إنَّما يَجري في نقدٍ وما قُصِدَ لطُعمٍ، فإن بيعَ رِبوي بجنسِهِ شُرِطَ: حلولٌ، وتقابضٌ قبلَ التفرقِ، ومُماثلةٌ يقينًا، أو بغيرِ جِنسِهِ واتَّحدا علةً شُرِطَ الأوَّلانِ فقط. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب الربا
بالقصر وألفه بدل من واو يكتب بهما وبالياء أيضًا، وهو لغة: الزيادة، وشرعًا: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما، والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى: {وحرَّمَ الربا} [سورة البقرة/275]، وخبر مسلم [1]: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ءاكل الربا وموكله وكاتبه [وشاهديه] [2]" وهو [إنما يجري في نقد] أي ذهب وفضة ولو غير مضروبين، [و] في [ما قصد لطعم] بضم الطاء بأن يكون معظم مقاصده الطعم أي الأكل وإن لم يؤكل إلا نادرًا، [فإن بيع ربوي بجنسه] كذهب بذهب وبر ببر [شرط] في صحة بيعه ثلاثة أمور [حلول وتقابض قبل التفرق] من مجلس العقد، [ومماثلة] عند العقد [يقينًا] من زيادتي،
وخرج به ما لو باع ربويًا بجنسه جزافًا فلا يصح وإن خرجا سواء للجهل بالمماثلة عند العقد والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، [أو] بيع ربوي [بغير جنسه واتحدا على] في الربا كذهب بفضة [شرط الأولان] أي الحلول والتقابض قبل التفرق [فقط] أي دون المماثلة فإن لم تتحد علة الربا كأن بيع طعام بغيره كنقد أو ثوب لم يشترط شىء من الثلاثة، والأصل في ذلك خبر مسلم [3]: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب لعن ءاكل الربا ومؤكله. [2] في النسخة المطبوعة: "وشاهده" وما أثبتناه من "صحيح مسلم". [3] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا.
ويجوزُ بيعُ حيوانٍ بآخَرَ، وإذا عُقِدَ على جنسٍ ربَوي منَ الجانبَينِ عُقدَ واختلفَ المبيعُ ولو صفةً كمائتَي دينارٍ جيدةٍ بمائةٍ جيدةٍ ومائةٍ رديئةٍ حَرُمَ ولمْ يَصِحَّ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه [الأصناف] [1] فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" أي مقابضة وقضيته أنه لا يصح بيع الطعام بالنقد إلا مقابضة لكنه غير مراد إجماعًا، وعلة الربا في النقد كونه نقدًا، وفي المطعوم الطعم والمطعوم ما قصد الطعم الآدمي اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا كما يؤخذ من الخبر فإنه نص فيه على البر والشعير،
والمقصود منهما التقوت، فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة، وعلى التمر والمقصود منه التأدم والتفكه فألحق به ما في معناه كالزبيب والتين، وعلى الملح والمقصود منه الإصلاح فألحق به ما في معناه كالمُصطُكي والزنجبيل والزعفران والسقمونيا والطين الأرمني لا الخراساني وسائر الأدوية، والمماثلة إنما تعتبر حال الكمال ومنه اللبن والسمن، [ويجوز بيع حيوان بآخر] ولو من جنسه أو مؤجلاً وإن كان بضرع أحدهما لبن، [وإذا عقد على جنس ربوي من الجانبين واختلف المبيع ولو صفة كمائتي دينار جيدة بمائة] من الدنانير [جيدة ومائة رديئة] وكمائتي دينار جيدة بمائتي دينار رديئة [حرم] العقد [ولم يصح] لخبر مسلم [2] عن فضالة بن عبيد قال:
اشتريت يوم [خيبر] [3] قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تباع حتى تُفصل"، ولأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين توزيع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة والتوزيع في هذا الباب يؤدي إلى المفاضلة أو عدم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] في النسخة المطبوعة: "الأجناس" وما أثبتناه من "صحيح مسلم". [2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب بيع القلادة فيها خرز وذهب. [3] في النسخة المطبوعة: "حنين" وما أثبتناه من "صحيح مسلم".
