العَيْنُ إما حاضرةٌ أو غائبةٌ أو في الذمةِ. فالحاضرةُ وهيَ المرئيةُ الرؤيةَ المُعتبرةَ يصحُّ بيعُها بشرطِهِ، والغائبةُ إنْ لم يرَها العاقِدانِ قبلُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجهها حرام] فيأثم فاعله العالم بالنهي عنه لكن العقد صحيح، ولأن النهي عنه إنما هو لأمر خارج عنه، هذا من تعلقات بيع المصراة ثم عطفت على ما قبله قولي [وبيع العنب ممن يتخذه خمرًا والسيف ممن يقتل به غيره] هو أعم من قوله:
"المسلمين" [ظلمًا، والشبكة ممن يصطاد] بها [في الحرم، والخشب ممن يتخذ منه الملاهي] لتسببه في الحرام، ومثلها بيع المماليك المرد ممن عرف بالفجور فيهم، ومحل تحريم بيعه ذلك ممن ذكر إذا تحقق أو ظن أنه يفعل ذلك فإن توهمه كره، [وبيع العربون] بفتح العين والراء، وبضم العين وإسكان الراء [بأن يعطيه شيئًا على أنه لصاحب السلعة] هبة [إن لم يتم البيع] ومن الثمن إن تم للنهي عن ذلك، رواه أبو داود [1] وغيره.
بابُ بيوع الأعيان
وهي ثلاثة، إذ [العين إما حاضرة أو غائبة أو في الذمة، فالحاضرة وهي المرئية الرؤية المعتبرة] في صحة البيع [يصح بيعها بشرطه] الآتي، [والغائبة إن لم يرها العاقدان] بأن لم يرها كل منهما أو أحدهما [قبل] أي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب البيوع: باب في العربان.
لم يصحَّ بيعُها، وإن رأياها ولم تتغيرْ عادةً كأرضٍ أوِ احتُمِلَ تغيُّرَها كحيوانٍ صحَّ أوْ غلبَ تغيرها كفاكهةٍ رطبةٍ لم يصحَّ، والتي في الذمةِ يصحُّ بيعُها بذكرِها معَ جنسِها وصِفتها كعبدٍ حبشيّ خُماسي، وعُدّ هذا بيعًا لا سَلمًا معَ أنها في الذمةِ اعتبارًا بلفظهِ فلا يُشترطُ فيهِ تسليمُ الثمنِ قبلَ التفرُّقِ.
باب لزوم البيع
إذا وُجِدَتْ صيغتهُ والعاقدانِ رشيدانِ مُختارانِ والمبيعُ مملوكٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل العقد [لم يصح بيعها] للغرر [وإن رأياها] قبل [ولم تتغير عادة كأرض] وثياب رأياها من نحو شهر [أو احتمل تغيرها] وعدمه [كحيوان صح] بيعها لأن الغالب في الأول والظاهر في الثاني بقاؤها بحالها ومحله إذا كانا ذاكرين لأوصافها عند العقد [أو غلب تغيرها] في المدة [كفاكهة رطبة بم يصح] بيعها للغرر، وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه كظاهر الصبرة والرؤية في كل شىء على ما يليق به،
[و] العين [التي في الذمة يصح بيعها بذكرها مع جنسها وصفتها كعبد حبشي خماسي] مع بقية الصفات التي تذكر في السلم، [وعد هذا بيعًا لا سلمًا مع أنها] أي العين [في الذمة اعتبارًا بلفظه فلا يشترط فيه تسليم الثمن قبل التفرق] إلا أن يكون ذلك في ربويين فيشترط فيه التقابض قبله كما في العين الحاضرة، وهذا إذا لم يذكر مع ذلك لفظ السلم فإن ذكر كأن قال بعتك كذا سلمًا أو اشتريته منك سلمًا كان سلمًا، وعلى كون ذلك بيعًا يشترط تعيين أحد العوضين في المجلس وإلا يصير بيع دين بدين وهو باطل.
