يَصِحُّ مِنْ مُطلقِ التَّصرُّفِ، وإقرارُ الصَّبيّ والمجنونِ لاغٍ، فإنِ ادَّعى البُلوغَ بالاحتِلامِ معَ الإمكانِ صُدِّقَ ولا يُحلَّفُ، وإنِ ادَّعاهُ بالسّنِّ طُولِبَ ببَيِّنةٍ، والسَّفيهُ والمُفلسُ سَبَقَ حُكْمُ إقرارِهِما، ويُقبلُ إقرارُ الرَّقيقِ بمُوجِبِ عُقوبةٍ، ولو أقرَّ بدَيْنِ جِنايةٍ لا تُوجبُ عقوبةً فكذَّبَهُ السَّيدُ تَعَلَّقَ بذمَّتِهِ دونَ رَقَبَتِهِ، وإنْ أقرَّ بدَينِ مُعاملةٍ لمْ يُقبلْ على السٍّيِّدِ إنْ لمْ يكنْ مأذونًا لهُ في التِّجارةِ ويُقبلُ إنْ كانَ، ويُؤدي مِنْ كَسبِهِ وما في يدهِ، ويَصِحُّ إقرارُ المريضِ مَرَضَ الموتِ لأجنبيّ، وكذا لوارِثٍ على المذهب، ولو أقرَّ في صِحَّتِهِ بِدَينٍ،

وفي مرضِهِ لآخَرَ لمْ يُقَدّمِ الأولُ، ولو أقرَّ في صِحَّتِهِ أو مَرَضِهِ وأقرَّ وارِثُهُ بعدَ موتِهِ لآخَرَ لمْ يُقَدَّمِ الأولُ في الأصَحِّ، ولا يَصِحُّ إقرارُ مُكرهٍ، ويُشترطُ في المُقِرِّ لهُ أهليةُ اسْتِحقاقِ المقَرّ بهِ، فلوْ قالَ لهذهِ الدابةِ عليَّ كذا فلَغوٌ، فإنْ قالَ بِسببها لمالِكِها وَجَبَ، ولوْ قالَ لِحَمْلِ هِندٍ كذا بإرثٍ أو وصيَّةٍ لَزِمَهُ، وإنْ أسندَ إلى جِهةٍ لا تُمكنُ في حقِّهِ فلغوٌ، وإنْ أطلقَ صحَّ في الأظهرِ، وإذا كذَّبَ المقَرُّ لهُ المُقِرَّ تُرِكَ المالُ في يدِهِ في الأصحِّ، فإنْ رجَعَ المُقِرّ في حالِ تكذيبِهِ وقالَ غَلِطتُ قُبِلَ قولُهُ في الأصحِّ.

[فصلٌ] قولُهُ لزَيْدٍ كذا صيغةُ إقرارٍ، وقولُهُ عليَّ وفي ذِمَّتي للدَّينِ، ومعي وعندي للعَيْنِ، ولو قالَ لي عليكَ ألفٌ فقالَ زِنْ أو خُذْ أو زِنْهُ أو خُذْهُ أو اختِمْ عليهِ أوِ اجْعلهُ في كيسِكَ فليسَ بإقرارٍ، ولو قالَ بلى أو نَعمْ أو صَدَقْتَ أوْ أبْرأتَني منهُ أو قَضَيتُهث أوْ أنا مُقِرٌّ بهِ فهُوَ إقرارٌ، ولوْ قالَ أنا مُقِرٌّ أوْ أنا أقِرُّ بهِ فليسَ بإقرارٍ، ولوْ قالَ أليسَ لي عليكَ كذا فقالَ بلى أوْ نعمْ فإقرارٌ، وفي نعمْ وجهٌ، ولو قالَ اقْض الألفَ الذي لي عليكَ فقالَ نعم أو أقضي غدًا أو أمْهِلني يومًا أوْ حتى أقْعُدَ أوْ أفتحَ الكيسَ أوْ أجدَ فإقرارٌ في الأصحِّ.

