عدَّةُ النّكاحِ ضَربانِ الأوَّلُ مُتعلِّقٌ بِفُرقةِ حَيّ بطلاقٍ أو فسْخٍ، وإنَّما تَجبُ بعدَ وطءٍ أوِ اسْتِدخالِ مَنِيِّ وإنْ تَيَقَّنَ براءةَ الرَّحمِ لا بخلوةٍ في الجديدِ، وعِدَّةُ حُرَّةٍ ذاتِ أقراءٍ ثلاثةٌ. والقرءُ: الطُّهرُ، فإنْ طلّقتْ طاهِرًا انْقَضَتْ بالطَّعنِ في حيضةٍ ثالثةٍ، أو حائِضًا ففي رابعةٍ، وفي قولٍ يُشترطُ يومٌ وليلةٌ بعدَ الطَّعنِ، وهَلْ يُحْسَبُ طُهرُ مَنْ لمْ تَحِضْ قُرْءًا؟ قولانِ بناءً على أنَّ القُرءَ انتِقالٌ مِنْ طُهرٍ إلى حيضٍ أمْ طُهرٌ مُحْتَوَشٌ بدَمَينِ، والثاني أظهرُ، وعِدَّةُ مُسْتحاضةٍ بأقرائِها المَردودةِ إليها، ومُتَحيِّرةٍ بثلاثةِ أشهرٍ في الحالِ وقيلَ بعدَ اليأسِ،
وأمِّ ولدٍ ومُكاتَبَةٍ ومَنْ فيها رِقٌّ بقُرءَيْنِ، وإنْ عَتَقَتْ في عِدَّةِ رجعةٍ كمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ في الأظهرِ، أو بينُونةٍ فأمّةٍ في الأظهرِ، وحُرَّةٍ لمْ تَحِضْ أو يَئِسَتْ بثلاثةِ أشهرٍ، فإنْ طَلَقَتْ في أثناءِ شهرٍ فبعدهُ هِلالانِ وتُكَمّلُ المُنْكَسِرَ ثلاثينَ، فإنْ حاضَتْ فيها وجَبَتِ الأقراءُ، وأمّةٍ بِشهرٍ ونصفٍ وفي قولٍ شهرانِ وفي قولٍ ثلاثةٌ، ومَنِ انْقَطَعَ دَمُها لعِلَّةٍ كرِضاعٍ ومرضٍ تصبِرُ حتى تحيضَ أو تيأسَ فبالأشهرِ، أو لا لعلَّةٍ فكذا في الجديدِ، وفي القديمِ تتربَّصُ تسعةَ أشهرٍ وفي قولٍ أربعَ سنينَ ثمَّ تعتدُّ بالأشهرِ، فعلى الجديدِ لو حاضَتْ بعدَ اليأسِ في الأشهرِ وجبتْ الاقراءُ أو بعدها فأقوالٌ أظهرُها إنْ نُكِحَتْ فلا شيءَ وإلا فالأقراءُ،
والمُعتبرُ يأسُ عَشيرتِها، وفي قولٍ كلِّ النِّساءِ. قلتُ: ذا القولُ أظهرُ، والله أعلمُ. [فصلٌ] عِدَّةُ الحامِلِ بوضعِهِ بشرطِ نِسبتِهِ إلى ذي العِدَّةِ ولوِ احْتِمالاً كمَنْفيّ بِلِعانٍ وانفِصالِ كُلّهِ حتى ثاني تَوءَميْنِ، ومتى تَخللَ دونَ ستَّةِ أشهرٍ فتَوءمانِ، وتنقضي بميتٍ لا عَلَقةٍ، وبِمُضغةٍ فيها صورةُ ءادميّ خَفِيَّةٌ أخبَرَ بها القوابلُ، فإنْ لمْ يَكُنْ صورةٌ وقُلنَ هيَ أصلُ ءادميّ انْقَضَتْ على المذهبِ، ولو ظهرَ في عِدَّةِ أقراءٍ أو أشهُرٍ حملٌ اعتَدَّتْ بوضعِهِ، ولوِ ارتابَتْ فيها لمْ تَنْكِحْ حتى تزولَ الرّيبةُ، أو بعدها وبعدَ نكاحٍ استمرَّ إلى أنْ تَلِدَ لدونِ ستةِ أشهرٍ مِنْ عَقْدِهِ،
