إنَّما يَصِحُّ في قُربةٍ كالتِزامِ حجّ أو صلاةٍ، فلو نذرَ حجًّا في سنةٍ بعينِها فمنَعَهُ عدوٌّ فلا قضاءَ عليهِ كما لوْ نذرَ أضحيةً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كرأس طير وصيد بري أو بحري [لم يحنث] في هذا كله لأن ما فعله غير ما حلف عليه أو غير المتبادر منه [إلا إن كان] الحالف في الأخيرة [من بلد يباع فيه الرأس مفردًا] وإن حلف خارجه فيحنث بأكلها فيه قطعًا وفي غيره على الأقوى في الروضة وأصلها قالا وهو الأقرب إلى ظاهر النص لكن صحح النووي في تصحيحه مقابله وكلام الأصل يفهمه أما إذا أكل رأس النعم وهي الإبل والبقر والغنم فيحنث مطلقًا لأنه المتبادر.
باب النذر
بالمعجمة هو لغة: الوعد بخير أو شر، وشرعًا: التزام قربة لم تتعيم، والأصل فيه ءايات كقوله تعالى: {ولْيُوفُوا نُذورَهُم} [سورة الحج/29] وأخبار كخبر البخاري [1]: "ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". [إنما يصح] النذر [في قربة] لم تتعين نفلاً كانت أو فرض كفاية لم يتعين [كالتزام حج أو صلاة] ويلزمه فعل الحج بنفسه إن كان صحيحًا فإن عضب أناب كما في حجة الإسلام، وخرج بما ذكر ما لو نذر محرَّمًا كصلاة بحدث أو مكروهًا كصوم الدهر لمن خاف به ضررًا أو فوت حقّ أو مباحًا كأكل طعام طيب أو واجبًا متعينًا كصلاة الظهر فلا يصح [فلو نذر حجًّا في سنة بعينها فمنعه عدو] أو سلطان أو رب دين وهو لا يقدر على وفائه [فلا قضاء عليه كما لو نذر أضحية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأيمان والنذور: باب النذر فيما لا يملك وفي معصية.
بعينِها فَمَاتَتْ، أو مَرَضٌ، أو إضلالُ طريقٍ، أو نسيانٌ، أو تَوَانٍ، قضاهُ. ولوْ نذرَ صومَ سنةٍ بعينِها صامَها، إلا الأيامَ المَنهِيَّ عنها ولا يَقضِيها، ولا رمضانَ، أوْ صومَ اليومِ الذي يقدُمُ فيهِ فلانٌ صحَّ، فإنْ قدِمَ ليلاً انحلَّ النذرُ، أو نهارًا قضاهُ، أو صومُ اليومِ الذي يقدُمُ فيهِ فلانٌ أبدًا فقدِمَ يومَ الاثنينِ صامَ كلّ يومِ اثنين، يستقبلهُ إلا ما مرَّ ولا يجبُ قضاؤُهُ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعينها فماتت] لا قضاء عليه [أو] منعه بعد الإحرام [مرض أو إضلال طريق أو نسيان] أو خطأ في الوقت [أو] منعه مطلقًا [توان قضاه] وجوبًا كما لو نذر يوم سنة معينة فأفطر فيها لمرض فإنه يقضي ما أفطره،
أما إذا منعه شىء منها غير الأخيرة قبل الإحرام فلا قضاء لأن المنذور حج في تلك السنة ولم يقدر عليه [ولو نذر صوم سنة بعينها صامها] عن نذره [إلا] أيام رمضان وإلا [الأيام المنهي عنها] وهي يوما العيد وأيام التشريق وأيام الحيض والنفاس [ولا يقضيها] لأنها غير قابلة للصوم فلا تدخل في النذر [ولا] يقضي شهر [رمضان] لعدم قبوله صوم غيره [أو] نذر [صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان صح] نذره لإمكان الوفاء به بأن يعلم قدومه غدًا فيبيت النية [فإن] صامه عنه فذاك وإلا فإن [قدم ليلاً] أو يومًا مما لا يدخل في نذر صوم سنة بعينها [انحل النذر] لعدم قبول ذلك للصوم أو لصوم غيره [أو نهارًا] غير ما ذكر وهو صائم نفلاً أو واجبًا وهو مفطر [قضاه] كما لو نذر صوم يوم معين ففاته [أو] نذر [صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدًا فقدم يوم الاثنين صام كل يوم اثنين يستقبله إلا ما مر] مما لا يدخل في نذره صوم سنة بعينها [ولا يجب قضاؤه] أي ما مر لأنه لم يدخل في النذر.
