يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا بأنْ ينويَ حَجًّا أو عُمرةً أو كِلَيْهِما ومُطْلَقًا بأنْ لا يَزيدَ على نفسِ الإحرامِ، والتَّعْيينُ أفضلُ وفي قولٍ الإطلاقُ، فإنْ أحرمَ مُطلقًا في أشهُرِ الحَجِّ صَرفهُ بالنِّيَّةِ إلى ما شاءَ مِنَ النُّسُكَينِ أوْ إليهِما ثُمَّ اشْتَغَلَ بالأعْمالِ، وإنْ أطلَقَ في غير أشهُرِهِ فالأصحُّ انعِقادُهُ عُمرةً فلا يَصرفُهُ إلى الحجِّ في أشهُرِهِ، ولهُ أنْ يُحرِمَ كإحرامِ زيدٍ فإنْ لمْ يكُنْ زيدٌ مُحرمًا انْعَقَدَ إحرامُهُ مُطلَقًا وقيلَ إنْ عَلِمَ عَدَمَ إحرامِ زَيْدٍ لمْ ينْعَقِدْ، وإنْ كانَ زيدٌ مُحرِمًا انعَقَدَ إحرامُهُ كإحرامِهِ، فإنْ تَعَذَّرَ مَعرِفةُ إحرامِهِ بِمَوتِهِ جعلَ نفسهُ قارنًا وعَمِلَ أعمالَ النُّسُكَينِ.
[فصلٌ] المحْرمُ يَنوي ويُلَبّي، فإنْ لبَّى بِلا نِيَّةٍ لمْ يَنعَقِدْ إحرامُهُ، وإنْ نوى ولمْ يُلَبّ انْعَقَدَ على الصَّحيحِ، ويُسَنُّ الغُسْلُ للإحرامِ فإنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ، ولِدخولِ مكَّةَ وللوُقوفِ بِعَرَفةَ وبِمُزدَلِفةَ غَداةَ النَّحرِ وفي أيَّامِ التَّشريقِ للرَّْيِ، وأنْ يُطَيّبَ بَدَنَهُ للإحْرامِ، وكذا ثوبَهُ في الأصَحِّ، ولا بأسَ باسْتِدامَتِهِ بعدَ الإحرامِ، ولا بِطيبٍ لهُ جِرْمٌ، لكنْ لوْ نزَعَ ثوبَهُ المُطَيَّبَ ثُمذَ لَبِسَهُ لزِمَهُ الفِديةُ في الأصحِّ، وأنْ تَخْضِبَ المرأةُ للإحرامِ يَدها، ويَتَجَرَّدَ الرَّجُلُ لإحرامِهِ عَنْ مَخيطِ الثِّيابِ ويَلبَسَ إزارًا وَرِداءً أبيَضَينِ ونَعْلَينِ،
ويُصَلِّي رَكْعَتينِ، ثُمَّ الأفضلُ أنْ يُحرِمَ إذا انْبَعَثَتْ بهِ راحِلَتُهُ أوْ تَوَجَّهَ لِطريقِهِ ماشيًا، وفي قولٍ يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلاةِ، ويُسْتَحَبُّ إكثارُ التَّلبيةِ ورَفعُ صَوتِهِ بها في دوامِ إحرامِهِ، وخاصةً عِنْدَ تغايُرِ الأحوالِ كَرُكوبٍ ونُزولٍ وصُعودٍ وهُبوطٍ واختلاطِ رُفقةٍ، ولا يُستحَبُّ في طوافِ القُدومِ، وفي القديمِ تُسْتَحَبُّ فيهِ بلا جَهْرٍ، ولَفظُها لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ إنَّ الحَمْدَ والنِعْمةَ لكَ والمُلكَ لا شريكَ لكَ، وإذا رأى ما يُعْجِبُهُ قالَ لبَّيكَ إنَّ العَيشَ عَيْشُ الآخرَةِ، وإذا فَرَغَ منْ تَلبيَتِهِ صلَّى على النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وسألَ الله تعالى الجَنَّةَ ورِضْوانَهُ واستَعاذَ مِنَ النَّارِ.
