كانَ الجهادُ في عهدِ رسولِ الله صلى الله عليهِ وسلم فرضَ كفايةٍ وقيلَ عَيْنٍ، وأمَّا بعدهُ فللكُفارِ حالانِ أحدُهُما يكونونَ ببلادِهِم ففرضُ كفايةٍ إذا فعلهُ مَنْ فيهِمْ كفايةٌ سقطَ الحَرَجُ عَنِ الباقينَ. ومِنْ فَرْضِ الكفايةِ القيامُ بإقامةِ الحُججِ وحلّ المُشكِلاتِ في الدينِ وبِعلومِ الشرعِ كتفسيرٍ وحديثٍ والفُروعِ بحيثُ يصلُحُ للقضاءِ والأمرِ بالمعروفِ والنّهي عنِ المُنكرِ، وإحياءِ الكعبةِ كُلَّ سنةٍ بالزيارةِ ودفعُ ضَرَرِ المُسلمينَ كَكِسوةِ عارٍ وإطعامِ جائعٍ إذا لمْ ينْدَفعْ بزكاةٍ وبيتِ مالٍ، وتَحَمُّلُ الشهادةِ وأداؤُها والح~رَفُ والصَّنائِعُ وما يَتِمُّ بهِ المعايشُ وجوابُ سلامٍ على جماعةٍ ويُسَنُّ ابْتِداؤُهُ لا على قاضي حاجةٍ وءاكلٍ وفي حمامٍ ولا جوابَ عليهم،

ولا جِهادَ على صبيّ ومجنونٍ وامرأةٍ ومريضٍ وذي عرَجٍ بَيّنٍ وأقْطَعَ وأشَل وعبدٍ وعادِمِ أُهبةِ قِتالٍ، وكُلُّ عُذرٍ مَنَعَ وجوبَ الحجّ منَعَ الجِهادَ إلا خوفَ طريقٍ مِن كُفارٍ وكذا مِنْ لُصوصِ المُسلمينَ على الصحيحِ، والدَّينُ الحالُّ يُحَرّمُ سَفَرَ جضهادٍ وغيرهِ إلا بإذنِ غريمِهِ والمُؤَجَّلُ لا وقيلَ يمنعُ سفرًا مخوفًا، ويحرُمُ جهادٌ إلا بإذنِ أبويْهِ إنْ كانا مُسلِمَينِ لا سفرُ تَعَلُّمِ فرضِ عَيْنٍ وكذا كفاية في الاصحِّ فإنْ أذِنَ أبواهُ والغريمُ ثمَّ رجعوا وجبَ الرُّجوعُ إنْ لمْ يحضُرِ الصَّفَّ، فإنْ شرعَ في قتالٍ حرُمَ الانصِرافُ في الأظهرِ.

الثاني يدخلونَ بلدةً لنا فيَلزمُ أهلها الدَّفعُ بالمُمكنِ فإنْ أمكنَ تأهُّبٌ لِقتالٍ وجبَ المُمكنُ حتى على فقيرٍ وولدٍ ومَدينٍ وعبدٍ بلا إذنٍ وقيلَ إنْ حصلتْ مُقامةٌ بأحرارٍ اشتُرِطَ إذنُ سيدِهِ وإلا فمَنْ قُصِدَ دفعَ عن نفسِهِ بالمُمكِنِ إنْ عَلِمَ أنَّهُ إنْ أُخِذا قُتِلَ وإنْ جَوَّزَ الأسْرَ فلهُ أنْ يستَسلمَ، ومَنْ هوَ دونَ مسافةِ قصرٍ مِنَ البلدةِ كأهلِها، ومَنْ على المسافةِ يلزمُهُم المُوافقةُ بقدرِ الكفايةِ إنْ لم يكفِ أهلُها ومَنْ يليهم قيلَ وإنْ كَفوا، ولو أسَرُوا مُسلمًا فالأصحُّ وجوبُ النُّهوضِ إليهم لخلاصِهِ إنْ تَوَقَّعناهُ.