أو بعدها قبلَ نكاحٍ فلْتصبِرْ لتزولَ الرَّيبةُ، فإنْ نَكَحتْ فالمذهبُ عدمُ إبطالِهِ في الحالِ فإنْ عَلِمَ مُقْتَضيهِ أبْطَلناهُ، ولو أبانَها فولَدَتْ لأربعِ سنينَ لحِقَهُ، أو لأكثرَ فلا، ولو طلَّقَ وجْعِيًا حُسِبَتِ المُدَّةُ مِنَ الطلاقِ وفي قولٍ من انْصِرامِ العِدَّةِ، ولو نكحَتْ بعدَ العِدَّةِ فولدتْ لدونِ ستَّةِ أشهرٍ فكأنَّها لم تَنْكِحْ، وإنْ كانَ لستةٍ فالولدُ للثاني، ولو نكَحَتْ في العِدَّةِ فاسِدًا فولدتْ للإمكانِ مِنَ الأوَّلِ لَحِقهُ وانِقَضَتْ بوضعِهِ ثمَّ تَعتدُّ للثاني، أو للإمكانِ مِنَ الثاني لَحِقهُ، أو منهُما عُرِضَ على قائفٍ فإنْ ألحقهُ بأحدِهما فكالإمكانِ منهُ فقط.
[فصلٌ] لَزِمَها عِدَتا شخصٍ منْ جِنسٍ بأنْ طلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ في عِدَّةِ أقراءٍ أو أشهُرٍ جاهِلاً أو عالِمًا في رجعيةٍ تداخَلتا فَتَبْتَدئ عِدَّةً مِنَ الوطءِ وتدخلُ فيها بقيَّةُ عِدَّةِ الطلاقِ، فإنْ كانتْ إحداهُما حَمْلاً والأخرى أقراء تداخلتا في الأصحِّ، فتَنْقَضِيانِ بوضعِهِ ويُراجعُ قبلهُ وقيلَ إنْ كانَ الحملُ مِنَ الوطءِ فلا، أو لِشخصَينِ بأنْ كانت في عِدَّةِ زوجٍ أو شُبهةٍ فوُطِئت بشبهةٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ أو كانت زوجةً مُعتدَّةً عن شُبهةٍ فطُلِّقتْ فلا تَداخُلَ فإنْ كانَ حملٌ قَدَّمَتْ عِدَّتهُ وإلا فإنْ سبقَ الطلاقُ أتمَّتْ عِدَّتهُ ثمَّ استأنَفَتِ الأخرى ولهُ الرَّجعةُ في عِدَّتِهِ فإذا راجَعَ انْقَضَتْ وشرعَتْ في عِدَّة الشُّبهةِ ولا يَستَمْتِعُ بها حتى تقضيَها،
وإنْ سبقتِ الشُّبهةُ قُدِّمَتْ عِدَّةُ الطلاقِ وقيلَ الشُّبهةِ. [فصلٌ] عاشَرها كزوجٍ بلا وطءٍ في عِدَّةِ أقراءٍ أو أشهُرٍ فأوجُهٌ أصَحُّها إنْ كانت بائِنًا انْقَضَتْ وإلا فلا ولا رجعةَ بعدَ الأقراءِ والأشهرِ. قلتُ ويلحقُها الطلاقُ إلى انقِضاءِ العِدَّةِ ولو عاشَرها أجنبيٌّ انقَضَتْ والله أعلمُ. ولو نكحَ مُعتدَّةً بظنّ الصّحةِ ووَطئَ انقَطعتْ مِنْ حينِ وَطِئ وفي قولٍ أو وجهٍ مِنَ العَقْدِ، ولو راجَعَ حائِلاً ثمَّ طلَّقَ استأنَفَتْ وفي القديمِ تبني إنْ لم يطأ، أو حامِلاً فبالوضعِ فلوْ وضعَتْ ثمَّ طلَّقَ استأنَفَتْ، وقيلَ إنْ لمْ يطأ بعدَ الوضعِ فلا عِدَّةَ، ولو خالَعَ مَوطوءةً ثمَّ نَكَحها ثمَّ وَطِئ ثمَّ طلَّقَ اسْتَأنَفتْ ودخلَ فيها البقيّةُ.
