يكونُ هبةً: بأنْ يُصالحَ مِنْ عينٍ على بعضها، وبيعًا: بأن يُصالحَ منها على غيرها، وإجارةً: بأن يُصالحَ منها على منفعةٍ أو مِنْ منفعتها على غيرها، وإبراءً: بأنْ يُصالحَ منْ دينٍ على بعضهِ وغيرَها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب الصلح
هو لغة: قطع النزاع، وشرعًا: عقد يحصل به ذلك، والأصل فيه قبل الإجماع خبر: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالاً" رواه ابن حبان [1] وصححه، والكفار كالمسلمين وإنما خصهم بالذكر لانقيادهم إلى الأحكام غالبًا، والصلح الذي يحل الحرام كأن يصالح على خمر والذي يحرم الحلال كأن يصالح على أن لا يتصرف في المصالح به، ثم هو [يكون هبة بأن يصالح من عين على بعضها] فيثبت له ما يثبت لها، [و] يكون [بيعًا بأن يصالح منها] أي من العين المدعاة [على غيرها] من عين أو غيرها فيثبت له ما يثبت للبيع، [و] يكون [إجارة بأن يصالح منها] أي من العين المدعاة [على منفعة أو من منفعتها على غيرها] والتفسير الثاني من زيادتي،
[و] يكون [إبراء بأن يصالح من دين على بعضه] كقوله: أبرأتك عن خمسة من العشرة التي لي عليك وصالحتك على الباقي، ولا يشترط القبول فإن اقتصر على لفظ الصلح كقوله: صالحتك من العشرة التي عليك على خمسة، اشترط القبول لأن لفظ الصلح يقتضيه، [و] يكون [غيرها] من زيادتي كأن يكون سلمًا بأن تجعل العين المدعاة رأس مال سلم، وجعالة كقوله: صالحتك من كذا على رد عبدي، وخلعًا كقولها: صالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة، ومعاوضة عن دم كقوله: صالحتك من كذا على ما أستحقه عليك من ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه ابن حبان في صحيحه: أول كتاب الصلح، انظر "الإحسان" [7/275] لابن بلبان.
بابُ الحوالةِ
يُعتبرُ لها مُحيلٌ ومُحتالٌ وصيغةٌ، وصريحُها: "أحلتُكَ على فلانٍ بالدَّينِ الذي لكَ عليّ" فإن اقتصرَ على: "أحلتُكَ على فلانٍ بكذا" فكِنايةٌ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القود، وفداء كقوله لحربي: صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير، وعارية كقوله: صالحتك من الدار المدعاة على أن تسكنها سنة، وفسخًا كأن صالح من المسلم فيه على رأس المال، ويشترط لصحة الصلح سبق خصومة لأن لفظه يقتضيه وإقرار الخصم إذ بدونه لا يمكن تصحيح التمليك، ويجوز للأجنبي الصلح مع إنكار الخصم إن قال أقر ووكلني في الصلح، وإن صالح لنفسه في الدين لم يجز، أو في العين جاز إن قال هو مبطل في إنكاره وقدر على الانتزاع.
بابُ الحوالة
هي لغة: التحول والانتقال، وشرعًا: عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة، والأصل فيها قبل الإجماع خبر الصحيحين [1]: "مطل الغني ظلم وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع" أي: "وإذا أحيل أحدكم على كليء فليحتل" كما رواه هكذا البيهقي [2] والأمر فيه للندب [يعتب لها] أي لصحتها مع ما يأتي [محيل ومحتال وصيغة] برضاهما بها لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء فلا يلزم بجهة، وحق المحتال في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه، وهي بيع دين بدين استثنى للحاجة، [وصريحها] أي صيغة الحوالة في جانب المحيل [أحلتك على فلان بالدين الذي لك علي فإن اقتصر على "أحلتك على فلان بكذا" فكناية] إن نوى بها الحوالة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحوالة: باب الحوالة، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب تحريم مطل الغني. [2] أخرجه البيهقي في سننه [6/70].
ومُحالٌ عليهِ لا رِضاهُ، ودَيْنانِ وكونُهما مَعلومَينِ يجوزُ بيعُهما وتساويهما صفةً وقدرًا وحلولاً وتأجيلاً.
بابُ الوصيةِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحت وإلا فلا، [و] يعتبر [محال عليه] لأنه المحل الذي يستوفى منه [لا رضاه] لأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكل غيره بالاستيفاء، [و] يعتبر [دينان] دين للمحتال على المحيل ودين للمحيل على المحال عليه، فلا تصح ممن لا دين عليه، ولا على من لا دين عليه لأنها اعتياض، [وكونهما معلومين يجوز بيعهما] فلا يجوز السلم ومال الكتابة بأن يحيل به السيد على المكاتب فإن أحال به المكاتب سيده صحت، [و] يعتبر [تساويهما صفة وقدرًا وحلولاً وتأجيلاً] لأن الحوالة معاوضة إرفاق للحاجة فاعتبر فيها التساوي في القدر كالقرض، وألحق بالقدر البقية واستغني بذكر الصفة عن ذكر الجنس.