[فصلٌ] يُكرَهُ غزوٌ بغيرِ إذنِ الإمامِ أو نائِبِهِ، ويُسَنُّ إذا بعثَ سريَّةً أنْ يُؤَمّرَ عليهم ويأخُذَ البيعةَ بالثَّباتِ، ولهُ الاستِعانةُ بكُفَّارٍ تُؤمَنُ خِيانتُهُم، ويكونونَ بحيثُ لوِ انضَمَّتْ فِرقَتا الكُفرِ قاوَمْناهُمْ، وبعبيدٍ بإذنِ السَّادةِ ومُراهِقينَ أقوياءَ، ولهُ بذلُ الأُهْبةِ والسلاحِ من بيتِ المالِ ومِنْ مالِهِ، ولا يَصِحُّ استِئجارُ مُسلمٍ لجهادٍ، ويصِحُّ استئجارُ ذميّ للإمامِ قيلَ ولغيرهِ، ويُكرَهُ لِغازٍ قَتْلُ قريبٍ ومَحْرَمٍ أشدُّ.

قلتُ إلا أنْ يسمَعهُ يسُبُّ الله تعالى أو رسولهُ صلى الله عليه وسلم، والله أعلمُ، ويَحرُمُ قتلُ صبيّ ومجنونٍ وامرأةٍ وخُنثى مُشْكِلٍ، ويحِلُّ قتلُ راهِبٍ وأجيرٍ وشيخٍ وأعمى وزَمِنٍ لا قِتالَ فيهم ولا رأيَ في الأظهرِ، فيُسْتَرَقُّونَ وتُسبى نِساؤهُم وأموالهم، ويجوزُ حِصارُ الكُفَّارِ في البلادِ والقِلاعِ وإرسالُ الماءِ عليهم ورَمْيُهُم بنارٍ ومَنْجَنيقٍ وتبييتُهُم في غفلةٍ، فإنْ كانَ فيهم مسلمٌ أسيرٌ أو تاجرٌ جازَ ذلك على المذهبِ، ولوِ التَحَمَ حربٌ فتَتَرَّسوا بنِساءٍ وصِبيانٍ جازَ رَميُهُم، وإنْ دفعوا بهم عن أنفُسِهِم ولم تدْعُ ضرورةٌ إلى رميهم فالأظهرُ تركُهُم، وإن تَتَرَّسوا بمُسلمينَ فإنْ لم تدعُ ضرورةٌ إلى رميهم تركناهُم وإلا جازَ رميُهُم في الأصحّ،

ويحرُمُ الانصرافُ عنِ الصَّفِّ إذا لمْ يَزِدْ عددُ الكفارِ على مِثليْنا إلا مُحترفًا لقتالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فئةٍ يَستنجدُ بها، ويجوزُ إلى فئةٍ بعيدةٍ في الأصحِّ، ولا يُشاركُ مُتحيّزٌ إلى فئةٍ بعيدةٍ الجيشَ فيما غَنِمَ بعدَ مُفارقتهِ، ويُشاركُ مُتحيزٌ إلى فئةٍ قريبةٍ في الأصحِّ، فإنْ زادَ على مِثْلَينِ جازَ الانصرافُ إلا أنَّهُ يحرُمُ انصرافُ مائةِ بطلٍ عن مائتينِ وواحدٍ ضُعفاءَ في الأصحِّ، وتجوزُ المُبارزةُ فإنْ طلبها كافرٌ استُحِبَّ الخروجُ إليهِ، وإنَّما تحسُنُ مِنَّنْ جرَّبَ نفسهُ وبإذنِ الإمامِ، ويجوزُ إتلافُ بنائهم وشَجَرهم لحاجةِ القتالِ والظَّفرِ بهم، وكذا إنْ لمْ يُرْجَ حُصًولها لنا فإنْ رُجِيَ نُدِبَ التَّركُ،

