تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب للشيخ أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي المتوفى سنة 925هـ شركة دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع ش.م.م ملتزم الطبع دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1425هـ/2005ر
ترجمة الشيخ زكريا الأنصاري [1]
هو الشيخ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي ثم القاهري الأزهري الشافعي. وُلد سنة ست وعشرين وثمانمائة [2] بسنكية من الشرقية ونشأ بها وحفظ القرءان وعمدة الأحكام وبعض مختصر التبريزي ثم تحوّل إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين فقطن في جامع الأزهر وكمل حفظ المختصر ثم حفظ المنهاج الفرعي والألفية النحوية والشاطبية والرائية وبعض المنهاج الأصلي ونحو النصف من ألفية الحديث ومن التسهيل وأقام بالقاهرة يسيرًا ثم رجع إلى بلده وداوم الاشتغال وجدّ فيه وكان ممن أخذ عنه القاياتي والعلم البلقيني والشرف السبكي والشموس الوفائي والحجازي والبدرشي والشهاب ابن المجدي والبدر النسابة والزين البوشنجي والحافظ ابن حجر والزين رضوان في ءاخرين وحضر دروس الشرف المناوي وأخذ عن الكافيجي وابن الهمام ومن لا يُحصى كثرة،
ورجع إلى القاهرة فلم ينفك عن الاشتغال والأشغال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والأدب والعفة والانجماع عن أبناء الدنيا مع التقلل وشرف النفس ومزيد العقل وسعة الباطن والاحتمال، والمداراة وأذن له غير واحد من شيوخه في الإفتاء والاقراء منهم شيخ الإسلام ابن حجر وتصدى للتدريس في حياة شيوخه، وانتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة، وشرح عدة كتب وألف ما لا يحصى كثرة، وقُصِدَ بالفتاوى وزاحم كثيرًا من شيوخه، وولي تدريس عدة مدارس إلى أن رقي إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثير وذلك في رجب سنة ست وثمانين، واستمر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] مصادر ترجمته:
معجم المؤلفين [4/182]، الكواكب السائرة للغزي [1/196-207]، شذرات الذهب لابن العماد [8/132-136]، النور السافر للعيدروسي: 120- 125، البدر الطالع للشوكاني [2/252-253]، نظم العقيان: 113، كشف الظنون لحاجي خليفة، وإيضاح المكنون للبغدادي، فهرس الفهارس للكتاني [1/343-345]. [2] في نظم العقيان ولد تقريبًا سنة 824هـ، وفي الكواكب السائرة ولد سنة 823، وفي رواية سنة 824هـ.
قاضيًا مدة ولاية الأشرف قاتيباي ثم بعد ذلك إلى أن كفّ بصره، فعزل بالعمى ولم يزل ملازم التدريس والإفتاء، والتصنيف وانتفع به خلائق لا يحصون منهم ابن حجر الهيتمي. وتوفي يوم الجمعة رابع ذي الحجة بالقاهرة سنة خمس وعشرين وتسعمائة ودُفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه وجزم في الكواكب بوفاته في السنة التي بعدها. وقال عاش مائة وثلاث سنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ المُتفضلِ الوهاب* المُرشدِ لتحريرِ تنقيحِ اللباب* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
قال سيدنا ومولانا قاضي قضاة الأنام شيخ مشايخ الإسلام ملك العلماء الأعلام سيبويه زمانه فريد عصره وأوانه زين الملة والدين لسان المتكلمين حجة المناظرين محي سنة سيد المرسلين أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي رحمه الله تعالى ونفعنا والمسلمين ببركته. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي فقه في دينه من اصطفاه من الأنام وهدى من ارتضاه لفهم ما شرعه من الأحكام، أحمده على جميع نعمائه وأشكره على تزايد ءالائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام وبعد: فهذا شرح على مختصري المسمى بتحرير تنقيح اللباب في الفقه على مذهب الإمام المجتهد الشافعي رضي الله تعالى عنه يحل ألفاظه ويبين مراد ويحقق مسائله ويحرر دلائله وسميته "تحفة الطلاب بشرح تنقيح اللباب" والله الكريم أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وسببًا للفوز بجنات النعيم [بسم الله الرحمن الرحيم] أي أؤلف والاسم مشتق من السمو وهو العلو والله علم للذات الواجب الوجود والرحمن الرحيم صفتان مشبعتان بنيتا للمبالغة من رحم [الحمدُ] هو لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل ولا يكون حقيقة إلا [لله المُتفضل] علينا بنعمه [الوهاب] لها [المرشدِ لتحريرِ تنقيح اللباب] ولغيره وابتدأت بالبسملة ثم بالحمدلة جمعًا بين الابتداءين الابتداء الحقيقي والابتداء الإضافي واقتداء بالكتاب العزيز وعملاً بخبر:
"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" [1] وفي رواية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في "الأربعين".
والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنامِ* وعلى ءالهِ وصحبِهِ السادةِ الكِرامِ* وبعدُ فهذا مختصرٌ في الفقهِ على مذهبِ الإمام الشافعي رضي الله عنه اختصرتُ فيهِ مختصرَ الإمامِ أبي زُرعةَ العراقي المسمى بتنقيحِ اللُّبابِ، وضممتُ إليهِ فوائدَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "بالحمد لله" [1] رواه أبو داود وغيره وحسنه ابن الصلاح وغيره،
وقد بسطت الكلام في غير هذا الكتاب على الحمد والمدح والشكر والنسبة بينهما [والصلاةُ] وهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الآدميين تضرع ودعاء [والسلامُ] بمعنى التسليم [على] سيدنا محمد نبينا [أشرفِ الأنام] أي الخلق [وعلى ءاله] وهو مؤمنو بني هاشم وبني المطلب [وصحبه] هو عند سيبويه اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي وهو من اجتمع مؤمنًا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم [السادةِ الكرام] صفتان لمن ذكر [وبعد] يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى ءاخر وأصلها أما بعد
بدليل لزوم الفاء في حيزها غالبًا لتضمن أما معنى الشرط والأصل مهما يكن من شىء بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر [فهذا] المؤلَّف الحاضر ذهنًا [مختصر] من الاختصار وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى [في الفقه] هو لغة الفهم واصطلاحًا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية [على مذهب الإمام] المجتهد أبي عبد الله محمد بن إدريس [الشافعي رضي الله عنه] أي على ما ذهب إليه من الأحكام في المسائل مجازًا عن مكان الذهاب [اختصرتُ فيه مختصر الإمام أبي زرعة العراقي] رحمه الله تعالى [المسمى بتنقيح اللباب] أي تنقيته [وضممت إليه فوائد] جمع فائدة وهي كل مصلحة تترتب على فعل فهي من حيث إنها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه:
كتاب الأدب: باب الهدي في الكلام، والنسائي في السنن الكبرى: كتاب عمل اليوم والليلة: باب ما يستحب من الكلام عند الحاجة، وابن ماجه في سننه: كتاب النكاح: باب خطبة الحاجة، وغيرهم. وهذه الرواية حسنها النووي وابن الصلاح كما في "اتحاف السادة المتقين" [3/466] للزبيدي.
يُسَرُّ بها ذوو الألبابِ: وأبدلتُ غيرَ المُعتمدِ بهِ وحذفتُ منهُ الخلاف وما عنهُ بِدٌّ رَومًا لتَيسيرهِ على الطلابِ: وسميتهُ "تحريرُ التنقيح" مُتضرعًا إلى الله تعالى أن ينتفعَ بهِ طالبُ الترجيح. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نتيجة له تسمى فائدة ومن حيث إنها طرف له تسمى غاية ومن حيث إنها مطلوبة للفاعل بإقدامه على الفعل تسمى غرضًا ومن حيث إنها باعثة له بذلك تسمى على غائية [يُسر بها ذوو الألباب] جمع لب وهو العقل [وأبدلتُ غير المعتمد به] أي بالمعتمد [وحذفتُ منه الخلاف وما عنه بد] أي غنى بغيره [رومًا] أي طلبًا [لتيسيره على الطلاب] للفقه [وسميته "تحرير التنقيح" متضرعًا إلى الله تعالى] أي متعرضًا له بالسؤال بمبالغته [أن ينتفع به طالب الترجيح] في المسائل.