[فصلٌ] عِدَّةُ حُرَّةٍ حائِلٍ لِوفاةٍ وإنْ لمْ توطأ أربعةُ أشهُرٍ وعشَرةَ أيَّامٍ بِلَياليها، وأمّةٍ نِصفُها، وإنْ ماتَ عَنْ رجعيَّةٍ انْتَقَلَتْ إلى وفاةٍ، أوْ بائِنٍ فلا، وحامِلٍ بوضعِهِ بشرطِهِ السَّابِقِ، فلو ماتَ صبيٌّ عنْ حامِلٍ فبالأشهُرِ، وكذا مَمْسوحٌ إذْ لا يلحقُهُ على المذهبِ، ويلحقُ مجبُوبًا بقيَ أُنْثَياهُ فتَعتدُّ بهِ، وكذا مَسْلولٌ بَقِيَ ذَكرُهُ على المذهبِ، ولو طلَّقَ إحدى امرأتَيْهِ وماتَ قبلَ بيانٍ أو تعيينٍ فإنْ كانَ لم يطأ اعتدَّتا لِوفاةٍ، وكذا إنْ وطِئ وهُما ذَواتا أشهُرٍ أو أقراء والطَّلاقُ رجعيٌّ، فإنْ كانَ بائِنًا اعتدَّتْ كُلُّ واحدةٍ بالأكثرِ مِنْ عدّةِ وفاةٍ وثلاثةٍ مِنْ أقرائِها،
وعِدَّةُ الوفاةِ مِنَ الموتِ، والأقراءُ مِنَ الطلاقِ، ومنْ غابَ وانقَطَعَ خبرُهُ ليسَ لِزوجتِهِ نِكاحٌ حتى يُتَيقّنَ موتُهُ أو طلاقُهُ، وفي القديمِ تتربَّصُ أربعَ سنينَ ثمَّ تعتدُّ لوفاةٍ وتنكِحُ، فلوْ حكمَ بالقديمِ قاضٍ نُقِضَ على الجديدِ في الأصحِّ، ولوْ نكحتْ بعدَ التَّربُّصِ والعِدَّةِ فبانَ ميّتًا صحَّ على الجديدِ في الأصحِّ، ويحبُ الإحدادُ على مُعتدَّةِ وفاةٍ لا رجعيَّةٍ، ويُستحبُّ لِبائِنٍ وفي قولٍ يجبُ، وهُوَ تَرْكُ لبسِ مَصبوغٍ لزينةٍ وإنْ خَشُنَ وقيلَ يَحِلُّ ما صُبِغَ غَزلُهُ ثمَّ نُسِجَ ويُباحُ غيرُ مصبوغٍ مِنْ قُطنٍ وصوفٍ وكتَّانٍ وكذا إبريسمٌ في الأصحِّ ومصبوغٌ لا يُقصدُ لزينةٍ، ويحرمُ حليُ ذهبٍ وفضَّةٍ وكذا لُؤلؤٌ في الأصحِّ وطيبٌ في بدنٍ وثوبٍ وطعامٍ وكُحلٍ،
واكتِحالٌ بإثمدٍ إلا لحاجةٍ كَرَمَدٍ وإسْفيذاجٌ ودُمامٌ وخِضابُ حِنَّاءٍ ونحوهِ، ويَحِلُّ تجميلُ فراشٍ وأثاثٍ، وتنظُّفٌ بغسلِ رأسٍ وقلْمٍ وإزالةِ وسَخٍ. قلتُ ويَحِلُّ امْتِشاطٌ وحمَّامٌ إنْ لمْ يكنْ خروجٌ مُحَرَّمٌ، ولو تركتِ الإحدادَ عَصَتْ وانقَضَتِ العِدَّةُ كما لو فارَقتِ المسكنَ، ولو بَلغتْها الوفاةُ بعدَ المُدَّةِ كانتْ مُنقضيةً، ولها إحدادٌ على غيرِ زوجٍ ثلاثةَ أيامٍ وتحرُمُ الزيادةُ،
