العدةُ إمَّا لفُرقةِ حياةٍ وإنما تجبُ بعدَ وطءٍ، أوْ إدخالِ مَنيّ، وهيَ لحرةٍ ذاتِ أقراءٍ ثلاثةُ أقراءٍ وغيرِ ذاتِ أقراءٍ ثلاثةُ أشهرٍ، ولغيرها لذاتِ أقراءٍ قرءانِ، ولغيرِ ذاتِ أقراءٍ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب العدة والاستبراء
[العدة] مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد أو لتفجعها على زوج، والأصل فيها قبل الإجماع الآيات والأخبار الآتية، وفي [إما لفرقة حياة] بطلاق أو غيره [وإنما تجب] للفرقة [بعد وطء] ولو في الدبر بخلاف ما قبله لأنه تعالى أوجبها على المطلقات بلفظ يقتضي التعميم ثم خص منه من لم يدخل بها بقوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَ من قبلِ أن تَمَسُّوهُنَّ فما لكُمْ عليهِنَّ منْ عدةٍ تَعْتَدُّونَها} [سورة الأحزاب/49] [أو] بعد [إدخال مني] محترم لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج وفي معنى ذلك الوطء بشبهة أو إدخالها مني من ظنته زوجها أو سيدها [وهي] أي عدة الفرقة [لحرة ذات أقراء ثلاثة أقراء] لقوله تعالى:
{والمُطلقاتُ يتَربَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُرُوءٍ} [سورة البقرة/228] [و] لحرة [غير ذات أقراء] بأن يئست من الحيض أو لم تحض [ثلاثة أشهر] لقوله تعالى: {واللائي يَئِسْنَ منَ المَحيضِ من نسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُم فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ واللائي لمْ يَحِضْنَ} [سورة الطلاق/4] أي فعدتهن كذلك، وقد ذكرت في شرح الأصل عدة المتحيرة وزيادة على ذلك فراجعه [و] العدة [لغيرها] أي لغير الحرة [لذات أٌراء] ولو مبعضة [قرءان] لقول عمر رضي الله عنه: تعتد الأمة بقرأين ولأنها على النصف من الحرة في كثير من الأحكام وإنما كملت القرء الثاني لتعذر تبعيضه كالطلاق إذ لا يظهر بعضه إلا بظهور كله فلا بد من الانتظار إلى أن يعود الدم [ولغير ذات أقراء] بأن يئست من الحيض
شهرٌ ونصفُ. وإمَّا لفُرقةِ وفاةٍ، فتجبُ وإنْ انتفى الوطءُ وإدخالُ المنيّ، وهيَ لحرةٍ أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيامٍ بلياليها، ولغيرها شهرانِ وخمسةُ أيامٍ بلياليها، هذا كُلهُ في غيرِ ذاتِ الحملِ، أما فيها فبِوَضعهِ ولوْ ميتًا، أو مُضغةً غيرَ مُصوَّرة أخبرَ القوابِل بأنها أصلُ ءادمي، بشرطِ نِسبةِ الحملِ إلى صاحبِ العِدَّةِ ولوْ احتِمالاً، كمنْفيّ بلِعانٍ، وانفِصالهِ كُله حتى ثاني توأمَينِ بأنْ يكونَ بينهُما دونَ ستوِ أشهرٍ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو لم تحض [شهر ونصف] لأنها على النصف من الحرة [وإما لفرقة وفاة فتجب] على الزوجة [وإن انتفى الوطء وإدخال المني] وكانت صغيرة أو زوجة سغير [وهي لحرة] ولو من ذوات الأقراء [أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها] قال تعالى:
{والذينَ يُتَوَفَّوْنَ منكُم ويَذَرونَ أزواجًا يتَربَّصنَ بأنفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا} [سورة البقرة/234] وتعتبر الأشهر بالأهلة ما أمكن ويكمل المنكسر [ولغيرها] ولو مبعضة فهو أعم من قوله: "وللأمة" [شهران وخمسة أيام بلياليها] لأنها على النصف من الحرة [هذا كله في غير ذات الحمل أما فيها فبوضعه] أي الحمل تعتد [ولو] كان الحمل [ميتًا أو مضغة غير مصورة أخبر القوابل بأنها أصل ءادمي] لقوله تعالى: {وأُوْلاتُ الأحمالِ أجَلُهُنًَّ أنْ يضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [سورة الطلاق/4] فهو مقيد للآية السابقة ولأن المضغة المذكورة تسمى حملاً بخلاف النطفة ونحوها، وإنما تعتد بالوضع [بشرط نسبة الحمل إلى صاحب العدة ولو] كان صاحبها مجبوبًا أو مسلولاً أو كانت نسبة الحمل إليه ولو [احتمالاً كمنفي بلعان] وإن انتفى عنه ظاهر الاحتمال كونه منه فإن لم يمكن نسبته إليه لن تنفض العدة بوضعه كأن مات وهو صبي وامرأته حامل لانتفائه عنه [و] بشرط [انفصاله كله حتى ثاني توأمين بأن يكون بينهما دون ستو أشهر] لأنهما حمل واحد فشملتهما الآية بخلاف ما إذا تخلل بينهما ستة أشهر
والاستبراءُ واجبٌ ومُستَحَبٌّ. فالواجبُ في انتِقالها منْ حريةٍ إلى رقّ كالمَسْبيَّةِ، أو عكسِهِ كالعتيقةِ وأمّ الولدِ بموتِ سيّدها عنها، أوْ منْ رقّ إلى رقّ كالمُشتَراةِ والمَورُوثةِ، وفي تجددِ حلّ وَطئِها لهُ كالمُطلّقةِ قبلَ الدخولِ، والمُكاتبةِ بالتعجيزِ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأكثر فالثاني حمل ءاخر وبخلاف ما إذا لم ينفصل كله إذ لا يحصل ببعضه براءة الرحم ولأن هذه لم تضع حملها.
