هُوَ قسمانِ أحدُهُما يجري بينَ المُتَدَاعِيَيْنِ، وهُوَ نوعانِ: أحدُهُما صُلحٌ على إقرارٍ، فإنْ جَرى على عَيْنٍ غَيْرِ المُدَّعاةِ فهُوَ بَيْعٌ بلَفظِ الصُّلحِ تَثبُتُ فيهِ أحكامُهُ كالشُّفْعَةِ والرَّدّ بالعَيبِ ومنْعِ تصَرُّفِهِ قبلَ قَبْضِهِ واشْتِراطِ التَّقابُضِ إنِ اتَّفقا في عِلَّةِ الرّبا، أو على منفعةٍ فإجازةٌ تثبُتُ أحكامُها، أوْ على بعضِ العَيْنِ المُدَّعاةِ فَهِبَةٌ لبعضِها لصاحِبِ اليدِ فتثبُتُ أحكامُها، ولا يَصِحُّ بِلفظِ البيعِ، والأصَحُّ صِحَّتُهُ بِلَفظِ الصُّلْحِ، ولوْ قالَ مِنْ غيرِ سَبْقِ خُصومةٍ صالِحني عَن دارِكَ بِكذا فالأصَحُّ بُطلانُهُ، ولوْ صالَحَ مِنْ دَيْنٍ على عَيْنٍ صَحَّ،
فإنْ تَوافَقا على عِلَّةِ الربا اشْتَرَطَ قَبْضُ العِوَضِ في المَجلِسِ، وإلا فإنْ كانَ العِوَضُ عَينًا لمْ يُشترطْ قبضُهُ في المجلِسِ في الأصَحِّ، أوْ دَيْنًا اشْتُرِطَ تَعيينُهُ في المَجلِسِ، وفي قَبْضِهِ الوجهانِ، وإنْ صالَحَ مِنْ دَيْنٍ على بعضِهِ فهوَ إبراءٌ عَنْ باقيهِ، ويَصِحُّ بِلفظِ الإبراءِ والحطّ ونحوِهما وبلفظِ الصُّلحِ في الأصَحِّ، ولو صالَحَ مِنْ حالّ على مُؤَجَّلٍ مثلهِ أو عَكَسَ لَغا، فإنْ عَجَّلَ المؤجَّلَ صَحَّ الأداءُ، ولوْ صالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ حالّةٍ على خمسةٍ مؤجَّلَّةٍ بَرئَ مِنْ خمسةٍ وبَقِيَتْ خمسةٌ حالَّةٌ، ولوْ عَكَسَ لَغَا.
النَّوعُ الثاني الصُّلحُ على الإنكارِ فيَبْطُلُ إنْ جَرى على نفسِ المُدَّعي وكذا إنْ جرى على بعضِهِ في الأصحِّ، وقولُهُ صالِحْني عن الدَّار التي تَدَّعيها ليسَ إقرارًا في الأصحِّ. القسمُ الثاني يجري بينَ المُدَّعي والأجنَبيّ فإنْ قالَ، وكَّلَني المُدَّعي عليهِ في الصُّلحِ وهُوَ مُقرٌّ لكَ صَحَّ، ولوْ صالَحَ لنَفسِهِ والحالَةُ هذهِ صَحَّ وكأنَّهُ اشتراهُ، وإنْ كانَ مُنْكَرًا وقالَ الأجنَبيُّ هُوَ مُبْطِلٌ في إنكارِهِ فهُوَ شراءٌ مَغصوبٍ فَيُفَرَّقُ بينَ قُدرتِهِ على انتِزاعِهِ وعَدَمِها، وإنْ لم يقُلْ هُوَ مُبطلٌ لغا الصُّلحَ.