والله أعلمُ. [فصلٌ] تجبُ سُكنى لمُعتدَّةٍ ولو بائنٍ إلا ناشِزةً ولمُعتدَّةِ وفاةٍ في الأظهرِ وفَسْخٍ على المذهبِ، وتُسكَنُ في مسكنٍ كانتْ فيهِ عندَ الفُرقةِ، وليسَ لزوجٍ وغيرهِ إخراجُها ولا لها خروجٌ. قلتُ: ولها الخروجُ في عِدَّةِ وفاةٍ، وكذا بائنٌ في النَّهارِ لشراءِ طعامٍ وغَزْلٍ ونحوِهِ وكذا ليلاً إلى دارِ جارةٍ لِغَزلٍ وحديثٍ ونحوهِما بشرطِ أن ترجعَ وتبيتَ في بيتِها، وتنتَقِلُ مِنَ المَسكنِ لخوفٍ مِنْ هدمٍ أو غرقٍ أو على نفسها أو تأذَّت بالجيرانِ أوهُمْ بها أذىً شديدًا،
والله أعلمُ، ولو انتقلتْ إلى مسكنٍ بإذنِ الزوجِ فوَجَبتِ العدَّةُ قبلَ وصولِها إليهِ اعتدَّتْ فيهِ على النَّصِّ أو بغيرِ إذنٍ ففي الأوَّلِ وكذا لو أذِنَ ثمَّ وجبتْ قبلَ الخروجِ، ولو أذِنَ في الانتِقالِ إلى بلدٍ فكمسكنٍ، أو في سفر حجّ أو تجارةٍ، ثمَّ وجبتْ في الطّريقِ فلها الرُّجوعُ والمُضِيُّ فإنْ مَضَتْ أقامَتْ لقضاءِ حاجَتِها ثمَّ يجبُ الرجوعُ لِتَعتدَّ البقيَّةَ في المسكنِ، ولو خرجَتْ إلى غيرِ الدَّارِ المألوفةِ فطلَّقَ وقال ما أذِنْتُ في الخُروجِ صُدِّقَ بيمينِهِ، ولو قالت:
نَقَلْتني فقالَ: بل أذِنتُ لحاجةٍ صُدِّقَ على المذهبِ، ومنزلُ بَدَويَّةٍ وبيتُها مِنْ شعَر كمنزلِ حضريةٍ، وإذا كانَ المسكنُ لهُ ويليقُ بها تَعيَّنَ، ولا يَصِحُّ بيعُهُ إلا في عِدَّةِ ذاتِ أشهُرٍ فكَمُسْتأجرٍ وقيلَ باطلٌ، أو مُستعارًا لَزِمتها فيهِ فإنْ رجعَ المُعيرُ ولمْ يَرْضَ بأجرةٍ نُقِلَتْ، وكذا مُستأجرٌ انقَضَتْ مُدَّتُهُ، أو لها استمرَّتْ وطلبتِ الأجرةَ، فإنْ كانَ مسكنُ النّكاحِ نفيسًا فلهُ النقلُ إلى لائقٍ بها أو خسيسًا فلها الامتِناعُ، وليسَ لهً مُساكَنَتها ومُداخَلتها، فإنْ كانَ في الدارِ محْرمٌ لها مُمَيِّزٌ ذكرٌ أو لهُ أنثى أو زوجةٌ أخرى أو أمَةٌ أوِ امرأةٌ أجنبيةٌ جازَ، ولو كانَ في الدارِ حُجرةٌ فَسَكنها أحدُهما والآخرُ الأخرى فإنِ اتَّحدَتِ المرافقُ كمطبخٍ ومُستراحٍ اشتُرِطَ مَحْرمٌ وإلا فلا، وينبغي أن يُغلِقَ ما بينهُما مِنْ بابٍ وأنْ لا يكونَ ممرُّ إحداهُما على الأخرى، وسُفْلٌ وعُلوٌّ كدارٍ وحُجرةٍ.