بابُ المرابحةِ
بأنْ يُخبرَ بثمنِ ما اشتراهُ ويبيعهُ بربحِ درهمٍ لكلّ عشرةٍ مثلاً، وهيَ جائزةٌ، فإنْ ادّعى غلطًا وأخبرَ بأقلّ قُبِلَ قولُهُ وحُطَّ الزائدُ وربحُهُ أو بأكثرَ وكذّبهُ، فإن لم يُبيِّن لِغَلَطِهِ وجهًا مُحتملاً لم يُقبل قولُهُ ولا بيّنَتُهُ وإلا قُبلا، ولهُ تحليفُ المشتري فيهما أنهُ لا يعرفُ ذلكَ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تحقق المماثلة، وخرج بالجنس بيع نحو دينار ودرهم بصاع بر وصاع شعير أو بصاعي بر أو شعير فإنه جائز صحيح، وشمل اختلاف المبيع بيع نحو درهم بمثلها فإنه حرام غير صحيح.
باب المرابحة
[بأن يخبر] المشتري [بثمن ما اشتراه ويبيعه] بمثله [بربح] أي مع ربح [درهم لكل عشرة مثلاً، وهي] أي المرابحة [جائزة] بلا كراهة ويجوز أن يكون الربح من غير جنس الثمن [فإن ادعى غلطًا وأخبر بأقل] مما أخبر به أولاً [قبل قوله] مؤاخذة له باخباره [وحط الزائد وربحه] لكذبه فلو قال اشتريته بمائة وباعه بمائة وربح درهم لكل عشرة ثم أخبر بأنه اشتراه بتسعين قبل قوله "وحط الزائد وربحه" وذلك أحد عشر فيكوالثمن تسعو وتسعين، [أو] أخبر [بأكثر] مما أخبر به أولاً [وكذبه] أي المشتري [فإن لم يبين لغلطه وجهًا محتملاً] بفتح الميم [لم يقبل قوله ولا بينته] لتكذيب قوله الأول لهما، [وإلا] بأن بين لغلطه وجهًا محتملاً كأن قال كنت راجعت جريدتي فغلطت من ثمن متاع إلى غيره [قبلا] أي قوله وبينته لعذره [وله تحليف المشتري فيهما] أي في الشقين [أنه لا يعرف ذلك] لأن المشتري قد يفر عند عرض اليمين عليه، ويجوز البيع محاطة كبعتك هذا بما اشتريت وحد درهم لكل عشرة أو من كل عشرة لكن المحطوط في الأولى واحد من كل أحد عشر كما في الربح بخلاف الثانية فإن المحطوط فيها واحد من كل عشرة.
بابُ الخيارِ
الخيارُ المشروعُ في البيوعِ: خيارُ شَرعٍ وهو خيارُ المجلسِ، وخيارُ الشرطِ وأكثرُ مدتِهِ ثلاثةُ أيامٍ فإنْ زادَ عليها لم يصحَّ العقدُ، وخيارُ عيبٍ عندَ الاطلاعِ عليهِ، وخيارُ تلقي الركبانِ إذا وجدوا السعرَ أغلى مما ذكرهُ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[باب الخيار] في أنواع البيع
[الخيار المشروع في البيوع] ستة عشر: [خيار شرع] ثبت بالعقد [وهو خيار المجلس] لثبوت ذلك في خبر الصحيحين [1]، [وخيار الشرط وأكثر مدته ثلاثة أيام] لثبوت ذلك في خبر البيهقي [2] وغيره، [فإن زاد عليها] في عقد واحد [لم يصح العقد] لأنه صار شرطًا فاسدًا، [وخيار عيب عند الاطلاع عليه] سواء كان موجودًا قبل البيع أم بعده وقبل القبض لثبوت ذلك في خبر الترمذي [3] وغيره، ومن ذلك الخيار لجهل دكة تحت صبرة مبيعة، وضابط العيب هنا كل ما ينقص العين أو القيمة نقصًا يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه كالخصاء والزنا والسرقة، وخرج بقولهم يفوت به غرض صحيح ما لو بان بالحيوان قطع فلقة صغيرة من فخذه أو ساقه لا تورث شيئًا ولا تفوت غرضًا صحيحًا فإنه لا خيار بذلك،
وبقولهم إذا غلب إلخ الثيوبة في الأمة المحتملة للوطء فإنها تنقص القيمة ولا خيار بها إذ ليس الغالب في الإماء عدمها، [وخيار تلقي الركبان إذا وجدوا السعر أغلى مما ذكره] المتلقي لثبوته في خبر الصحيحين، بخلاف ما إذا وجدوه مثله أو دونه فلا خيار لهم إذ لا تغرير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، ومسلم في صحيحه: كتاب البيوع: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين. [2] أخرجه البيهقي في سننه [5/254]. [3] انظر سنن الترمذي: كتاب البيوع: باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيبًا.