[فصلٌ] يُشترطُ في المُقَرِّ بهِ أنْ لا يكونَ مِلكًا للمُقِرِّ، فلوْ قالَ داري أو ثوبي أو دَيني الذي على زَيدٍ لِعمرٍو فهُوَ لغوٌ، ولوْ قالَ هذا لِفُلانٍ وكانَ مِلكي إلى أنْ أقْرَرْتُ بهِ فأوَّلُ كلامِهِ إقرارٌ وءاخِرُهُ لغوٌ، وليَكُنْ المُقَرُّ بهِ في يدِ المُقِرِّ ليُسَلَّمَ بالإقرارِ للمُقَرّ لهُ، فلوْ أقَرَّ ولمْ يكُنْ في يدِهِ ثمَّ صارَ عُمِلَ بِمُقتضى الإقرارِ، فلو أقَرَّ بِحُرّيةِ عَبْدٍ في يدِ غيرهِ ثمَّ اشتراهُ حُكم بِحُرِّيتِهِ، ثمَّ إنْ كانَ قالَ هُوَ حُرُّ الأصلِ فَشِراؤُهُ افْتِداءٌ، وإنْ قالَ أعْتَقَهُ فافتِداءٌ مِنْ جِهَتِهِ وبَيعٌ من جهةِ البائعِ على المذهبِ فيَثْبُتُ فيهِ الخِيارانِ للبائعِ فقط،

ويَصِحُّ الإقرارُ بالمَجهولِ فإذا قالَ لهُ عليَّ شيءٌ قُبِلَ تفسيرُهُ بِكُلِّ ما يُتَمَوَّلُ وإنْ قلَّ، ولوْ فسَّرَهُ بما لا يُتَموَّلُ لكنَّهُ مِنْ جِنسِهِ كحبَّةِ حِنطةٍ أوْ بما يَحِلُّ اقْتِناؤهُ كَكَلبٍ مُعَلَّمٍ وسِرْجَينِ قُبِلَ في الأصحِّ، ولا يُقبلُ بما لا يُقتنى كخِنزيرٍ وكلبٍ لا نَفْعَ فيهِ، ولا بِعيادةٍ ورَدّ سلامٍ، ولوْ أقرَّ بمالٍ أو مالٍ عَظيمٍ أو كبيرٍ أو كثيرٍ قُبِلَ تفسيرُهُ بما قلَّ منهُ، وكذا بالمُستولَدَةِ في الأصحِّ، لا بكلبٍ وجلْدِ مَيتةٍ، وقولُهُ لهُ كذا كقولِهِ شيءٌ، وقولُهُ شيءٌ شيءٌ أو كذا كذا كما لوْ لمْ يُكرر ولو قالَ شيءٌ وشيءٌ أوْ كذا وكذا وجبَ شيئانِ، ولوْ قالَ كذا درهمًا أو رَفَعَ الدرهمَ أو جَرَّهُ لَزِمَهُ درهمٌ،

والمذهبُ أنَّهُ لو قالَ كذا وكذا درهمًا بالنَّصْبِ وجبَ درهمانِ، وأنَّهُ لوْ رفعَ أو جَرَّ فدِرهمٌ، ولو حذفَ الواوَ فدرهمٌ في الأحوالِ، ولوْ قالَ ألفٌ ودرهمٌ قُبِلَ تفسيرُ الألفِ بغير الدراهِمِ، ولو قالَ خمسةٌ وعِشرونَ درهمًا فالجميعُ دراهمُ على الصّحيحِ، ولو قالَ الدراهِمَ التي أقْررتُ بها ناقصةُ الوزنِ، فإنْ كانتْ دراهمُ البلدِ تامّةَ الوزنِ فالصحيحُ قَبولُهُ إنْ ذكرهُ مُتَّصلاً ومَنْعُهُ إنْ فصلَهُ عنِ الإقرارِ، وإنْ كانت ناقصةٌ قُبِلَ إنْ وصلهُ، وكذا إن فصلهُ في النَّصِّ.

والتَّفسيرُ بالمغْشوشةِ كَهُوَ بالناقصةِ، ولو قالَ لهُ عليَّ مِنْ درهمٍ إلى عشَرةٍ لَزِمهُ تسعةٌ في الأصحِّ، وإنْ قالَ درهمٌ في عشرةٍ، فإنْ أزادَ المعيةَ لَزِمهُ أحدَ عشرَ، أوِ الحسابَ فعشرةٌ وإلا فدرهمٌ. [فصلٌ] قالَ لهُ عندي سيفٌ في غِمْدٍ أوْ ثوبٌ في صُندوقٍ لا يلزمُهُ الظُّرفُ، أوْ غِمدٌ فيهِ سيفٌ أو صندوقٌ فيهِ ثوبٌ لَزِمَهُ الظُّرْفُ وحْدَهُ، أوْ عبدٌ على رأسِهِ عِمامةٌ لم تلزمْهُ العمامةُ على الصحيحِ، أو دابةٌ بِسِرجها أو ثربٌ مُطرَّزٌ لَزِمهُ الجميعُ، ولوْ قالَ في ميراثِ أبي ألفٌ فهُوَ إقرارٌ على أبيهِ بدَينٍ، ولو قالَ في ميراثي مِنْ أبي فهُوَ وعدُ هِبةٍ، ولوْ قالَ لهُ عليَّ درهمٌ درهمٌ لَزِمهُ درهمٌ،