باب لزوم البيع
[إذا وجدت صيغته والعاقدان رشيدان مختاران والمبيع مملوك] هو من
طاهرٌ مُنتَفعٌ بهِ مَقدورٌ على تسلُّمِهِ معلوم لهُما وللعاقدِ عليهِ ولاية وانقطعَ الخيارُ لزمَ فليسَ لأحدِهما فسخٌ إلا لمُوجبٍ كعيبٍ، ولا يجوزُ بيعُ كل عينٍ مُتصفةٍ بما مرَّ، ومِلكُ المبيعِ في زمنِ الخيارِ لمن انفردَ بهِ وموقوفٌ إنْ كانَ لهُما فإنْ تمَّ البيعُ بانَ أنهُ للمشتري منَ العقدِ وإلا فللبائعِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زيادتي [طاهر منتفع به مقدور على تسلمه معلوم لهما وللعاقد عليه ولاية وانقطع الخيار] أي خيار المجلس وخيار الشرط،
[لزم] البيع فلا يلزم بل لا يصح بلا صيغة ولا بغير عاقدين متصفين بما مر، نعم يصح بيع المكروه بحق ولا يصح بيع غير المملوك للبائع، ولا بيع نجس، ولا ما لا نفع فيه كحية وذئب ونمر، ولا ما عجز عن تسلمه، ولا مجهول، ولا ما ليس للعاقد عليه ولاية كبيع الفضولي، وبعض هذه يعلم مما يأتي أيضًا وبعضها مما مر، وتعبيري بالتسلم أولى من تعبيره بالتسليم، وإذا لزم بيع العاقدين [فليس لأحدهما فسخ إلا لموجب كعيب] وخلف شرط، [ولا يجوز بيع كل عين متصفة بما مر] ءانفًا فلا يجوز بيع مكاتب بغير رضاه لتعلق حق العتق به كأم الولد، ولا بيع أم الولد لذلك وللنهي عنه كما سيأتي في بابها وولدها قياسًا عليها، ولا بيع لحم أضحية لظاهر قوله تعالى:
{كُلوا منها وأطعِموا القانِعَ والمُعترّ} [سورة الحج/36] ولا بيع الموقوف لأنه غير مملوك، ولا بيع المعجوز عن تسلمه حسًّا أو شرعًا كالطير غير النحل في الهواء، ولا بيع المرهون بعد قبضه بلا إذن لتعلق حق المرتهن به، فاستثناء الأصل للموقوف من العين المملوكة منتقد [وملك المبيع في زمن الخيار] أي خيار المجلس أو الشرط [لمن انفرد به] من العاقدين من العقد وإلا فللبائع] لأن البيع سبب لملك المشتري إلا أن الخيار مانع من الجزم به فوجب التربص إلى ءاخر الأمر، ويتصور كون خبار المجلس لأحدهما دون الآخر بأن يختار الآخر لزومه أو يفارق
بابُ السلم
والسلمُ يُشترطُ لهُ: قبضُ رأسِ المالِ قبلَ التفرقِ وإنْ كانَ في الذمةِ، وكونُ المسلمِ فيهِ دَيْنًا موصوفًا بصفةٍ معلومةٍ، وكونُهُ يُؤْمَنُ انقِطاعُهُ وقتَ وجوبِ تسليمِهِ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما مكروهًا ويتمكن الآخر من خروجه معه ولم يخرج، وحيث حكم بملك المبيع لأحدهما حكم بملك الثمن للآخر وحيث وقف ملك الثمن.
باب السلم
هو أولى من قوله باب بيع الصفات وهو السلم لأن بيعها لا ينحصر في السلم كما عرف، [والسلم] ويقال له السلف بيع موصوف في الذمة بلفظ السلم أو نحوه، والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا إذا تدايَنتُم بدَينٍ} [سورة البقرة/282] الآية نزلت في السلم، وخبر الصحيحين [1]: "من أسلف في شىء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، [يشترط له] مع أركان البيع وشروطه التي يمكن مجيئها فيه خمسة شروط [قبض رأس المال قبل التفرق] من مجلس العقد [وإن كان في الذمة] فلو تفرقا قبل قبضه بطل العقد أو قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض لأنه عقد غرر فلا يضم إليه غرر ءاخر، ولو جعل رأس المال منفعة دار مثلاً حصل القبض بتسليم الدار في المجلس،
[وكون المسلم فيه دينًا] فلو قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد، لم يصح [موصوفًا بصفة معلومة] لهما ولعدلين غيرهما ليرجع إليهما عند التنازع [وكونه يؤمن انقطاعه وقت وجوب تسليمه] فلا يصح السلم في قدر يعسر تحصيله وقت الباكورة ولا في ثمر بستان أو قرية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب السلم: باب السلم في كيل معلوم، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب السلم.