باب الوصية
هي لغة: الإيصال من وصى الشىء بكذا وصله به لأن الموصى وصل خير دنياه بخير عقباه، وشرعًا: تبرع بحق مضاف لما بعد الموت ليس بتدبير ولا تعليق عتق بصفة وإن التحقا بها حكمًا في حسبانهما من الثلث كالتبرع المنجز في مرض الموت، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: {مِن بعدِ وصيةٍ يُوصى بها أوْ دَينٍ} [سورة النساء/11] وأخبار كخبر الصحيحين [1]: "ما حق امرئ مسلم له شىء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، وهي مستحبة في الثلث فأقل لغير الوارث، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوصايا: باب الوصايا، ومسلم في صحيحه: أول كتاب الوصية.
مِلكُها مَوقوفٌ على القبولِ إنْ وجدَ بانَ حُصولهُ للمُوصى لهُ بالموتِ وإلا فللوارثِ. وشرطُ صحتها أن لا تكونَ معصيةً ولا مُحالاً، وأن لا يكونَ الموصى لهُ أو بهِ حَمْلاً انفصلَ لستةِ أشهرٍ فأكثرَ منْ حينِ الوصيةِ إنْ كانت أمهُ فِراشًا، وإلا فتصحُّ إن انفصلَ لأربعِ سنينَ فأقل، وتصحُّ بحملٍ حادثٍ وكذا بما لا يخرجُ منَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأركانها أربعة:
موص، وموصى له، وموصى به وصيغة. [ملكها] أي الوصية بمعنى الموصي به [موقوف على القبول إن وجد بان حصوله للموصى له بالموت وإلا فللوارث] إذ لا يمكن جعله للميت لأنه جماد، ولا للوارث لأن الإرث مؤخر عن الدين والوصية، ولا للموصى له وإلا لما صح رده كالميراث فتعين وقفه وإذا قبل كان له ثمرة وكسب عبد حصلا بين الموت والقبول وعليه نفقة العبد وفطرته. [وشرط صحتها أن لا تكون معصية] كأن أوصى بسلاح لحربي، [ولا محالاً] كأن أوصى بعبده ولا عبد له، [وأن لا يكون الموصى له أو] الموصى [به حملاً انفصل لستة أشهر فأكثر من حين الوصية] به [إن كانت أمه فراشًا] لزوج أو سيد وأمكنه وطؤها لاحتمال حدوثه بعد الوصية والأصل عدمه عندها،
نعم لو انفصل قبل ستة أشهر توأم ثم انفصل بعدها توأم ءاخر دخل في الوصية وإن زاد ما بينها وبين انفصاله على ستة أشهر، [وإلا] أي وإن لم تكن فراشًا أو لم يمكنه وطؤها [فتصح] الوصية [إن انفصل لأربع سنين فأقل] لأن الظاهر وجوده عند الوصية لندرة وطء الشبهة وفي تقدير الزنا إساءة ظن، أما إذا أتت به لدون ستة أشهر فإنها تصح وإن كانت فراشًا للعلم بأنه كان موجودًا عندها، [وتصح] الوصية [بحمل حادث] لأن المعدوم يجوز أن يملك كما في السلم، [وكذا] تصح [بما لا يخرج من
الثلثِ إنْ أجازهُ الوارثُ، وتصحُّ لقاتلٍ وحربيٍّ ومُرتدٍ ولوارثٍ إنْ أجازَ بقيةُ الورثةِ المُطْلَقينَ التصرفُ حتى لو أوصى لكل مِن بَنيهِ بعينٍ بقدرِ نصيبهِ صحّتْ، وتصحُّ ممنْ عليهِ دينٌ مُستَغرقٌ إنْ أسقطَ بإبراء أو غيره، وكلُّ وصيةٍ لا تتوقفُ على إجازةٍ منَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثلث إن أجازه الوارث] لما في الصحيحين [1] أن سعد بن أبي وقاص قال:
قلت يا رسول الله: قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يؤثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي قال: لا، قلت: فالشطر، قال: لا، قلت: فالثلث، قال: "الثلث والثلث كثير"، وكالوصية فيما ذكر سائر التبرعات الواقعة في مرض الموت، [وتصح] الوصية [لقاتل] بأن يوصي لجارحه ثم يموت بالجرح، [وحربي ومرتد] لم يمت على ردته لعموم أدلة الوصية ولأنها تمليك بصيغة كالهبة،
وأما خبر [2]: "ليس للقاتل وصية" فضعيف ولو صح حمل على وصيته لمن يقتله، [ولوارث إن أجاز بقية الورثة المطلقين التصرف حتى لو أوصى لكل من بنيه بعين بقدر نصيبه صحت] بشرط الإجازة لاختلاف الأغراض في الأعيان ومنافعها، والأصل في ذلك خبر [3]: "لا وصية لوارث" إلا أن يجيز الورثة، [وتصح] الوصية [ممن عليه دين مستغرق] لماله [إن سقط بإبراء أو غيره] لعموم أدلتها مع حصول غرض رب الدين، وكلام الأصل يقتضي بطلان الوصية ممن عليه دين مستغرق وليس مرادًا، [وكل وصية] بالمعنى الشامل للتبرع في مرض الموت [لا تتوقف على إجازة] تحسب [من ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه:
كتاب الوصايا: باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ومسلم في صحيحه: كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث. [2] أخرجه البيهقي في سننه [6/281]، وقال: "تفرد به مبشر بن عبيد الحمصي وهو منسوب إلى وضع الحديث" اهـ. [3] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الوصايا: باب ما جاء لا وصية لوارث، وصححه.
الثلُثِ إلا عتقَ أمَ الولدِ وعتقًا مُعلقًا بصفةٍ وُجِدَتْ في المرضِ وماتَ قبلَ المعتقِ ولا مالَ لهُ غيرهُ.