[والاستبراء] وهو لغة: طلب البراءة، وشرعًا: التربص بالمرأة مدة بسبب ملك اليمين حدوثًا أو زوالاً أو بسبب تجدد حل وطء لبراءة الرحم أو تعبدًا، وهو نوعان [واجب ومستحب] والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" رواه أبو داود [1] وغيره، وقاس الشافعي رضي الله عنه غير المسبية عليها بجامع حدوث الملك وألحق من لا تحيض بمن تحيض في اعتبار قدر الحيض والطهر غالبًا وهو شهر [فالواجب] كائن [في انتقالها] أي المرأة [من حرية إلى رق كالمسبية] وإن لم تكن موطوءة لعموم الخبر السابق [أو عكسه] أي انتقالها من رق إلى حرية [كالعتيقة] بعد وطئها [وأم الولد بموت سيدها عنها] لزوال الفراش عنها كزوال الفراش عن الحرة،
نعم لو استبرأ العتيقة قبل عتقها لم يجب عليها الاستبراء وتتزوج في الحال إذ لا تشبه منكوحة بخلاف أم الولد [أو من رق إلى رق كالمشتراة والموروثة] والمردودة بعيب لتجدد الملك [وفي تجدد حل وطئها له] أي للسيد [كالمطلقة قبل الدخول والمكاتبة بالتعجيز] أو بفسخها للكتابة لعود ملك التمتع بعد زواله بخلاف المطلقة بعد الدخول لا يجب عليها الاستبراء إلا إن ملكها مزوجة ثم طلقت وانقضت عدتها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب النكاح: باب في وطء السبايا.
أو لغيرِهِ كأنْ يُريدَ تزويجَها. والمُستَحبُّ إما في أمةٍ كأن اشترى زوجتهُ، أو في حرةٍ كأنْ ماتَ ولدُ زوجتِهِ من غيرهِ عن غيرِ أصلٍ وفرعٍ، فتُستَبرأُ، ولا يعتبرُ في العدةِ أقصى الأجَلَيْنِ، إلا فيما لوْ طلَّقَ إحدى امرأتَيْهِ بائنًا وقد دخلَ بهما ثمَّ ماتَ قبلَ البيانِ أو التعيينِ، فتَعْتدُّ كلٌّ منهما بالأكثرِ منْ عدةِ الوفاةِ منَ الموتِ، وثلاثةِ أقراءٍ منَ الطلاقِ، وفيما لوْ أسلمَ على أُختَيْنِ أو أمَتَينِ أو أكثرَ منْ أربعٍ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيجب عليها الاستبراء [أو لغيره كأن يريد] السيد [تزويجها] وكانت موطوءته أو موطوءة غيره وطأ محترمًا ومريدًا لتزويج غيره ولم يستبرئها من انتقلت منه إليه [والمستحب إما في أمة كأن اشترى زوجته] فتستبرأ استحبابًا ليتميز ولد النكاح عن ولد ملك اليمين فإنه في النكاح ينعقد مملوكًا ثم يعتق بالملك وفي ملك اليمين ينعقد حرًا وتصير أمه أم ولد [أو في حرة كأنْ ماتَ ولدُ زوجتِهِ من غيرهِ عن غيرِ أصلٍ وفرعٍ، فتُستَبرأُ] استحبابًا لاحتمال أنها حامل بأخ لأم للميت أقراء [إلا] في ثلاثة مواضع [فيما لو طلق إحدى امرأتيه] طلاقًا [بائنًا وقد دخل بهما] ةهما ذواتا أقراء معينة كانت المطلقة أو مبهمة [ثم مات قبل البيان] في المعينة عنده [أو التعيين] في المبهمة [فتعتد كل منهما بالأكثر من عدة الوفاة من الموت وثلاثة أقراء من الطلاق] لأن كل واحدة لزمها عدة والتبست عليها بأخرى فلزمها أن تأتي بالأكثر احتياطًا،
فإن لم يدخل بهما أو دخل بكل منهما والطلاق رجعي أو كانتا ذواتي أشهر اعتدتا لوفاة، ولو دخل بإحداهما وهي ذات أشهر مطلقًا أو ذات أقراء في طلاق رجعي اعتدت كل منهما لوفاة أو في طلاق بائن اعتدت من دخل بها بالأكثر والأخرى عدة الوفاة للاحتياط في الجميع [وفيما لو أسلم] الزوج [على أختين أو أمتين أو أكثر من أربع
وماتَ قبلَ ما مرَّ، وفيما لوْ ماتَ سيدُ أمّ ولدٍ وزَوْجُها ولمْ يُدْرَ أوَّلُهُما مَوْتًا فتعتدُّ منْ يومِ موتِ ءاخرِهما بأربعةِ أشهُرٍ وعشرٍ، ثمَّ إن كانَ بينَهما شهرانِ وخمسُ ليالٍ فأكثرَ فلا بُدَّ معَ ذلكَ منْ حَيْضةٍ، وإنْ كانَ بينهُما أقلَّ منْ ذلكَ لمْ تحتَجْ لذلكَ.