فإنْ قالَ ودرهمٌ لَزمهُ درهمانِ، ولو قالَ لهُ درهمٌ ودرهمٌ ودرهمٌ لزِمهُ بالأوَّلينِ درهمانِ وأما الثالثُ فإنْ أرادَ بهِ تأكيدُ الثاني لمْ يجبْ بهِ شيءٌ وإنْ نوى الاسْتِئنافَ لزِمهُ ثالثٌ، وكذا إنْ نوى تأكيدَ الأوَّلِ أو أطلقَ في الأصحِّ، ومتى أقرَّ بمُبهمٍ كشيءٍ وثوبٍ وطُولِبَ بالبيانِ فامْتَنَعَ فالصحيحُ أنَّهُ يُحبسُ، ولو بَيَّنَ وكَذَّبهُ المُقَرُّ لهُ فليُبَيِّنْ ولْيَدَّع، والقولُ قولُ المُقِرّ في نَفيِهِ، ولوْ أقرَّ لهُ بألفٍ ثمَّ أقرَّ لهُ بألفٍ في يومٍ ءاخَرَ لَزمهُ ألفٌ فقط، ولو اختلَفَ القدْرُ دخلَ الأقلُّ في الأكثر، فلوْ وصَفَهُما بِصِفَتينِ مُختَلفتينِ أو أسنَدهُما إلى جِهتينِ أو قالَ قبضتُ يومَ السَّبتِ عشرةً ثمَّ قالَ قبضتُ يوم الأحدِ عشرةً لزِما ولو قالَ له عليَّ ألفٌ من ثمن خمرٍ أوْ كلبٍ أو ألفٌ قضيتُهُ لزِمهُ الألفُ في الأظهرِ،

ولو قالَ مِنْ ثمنِ عبدٍ لم أقبضهُ إذا سلَّمهُ سلَّمتُ قُبِلَ على المذهبِ وجُعِلَ ثمنًا، ولو قالَ لهُ عليَّ ألفٌ إنْ شاء الله لمْ يلزمهُ شيءٌ على المذهب، ولو قالَ ألفٌ لا يَلزمُ لَزِمهُ، ولو قالَ لهُ عليَّ ألفٌ ثمَّ جاءَ بألفٍ وقالَ أردتُ هذا وهُوَ وديعةٌ فقالَ المُقَرُّ لهُ لي عليهِ ألفٌ ءاخرُ صُدِّقَ المُقِرُّ في الأظهرِ بيمينِهِ، فإنْ كانَ قالَ في ذمَّتي أو ديْنًا صُدقَ المُقَرُّ لهُ على المذهبِ. قلتُ: فإذا قَبِلنا التَّفسيرَ بالوديعةِ فالأصحُّ أنَّها أمانةٌ فيُقبلُ دعْواهُ التَّلفَ بعدَ الإقرارِ ودعوى الرَّدِّ، وإنْ قالَ لهُ عندي أو معي ألفٌ صُدِّقَ في دعوى الوديعةِ والرَّدِّ والتَّلَفِ قَطعًا،

