صورةُ عَقدِها أُقِرُّكُم بدارِ الإسلامِ أو أذِنتُ في إقامتِكُم بها على أنْ تَبْذُلوا جِزيةً وتنْقادوا لِحُكمِ الإسلامِ، والأصحُّ اشتِراطُ ذِكْرِ قدرِها لا كَفّ اللسانِ عَنِ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينِهِ، ولا يَصِحُّ العقدُ مُؤَقَّتًا على المذهبِ، ويُشترطُ لفظُ قبولٍ، ولو وُجِدَ كافرٌ بدارِنا فقالَ دخلتُ لِسماعِ كلامِ اله تعالى أو رسولاً أو بأمانِ مسلمٍ صُدِّقَ وفي دعوى الأمانِ وجهٌ، ويُشترطُ لِعقدها الإمامُ أو نائِبُهُ، وعليهِ الإجابةُ إذا طلَبوا إلا جاسوسًا نخافهُ، ولا تُعْقَدُ إلا لليهودِ والنَّصارى والمجوسِ وأولادِ مَنْ تَهَوَّدَ أوْ تنَصَّرَ قبلَ النَّسْخِ أو شَكَكنا في وقتِهِ وكذا زاعِمُ التَّمَسُّكِ بصُحُفِ إبراهيمَ وزبورِ داودَ صلى الله عليهِما وسلَّمَ ومَنْ أحدُ أبويهِ كِتابيٌّ والآخَرُ وَثنيٌّ على المذهبِ،

ولا جزيةَ على امرأةٍ وخُنثى ومَنْ فيهِ رِقٌّ وصبيّ ومجنونٍ، فإنْ تَقَطَّعَ جنونُهُ قليلاً كساعةٍ مِنْ شهرٍ لَزِمَتْهُ أو كثيرًا كيومٍ ويومٍ فالأصحُّ تُلَفَّقُ الإفاقةُ فإذا بَلَغتْ سنةً وجَبَتْ، ولو بلغَ ابنُ ذميّ ولمْ يبذُلْ جزيةً أُلحِقَ بمأمَنِهِ، وإنْ بذَلَها عُقِدَ لهُ وقيلَ عليهِ كجزيةِ أبيهِ، والمذهبُ وُجوبُها على زمِنٍ وشيخٍ هَرِمٍ وأعمى وراهبٍ وأجيرٍ وفقيرٍ عجزَ عنْ كَسْبٍ فإذا تَمَّتْ سنةٌ وهُوَ مُعسِرٌ ففي ذِمَّتِهِ حتى يُوسرَ، ويُمْنَعُ كُلُّ كافرٍ مِنَ استيطانِ الحِجازِ، وهُوَ مكَّةُ والمدينةُ واليمامةُ وقُراها وقيلَ لهُ الإقامةُ في طُرُقِهِ المُمتدَّةِ، ولوْ دخلهُ بغيرِ إذنِ الإمامِ أخرجهُ وعزَّرهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ ممنوعٌ،

فإنِ استأذنَ أُذِنَ لهُ إنْ كانَ مَصلحةٌ للمسلمينَ كَرِسالةٍ وحَمْلِ ما يُحتاجُ إليهِ، فإنْ كانَ لتِجارةٍ ليسَ فيها كبيرُ حاجةٍ لم يأذنْ إلا بشرطِ أخذِ شيءٍ منها، ولا يُقيمُ إلا ثلاثةَ أيامٍ، ويُمنعُ دُخُولَ حَرَمِ مكَّةَ، فإنْ كانَ رسولاً خرجَ إليهِ الإمامُ أو نائبٌ يسمعُهُ، وإنْ مَرِضَ فيهِ نُقِلَ وإن خِيفَ موتُهُ، فإنْ ماتَ لم يُدفَنْ فيهِ فإنْ دُفِنَ نُبِشَ وأُخرِجَ، وإنْ مَرِضَ في غيرهِ مِنَ الحجازِ وعظُمَتِ المَشقّةُ في نقلِهِ تُرِكَ وإلا نُقِلَ، فإنْ ماتَ وتعذَّرَ نقلُهُ دُفِنَ هُناكَ.

[فصلٌ] أقلُّ الجزيةِ دينارٌ لكُلِّ سنةٍ، ويُستَحبُّ للإمامِ مُماكسةٌ حتى يأخذَ مِنْ مُتوسِّطٍ دينارَينِ وغَنيّ أربعةٌ، ولو عُقِدَتْ بأكثرَ ثمَّ عَلِموا جوازَ دينارٍ لَزمهُم ما التزموهُ فإنْ أبَوا فالأصحُّ أنَّهُم ناقِضونَ، ولوْ أسلَمَ ذِمِّيٌّ أو ماتَ بعدَ سنينَ أُخِذَتْ جِزيَتُهُنَّ مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً على الوصايا ويُسَوَّى بينها وبينَ دَينِ ؤادميّ على المذهبِ، أو في خلالِ سنةٍ فقِسطٌ، وفي قولٍ لا شيءَ، وتُؤخَذُ بإهانةٍ فيجلسُ الآخِذ ويقومُ الذميّ ويُطأطِئ رأسهُ ويَحني ظهرهُ ويَضعُها في الميزانِ ويَقبضُ الآخذُ لحيتَهُ ويضربُ لِهِزِمَتَيْهِ، وكُلُّهُ مُستحبٌّ وقيلَ واجبٌ، فعلى الأوَّلِ لهُ توكيلُ مسلمٍ بالأداءِ وحوالةٌ عليهِ وأنْ يَضْمَنَها قلتُ هذهِ الهيئةُ باطلةٌ ودعوى استِحْبابِها أشدُّ خطأ،