[فصلٌ] الطريقُ النافِذُ لا يُتَصَرَّفُ فيهِ بما يَضُرُّ المارَّةَ ولا يُشْرَعُ فيهِ جناحٌ ولا ساباطٌ يَضرُّهُم، بلْ يُشترَطُ ارْتِفاهُهُ بحيثُ يمرُّ تحتَهُ مُنتَصِبًا، وإنْ كانَ مَمَرَّ الفرسانِ والقوافِلِ فليَرْفَعْهُ بحيثُ يمُرُّ تحتهُ المَْحمِلُ على البَعيرِ معَ أخشابِ المِظَلَّةِ، ويحرُمُ الصُّلحُ على إشراعِ الجَناحِ، وأنْ يَبْنيَ في الطريقِ دَكَّةً أو يَغرسَ شجرةً وقيلَ إنْ لمْ يَضُرَّ جازَ، وغيرُ النافِذِ يحرُمُ الإشراعُ إليهِ لِغَيْرِ أهلِهِ، وكذا لِبعضِ أهلِهِ في الأصَحِّ إلا بِرضا الباقين، وأهلُهُ مَنْ نَفَذَ بابُ دارِهِ إليهِ لا مَنْ لاصَقهُ جِدارُهُ، وهلِ الاسْتِحقاقُ في كُلها لِكلهم أمْ تَخْتصُّ شِركةُ كلّ واحِدٍ بما بينَ رأسِ الدَّربِ وبابِ دارِهِ وجهانِ أصَحُّهُما الثاني،
وليسَ لِغَيرِهم فتحُ بابٍ إليهِ للاسْتِطراقِ، ولهُ فَتحُهُ إذا سَمَّرهُ في الأصَحِّ، ومَنْ لهُ فيهِ بابٌ فَفَتَحَ ءاخَرَ أبعَدَ مِنْ رأسِ الدَّربِ فَلِشُرَكائِهِ مَنْعُهُ، وإنْ كانَ أقربَ إلى رأسِهِ ولمْ يَسُدَّ البابَ القديمَ فكذلكَ وإنْ سَدَّهُ فلا منعَ، ومَنْ لهُ دارانِ تَفْتَحانِ إلى دَرْبَيْنِ مَسدودَينِ أو مسدودٍ وشارعٍ ففتَحَ بابًا بينهُما لمْ يُمْنعْ في الأصَحِّ، وحيثُ مُنِعَ فتحَ البابِ فصالَحَهُ أهلُ الدَّربِ بمالٍ صَحَّ، ويجوزُ فَتْحُ الكَوَّاتِ، والجِدارُ ليسَ للآخرِ وضْعُ الجُذوعِ عليهِ في الجديدِ، ولا يُجبرُ المالِكُ، فلوْ رَضِيَ بلا عَوضٍ فهُوَ إعارةٌ لهُ الرُّجوعُ قبلَ البِناءِ عليهِ وكذا بعدهُ في الأصحِّ،
وفائدةُ الرجوعِ تَخْييرُهُ بينَ أنْ يُبقيهِ بأجرةٍ أوْ يقلَعَ ويَغْرَمَ أرشَ نَقْصِهِ وقيلَ فائِدَتِهِ طَلَبُ الأجرةِ فقط، ولو رَضِيَ بِوَضعِ الجذوعِ والبِناءِ عليها بِعوضٍ فإنْ أجْرَ رأسَ الجدارِ للبناءِ فهُوَ إجارةٌ وإنْ قالَ بِعْتُهُ للبناءِ عليهِ أو بِعتُ حقَّ البناءِ عليهِ فالأصحُّ أنَّ هذا العقدَ فيهِ شَوْبُ بيعٍ وإجارةٍ، فإذا بَنى فليسَ لِمالِكِ الجِدارِ نقضُهُ بحالٍ، ولوِ انْهَدَمَ الجِدارُ فأعادَهُ مالِكُهُ فلِلمُشتري إعادةُ البناءِ، وسَواءٌ كانَ الإذنُ بِعِوضٍ أو بغيرِهِ يُشترطُ بيانُ قَدْرِ المَوْضِعِ المَبنيّ عليهِ طُولاً وعَرْضًا وسَمْكِ الجُدرانِ وكيْفِيَّتِها وكيفيةِ السَّقِ المَحمولِ عليها،
ولوْ أذِنَ في البناءِ على أرضِهِ كفى بيانُ قدرِ مَحَلّ البناءِ وأما الجِدارُ المُشتركُ فليسَ لأحدِهما وضعُ جذوعِهِ عليه بغيرِ إذنٍ في الجديدِ، وليسَ لهُ أنْ يَتِدَ فيهِ وتدًا أو يَفتح كوَّة بلا إذن، ولهُ أنْ يَستنِدَ إليهِ ويسنِدَ مَتاعًا لا يَضُرُّ، ولهُ ذلكَ في جِدارِ الأجنبيّ وليسَ لهُ إجبارُ شريكِهِ على العِمارةِ في الجديدِ، فإنْ أرادَ إعادةَ مُتَهَدِمٍ بآلةٍ لنفسِهِ لمْ يُمنعْ، ويكونُ المُعادُ مِلْكَهُ يَضَعُ عليهِ ما شاءَ وينقُضُهُ إذا شاء، ولو قالَ الآخرُ لا تنقُضُهُ وأعْرَمُ لكَ حصَّتي لمْ يلزمُهُ إجابتُهُ، وإنْ أرادَ إعادتُهُ بنقضِهِ المُشتركِ فللآخرِ منعُهُ، ولو تعاوَنا على إعادتِهِ بنقضِهِ عادَ مُشتركًا كما كانَ،