بابُ ءادابِ القاضي
يُسَنُّ أن لا يقعُدَ للحُكمِ في مسجدٍ، ولا مُحْتَجِبًا، ويكونُ ساكِنَ القلبِ، ويشهدُ الجَنائِزَ، ويعودُ المَرْضى، ويأتي مَقْدَمَ نحوِ الحاجّ، ويحضُرُ الولائِمَ كُلّها أو يترُكها كُلَّها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب ءاداب القاضي
وما يكر معه [يسن أن لا يقعد للحكم في مسجد] بل يكره اتخاذه مجلسًا له صونًا له عن ارتفاع الأصوات واللغط الواقعين بمجلس القضاء عادة، ولو اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره في المسجد لصلاة أو غيرها فلا بأس بفصلها [و] أن [لا] يقعد للحكم [محتجبًا] عن الناس فلا يتخذ له حاجبًا حيث لا زحمة بل يكره له اتخاذه لخبر: "من ولي من أمور الناس شيئًا فاحتجب حجبه الله يوم القيامة" رواه أبو داود [1] والحاكم [2] وصحح إسناده [و] أن [سكون ساكن القلب] من كل شىء يغير خلقه فيكره له أن يقضي في حال غضب وجوع وشبع مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وفرح شديد، والأصل في ذلك خبر:
"لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" رواه الشيخان [3] [و] أن [يشهد الجنائز ويعود المرضى ويأتي مقدم] أي وقت قدوم [نحو الحاج] كالمسافر لحاجة غير الحج لأن الزيارة عند ذلك قربة، وذكر "نحو" من زيادتي، فإن لم يمكنه التعميم أتى بممكن كل نوع وخص من عرفه وقرب منه [و] أن [يحضر الولائم كلها] بشروطها السابقة [أو يتركها كلها] إن كثرت وقطعته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه:
كتاب الخراج والفيء والإمارة: باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية والحجبة عنهم. [2] أخرجه الحاكم في "المستدرك" [4/93-94] وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. [3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأحكام: باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، ومسلم في صحيحه: كتاب الأقضية: باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان.
ولهُ أن يقولَ للخَصْمَينِ تَكَلّما، وأنْ يَسْكُتَ حتى يبْتَدِئَ أحدهُما، وإذا اجتمعَ مُدَّعُونَ قدَّمَ السابقَ غالبًا بدعوى واحدةٍ، وإنْ ظهرَ مِنْ خَصْمٍ لدَدٌ نهاهُ فإنْ عادَ عَزَّرَهُ، ويُشاوِرُ العلماءَ الأُمنَاءَ، ولا يُقَلّدُ غيرَهُ، ولهُ الحُكمُ بعلمِهِ إلا في عقوبةِ الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن الحكم، نعم لو كان يخص بعضهم قبل توليته فلا بأس باستمراره وفرقوا بين الولائم والأنواع التي قبلها بأن أظهر الأغراض فيها الإكرام لا الثواب وفي تلك الأنواع بالعكس [وله أن يقول للخصمين] إذا حضرا عنده [تكلما] أو ليتكلم المدعي منكما [و] له [أن يسكت] عنهما [حتى يبتدئ أحدهما] بالكلام [وإذا اجتمع مدعون] هو أولى من قوله:
"خصوم" [قدم] وجوبًا [السابق غالبًا] إن علم فإن جاءوا معًا أو جهل السابق أقرع بينهم وقدم من خرجت قرعته، وخرج بزيادتي: "غالبًا" ما لو كان ثم مسافرون مستوفزون أو نسوة أو هما فإنه يسن تقديم المسافرين على المقيمين ولو نسوة وتقديمهن على المقيمين إن قلوا ولا يقدم السابق إلا [بدعوى واحدة] لئلا يطول الزمن فيتضرر الباقون ويأتي مثله في القارع،