باب دخول مكة
الأفضلُ دخولُها قبلَ الوقوفِ، وأنْ يَغْتَسِلَ داخِلُها مِنْ طريقِ المدينةِ بذي طُوّى، ويَدخُلَها مِنْ ثَنيَّةِ كَداءٍ، ويقولُ إذا أبْصَرَ البيتَ اللَّهُمَّ زِدْ هذا البيتَ تشريفًا وتَعْظيمًا وتَكريمًا ومهابَةً وزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أوِ اعْتَمَرَهُ تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبِرًا اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ ومِنْكَ السَّلامُ، فَحَيِّنا ربَّنا بالسَّلامِ، ثُمَّ يدخُلُ المسجدَ من بابِ بَني شيبةَ ويبدأ بِطوافِ القُدوم، ويَختصُّ طوافُ القدوم بحاجّ دَخَلَ مكَّةَ قبلَ الوُقوفِ، ومَنْ قَصَدَ مكَّةَ لا لِنُسُكٍ استُحِبَّ لهُ أن يُحرِمَ بِحجّ أو عُمْرةٍ، وفي قولٍ يجبُ إلا أنْ يتَكرَّرَ دخولُهُ كحطَّابٍ وصيادٍ.
[فصلٌ] لِلطوافِ بأنواعِهِ واجباتٌ وسُننٌ أمَّا الواجِبُ فيُشترطُ سَتْرُ العورةِ وطهارةُ الحدثِ والنَّجسِ، فلوْ أحدَثَ فيهِ توضَأَ وبنَى، وفي قولٍ يستأنِفُ، وأنْ يجْعَلَ البيتَ عنْ يسارِهِ مُبْتَدِئًا بالحَجَرِ الأسودِ مُحاذيًا لهُ في مُرورِهِ بجميعِ بدنِهِ، فلوْ بدأ لغيرِ الحَجر لم يُحسبْ فإذا انتهى إليهِ ابتدأ منْهُ، ولو مشى على الشاذّرْوانِ أو مسَّ الجِدارَ في مُوازتهِ، أو دَخَلَ مِنْ إحدى فَتْحَتَي الحجر وخَرَجَ مِنَ الاخرى لمْ تَصِحَّ طوفتُهُ، وفي مَسْئلةِ المَسّ وجهٌ، وأن يطوفَ سبعًا وداخلَ المسجدِ.
وأمَّا السُّنَنُ فأنْ يطوفَ ماشيًا ويَسْتَلِمَ الحَجَرَ أوَّلَ طَوافِهِ ويُقَبّلَهُ ويضعَ جَبْهَتَُ عليهِ، فإنْ عَجَزَ استَلمَ فإن عجزَ أشارَ بيدِهِ، ويُراعى ذلكَ في كلِّ طوفةٍ، ولا يُقْبَلُ الرُّكْنَينِ الشَّامِيَّينِ ولا يَسْتَلِمُهما، ويَسْتَلِمُ اليَمانيَّ ولا يُقَبّلُهُ، وأنْ يقولَ أوَّلَ طوافهِ بسم الله والله أكبر، اللَّهُمَّ إيمانًا بكَ وتصديقًا بِكِتابِكَ ووفاءً بِعَهْدِكَ واتّباعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولْيَقُلْ قُبالَةَ الباب اللَّهُمَّ البَيْت بيتُكَ والحَرَم حَرَمُكَ والأمن أمنُكَ، وهذا مقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، وبَيْنَ اليَمانيَّيْنِ اللَّهُمَّ ؤاتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وَقِنا عذابَ النَّار،
ولْيَدْعُ بِما شاءَ، ومأثورُ الدُّعاءِ أفضلُ مِن القراءةِ وهيَ أفضلُ مِنْ غَيْرِ مأثورِهِ، وأنْ يَرْمُلَ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولى بِأنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقارِبًا خُطاهُ ويَمْشيَ في الباقي، ويَخْتَصُ الرَّملُ بِطوافٍ يَعقبُهُ سعيٌ، وفي قَوْلٍ بطوافِ القُدومِ، وليقُلْ فيهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًا مبرورًا، وذنْبًا مَغفورًا وسَعْيًا مَشْكورًا، وأنْ يَضْطَبِعَ في جميعِ كُلّ طَوافٍ يَرمُلُ فيهِ، وكذا في السَّعيِ على الصَّحيحِ وهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدائِهِ تحتَ مَنْكَبِهِ الأيْمَنِ وطَرفَيهِ على الأيسَرِ، ولا تَرْمُلُ المرأةُ ولا تَضْطَبعُ، وأن يَقرُبَ مِنَ البَيْت، فلوْ فاتَ الرَّملُ بالقُرْبِ لِزَحمةٍ فالرَّملُ معَ بُعْدٍ أولى إلا أنْ يخافَ صَدْمَ النّساءِ فالقُربُ بلا رَمَلٍ أوْلى،