ولو انْفَرَدَ أحدُهما وشَرَطَ لهُ الآخرُ زيادةٌ جازَ وكانتْ في مُقابلةِ عَمَلِهِ في نصيبِ الآخر، ويجوزُ أنْ يُصالحَ على إجراءِ الماءِ وإلقاءِ الثَّلجِ في مِلكِهِ على مالِ، ولو تَنازعا جِدارًا بينَ مِلْكَيهِما فإن اتَّصَلَ ببناءِ أحدهما بحيثُ يُعلمُ أنَّهُما بُنِيا معًا فلهُ اليدُ وإلا فلهما فإن أقام أحدُهُما بينةٌ قُضيَ له وإلا حَلفا، فإنْ حَلفا أو نكَلا جُعِلَ بينهُما وإنْ حَلَفَ أحدُهُما قُضيَ لهُ ولوْ كانَ لأحدهما عليهِ جُذوعٌ لمْ يُرَجَّحْ والسَّقفُ بينَ عُلُوِّهِ وسُفلِ غيرِهِ كجدارٍ بين مِلكينِ فيُنظرُ أيُمكنُ إحداثُهُ بعدَ العُلو فيكون في يدِهما أو لا فلِصاحب السُّفلِ.
باب الحوالة
يشترطُ لها رضا المُحيلِ والمحتالِ لا المحالِ عليه في الأصَحِّ ولا تصحُّ على مَنْ لا دَيْنَ عليهِ وقيلَ تَصِحُّ بِرضاهُ. وتصحُّ بالدَّينِ اللازمِ عليهِ المثليّ وكذا المتقومِ في الأصَحِّ وبالثمنِ في مُدةِ الخِيارِ وعليهِ في الأصَحِّ، والأصَحُّ صِحَّةُ حَوَالَةِ المُكاتِبِ سَيّدَهُ بالنُّجومِ، دونَ حَوالةِ السَّيد عليهِ، ويُشترطُ العلْمُ بما يُحالُ بهِ وعليهِ قدْرًا وصِفةً، وفي قولٍ تَصِحُّ بإبلِ الدِّيَّةِ وعليها، ويُشترَطُ تِساويهما جِنسًا وقدرًا، وكذا حُلولاً وأجلاً وصحَّةً وكَسْرًا في الأصَحِّ، ويَبْرأ بالحَوالةِ المُحيلُ عنْ دَيْنِ المُحتالِ، والمُحالُ عليهِ عنْ دَيْنِ المُحيلِ، ويَتَحَوَّلُ حقُّ المُحتالِ إلى ذِمَّةِ المُحال عليهِ،
فإنْ تعَذَّرَ بِفَلَسٍ أوْ جَحْدٍ وحَلَفٍ ونَحوِهما لمْ يرجِعْ على المُحيلِ فلوْ كانَ مُفْلِسًا عندَ الحوالَةِ وجَهِلَهُ المُحتالُ فلا رجوعَ لهُ، وقيلَ له الرُّجوعُ إنْ شَرَطا يَسارَهُ، ولو أحالَ المُشتري بالثَّمَنِ فَرَدَّ المبيعَ بِعَيْبٍ بَطَلتْ في الأظهرِ، أو البائعُ بالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ لمْ تَبْطُلْ على المذهَبِ، ولوْ باعَ عبدًا وأحالَ بِثَمَنِهِ ثُمَّ اتَّفقَ المتَبايِعانِ على حُرِّيَتِهِ أوْ ثبَتتْ بِبَيِّنةٍ بطلتِ الحَوالةُ، وإن كذَّبَهُما المُحتالُ ولا بيِّنةَ حلَّفاهُ على نَفْيِ العِلْمِ ثمَّ يأخُذُ المالَ مِنَ المُشتري، ولو قالَ المُستَحِقُّ عليهِ وكَّلتُكَ لِتَقبِضَ لي وقالَ المُستحقُّ أحَلتني أو قالَ أردْتُ بِقولي أحَلتُكَ الوكالةَ وقالَ المُستحقُّ بلْ أردتَ الحوالةَ صُدِّقَ المُستحقُّ عليهِ بيمينِهِ وفي الصُّورةِ الثانيةِ وجهٌ، وإنْ قالَ أحَلتُكَ فقالَ وكَّلتني صُدِّقَ الثاني بيمينِهِ.