والله أعلمُ، ويُستَحبُّ للإمامِ إذا أمكنَهُ أنْ يَشرِطَ عليهم إذا صُولِحوا في بلدِهم ضيافةَ مَنْ يَمُرُّ بهم مِنَ المسلمينَ زائدًا على أقلّ جزيةٍ وقيلَ يجوزُ منها، وتُجْعلُ على غنِي ومُتَوسّطٍ، لا فقيرٍ في الأصحِّ، ويَذكُرُ عددَ الضّيفانِ رجالاً وفُرسانًا وجِنْسَ الطعامِ والأُدْمِ وقدرُهُما ولكُلّ واحدٍ كذا وعَلَفَ الدَّوابِ ومنزلَ الضيفانِ مِنْ كنيسةٍ وفاضِلِ مَسْكنٍ ومُقامَهُمْ ولا يُجاوزُ ثلاثةَ أيَّامٍ، ولو قالَ قومٌ نُؤدّي الجزيةَ باسمِ صدقةٍ لا جزيةٍ فللإمامِ إجابتُهُم إذا رأى، ويُضَعّفُ عليهم الزَّكاةَ فَمِنْ خمسةِ أبعرةٍ شاتانِ وخمسةٍ وعِشرينَ بِنْتًا مخاضَ وعشرينَ دينارًا دينارٌ ومائتَيْ درهمٍ عشرةٌ وخُمُسُ المعَشَّراتِ،

ولوْ وجبَ بِنْتًا مخاضٍ معَ جُبْرانٍ لمْ يُضَعّفِ الجبرانَ في الأصحِّ، ولو كانَ بعضَ نِصابٍ لم يجبْ قسطُهُ في الأظهرِ، ثمَّ المأخوذُ جزيةٌ فلا يُؤخَذُ مِنْ مالِ مَنْ لا جزيةَ عليهِ. [فصلٌ] يَلزمُنا الكَفُّ عنهُم وضَمانُ ما نُتْلِفُهُ عليهم نفسًا ومالاً ودَفْعُ أهلِ الحربِ عنهُم وقيلَ إنِ انْفَردوا ببلدٍ لم يلزمنا الدَّفعُ، ونَمْنعُهُم إحداثَ كنيسةٍ في بلدٍ أحدَثناهُ أو أسلَمَ أهلُهُ عليهِ، وما فُتِحَ عَنوةً لا يُحْدِثونَها فيهِ، ولا يُقَرُّونَ على كنيسةٍ كانتْ فيهِ في الأصحِّ، أو صُلحًا بِشرطِ الأرضِ لنا وشرطِ إسكانِهم وإبقاءِ الكَنائسِ جازَ، وإنْ أُطْلِقَ فالأصحُّ المَنعُ أو لهم قُرِّرَتْ ولهم الإحداثُ في الأصحِّ،

ويُمنَعونَ وُجوبًا وقيلَ نَدْبًا مِنْ رَفعِ بناءٍ على بناءِ جارٍ مُسلمٍ والأصحُّ المَنْعُ مِنَ المساواةِ، وأنَّهُم لو كانوا بمَحلَّةٍ مُنفَصِلةٍ لم يُمْنَعوا، ويُمنعُ الذمّيُّ رُكوبَ خيلٍ لا حميرٍ وبِغالٍ نفيسةٍ، ويركبُ بإكافٍ وركابِ خَشَبٍ لا حديدٍ ولا سَرْجٍ، ويُلجأ إلى أضيَقَ الطُّرقِ، ولا يُوَقَّرَ ولا يُصَدَّرَ في مجلسٍ، ويُؤمرُ بالغِيارِ والزُّنَّارِ فوقَ الثيابِ، وإذا دخلَ حمَّامًا فيهِ مُسلمونَ أو تجرَّدَ عنْ ثيابِهِ جعلَ في عُنُقِهِ خاتَمَ حديدٍ أو رصاصٍ ونحوهُ، ويُمنعُ مِنْ إسماعِهِ المُسلمينَ شِرْكًا وقولَهُم في عُزَيرٍ والمسيحِ ومِنْ إظهارِ خَمْرٍ وخِنزيرٍ وناقوسٍ وعيدٍ، ولو شُرِطَتْ هذه الأمورُ فخالفوا لمْ يَنْتَقِضِ العهدُ،