وأنْ يُواليَ طوافَهُ، ويُصليَ بَعْدهُ رَكْعَتَيْنِ خلْفَ المقامِ يقرأ في الأولى: {قُلْ يا أيُّها الكافِرونَ} وفي الثانيةِ الإخلاصَ، ويَجهَرُ ليلاً، وفي قوْلٍ تَجِبُ المُوالاةُ والصَّلاةُ، ولو حَمَلَ الحلالُ مُحْرِمًا وطافَ بهِ حُسِبَ للمَحمولِ، وكذا لوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قدْ طافَ عن نفسِهِ، وإلا فالأصَحُّ أنَّهُ إنْ قَصَدهُ للمحمولِ فلهُ، وإنْ قَصَدهُ لنفسهِ أوْ لهُما فلِلحامِلِ فقط. [فصلٌ] يَسْتَلِمُ الحجَرَ بعدَ الطَّوافِ وصَلاتِهِ ثُمذَ يَخْرُجُ مِنْ باب الصَّفا للسَّعْيِ، وشَرْطُهُ أنْ يَبْدأ بالصَّفا، وأنْ يَسْعى سَبْعًا، ذهابُهُ مِنَ الصَّفا إلى المَروةِ مَرَّةٌ، وعَوْدُهُ مِنها إليهِ أخرى،
وأن يَسْعى بعدَ طَوافِ رُكنٍ أو قُدومٍ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّلُ بينهُما الوُقوفُ بِعَرفةَ، ومَنْ سعى بعدَ قُدومٍ لمْ يُعِدْهُ، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَرقى على الصَّفا والمَروةِ قَدْرَ قامَةٍ فإذا رَقِيَ قال الله أكبرُ الله أكبرُ الله أكبرُ ولله الحمدُ، الله أكبرُ على ما هَدانا والحمدُ لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحَمدُ يُحيِي ويُميتُ بيدِهِ الخَيْرُ وهُوَ على كُلّ شيءٍ قديرٌ. ثُمَّ يدعو بما شاءَ دينًا ودُنيا.
قلتُ: ويُعيدُ الذّكرَ والدُّعاءَ ثانيًا وثالثًا والله أعلمُ، وأن يَمشيَ أوَّلَ السَّعْيَ وءاخِرَهُ ويَعْدوَ في الوَسَطِ، ومَوْضِعُ النَّوعينِ مَعروفٌ. [فصلٌ] يُسْتَحَبُّ للإمامِ أو مَنْصوبِهِ أنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ في سابِع ذي الحِجَّةِ بعدَ صلاةِ الظُّهْرِ خُطبةً فَرْدةً، يأمُر فيها بالغُدوّ إلى منى، ويُعَلِّمُهُم ما أمامَهُم مِنَ المَناسِكِ، ويَخْرُجُ بِهِمْ مِنَ غدٍ إلى منًى ويَبيتونَ بِها، فإذا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَصَدوا عَرَفاتٍ. قُلتُ: ولا يدْخُلونَها بَلْ يُقيمونَ بِنَمِرَةَ بِقُربِ عَرفاتٍ حتى تَزولَ الشَّمْسُ،
والله أعلمُ، ثُمَّ يَخْطُبُ الإمامُ بَعْدَ الزَّوالِ خُطبَتَيْنِ ثمَّ يُصَلّي بالنَّاسِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمْعًا، ويَقِفُ بِعَرَفةَ إلى الغُروبِ، ويَذكُروا الله تعالى ويدعُوهُ، ويُكثِروا التَّهْليلَ، فإذا غَرَبَتِ الشَّمسُ قَصَدوا مُزدلِفةَ، وأخَّروا المَغْرِبَ ليُصَلُّوها معَ العِشاءِ بمُزدلِفةَ جَمْعًا، ووَاجِبُ الوُقوفِ حُضورُهُ بِجُزءٍ مِنْ أرضِ عَرَفاتَ وإنْ كانَ مارًا في طَلَبِ ءابِقٍ ونَحْوِهِ بِشرطِ كونِهِ أهلاً للعِبادةِ لا مُغمًى عليهِ، ولا بأسَ بالنَّوم، ووقْتُ الوقوفِ مِنَ الزَّوالِ يومَ عرفةَ، والصَّحيحُ بقاؤُهُ إلى الفجرِ يومَ النَّحْرِ، ولوْ وَقَفَ نهارًا ثُمَّ فارَقَ عرفةَ قبلَ الغروبِ ولمْ يَعُدْ أراقَ دمًا اسْتِحْبابًا وفي قولٍ يَجِبُ،
