ تَلِفَتْ بغفلةٍ أو نومٍ، وإنْ قالَ احْفَظها في البيتِ فَلْيَمْضِ إليهِ ويُحْرِزْها فيهِ فإنْ أخَّرَ بلا عُذرٍ ضَمِنَ،
ومنها أنْ يُضَيّعَها بأنْ يَضعها في غير حِرزِ مِثلها أو يَدُلَّ عليها سارقًا أوْ مَنْ يُصادرُ المالِكَ لوْ أكْرهَهُ ظالِمٌ حتى سَلَّمها إليهِ فللمالِكِ تضمينُهُ في الأصحِّ ثمَّ يرجعُ على الظَّالمِ، ومنها أنْ يَنْتَفِعَ بها بأنْ يَلبسَ أو يركبَ خِيانةً أوْ يأخُذَ الثوبَ ليَلبسهُ أوِ الدَّراهمَ ايُنْفِقها فيَضمنُ، ولو نوى الأخذَ ولمْ يأخُذ لمْ يضمنْ على الصَّحيح، ولو خَلَطها بمالِهِ ولمْ تَتَمَيَّزْ ضَمِنَ، ولو خلطَ دراهِمَ كيسَينِ للمُودِعِ ضَمِنَ في الأصحِّ.
ومتى صارتْ مضمونةً بانتِفاعٍ وغيرهِ ثمَّ تركَ الخِيانةَ لم يَبْرأ، فإنْ أحْدثَ لهُ المالكُ اسْتِئْمانًا بَرئَ في الاصحِّ، ومتى طلَبَها المالكُ لَزِمهُ الرَّدُّ بأنْ يُخليَ بينهُ وبينها فإنْ أخَّرَ بلا عُذرٍ ضَمِنَ، وإنِ ادَّعى تَلَفها ولم يذكرْ سببًا أو ذكرَ خفيًا كسرِقَةٍ صُدِّقَ بيمينِهِ، وإنْ ذكرَ ظاهِرًا كحريقٍ فإنْ عُرِفَ الحريقُ وعُمُومُهُ صُدِّقَ بلا يمينٍ وإنْ عُرشفَ دونَ عمومِهِ صُدِّقَ بيمينِهِ، وإنْ جُهِلَ طُولِبَ بَبَيِّنةٍ ثمَّ يُحَلَّفُ على التَّلفِ بهِ، وإنِ ادَّعى ردَّها على مَنِ ائْتَمنهُ صُدِّقَ بيمينهِ، أو على غيرِهِ كوارِثِهِ أوِ ادَّعى وارثُ المُودَعِ الرَّدَّ على المالِكِ أوْ أوْدعَ عندَ سفرِهِ أمينًا فادَّعى الأمينُ الرَّدَّ على المالِكِ طُولِبَ ببيِّنةٍ، وجُحُودُها بعدَ طَلَبِ المالكِ مُضَمِّنٌ.
كتابُ قَسْمِ الفَيءِ والغنيمةِ
الفيءُ مالٌ حَصَلَ مِنْ كُفارٍ بلا قِتالٍ وإيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ كَجِزْيةٍ وعُشرِ تِجارةٍ وما جَلَوْا عنهُ خوْفًا ومالِ مُرْتدّ قُتِلَ أو ماتَ وذِميّ ماتَ بلا وارِثٍ فيُخَمَّسُ، وخًمْسُهُ لِخمسةٍ أحدُها مَصالِحُ المُسلمينَ كالثَّغورِ والقُضاةِ والعُلماءِ يُقَدَّمُ الأهَمُّ، والثاني بَنُوْ هاشِمٍ والمُطَّلبِ يَشْتركُ الغَنيُّ والفقيرُ والنساءُ ويُفَضَّلُ الذَّكرُ كالإرثِ، والثالثُ اليَتامَى وهُوَ صغيرٌ لا أبَ لهُ ويُشتَرطَ فَقرُهُ على المَشهورِ، والرابِعُ والخامِسُ المساكينُ وابنُ السَّبيلِ، ويعُمُّ الأصنافَ الأربعةَ المُتأخرةَ، وقيلَ يَخُصُّ بالحاصِلِ في كُلّ ناحيةٍ مَنْ فيها مِنهُم،
وأما الأخماسُ الأربعةُ فالأظهرُ أنَّها للمُرتَزِقةِ، وهُمُ الأجنادُ المُرْصَدونَ للجهادِ فيضعُ الإمامُ دِيوانًا وينصِبُ لكُلّ قبيلةٍ أو جماعةٍ عَريفًا ويبحثُ عنْ حالِ كُلّ واحدٍ وعِيالِهِ وما يكفيهم فيُعطيهِ كِفايتَهُم، ويُقدّمُ في إثباتِ الاسمِ والإعطاءِ قُرَيْشًا وهُمْ ولَدُ النُّضْرِ بنِ كِنانةَ، ويُقَدّمُ منهُم بني هاشمٍ والمُطَّلبِ ثمَّ عبدَ شمسٍ ثمَّ نَوْفلَ ثمَّ عبدَ العُزَّى ثمَّ سائرَ البُطونِ الأقربَ فالأقربَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ الأنصارَ ثمَّ سائِرَ العربِ ثمَّ العَجَمَ ولا يُثبِتُ في الدّيوانِ أعمى ولا زَمِنًا ولا مَنْ لا يصلُحُ للغزوِ، ولوْ مَرِضَ بعضُهُم أوْ جُنَّ ورُحيَ زَوالُهُ أُعْطِيَ،