أما المسافرون والنسوة فيقدمون بجميع الدعاوى إن لم يضر بالباقين إضرارًا بيّنًا وإلا قدموا بواحدة [وإن ظهر من خصم لدد] أي شدة خصومة [نهاه فإن عاد عزّره] بما يراه [ويشاور] ندبًا [العلماء الأمناء] في الحكم عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الآراء فيه لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وشَاوِرْهُمْ في الأمرِ} [سورة ءال عمران/159] [ولا يقلد غيره] إن كان مجتهدًا بل يأخذ بما ظهر له باجتهاده لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا [وله الحكم بعلمه] لأنه إذا حكم بشاهدين فبعلمه وإن شمل الظن أولى، وشرط الحكم به أن يصرح بمستنده فيقول: علمت أن له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي، قاله الماوردي والروياني [إلا في عقوبة الله] تعالى من حد أو تعزير لندب الستر في أسبابها ولو قامت بينة بخلاف
وإنْ ظهرَ لهُ الخطأُ في حُكمٍ نَقَضَهُ، فإن كانَ ذلكَ باجتهادٍ حُكِمَ بهِ فيما يُستَقبلُ، ولا ينقضُ الأول، ولا يقبلُ جرْحًا وتعديلاً وترجمةً إلا مِنْ عَدْلَينِ، وإن ارتابَ في الشُّهودِ سألَهُم مُتَفَرِّقينَ ويكفي في التعديلِ هُوَ عدلٌ، ويُشتَرطُ أن تكونَ معرفتهُ بهِ باطنةً مُتقادمةً، وينبغي كونُ المُعدلِ وكتابِ القاضي وصاحبِ مَشْوَرَتِهِ عالِمًا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ علمه فلا يحكم بالبينة ولا بعلمه،
وتعبيري بالعقوبة أعم من تعبيره بالحدود [وإن ظهر له الخطأ في حكم] له أو لغيره بأن بان بمن لا تقبل شهادته أو خلاف نص كتاب أو سنة أو خلاف نص مقلده أو خلاف إجماع أو قياس جلي [نقضه] لتيقن الخطأ فيه ولمخالفته القاطع أو الظن المحكم [فإن كان ذلك] أي ظهور الخطأ فيه [باجتهاد] ثان [حكم به] أي بالاجتهاد الثاني [فيما يستقبل ولا ينقض] الاجتهاد [الأول] لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد [ولا يقبل] القاضي [جرحًا و] لا [تعديلاً و] لا [ترجمة] بنقل كلام الخصوم أو الشهود [إلا من عدلين] فلا يكفي قول المدعى عليه هو عدل وقد غلط في شهادته علي لأن الاستزكاء حق الله تعالى ولأن الترجمة كغيرها فيشترط فيها عدلان [وإن ارتاب في الشهود سألهم متفرقين] عن وقت تحمل الشهادة ومكانه وعن تحمله وحده أو مع غيره وأنه كتب شهادته أولاً وأنهم كتبوا بحبر أو مداد أو نحو ذلك لتزول الريبة [ويكفي في التعديل] ممن عدل غيره أن يقول [هو عدل] وإن يقل لي أو علي لأنه أثبت العدالة التي اقتضاها قوله تعالى:
{وأَشْهِدوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُم} [سورة الطلاق/2] فزيادة لي وعلي تأكيد [ويشترط] في شهادته بتعديل غيره [أن تكون معرفته به باطنة متقادمة] بصحبة أو جوار أو معاملة ليكون على بصيرة في شهادته بالتعديل [وينبغي كون] كل من [المعدل وكاتب القاضي وصاحب مشورته عالمًا] بما يحتاج إليه في
وأنْ يَخْتِمَ كِيسَ الرّقاعِ، ولا يَفتَحها حتى ينظرَ إلى الخَتمِ، ولا يقبلَ كتابَ قاضٍ إلا بشهادةِ عَدْلَيْنِ.