ويحرُمُ إتلافُ الحيوانِ إلا ما يُقاتلونَ عليهِ لدفعهم أو ظفرٍ بهم أو غَنِمناهُ وخِفنا رجوعهُ إليهم وضررهُ. [فصلٌ] نساءُ الكفارِ وصِبيانهم إذا أسروا رَقوا وكذا العبيدُ، ويجتهدُ الإمامُ في الأحرارِ الكاملينَ، ويفعلُ الأحظَّ للمسلمينَ مِنْ قتلٍ ومَنٍّ وفِداءٍ بأسرى أو مالٍ واسترقاقٍ، فإنْ خفيَ الأحظُّ حَبَسهم حتى يظهرَ، وقيلَ لا يُسترَقُّ وَثنيٌّ وكذا عربيٌّ في قولٍ، ولو أسلمَ أسيرٌ عَصَمَ دمهُ وبقيَ الخيارُ في الباقي، وفي قولٍ يتعيَّنُ الرّقُّ، وإسلامُ كافرٍ قبلَ ظفرٍ بهِ يَعصِمُ دمهُ ومالهُ وصغارَ ولدِهِ لا زوجتهُ على المذهبِ، فإنِ استُرِقَّتْ انْقطعَ نِكاحُهُ في الحالِ وقيلَ إنْ كانَ بعدَ دخولٍ انتُظِرتِ العِدَّةُ فلعلَّها تَعْتقُ فيها،

ويجوزُ إرقاقُ زوجةِ ذميّ وكذا عتيقهُ في الأصحِّ لا عتيقُ مسلمٍ وزوجتهُ على المذهبِ، وإذا سُبيَ زوجانِ أو أحدهما انفسخَ النكاحُ إنْ كانا حُرَّينِ قيلَ أو رَقيقَيْنِ، وإذا أُرِقَّ وعليهِ دينٌ لم يسقطْ فيُقضى مِنْ مالهِ إنْ غُنِمَ بعدَ إرقاقِهِ، ولوِ اقْترضَ حربيٌّ منْ حربيٍّ أوِ اشترى منهُ ثمَّ أسلما أو قَبِلا جزيةً دامَ الحقُّ، ولو أتلفَ عليهِ فأسلما فلا ضمانَ في الأصحِّ، والمالُ المأخوذُ مِنْ أهلِ الحربِ قهرًا غنيمةٌ، وكذا ما أخذهُ واحدٌ أو جَمْعٌ من دارِ الحربِ سرقةً، أو وُجِدَ كهيئةِ اللُّقطَةِ على الأصحِّ، فإنْ أمْكَنَ كونُهُ لمسلمٍ وجبَ تعريفُهُ، وللغانِمينَ التَّبَسُّطُ في الغنيمةِ بأخذِ القُوتِ وما يَصْلحُ بهِ ولحمٍ وشحمٍ وكُلّ طعامٍ يُعتادُ أكلُهُ عُمومًا،

وعَلَفِ الدَّوابِ تِبْنًا وشعيرًا ونحوهُما وذبْحُ مأكولٍ للحمِهِ، والصحيحُ جوازُ الفاكِهةِ، وأنَّهُ لا تجبُ قيمةُ المذبوحِ، وأنَّهُ لا يختصُّ الجوازُ بمُحتاجٍ إلى طعامٍ وعلفٍ، وأنَّهُ لا يجوزُ ذلكَ لمنْ لَحِقَ الجيشَ بعدَ الحربِ والحِيازةِ، وأنَّ مَنْ رجعَ إلى دارِ الإسلامِ ومعهُ بقيَّةٌ لَزِمهُ ردُّها إلى المَغنمِ، وموضِعُ التَّبسُّطِ دارُهُم وكذا ما لم يَصِلْ عُمرانَ الإسلامِ في الأصحِّ، ولِغانمٍ رشيدٍ ولِمحجورٍ عليهِ بِفلسٍ الإعراضُ عنِ الغنيمةِ قبلَ القسمةِ، والأصحُّ جوازهُ بعدَ فرْزِ الخُمْسِ وجوازهُ لجميعهم وبُطلانُهُ مِنْ ذوي القُربِ وسالبٍ، والمُعرضُ كَمَنْ لم يحضُرْ، ومَنْ ماتَ فحقُّهُ لِوارِثِهِ،