وإنْ عادَ كانَ بها عندَ الغُروبِ فلا دَمَ وكذا إنْ عادَ ليلاً في الأصًحّ، ولوْ وقَفُوا اليومَ العاشِرَ غَلَطًا أجْزأهًمْ إلا أنْ يَقِلُّوا على خلافِ العادةِ فيَقْضونَ في الأصَحّ، وإن وَقفوا في الثَّامِنِ وعَلِموا قبلَ الوُقوفِ وَجَبَ الوقوفُ في الوقتِ، وإنْ علِموا بعدَهُ وَجَبَ القضاءُ في الأصَحّ. [فصلٌ] ويَبيتونَ بِمُزدَلِفةَ، ومَنْ دَفَعَ مِنْها بعدَ نِصْفِ الليل أو قَبْلَهُ وعادَ قبلَ الفَجْرِ فلا شيءَ عليهِ، ومَنْ لمْ يكنْ بها في النِّصْفِ الثَّاني أراقَ دمًا، وفي وُجوبِهِ القَوْلانِ، ويُسَنُّ تَقديمُ النّساءِ والضَّعَفةِ بعدَ نِصْفِ الليلِ إلى منى، ويَبْقى غيرُهم حتى يُصلُّوا الصُّبحَ مُغَلّسينَ ثُمَّ يَدفعونَ إلى مِنًى ويأخذونَ مِن مُزدلِفةَ حصى الرَّميِ،
فإذا بَلَغوا المَشْعَرَ الحرامَ وقَفوا ودَعَوْا إلى الإسْفارِ، ثمَّ يَسيرونَ فيصِلونَ منًى بعدَ طلوعِ الشّمسِ فيَرمي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئذٍ سَبْعَ حَصَياتٍ إلى جمرةِ العَقَبَةِ، ويَقْطَعُ التَّلْبيةَ عِنْدَ ابتِداءِ الرَّمْي، ويُكَبِّرُ معَ كُلِّ حَصاةٍ، ثُمَّ يَذبحُ مَنْ معهُ هَدْيٌ ثُمَّ يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ والحَلْقُ أفضلُ، وتُقَصِّرُ المرأةُ، والحلْقُ نُسُكٌ على المَشهورِ، وأقَلُّهُ ثلاثُ شَعَراتٍ حَلْقًا أوْ تَقصيرًا أوْ نَتْفًا أوْ إحراقًا أوْ قصًا، ومَنْ لا شَعْرَ بِرأسِهِ يُسْتَحبُّ إمرارُ المُوسى عليهِ فإذا حَلَقَ أوْ قصَّرَ دخلَ مكَّةَ وطافَ طوافَ الرُّكنِ وسَعى إنْ لمْ يكُنْ سَعَى ثُمَّ يعودُ إلى منى،
وهذا الرَّميُ والذَّبحُ والحَلْقُ والطَّوافُ يُسَنُّ تَرتيبُها كَما ذكرْنا، ويَدْخُلُ وقتُها بِنِصْفِ ليلةِ النَّحرِ، ويَبْقى وقتُ الرَّميِ إلى ءاخِرِ يومِ النَّحرِ، ولا يَخْتَصُّ الذَّبحُ بِزَمَنٍ. قُلتُ: الصَّحيحُ اختِصاصُهُ بِوَقتِ الأضحيةِ، وسَيَأتي في ءاخِرِ بابِ مُحَرَّماتِ الإحرامِ على الصَّوابِ،
والله أعلمُ، والحَلْقُ والطَّوافُ والسَّعيُ لا ءاخِرَ لوقْتِها، وإذا قلنا الحلقُ نُسُكٌ فَفَعلَ اثنينِ مِنَ الرَّميِ والحَلْقِ والطَّوافِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ وحَلَّ بهِ اللُّبْسُ والحلقُ والقَلْمُ وكذا الصَّيْدُ وعقدُ النِّكاحِ في الأظهرِ. قلتُ: الأظهرُ لا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكاحِ والله أعلمُ، وإذا فعلَ الثَّالِثَ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّاني وحلَّ بهِ باقي المُحَرَّماتِ. [فصلٌ] إذا عادَ إلى منى باتَ بها لَيْلَتَيْ التَّشريقِ، ورَمى كُلَّ يومٍ إلى الجَمراتِ الثَّلاثِ كُلَّ جَمرةٍ سَبْعَ حَصَياتٍ، فإذا رَمى اليومَ الثانيَ فأرادَ النَّفْرَ قبلَ غُروبِ الشَّمسِ جازَ وسَقَطَ مَبيتُ الليلةِ الثَّالِثةِ ورَميُ يومِها فإنْ بم يَنْفُرْ حتى غَرَبتْ وَجَبَ مَبيتُها ورَمْيُ الغدِ،
