قتالُ المُسلمينَ ثلاثةُ أنواعٍ: البُغاةُ، والخوارجُ، وقُطّاعُ الطريقِ، فيُقاتَلُ الأولُ مُقبلاً غيرَ مُدبِرٍ، وكذا الثاني إنْ قاتَلَنا أوْ خرجَ عنْ قبضَتِنا، ولا يُذَفَّفُ على جريحِهِم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فرض عين بخلاف الأبوين الكافرين وبخلاف غير المخوف لا يعتبر الإذن فيهما، وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به.

باب البغاة

جمع باغ سموا بذلك بمجاوزتهم الحد وهم مخالفو الإمام بترك الانقياد أو منع حق حتى توجه عليهم، والأصل فيه قبل الإجماع ءاية: {وإن طائِفَتانِ منَ المُؤمِنينَ اقْتَتلوا} [سورة الحجرات/9] وليس فيها ذكر الخروج على الإمام صريحًا لكنها تشمله لعمومها أو تقتضيه لأنه إذا طلب القتال لبغي طائفة على طائفة فللبغي على الإمام أولى وقتالهم واجب ولما شاركهم في طلب القتال طائفتان أخريان جمعت الثلاثة بقولي [قتال المسلمين ثلاثة أنواع: البغاة] وهم من ذكر [والخوارج] وهم قوم يكفّرون مرتكب كبيرة ويتركون الجماعة [وقطاع الطريق] وهم طائفة يترصدون في المكامن لأخذ مال أو قتل أو إرعاب مكابرة اعتمادًا على الشوكة مع البعد عن الغوث [فيقاتل] الفريق [الأول مقبلاً غير مدبر] إذا كان في إدباره غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة ولا مجتمعًا تحت راية زعيمهم [وكذا] الفريق [الثاني إن قاتلنا أو خرج عن قبضتنا] وإلا فلا يقاتلون،

نعم إن تضررنا بهم تعرضنا لهم حتى يزول الضرر، وقولي: "أو خرج عن قبضتنا" من زيادتي [ولا يذفف على جريحهم] للنهي عن ذلك ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم الإمام أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها فإن أصروا نصحهم ووعظهم فإن أصروا

فإذا انقَضَتِ الحربُ رُدَّ عليهم ما أخذَ منهم، وأخذ منهُم ما أخذوهُ مِنَّا، ولا يجبُ ضمانُ ما أتلَفوهُ لضرورةِ القِتالِ، ويُشترطُ في ذلكَ أنْ يكونَ لهُمْ تأويلٌ وشوكةٌ، وإلا فهُمْ كقُطَّاعِ الطريقِ، ويُتبَعُ قُطاعَ الطريقِ حتى يَتَفرَّقوا، ولا يُذفَّفُ على جريحِهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دعاهم إلى المناضرة فإن لم يجيبوا أو غلبوا وأصروا مكابرين ءاذنهم بالقتال فإن استمهلوا فيه فهل ما رءاه مصلحة [فإذا انقضت الحرب] وأمنت غائلتهم [رد عليهم ما أخذ منهم] كخيلهم وسلاحهم ولا يستعمل ذلك إلا لضرورة [وأخذ منهم ما أخذوه منا ولا يجب] عليهم [ضمان ما أتلفوه] من نفس ومال ونحوهما [لضرورة القتال] كأهل العدل بخلاف ذلك في غير القتال أو فيه لا لضرورته فيهما فمضمون على الأصل في الإتلافات،

وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به [ويشترط في ذلك] أي فيما ذكر من حكم البغاة والخوارج [أن يكون لهم تأويل] باطن ظنًّا [وشوكة] أي قوة وهي لا تحصل إلا بمطاع وإن لم يكن إمامًا لهم [وإلا] أي وإن انتفى شىء مما شرط [هم كقطاع الطريق] وسيأتي حكمهم [ويتبع قطاع الطريق] بالقتال [حتى يتفرقوا ولا يذفف على جريحهم] كما مر في نظيره.

كتابُ السيرِ

ما أخذهُ حَرْبيٌّ مِنْ مَعصومٍ يَسْتَرجِعُهُ مالكُهُ، والمأخوذُ مِنْ أهلِ الحربِ قهرًا أو سرقةً، أو وُجدَ كاللقطةِ غنيمةٌ تُخَمَّسُ إلا السلبَ فللقاتِلِ، ويجوزُ الأكلُ من طعامها بدارِ الحربِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب السير

أي أحكام الجهاد المتلقاة من سير النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، والترجمة السابقة في حكم القتال بالجهاد [ما أخذه حربي من معصوم] هو أعم من قوله: "مال مسلم" [يسترجعه مالكه] قبل القسمة وبعدها ويعوض الإمام في الأخيرة من ظهر ذلك في نصيبه من بيت المال فإن لم يكن فيه شىء أعاد القسمة [والمأخوذ] هو أعم من قوله: "والمال المأخوذ" [من أهل الحرب قهرًا أو سرقة أو وجد كاللقطة غنيمة] تنزيلاً لدخوله دارهم وتغريره بنفسه منزلة القتال لكن إن أمكن كون اللقطة لمسلم وجب تعريفها وبعده تكون غنيمة [تخمس إلا السلب فللقاتل] كما مر بيان ذلك في باب قسم الغنيمة والفئ [ويجوز] لمن شهد الوقعة قبل القسمة [الأكل من طعامها] العام [بدار الحرب] وفي العود منها إلى عمران غيرها كدار أهل الذمة لخبر أبي داود [1] والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال:

"أصبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر طعامًا فكان كل واحد منا يأخذ منه قدر كفايته"، ولأن الحاجة في تلك الأماكن داعية إليه، ويجوز علف البهائم تبنًا وشعيرًا ونحوهما وذبح مأكول لأكل لا لأخذ جلده وجعله سقاء أو غيره، ويجب رد جلده إن لم يؤكل معه، وخرج بالأكل الركوب واللبس ونحوهما وبالعام ما تندر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجهاد: باب في النهي عن النُهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو.