ولا تُمْلكُ إلا بقِسمةٍ، ولهُمْ التَّملُّكُ، وقيلَ يَملِكونَ، وقيلَ إنْ سَلِمَتْ إلى القسمةِ بانَ مِلْكُهُم وإلا فلا، ويُملكُ العقارُ بالاستيلاءِ كالمَنقولِ، ولوْ كانَ فيها كلابٌ أو كلبٌ تنفعُ وأرادهُ بعضُهم ولم يُنازَعْ أُعْطِيَهُ وإلا قُسِّمَتْ إنْ أمْكَنَ، وإلا أُقرِعَ، والصَّحيحُ أنَّ سوادَ العراقِ فُتِحَ عَنْوةً وقُسّمَ ثمَّ بذلوهُ ووُقِفَ على المُسلمينَ، وخراجُهُ أجرةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سنةٍ لمصالحِ المسلمينَ، وهُوَ مِنْ عَبَّادانَ إلى حديثةِ المَوْصِلِ طُولاً ومِنَ القادِسيةِ إلى حُلْوانَ عرضًا.

قلتُ الصحيحُ أنَّ البصرةَ وإنْ كانت داخِلةً في حدّ السَّوادِ فليسَ لها حُكْمُهُ إلا في موضعِ غربيّ دِجْلتِها وموضعِ شرقيها، وأنَّ ما في السَّوادِ مِنَ الدُّورِ والمَساكِنِ يجوزُ بيعُهُ والله أعلمُ، وفُتِحتْ مكَّةُ صُلحًا، فدُورُها وأرضُها المُحْياةُ ملكٌ يُباعُ. [فصلٌ] يَصِحُّ مِنْ كلِّ مسلمٍ مُكلَّفٍ مختارٍ أمانُ حربيّ وعددٍ محصورٍ فقط، ولا يصحُّ أمانُ أسيرٍ لِمَنْ هُوَ معهم في الأصحِّ، ويَصِحُّ بكُلِّ لفظٍ يُفيدُ مقصودهُ وبكتابةٍ ورسالةٍ، ويُشترطُ عِلْمُ الكافرِ بالأمانِ فإنْ ردَّهُ بَطَلَ وكذا إنْ لمْ يقبلْ في الأصحِّ وتكفي إشارةٌ مُفهمةٌ للقبولِ، ويجبُ أنْ لا تزيدَ مُدَّتُهُ على أربعةِ أشهرٍ وفي قولٍ يجوزُ ما لمْ تَبْلُغْ سنةً،

ولا يجوزُ أمانٌ يضُرُّ المسلمينَ مجاسوسٍ، وليسَ للإمامِ نبذُ الأمانِ إنْ لمْ يَخَفْ خِيانةً، ولا يدخُلُ في الأمانِ مالُهُ وأهلُهُ بدارِ الحربِ وكذا ما معهُ منهُما في الأصحِّ إلا بشرطٍ، والمسلمُ بدارِ كُفرٍ إنْ أمكنهُ إظهارُ دينِهِ استُحِبَّ لهُ الهجرةُ وإلا وجبَتْ إنْ أطاقَها، ولو قَدَرَ أسيرٌ على هربٍ لزِمَهُ، ولو أطلقوهُ بلا شرطٍ فلهُ اغتيالهُم أو على أنَّهُم في أمانِهِ حَرُمَ، فإنْ تَبِعَهُ قومٌ فليَدْفعْهُم ولو بِقتلِهم ولو شرطوا أنْ لا يخرُجَ مِنْ دارهم لمْ يَجُزِ الوفاءُ، ولو عاقدَ الإمامُ عِلجًا يدلُّ على قلعةٍ، ولهُ منها جاريةٌ جازَ فإنْ فُتِحَتْ بدلالتِهِ أُعطيها أو بغيرها فلا في الأصحِّ فإنْ لم تُفتحْ فلا شيءَ لهُ،

وقيلَ إنْ لم يُعَلّقِ الجُعْلَ بالفتحِ فلهُ أجرةُ مثلٍ فإنْ لم يكُنْ فيها جاريةٌ أو ماتتْ قبلَ العقدِ فلا شيءَ، أو بعدَ الظَّفرِ قبلَ التَّسليمِ وجبَ بدلٌ أو قبلَ ظفرٍ فلا في الأظهرِ وإنْ أسْلَمتْ فالمذهبُ وجوبُ بدَلٍ وهُوَ أجرةُ مثلٍ، وقيلَ قيمتُها.