وخيارُ تفريقِ الصفةِ في الدوامِ أو الابتداءِ إنْ جَهِلَ المُشتري الحالَ، وخيارُ فقدِ الوصفِ المشروطِ، والخيارُ لجهلِ الغَصْبِ معَ القُدرةِ على الانتزاعِ، ولِطَرَيانِ العجزِ معَ العلمِ بهِ، ولجهلِ كونِ المبيعِ مُكترى، وللامتناعِ منَ الوفاءِ بالشرطِ الصحيحِ إلا في إعتاقٍ وقطعٍ في بيع ثمرةٍ قبلَ صلاحِها، وللتحالفِ، وللبائعِ لظهورِ زيادةِ الثمنِ في المرابحةِ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا خيانة ولو لم يطلعوا على الغبن حتى رخص السعر وعاد إلى ما أخبروا به استمر خيارهم،
[وخيار تفريق الصفة في الدوام] كتكليف أحد المبيعين قبل القبض [أو] في [الابتداء] كبيع حل وحرم [إن جهل المشتري الحال] لتفريق الصفقة عليه، فإن علمه أو كان تفريقها في اختلاف الأحكام كجمع بين بيع وإجارة فلا خيار، [وخيار فقد الوصف المشروط] في العقد والمراد وصف يقصد ليخرج غيره كالزنا والسرقة فإنه لا خيار بفقده، [والخيار لجهل الغصب مع القدرة على الانتزاع] للمعقود عليه من الغاصب دفعًا للضرر، [و] الخيار [لطريان العجز] عن الانتزاع [مع العلم به] أي بالغصب، ومنه يعلم ثبوت الخيار لتعذر القبض بجحد أو غيره وبه صرح الأصل، [و] الخيار [لجهل كون المبيع مكترى] أو مزروعًا، [و] الخيار [للامتناع من الوفاء بالشرط الصحيح] كشرط رهن أو كفيل في البيع [إلا في] الامتناع من الوفاء بشرط [إعتاق وقطع في بيع ثمرة قبل] بدو [صلاحها] ولو من غير مالك أصلها فلا يثبت به خيار بل يجبر من شرط عليه ذلك في الأولى على الإعتاق وفي الثانية على قطع الثمرة إن بيعت من غير مالك أصلها ولا يلزمه الوفاء بقطعها إن بيعت منه، وإطلاقي للثانية أولى من تقييد الأصل لها بمالك الأصل، [و] الخيار [للتحالف] فيما إذا اتفقا على صحة العقد واختلفا في كيفيته فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم إن لم يتراضيا، [و] الخيار [للبائع لظهور زيادة الثمن في المرابحة] فلو قال
وللمشتري لاختِلاطِ الثمرةِ إنْ لمْ يهبهُ البائعُ ما تجدَّدَ، وللعجزِ عنِ الثمنِ، ولتَغَيُّرِ صفةِ ما رءاهُ قبلَ العقدِ، ولتعيُّبِ الثمرةِ بتركِ البائعِ السقيَ.