بلا ضمانٍ، فإنْ فضلَ منهُ بعدَ الوصولِ لِعُمرانِ غيرها شىءٌ، رُدَّ إلى الغنيمةِ، ويحرُمُ الانصرافُ عنِ الصفِّ إنْ قاوَمْناهُم، إلا مُتَحَرّفًا لقتالٍ، أو مُتحيّزًا إلى فئةٍ، ويُقتلُ كلُّ كافرٍ إلا الرُّسُلَ، ومَنْ يَرِق بالأسرِ ولمْ يُقاتِلْ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحاجة إليه كسكر وفانيد [بلا ضمان] لما مر [فإن فضل منه بعد الوصول لعمران غيرها] كعمران أهل الذمة [شىء رد إلى الغنيمة] لزوال الحاجة، وقولي:

"لعمران غيرها" أعم من قوله إلى دار الإسلام [ويحرم] على من لزمه الجهاد [الانصراف عن الصف إن قاومناهم] وإن زادوا على مثلينا كمائة أقوياء على مائتين وواحد ضعفاء لآية: {فإن يكُنْ منكُم مائةٌ صابِرةٌ} [سورة الأنفال/66] مع النظر للمعنى، والآية خبر بمعنى الأمر أي لتصبر مائة لمائتين وعليها يحمل قوله تعالى: {إذا لَقِيتُم فئةً فاثبُتوا} [سورة الأنفال/45]، وخرج بمن لزمه الجهاد غيره كامرأة، وبالصف ما لو لقي مسلم مشركين فإنه يجوز له انصرافه عنهما وإن طلبهما ولم يطلباه وبما بعده ما إذا لم نقاومهم وإن لم يزيدوا على مثلينا فيجوز الانصراف كمائة ضعفاء على مائتين إلا واحدًا أقوياء، فتعبيري بالمقاومة أولى من تعبيره:

"بعدم زيادتهم على مثلينا" [إلا متحرفًا لقتال] كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل [أو متحيزًا إلى فئة] يستنجد بها ولو بعيدة فيجوز انصرافه لقوله تعالى: {فاقتُلوا المُشركينَ} [سورة التوبة/5] [إلا الرسل] وهو من زيادتي لجرين السنة بعد قتلهم [و] إلا [من يرق بالأسر] بقيد زدته بقولي [ولم يقاتل] للنهي في خبر الصحيحين [1] عن قتل النساء والصبيان، وألحق المجنون والخنثى ومن به ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد: باب قتل الصبيان في الحرب، ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب.

ويجوزُ قتلُهُم بما يَعُمُّ لا بحَرمِ مكةَ، لكِنْ يُكرَهُ إنْ كانَ فيهم معصومٌ ووجدَ الإمامُ عنهُ غِنًى، وعَقرُ دوابهم لحاجةٍ، ورميُهُم وإن تَتَرَّسُوا بذراريهِمْ، ومالُ مُستأمَنٍ ماتَ بدارِنا لوارِثِهِ إنْ كانَ، وإلا فهُوَ فَىْءٌ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رق بهما. وقولي: "من يرق بالأسر" أعم وأولى مما عبر به [ويجوز قتلهم بما يعم لا بحرم مكة] كرميهم بمنجنيق ونار وإرسال ماء عليهم ويجوز حصارهم لأنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف،

رواه الشيخان [1]، ونصب عليهم المنجنيق، رواه البيهقي، وقيس به ما في معناه مما يعم الهلاك به، وخرج بزيادتي: "لا بحرم مكة" ما لو كانوا به فلا يجوز قتلهم بما يعم [لكن يكره] قتلهم بذلك [إن كان فيهم معصوم ووجد الإمام عنه غنى] لعدم الضرورة لذلك [و] يجوز [عقر دوابهم لحاجة] كدفعهم أو الظفر بهم أو خوف رجوعها إليهم بعد أن غنمناها. فقولي: "لحاجة" أعم من قوله في حال القتال [و] يجوز [رميهم وإن تترسوا بذراريهم] بتشديد الياء وتخفيفها أي أطفالهم ونسائهم ومجانينهم لئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى تعطيل الجهاد، وما ذكرته كالأصل من جواز رميهم عند التترس به تقييد ذلك بما إذا دعت ضرورة إلى رميهم، وتعبيري بذراريهم أعم من تعبيره بالأطفال،

وكالذراري فيما ذكر خناثاهم ومن به رق لهم [ومال مستأمن مات بدارنا لوارثه إن كان] لأنه حق ثبت للموروث فينتقل لورثته كغيره من الحقوق [وإلا] بأن لم يكن [فهو فىء] فيخمس خمسه، خمسة أخماس تعطى للمذكورين في ءاية الفئ والباقي للمرتزقة، وكالمال فيما ذكر سائر الاختصاصات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب غزوة الطائف، ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب غزوة الطائف.