ويدخُلُ رميُ التَّشريقِ بِزوالِ الشَّمسِ ويخرجُ بِغُروبِها وقيلَ يبقى إلى الفَجرِ، ويُشترطُ رميُ السَّبْعِ واحدةً واحدةً، وترتيبُ الجَمَراتِ، وكوْنُ المَرمِيّ حَجَرًا، وأنْ يُسمَّى رَميًا فلا يكفي الوَضْعُ، والسُّنَّنُ أنْ يرميَ بِقَدرِ حَصى الخَذْفِ، ولا يُشترطُ بَقاءُ الحَجَرِ في المَرْمى، ولا كَوْنُ الرّامي خارجًا عنِ الجَمرةِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمِيِ اسْتَتابَ، وإذا ترَكَ رَمْيَ يومٍ تَدارَكهُ في باقي الأيَّامِ على الأظهرِ ولا دمَ، وإلا فَعليهِ دمٌ، والمذهبُ تَكميلُ الدَّمِ في ثلاثِ حَصياتٍ، وإذا أرادَ الخُروجَ مِنْ مكَّةَ طافَ للوداعِ، ولا يَمكُثُ بعدَهُ، وهُوَ واجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بدَمٍ،
وفي قَوْلٍ سُنَّةٌ لا يُجبَرُ، فإنْ أوجَبناهُ فَخَرجَ بِلا وداعٍ فعادَ قبلَ مسافةِ القَصْرِ سَقطَ الدَّمُ أو بعدَها فلا على الصَّحيحِ، وللحائِضِ النَّفرُ بلا وداعٍ، ويُسَنُّ شُربُ ماءِ زمزمَ، وزيارةُ قبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ فراغِ الحَجّ. [فصلٌ] أركانُ الحجِّ خمسةٌ الإحرامُ والوقوفُ والطَّوافُ والسَّعيُ والحلقُ إذا جَعَلْناهُ نُسُكًا ولا تُجبرُ، وما سِوى الوُقوفِ أركانٌ في العُمرةِ أيضًا، ويُؤدي النُّسُكانِ على أوجهٍ أحدُها الإفرادُ بأنْ يَحُجَّ ثُمَّ يُحرمَ بالعُمرةِ كإحرامِ المَكّي ويأتيَ بِعَمَلِها.
الثاني القِرانُ بأنْ يُحرمَ بهما مِنَ الميقاتِ ويعمَلَ عَمَلَ الحجّ فيحصُلان، ولوْ أحرَمَ بعُمرةٍ في أشهُرِ الحجّ ثُمَّ بِحجّ قبلَ الطَّوافِ كانَ قارِنًا ولا يجوزُ عكْسُهُ في الجديدِ. الثالثُ التَّمَتُّعُ بِأن يحرمَ بالعُمرةِ مِنْ ميقاتِ بَلَدِهِ ويَفرُغَ مِنها ثُمَّ يُنشئ حجًا مِنْ مكَّةَ، وأفضلُها الإفرادُ، وبعدَهُ التَّمَتُّعُ وفي قولٍ التَّمَتُّعُ أفضلُ، وعلى المُتَمَتِّعِ دمٌ بشرطِ أنْ لا يكونَ مِن حاضِري المَسجدِ الحرامِ، وحاضرُهُ مَنْ دونَ مَرْحَلَتَيْن من مكَّةَ.
قُلتُ: الاصَحُّ منَ الحرمِ، والله أعلمُ، وأنْ تَقَعَ عُمرتُهُ في أشهرِ الحجّ مِنْ سَنَتِهِ، وأنْ لا يعودَ لإحرامِ الحجّ إلى الميقاتِ ووقتُ وُجوبِ الدَّمِ إحرامُهُ بالحجّ، والأفضلُ ذبْحُهُ يومَ النَّحرِ، فإنْ عجزَ عنهُ في موضِعِهِ صامَ عشرةَ أيًَّامٍ ثلاثةً في الحجّ تُستحبُّ قبلَ يومِ عرفةَ، وسبعةً إذا رجِعَ إلى أهلِهِ في الأظهرِ، ويُندبُ تتابعُ الثَّلاثةِ، وكذا السَّبعةُ، ولو فاتَتْهُ الثلاثةُ في الحجّ، فالأظهرُ أنَّهُ يلزمُهُ أنْ يُفرّقَ في قضائها بينَها وبينَ السَّبعةِ، وعلى القارنِ دمٌ كدمِ التَّمَتُّعِ قُلتُ: بشرطِ أن لا يكونَ مِنْ حاضِري المَسجدِ الحرامِ، والله أعلمُ.