فإنْ لمْ يُرْجَ فالأظهرُ أنَّهُ يُعطى، وكذا زوجتُهُ وأولادُهُ إذا ماتَ فتُعطى الزوجةُ حتى تَنْكِحَ والأولادُ حتى يَسْتقِلُّوا، فإنْ فَضَلَتِ الأخماسُ الأربعةُ عنْ حاجاتِ المُرتزِقةِ وُزِّعَ عليهم على قَدْرِ مُؤنَتِهم، والأصحُّ أنّهُ يجوزُ أنْ يُصرفَ بعضُهُ في إصلاحِ الثُّغورِ والسّلاحِ والكُراعِ، هذا حُكْمُ مَنقولِ الفَيءِ، فأمَّا عقارُهُ فالمذهبُ أنَّهُ يُحْعلُ وقفًا وتُقسمُ غَلَّتُهُ كذلكَ. [فصلٌ] الغنيمةُ مالٌ حصلَ منْ كُفارٍ بِقتالٍ وإيجافٍ، فيُقدّمُ منهُ السَّلبُ للقاتِلِ وهُوَ ثيابُ القتيلِ والخُفُّ والرَّانُ وءالاتُ الحربِ كَدِرعٍ وسلاحٍ ومَرْكوبٍ وسَرْجِ ولجامٍ وكذا سِوارٌ ومنطقةٌ وخاتمٌ ونفقةٌ معهُ وجنيبةٌ تُقادُ معَهُ في الأظهرِ،
لا حقيبةٌ مَشدودةٌ على الفَرسِ على المذهبِ، وإنما يَسْتَحِقُّ بِركوبِ غَرَرٍ يكفي بهِ شرَّ كافِرٍ في حالِ الحربِ، فلوْ رمى من حِصْنٍ أو منَ الصَّفِّ أوْ قتلَ نائمًا أوْ أسيرًا أو قتلهُ وقدِ انْهَزمَ الكُفَّارُ فلا سَلَبَ، وكِفايةُ شَرّهِ أن يُزيلَ امْتِناعَهُ بأنْ يَفقأ عينيهِ أو يَقطعَ يديهِ ورِجْلَيهِ، وكذا لو أسَرَهُ أو قطعَ يديْهِ أوْ رِجلَيْهِ في الأظهرِ، ولا يُخَمَّسُ السَّلبُ على المشهورِ، وبعدَ السَّلبِ تُخرجُ مُؤنةُ الحِفظِ والنَّقلِ وغيرهما ثمَّ يُخَمَّسُ الباقي فخُمُسُهُ لأهلِ خُمُسِ الفيءِ يُقسَّمُ كما سبقَ، والأصحُّ أنَّ النَّفلَ يكونُ مِنْ خُمسِ الخُمُسِ المُرصدِ للمصالِحِ إنْ نَفَّلَ ممَّا سَيُغْنمُ في هذا القِتالِ،
ويجوزُ أنْ يُنَفّلَ منْ مالِ المصالِحِ الحاصِلِ عندهُ، والنَّفلُ زيادةٌ يَشتَرطُها الإمامُ أو الأميرُ لمَنْ يفعلُ ما فيهِ نِكايةُ الكُفارِ ويَجتَهِدُ في قَدرِهِ، والأخماسُ الأربعةُ عَقارُها ومنقُولُها للغانِمينَ وهُمْ مَنْ حضرَ الوَقْعةَ بنيِّةِ القتالِ وإنْ لمْ يُقاتلْ، ولا شيءَ لمَنْ حضرَ بعدَ انقِضاءِ القِتالِ، وفيما قبلَ حِيازةِ المالِ وجهٌ، ولوْ ماتَ بعضُهُم بعدَ انقِضائِهِ والحِيازةِ فحقُّهُ لِوارِثِهِ وكذا بعدَ الانقِضاءِ وقبلَ الحيازةِ في الأصحِّ، ولوْ ماتَ في القِتالِ فالمذهبُ أنَّهُ لا شيءَ لهُ، والأظهرُ أنَّ الأجيرَ لسياسةِ الدَّوابّ وحِفْظِ الأمتعةِ والتَّاجرَ والمُحترفَ يُسهمُ لهم إذا قاتلوا،
وللرَّاجِلِ سَهْمٌ وللفارسِ ثلاثةٌ ولا يُعطى إلا لِفَرَسٍ واحدٍ عَرَبيًا كانَ أوْ غيرَهُ لا لبعيرٍ وغيرهُ، ولا يُعطى لفرسٍ أعجَفَ وما لا غَناءَ فيهِ، وفي قولٍ يُعطى إنْ لمْ يُعْلَمْ نهيُ الأميرِ عنْ إحضارِهِ، والعبدُ والصبيُّ والمرأةُ والذّميُّ إذا حَضروا فلهُمْ الرَّضخُ وهُوَ دونَ سَهمٍ يَجتهدُ الإمامُ في قدرِهِ ومَحَلُّهُ الأخماسُ الاربعةُ في الأظهرِ. قلتُ إنَّما يُرْضخُ لذِميّ حضَرَ بلا أجرةٍ وبإذنِ الإمامِ على الصَّحيح، والله أعلمُ.