وبيانُ موضعِ تسليمِهِ إنْ عُقِدَ بموضعٍ لا يصلُحُ لهُ أو ولِحَملهِ مُؤنة وإلا حُملَ على موضعِ العَقدِ، وبيانُ مِقدارهِ منْ كيلٍ، ووزنٍ، وذرعٍ، وعدٍّ، وسِنّ في حيوانٍ، وعُتْقٍ، وحداثةٍ في حبوبٍ وتمرٍ وزبيبٍ لا جودةٍ ورداءةٍ وحُلولٍ وتأجيلٍ، والمُطلقُ يُحملُ على الجيّدِ والحلولِ، وشرطُ الأجودِ مُبطلٌ لا الأردإ فإن ذُكِرَ أجلٌ اشتُرِطَ كونهُ معلومًا فيبطلُ بالمجهولِ كقولهِ في رجبٍ. ولا يصِحُّ السلمُ فيما لا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صغيرة،
ولا بد من وجوده في الموضع الذي يعتبر فيه التسليم ولو بنقله للبيع عادة [وبيان موضع تسليمه] في المؤجل [إن عقد بموضع لا يصلح له أو] يصلح له [ولحمله مؤنة] لتفاوت الأغراض باختلاف المواضع، [وإلا] بأن صلح الموضع لتسليمه ولم يكن لحمله مؤنة ولم يبين موضعه [حمل على موضع العقد] الصالح لتسليمه كما يحمل عليه الحال إذا لم يبين موضع تسليمه، والمراد بموضع العقد تلك المحلة لا ذلك الموضع بعينه، [وبيان مقداره] أي المسلم فيه [من كيل] فيما يكال، [ووزن] فيما يوزن، [وذرع] فيما يذرع، [وعد] فيما يعد، [وسن في حيوان و] بيان [عتق] بضم العين [وحداثة في حبوب وتمر وزبيب] ونحوها ويشترط ذكر بلدها ولونها وصغر حباتها وكبرها، [لا] بيان [جودة ورداءة وحلول وتأجيل] فلا يشترط،
[والمطلق يحمل على الجيد والحلول] وينزل الجيد على أقل درجاته، [وشرط الأجود مبطل] للعقد لأن أقصاه غير معلوم، [لا] شرط [الأردأ] لأنه إن أتى برديء هو أردأ الأشياء فهو المسلم فيه أو بما هو فوقه فالمطالبة بما دونه عناد، وشرط رداءة العيب مبطل لعدم انضباطه، لا شرط رداءة النوع لانضباطه [فإن ذكر أجل اشترط كونه معلومًا] للآية والخبر السابقين [فيبطل بالمجهول كقوله في رجب] لأنه جعله ظرفًا فكأنه قال يحل في جزء من أجزائه، بخلاف ما لو قال إلى رجب فإنه يصح، ويحل بأوله لتحقق الاسم به. [ولا يصح السلم فيما لا
ينضَبِطُ كَنَبْلِ مَريشٍ، وجواهرَ إلا في لآلئ صِغارٍ، وجَوزٍ ولوزٍ عدًّا، ورانجٍ، وسفرجلٍ، وكُمَّثرى، ورمان، وبيضٍ، وورَسٍ، وجلودٍ، وَرَقّ، وخِفافٍ، ونِعالٍ عدًّا أو كيلاً، وبنفسجٍ، وياسمينَ، ودُهنِ وردٍ، وغاليةٍ، وثوبٍ مُلونٍ أو مُرَكبٍ عليهِ بالإبرةِ غيرُ جنسِهِ إنْ لمْ ينضبط ذلكَ، وثوبٍ مصبوغٍ بعدَ النسجِ، وأطرافِ حيوانٍ ورُءوسهِ، ومَخيضٍ فيهِ ماءٌ مجهولٌ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينضبط] ولا يتقيد عدم الصحة بثلاثين شيئًا وإن قيد بها الأصل [كنبل مريش] بفتح الميم وكسر الراء أي ملصق عليه ريش،
[وجواهر إلا في لآلئ صغار] وهي ما تقصد للدواء لا للزينة، [وجوز ولوز عدًّا] لأنه يحتاج معه إلى ذكر الحجم وذلك يورث عزة الوجود، أما السلم فيهما وزنًا أو كيلاً فجائز مطلقًا وقيل يمتنع في نوع يكثر اختلاف لغلظ قشوره ورقتها، وهذا ما استدركه الإمام في الوزن على إطلاق الأصحاب الجواز وتبعه الرافعي وكذا النووي في غير "شرح الوسيط"،
أما فيه فقال بعد ذكره ذلك: والمشهور في المذهب ما أطلقه الأصحاب ونص عليه الشافعي، قال في "المهمات": والصواب التمسك به ولهذا قيدت بقوله: [عدًّا] وإن جرى الأصل على كلام الإمام [ورانج] بكسر النون وهو الجوز الهندي، [وسفرجل وكمثرى ورمان وبيض وورس] وهو نبت أصفر باليمن يصبغ به، [وجلود ورق] بفتح الراء، [وخفاف ونعال عدًّا أو كيلاً] لا وزنًا، [وبنفسج وياسمين ودهن ورد وغالية وثوب ملون أو مركب عليه بالإبرة غير جنسه إن لم ينضبط ذلك وثوب مصبوغ بعد النسج] لا ما صبغ غزله ثم نسج والفرق أن الصبغ بعد النسج يسد الفرج فلا تظهر معه الصفاقة بخلاف ما قبله، [وأطراف حيوان] كيديه [ورءوسه، ومخيض فيه ماء مجهول] قدره، والتقييد بالمجهول من زيادتي، وكمطبوخ ومشوي، نعم يجوز في الآجر والسكر والقند والدبس والفانيذ واللبا لانضباط نارها.