ولو قاتلونا أو امتنعوا مِنَ الجزيةِ أوْ مِنْ إجراءِ حُكْمِ الإسلامِ انْتَقَضَ، ولو زنى ذِمِّيٌّ بمُسلمةٍ أوْ أصابها بنكاحٍ أوْ دَلَّ أهلَ الحربِ على عورةِ المسلمينَ أو فَتَنَ مُسلمًا عَنْ دينِهِ أو طَعَنَ في الإسلامِ أوِ القرءانِ أو ذَكَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوءٍ فالأصحُّ أنَّهُ إنْ شُرِطَ انتِقاضُ العهدِ بها انْتقضَ وإلا فلا، ومَنِ انتقَضَ عهدُهُ بقتالٍ جازَ دفعُهُ وقِتالُهُ، أو بغيرهِ لمْ يجبْ إبلاغُهُ مأمنهُ في الأظهرِ بل يختارُ الإمامُ فيه قتلاً ورِقًا ومَنًّا وفِداءً، فإنْ أسلَمَ قبلَ الاختيارِ امْتَنَعَ الرّقُّ، وإذا بطلَ أمانُ رجالٍ لم يبطُلْ أمانُ نسائِهم والصبيانِ في الأصحِّ، وإذا اختارَ ذميٌّ نَبْذَ العهدِ واللحوقَ بدارِ الحربِ بُلّغَ المأمَنَ.

بابُ الهُدْنَةِ

عقدُها لكفَّارِ إقليمٍ يَختصُّ بالإمامِ ونائِبِهِ فيها، ولِبلدةٍ يجوزُ لوالي الإقليمِ أيضًا، وإنَّما تُعقدُ لمصلحةٍ كَضعفِنا بقلَّةِ عددٍ وأُهبةٍ أو رجاءِ إسلامِهِم أو بَذلِ جزيةٍ، فإنْ لمْ يكُنْ جازَتْ أربعةَ أشهُرٍ لا سنةً وكذا دونَها في الأظهرِ، ولِضعفٍ تجوزُ عشرَ سنينَ فقط ومتى زادَ على الجائزِ فقولاً تفريقِ الصَّفقةِ، وإطلاقُ العقدِ يُفسدُهُ وكذا شرطٌ فاسِدٌ على الصحيحِ بأنْ شَرَطَ مَنْعَ فَكّ أسرانا أو ترْكَ ما لنا لهُمْ أو ليُعقَدَ لهم ذِمَّةٌ بدونِ دينارٍ أو بدفعِ مالٍ إليهم، وتَصِحُّ الهُدنةُ على أنْ يَنْقُضَها الإمامُ متى شاءَ، ومتى صَحَّتْ وجبَ الكَفُّ عنهُم حتى تَنْقضيَ أو يَنقضوها بتصريحٍ أو قتالنا أو مُكاتبةِ أهلِ الحربِ بعَورةٍ لنا أو قتلِ مسلمٍ،

وإذا انتَقَضتْ جازَتِ الإغارةُ عليهِم وبياتُهُم، ولو نقضَ بعضُهم ولمْ يُنكِرِ الباقونَ بقولٍ ولا فعلٍ انتقضَ فيهم أيضًا، وإنْ أنكروا باعتِزالهم أو إعلامِ الإمامِ ببَقائِهم على العهدِ فلا، ولو خافَ خيانتهُم فلهُ نبْذُ عهدِهم إليهم ويُبَلّغُهُم المأمنَ، ولا يُنبذُ عقدُ الذمَّةِ بتُهمةٍ، ولا يجوزُ شَرطُ ردّ مسلمةٍ تأتينا مِنهُم، فإنْ شُرِطَ فَسَدَ الشَّرطُ وكذا العقدُ في الأصحِّ، وإنْ شَرَطَ ردَّ مَنْ جاءَ أوْ لمْ يذكُرْ ردًا فجاءتِ امرأةٌ لم تَجِبْ دفعَ مهرٍ إلى زوجِها في الأظهرِ، ولا يُرَدُّ صبيٌّ ومجنونٌ وكذا عبدٌ وحُرٌّ لا عشيرةَ لهٌ على المذهبِ، ويُرَدُّ مَنْ لهُ عشيرةٌ طلبتهُ إليها لا إلى غيرها إلا أنْ يَقْدِرَ المطلوبُ على قهرِ الطالِبِ والهرب منهُ،

ومعنى الردّ أن يُخِلَّ بينهُ وبينَ طالِبِهِ ولا يُجبَرُ على الرُّجوعِ، ولا يلزمُهُ الرجوعُ، ولهُ قتلُ الطَّالبِ، ولنا التَّعريضُ لهُ بهِ لا التَّصريحُ، ولوْ شرطَ أنْ يَرُدُّوا مَنْ جاءهُم مُرتَدًّا مِنَّا لَزِمهُم الوفاءُ فإنْ أبَوا فقدْ نقضوا، والأظهرُ جوازُ شرطِ أنْ لا يَرُدُّوا.