والله أعلمُ، ولوْ أقَرَّ بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ وإقباضٍ ثُمَّ قالَ كانَ فاسِدًا وأقرَرْتُ لِظَنَي الصِّحةَ لمْ يُقبَلْ، ولهُ تَحْليفُ المُقَرّ لهُ، فإنْ نَكَلَ حَلَفَ المُقِرُّ وَبَرِئَ، ولوْ قالَ هذهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ بلْ لِعمرٍو أو غَصَبتُها من زَيْدٍ بلْ منْ عمرٍو سُلّمَتْ لزيدٍ والأظهرُ أنَّ المُقرَّ يَغْرَمُ قيمَتها لعمرٍو ويَصِحُّ الاستِثناءُ إنِ اتَّصلَ ولمْ يستغرقْ، فلو قالَ لهُ عليَّ عشرةٌ إلا تسعةً إلا ثمانيةً وَجَبَ تسعةٌ، ويصِحُّ مِنْ غيرِ الجِنسِ كألفٍ إلا ثوبًا ويُبَيِّنُ بِثَوبٍ قيمتُهُ دونَ ألفٍ، ومنَ المُعيَّنِ كهذه الدارُ لهُ إلا هذا البيتَ، أو هذه الدراهمُ لهُ إلا ذا الدّرهم، وفي المُعَيَّنِ وجهٌ شاذٌّ.

قلتُ: لوْ قالَ هؤلاءِ العبيدُ لهُ إلا واحدًا قُبِلَ ورُجِعَ في البيانِ إليهِ فإن ماتوا إلا واحدًا وزعمَ أنَّهُ المُستثنى صُدِّقَ بيمينِهِ على الصَّحيحِ، والله أعلمُ. [فصلٌ] أقرَّ بِنَسَبٍ إنْ ألحقَهُ بنفسِهِ اشتُرِطَ لِصِحَّتِهِ أن لا يُكّذِّبَهُ الحِسُّ ولا الشَّرعُ بأنْ يكونَ معروفَ النَّسَبِ من غيرهِ، وأنْ يُصَدِّقَهُ المُسْتَلْحقُ إنْ كانَ أهلاً للتَّصديقِ فإنْ كانَ بالِغًا فكَذَّبَهُ لمْ يَثبُتْ إلا بِبَيِّنةٍ، وإنِ اسْتَلْحَقَ صغيرًا ثبتَ فلوْ بلغَ وكذبَهُ لمْ يبطُلْ في الأصَحِّ، ويَصِحُّ أنْ يَسْتَلحِقَ ميتًا صغيرًا وكذا كبيرًا في الأصحِّ ويَرِثُهُ، ولوِ اسْتلحَقَ اثنانِ بالغًا ثبتَ لِمَنْ صَدَّقَهُ،

وحُكْمُ الصَّغيرِ يأتي في اللقيطِ إنْ شاء الله تعالى، ولوْ قالَ لولد أمَتِهِ هذا ولدي ثبتَ نَسَبُهُ، ولا يثبُتُ الاستيلادُ في الأظهرِ، وكذا لو قالَ ولدي ولَدتهُ في مِلكي، فإنْ قالَ عَلِقَتْ بهِ في مِلكي ثبتَ الاستيلادُ فإنْ كانتْ فِراشًا لهُ لَحِقهُ بالفراشِ، من غيرِ اسْتِلحاقٍ، وإنْ كانت مُزَوَّجةً فالولدُ للزَّوجِ واستلحاقُ السَّيدِ باطلٌ، وأمَّا إذا ألحَقَ النَّسَبَ بغيرِهِ كهذا أخي أو عمي فيَثبُتُ نسَبُهُ منَ المُلحَقِ بهِ بالشروطِ السَّابقةِ، ويُشترطُ كونُ المُلحقِ بهِ ميتًا، ولا يُشترطُ أن لا يكونَ نفاهُ في الأصحِّ، ويُشترطُ كونُ المُقِرّ وارِثًا حائِزًا، والأصحُّ أنَّ المُستلحَقَ لا يَرِثُ ولا يُشاركُ المقرّ في حصَّتِهِ،

وأنَّ البالِغَ مِنَ الورثةِ لا يَنفرِدُ بالإقرارِ، وأنَّهُ لوْ أقرَّ أحدُ الوارثينَ وأنكرَ الآخرَ وماتَ ولم يَرثهُ إلا المُقِرّ ثبتَ النَّسبُ، وأنَّهُ لو أقرَّ ابنٌ حائِزٌ بأخوةِ مجهولٍ فأنكرَ المجهولُ نسبَ المُقِرّ لمْ يُؤثِّرْ فيهِ ويثبُتُ أيضًا نسبُ المجهولِ، وأنَّهُ إذا كانَ الوارِثُ الظاهِرُ يَحْجُبُهُ المُستلحَقُ كأخٍ أقرَّ بابنٍ للميِّتِ ثبتَ النَّسبُ ولا إرثَ.